لقد خسر تسوكورو في منتصف العام خمسين باونداً وهو هائم على حافة الموت، هذا الشيء الوحيد الذي يمكن توقعه؛ إذ إنه بالكاد كان يتناول طعامه.
كان وجهه مليئاً في طفولته حتى إن حصل شيء، أما الآن فقد
أصبح هزيلاً ونحيلاً، فشدُّ الحزام لم يكن كافياً، كان عليه أن يشتري بنطالاً أضيق.
عندما يخلع ثيابه، كانت تظهر ضلوعه البارزة مثل قفص رخيص. وقد ساءت حالته بشكل
واضح، وانحنت أكتافه إلى الأمام، وأصبحت رجلاه مع هذه الخسارة في وزنه طويلتان
ورفيعتان مثل رجليّ طائر اللقلق. وبينما كان ينظر إلى نفسه في المرآة أتته فكرة
صادمة، هذا جسد رجلٍ عجوز أو جسد رجل مقبل على الموت.
كان أثناء ذلك يحدّث نفسه،
حتى لو كنتُ حقاً رجلاً مقبلاً على الموت فليس هناك الكثير لأفعله تجاه ذلك، ذلك
لأنني على حافة الموت فعلاً. لقد نجوت...بالكاد نجوت، كنتُ أتشبث بالعالم مثل قشرة
مهمَلة لحشرة متعلقة بفرع شجرة، وتتفتت إلى الأبد من هبوب العاصفة، ولكنّ حقيقة
أنه يشبه رجلاً اقترب من الموت قد صدمته بقوة مرة أخرى. ثبّت نظره على صورة جسده
العاري لوقت طويل مثل رجل يشاهد تقريراً على التلفاز عن زلزال ضخم أو فيضان قويّ
في أرضٍ بعيدة.
فكرةٌ مفاجئةٌ قد صدمته؛ ربما
قد متُّ بالفعل عندما رفضني أربعتهم، ربما الشاب الذي يدعى تسوكورو قد مات فعلاً،
وبقيت صورته الخارجية فقط، ولكنها بالكاد تُرى، وبعدها على مدار السنة التالية حتى
القشرة كانت قد تبدلت بسبب ما عاناه جسده وقلبه من التغير القاسي. الإحساسُ بالرياح،
صوتُ تدفق المياه، لمسُ ضوء الشمس المتكسر في الغيوم، ألوانُ الزهور عند تبدل
الفصول، كل شيء حوله قد تغير، وكأنه قد تمت إعادة صياغته من جديد. ربما الشخص الموجود
هنا والذي رآه في المرآة كان ومضة شبيهة بتسوكورو تازاكي، ولكنها لم تكن هو في
الحقيقة، لقد كانت -وعلى سبيل الراحة- صندوقاً مطبوعاً عليه اسمه ولكنّ محتوياته
قد استبدلت بأخرى، إنه ينادى بهذا الاسم لأنه لا يملك اسماً آخر في الوقت الحالي.
لقد جاءه حلم غريب في تلك
الليلة وعذّبه ذلك الإحساس القويّ بالغيرة، لم يرَ من قبل حلماً قوياً ونابضاً مثل
ذلك الحلم.
لم يفهم تسوكورو شعور الغيرة من
قبل، ولكنه كان بالطبع يفهم فكرته، الشعور الذي تكنّه لشخص تمتلكه، أو تستطيع
ببساطة أن تحصل عليه، الملكات أو المواهب، أو المكانة التي تشتهي أن تكون فيها. هو
شعورك بأنك تحبّ امرأة حباً عميقاً، لتجدها بين أحضان رجل آخر. حقدٌ، غيظٌ، رفضٌ،
خيبة أمل، وغضب، تلك المشاعر التي لا مخرج منها.
ولكنه لم يجربها على نحو
شخصيّ، لم يتمنَّ أن تكون لديه تلك الملكات أو الهبات التي لا يمتلكها، لم يكن قد
مرّ بحب عميق جداً، لم يحنّ إلى أحد ولم يحسد أحداً. لا نقول أنه لم تكن هناك
أشياء غير راضٍ عنها، أو أشياء يفتقر إليها. فلو أراد تدوينها في قائمة لفَعَل، لن
تكون كبيرة و ليست أسطر معدودة بالمقابل، ولكنّ هذه المشاعر بالإضافة إلى تلك التي
كانت تنقصه قد بقيت داخله، ولم تكن من ذلك النوع الذي يحفّزه -على الأقل في ذلك
الوقت- على الذهاب إلى مكان آخر باحثاً عن أجوبة.
لكن تلك المرأة التي في ذلك
الحلم قد أثارت رغبته، لم يكن واضحاً من تكون، كانت هناك فحسب، وكانت لديها قدرة خاصة
على التفريق بين جسدها وقلبها. سأعطيك أحدهما. أخبرت تسوكورو. جسدي أو قلبي. لا
تستطيع أن تأخذ كليهما. عليك أن تختار الآن. أما الجزء الآخر فسأعطيه لغيرك. قالت.
لكن تسوكورو كان يريد جميعَها. لم يكن يريد أن يتخلى عن نصفها لرجل آخر. لم يستوعب
ذلك، إذا كان الأمر بهذه الكيفية فسيخبرها أنه لا يحتاج إلى أي جزء منها. لكنه لم
يستطع، كان في وضع حرج، غير قادر على المضيّ وغير قادر على العودة.
لقد هاجمه ألم رهيب، مثل أن
يكون باطن جسده قد انتُزع بأيدٍ ضخمة. نُهشت عضلاته، صرخت عظامه من الألم، وشعر
بعطش شديد، كأن كل خلية في جسده قد جفت وسُحبت منها كل رطوبتها. اهتز جسده بغضب من
فكرة إعطاء نصفها إلى شخص آخر، وصار هذا الغضب طيناً كثيفاً ليّناً يندفق من
رئتيه، كانت رئتاه منفاخين هاجئين، بينما كان قلبه يتسارع مثل محرك التصقت دواسته
بالأرض، دمٌ مظلمٌ ثائر ينبض في كل أطراف جسده.
استيقظ وجسمه يهتز، ومر وقت
طويل قبل أن يدرك أنه كان يحلم، مزّق ملابس نومه الغارقة بالعرق، وجفف نفسه
بالمنشفة، لكن لا يهم كيف مسح عرقه، فهو لم يستطع أن يتخلص من ذلك الشعور الدبق.
عاد إلى وعيه، أو ربما أحس بذلك بديهياً، إذاً، تلك كانت غيرةً. لقد انتُزع جسد أو
قلب تلك المرأة التي أحبّها وربما كلاهما منه بواسطة شخص آخر.
الغيرة كما استطاع فهمها من
ذلك الحلم، هي أكثر سجون العالم يأساً، لم تكن مكاناً أُجبر على الدخول فيه، لكنه
السجن الذي يدخل إليه السجين طوعاً، يغلق الباب عليه ثم يرمي المفتاح بعيداً، ولا
يوجد روحٌ أخرى يمكن أن تعرف أنه مقيّدٌ هناك، وإذا كان يريد النجاة بالتأكيد
يستطيع... لقد أصبح السجن بعد كل ذلك قلبَه، لكنه لم يستطع أن يتخذ قراراً بعد،
كان قلبه قاسياً مثل جدار معدني، وكان هذا أساسُ الغيرة.
التقط تسوكورو صندوقاً من
عصير البرتقال من الثلاجة، وشرب كؤوساً متلاحقة، كان حلقه جافاً جداً، ثم جلس على
الطاولة يراقب الشمس من خلال النافذة وهي تطلع ببطء، وصمم أن يبقى هادئاً، هذا
التدفق من شعوره الطاغي الذي صدمه وجعل قلبه وجسده يرتجفان. ولكن ما هذا الشيء الموجود
في العالم والذي يمكن أن يعنيه ذلك الحلم؟ يتساءل. هل هو نبوءة؟ رسالة ترمز إلى
شيء؟ هل كان يحاول أن يخبره شيئاً؟ أم هي
ذاته التي لا يعرفها حتى هذه اللحظة وقد خرجت من صدفته وصارت تعاني من أجل أن
تظهر؟ مخلوقٌ قبيحٌ قد ظهر من داخل البيضة فاقداً الأمل في أن يصل إلى الهواء في
الخارج!
لقد أدرك تسوكورو ذلك لاحقاً،
في تلك اللحظة التي توقف فيها عن انتظار الموت، وهو يتأمل صورته العارية في المرآة،
فقد رأى شخصاً آخر، انعكست صورته هناك. في الليلة نفسها التي جرّب فيها (في ذلك
الحلم) الغيرة أو ما قد أدركه منها ولأول مرة في حياته. مع قدوم الفجر، كان يضع
تلك الأيام المظلمة من الأشهر الخمسة الماضية وراء ظهره ، الأيام التي قضاها
مواجهاً للفَناء المطلق.
لقد
خمّن حدوث ذلك، كرياح شمالية قوية تبعثر الأكوام الكثيفة من الغيوم، مشاعر حارقة
ونابضة عبرت روحه على شكل حلمٍ ألغى وأنكر الرغبة في الموت، الرغبة التي مدّت يدها
ثم شدّت على عنقه.
كل ما بقي الآن هو استسلام
هادئ، إحساس لا لون له، محايدٌ، وفارغ. كان يجلس تسوكورو وحيداً في بيت هائل قديم وفارغ،
وكان ينصت، مثل ساعة جدّ هائلة تكّاتُها جوفاء وعقاربها تسير خارج الوقت. كان فمه
مغلقاً، وعيناه مركّزتان على الساعة كما يراقب اليدين وهما تتحركان إلى الأمام.
التفّت مشاعره وشكلّت طبقات من الغشاء الرقيق، وبقي قلبه خالياً كأنه قد كبُر ساعةً
واحدةً في وقتٍ واحدٍ.
أصبح تسوكورو يأكل بالتدريج،
اشترى وجبات مناسبة؛ أصنافاً من المأكولات الطازجة والمحضرة بشكل بسيط، واستعاد
جزءاً قليلاً من وزنه الذي خسره؛ فخلال نصف سنة تقريباً كانت معدته قد تقلصت بشكل
كبير، فإذا تناول الآن أكثر من المقدار المحدد سيتقيؤه. وعاد يسبح من جديد في مسبح
الجامعة في ساعات الصباح، لقد فقد الكثير من عضلاته، وكانت تنقطع أنفاسه عندما
يصعد الدرج ويحتاج إلى وقت كي يستعيد قواه، اشترى بنطالاً جديداً للسباحة ونظارات
واقية وصار يسبح كل يوم سباحة سريعة من 1000 إلى 1500متر، وبعد ذلك يذهب إلى
الصالة الرياضية ويستخدم الآلات بهدوء.
بعد بضع أشهر من المأكولات الجيدة
والتمرينات اليومية تعافى تماماً، وحصل على العضلات التي كان يرغب بها مع أن عضلاته
كانت مشدودة في السابق بطريقة مختلفة، لقد أصبحت حالته معتدلة الآن، ليس في رخاء
ولكنها معتدلة، وعاد اللون لوجهه للمرة الأولى خلال المدة الطويلة تلك. ولكن وضعه كان
يسوء من جديد كلما استيقظ من نومه في الصباح.
في ذلك الوقت، جاءت أمه في
زيارة مفاجئة إلى طوكيو، ووجدت تسوكورو يتصرف ويتكلم بطريقة غريبة. قررت أن تطمئن
عليه لأنه لم يزرهم في رأس السنة، وعندها لاحظت مقدار التغير الذي حصل له خلال
أشهر، وأصبحت عاجزة عن الكلام. لكن تسوكورو برّر ذلك، "إنها تغييرات طبيعية
كنت قد مررتِ بها وأنت في مثل عمري". فأيدت أمه تفسيره ذلك بشكل تام. الذي يحتاجه
الآن في الواقع هو ملابس تناسبه. لقد كبُر مع أخته، لذلك أصبح بعد زواجها يعرف كيف
يربي أطفالها الإناث، وبالمقابل لم تكن لديه أية معرفة عن كيفية تربية الأطفال
الذكور. أقنع تسوكورو أمه بأن هذه التغييرات تطورات طبيعية... فاصطحبته بودّ إلى المتجر
ليشتري ملابس جديدة، في الغالب كانت من (بروكس بروذرز) و(بولو)، الماركات التي يفضّلها
، وأما ملابسه القديمة فقد رُميت أو تم التبرع بها.
لقد تغير وجهه أيضاً، لم تعد
المرآة تظهره ناعماً ولطيفاً، ولكنها أيضاً كانت تُظهر وجه طفلٍ مطمئن ومغبّش. الذي
يحدق به الآن هو وجه شاب، عظام وجنتيه بارزة كأنّ المنشفة قد نحتتها. هناك ضوء
جديد في عينيه، بريق لم يره من قبل، ضوء وحيد، مبعَد، بمدى محدود... نمت لحيته بكثافة
بشكل مفاجئ، وكان عليه أن يحلقها كل صباح... لقد أطال شعره أيضاً.
لم يكن يحب تسوكورو التغييرات الجديدة في مظهره مبدئياً،
ولم يكن يكرهها بالمقابل. كانت مجرد قناع مريح ومؤقت، ومع ذلك كان ممتناً، في
الوقت الحالي، لأنه لم يكن يرتدي هذا الوجه في السابق.
على أية حال، الفتى الذي يدعى
تسوكورو قد مات... في الظلام الموحش الذي أخذ آخر أنفاسه، ودُفن في الغابة، في أرض
صغيرة لا أشجار فيها، بهدوء وسرية قبل حلول الفجر، الوقت الذي ينام فيه الجميع سريعاً
حتى هذه اللحظة. لم تكن هناك علامة غامضة، الذي بقي الآن هو نفَسه؛ تسوكورو تازاكي
الماركة الجديدة التي تغيرت محتوياتها بالكامل، لكنه الوحيد الذي يعرف ذلك، ولم ينوِ
إخبار أحد.
ومثل السابق، رسم تسوكورو
مجموعة من التصاميم لمحطات سكة الحديد. لم يغب عن أي محاضرة في الجامعة، كان يستحم
عندما يستقظ، يمشط شعره، ينظف أسنانه دائماً بعد الأكل، يرتب سريره كل صباح، ويكوي
قمصانه، كان يحاول أن يبقى مشغولاً دائماً. وفي الليل، يقرأ كتباً تاريخية أو سير
ذاتية على الأغلب لساعتين أو أكثر، هواية وُجدت منذ وقت طويل، الهواية التي دفعت
حياته إلى الأمام، ولذلك فهو لا يؤمن بالمجتمع المثالي، ولا يشعر بالدفء الآتي من الكيمياء
بين الناس.
كان يقف كل صباح أمام المغسلة
ويدرس وجهه في المرآة، ببطء كان يكبر ويعتاد على ذاته الجديدة مع كل التغييرات
فيها، كان ذلك مثل اكتساب لغة جديدة وحفظ قواعدها.
ولكنه في النهاية تعرّف على
صديق جديد، كان ذلك في شهر حزيران، أي بعد أن تركه أصدقاؤه في ناغويا بحوالي عام،
كانا يذهبان إلى نفس الكلية وكان أصغر منه بسنتين... لقد قابل الرجلَ في مسبح
الكلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق