الثلاثاء، 18 أبريل 2017

الفصل (8) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي

ترك هايدا تسوكورو في نهاية فبراير الذي تلا ذلك، أي بعد ثمانية شهور من لقائهما الأول، وهذه المرة لم يعد.
كانت قد انتهت الاختبارات النهائية، وعندما رجع هايدا إلى أكيتا كانت العلامات قد نُشرت. "عليّ أن أعود قريباً"، قال لتسوكورو. "الشتاء في أكيتا شديد البرودة، وأسبوعان أقضيهما في البيت هو أكثر ما أستطيع تحمله"، قال. "البقاء في طوكيو أسهل من ذلك، لكني أحتاج أن أزيل الثلج عن السطح، لذا يجب أن أقضي هناك بعض الوقت". إلا أنه قد مرّ أسبوعان وثلاثة أسابيع ولم يرجع هايدا إلى طوكيو، ولم يحصل أن اتصل به ولو مرة واحدة.
لم يهتم تسوكورو في بداية الأمر، وحسب أن هايدا يقضي وقتاً أفضل في البيت أكثر مما كان يتوقع، أو ربما نزل ثلج أكثر من المعتاد. ذهب تسوكورو إلى ناغويا لثلاثة أيام في منتصف مارس، لم يكن يريد أن يذهب إلى هناك، لكنه لم يستطع أن يبقى بعيداً إلى الأبد، ليس في ناغويا ثلج ليجرفه أحد عن سطح بيت العائلة بالطبع، لكن كانت تأتيه اتصالات لحوحة من أمه تتساءل عن سبب عدم مجيئه إليهم وقد انتهى دوام الجامعة. "لديّ مشروع مهم عليّ إنجازه خلال العطلة". كذب تسوكورو. "لكن يجب أن تكون قادراً على المجيء ولو لبضعة أيام على الأقل". أصرّت أمه. كانت إحدى أخواته الكبيرات قد اتصلت أيضاً تنقل له مدى شوق أمه إليه. "يجب أن تأتي". قالت. "حتى لو لمدة قصيرة". "حسناً فهمت". قال. "سآتي".
بالعودة إلى ناغويا، لم يكن يخرج إلى مكان غير الحديقة ليسير مع الكلب في المساء. كان يخاف أن يواجه أحد أصدقائه الأربعة السابقين، خاصة بعد الأحلام الجنسية بشيرو وكورو، وخاصة حين اغتصبهما في خياله، لم تكن لديه الشجاعة الكافية ليقابلهما هما ذاتهما، حتى لو كانت تلك الأحلام خارجة عن سيطرته، وحتى لو استحال معرفة ماذا كان يحلم بهما، ورغم ذلك كان خائفاً أن تنظرا إلى وجهه وتعرفا بالضبط ما قد تمّ في أحلامه، ثم تدينانه بسبب أوهامه القذرة والأنانية.
كان يمتنع عن ممارس العادة السرية بقدر ما يستطيع ليس بسبب شعوره بالذنب من فعل ذلك بحد ذاته ولكن لأنه إذا لمس نفسه فلا يساعده ذلك، بل يجعله يتخيل شيرو وكورو، كان يحاول أن يفكر بشيء آخر إلا أنهما تطغيان على خياله. المشكلة هي أنها إذا تكررت الأحلام الجنسية أكثر، في الغالب يزداد تمييزهما، وتكون النتيجة نفسها، ولكن على الأقل لم تكن خيالات يستحضرها من مدى عالميّ. كان يعرف أنه يقدم أعذاراً، ولكن بالنسبة إليه كان هذا التعليل بالأساس إعادة صياغة للأحداث التي لا تحمل أية أهمية.  
كانت الأحلام في الغالب تحمل المكونات نفسها، يمكن أن يتغيّر المكان وبعض التفاصيل، ولكن دائماً تكون الفتاتان عاريتين، تتشابكان معه، تمرر أصابعها وشفتيها على جسده بالكامل، تداعب عضوه ثم تمارسان الجنس معه. وفي النهاية تكون شيرو من يقذف داخلها دائماً، قد يمارس الجنس مع كورو ويكون ذلك مثيراً ولكن في اللحظات الأخيرة يدرك أنه قد غيّر الشريك فيأتي داخل جسد شيرو. بدأت تأتيه هذه الأحلام في صيف عامه الثاني في الجامعة، بعد أن طُرد من المجموعة وخسر فرصة رؤية الفتاتين مرة أخرى، بعد أن قرر أن لا يفكر بأصدقائه الأربعة من جديد. لم يذكر أنه قد حلم مثل هذه الأحلام من قبل. لماذا كان البدء في رؤية هذه الأحلام لغزاً، سؤالاً آخر بلا جواب، ليقحَم عميقاً في لا وعيه، في الدُّرج الذي يحمل عنوان "قيد الانتظار".
عاد تسوكورو إلى طوكيو مملوءاً بأحاسيس مفككة من خيبة الأمل. ليس ثمة كلمة واحدة من هايدا. لم يظهر في المسبح ولا في المكتبة، اتصل تسوكورو بسكن هايدا وفي كل مرة يأتيه رد بأنه ليس هناك. أدرك أنه لا يعرف عنوان أو رقم منزل هايدا في أكيتا. لقد مضى كل ذلك، انتهت عطلة الربيع وبدأ عام جديد في الجامعة. تسوكورو الآن في السنة الأخيرة، وقد تفتحت زهور الكرز على الأشجار وانتثرت، ولم تأته أية كلمة من صديقه الصغير.
زار السكن الجامعي الذي كان يقيم فيه هايدا، أخبره مدير السكن أن هايدا قد قدّم طلباً للانتقال، في نهاية السنة السابقة في الجامعة، وأخذ جميع أغراضه. عندما سمع تسوكورو ذلك فقد القدرة على الكلام. لم يعرف مدير السكن سبب ترك هايدا السكن أو أين يمكن أن يذهب، أو ربما كان يعلم وتظاهر بكل بساطة أنه لا يعرف.
ذهب تسوكورو إلى مكتب قسم التسجيل واكتشف أنه أخذ إجازة، وسبب أخذها سريّ، ولم يتم إخباره بشيء آخر. كل ما عرفه أنه بعد الاختبارات النهائية مباشرة قد تم ختم طلب إجازته، وطلب إخلاء سكنه. في ذلك الوقت كان يرى تسوكورو كثيراً، كانا يسبحان معاً في المسبح وكان هايدا يزور شقة تسوكورو في العطل حيث كانا يتحدثان حتى وقت متأخر ثم يبيت عنده. أما الآن فقد جعل خطته بمغادرة الجامعة سرية كلياً. "سأرجع إلى أتيكا لعدة أسابيع". أبلغ تسوكورو كأنه أمر غير مهم، ثم اختفى عن الأنظار.
قد لا أراه ثانية، فكر تسوكورو، لقد صمم هايدا لسبب ما أن يرحل دون أن يفسر ذلك بأية كلمة، لم يحدث ذلك صدفة، لا بد أن يكون هناك سبب واضح يجعله يتصرف بهذه الطريقة. لا يهم ما كان السبب فقد شعر تسوكورو أن هايدا لن يعود، وأصبح حدسه صائباً. فعلى الأقل في الوقت الذي كان تسوكورو في الجامعة لم يُعد هايدا التسجيل في الجامعة، ولم يتصل به.
هذا غريب، كان تسوكورو يفكر طوال الوقت، إنّ هايدا يعيد قدَر والده، غادر الجامعة وهو في العشرين ثم اختفى، كما لو أنه يسير على خطى والده أم أنّ قصة والده كلها تلفيق؟ هل كان يحاول أن يربط شيئاً به ويجعله يبدو كأنه حدث مع والده؟
لم يربك اختفاء هايدا هذه المرة - بطريقة ما- تسوكورو كثيراً كما ارتبك في السابق، لم يحس بمرارة من تخلي هايدا عنه، ففي الواقع شعر بعد فقدان صديقه بانحدارٍ هادئ ومحايد في حياته بطريقة غريبة. أحياناً تنتابه فكرة غريبة أن هايدا قد استوعب جزئياً خطيئة تسوكورو، دنسه، وكنتيجة لذلك كان يجب أن يبتعد.
لقد شعر تسوكورو بالوحدة دون صديقه بالطبع، ندم على الأشياء التي قام بها بتلك الطريقة، كان هايدا صديقاً جيداً، من الأصدقاء القلائل الذين تعرّف عليهم، لكن ربما لا مفر من هذا، كل الذي تركه وراءه مطحنة قهوة صغيرة، كيس ملئ نصفه بالبن، ثلاثة مناظرات لموسيقى (ليست) ((Le mal du pays يؤديها ليزار بيرمان، ومشهد عينيه الشفافتين الغريبتين، وتلك النظرة.

في مايو، بعد أن علم تسوكورو بمغادرة هايدا سكنه بشهر، أقام علاقة جنسية حقيقية مع امرأة. كان عمره في ذلك الوقت واحداً وعشرين عاماً، واحداً وعشرين عاماً وستة أشهر. بدأ مع بداية العام الدراسي مرحلة التدريب، كان يرسم في شركة معمارية، والتي نام معها هي امرأة غير متزوجة، أكبر منه بأربعة سنين، قابلها في المكتب. كانت في الجانب الصغير، شعرها طويل، أذناها كبيرتان، ساقاها مذهلتان، جسدها مشدود، جذابة أكثر منها جميلة، عندما تضحك تظهر أسنانها البيضاء الجميلة، كانت أكثر لطافة من اليوم الأول في عمله، حيث أحس بأنها تكنّ له إعجاباً. لشاب تربى مع أختين تكبراه سناً كان تسوكورو يشعر دائماً بالراحة بصحبة نساء يكبرنه سناً. كانت المرأة بنفس عمر أخته الثانية.
وجد تسوكورو فرصة لدعوتها على العشاء ثم أخذها إلى شقته، وهناك أخذ دور القيادة وجذبها إلى السرير، قبلت ما عرضه مع لحظة تردد بسيطة، على الرغم أنها المرة الأولى التي يكون فيها تسوكورو مع امرأة، إلا أن الأشياء قد مرت بسلاسة، بلا ارتباك، بلا اضطراب، من البداية حتى النهاية، ولهذا السبب بدا على المرأة أنها على يقين بأنه خاض تجارب جنسية أكثر ممن هم في عمره رغم أنّ المرة الأولى التي مارس فيها الجنس كانت محصورة في حيّز الأحلام.
لقد أحبها تسوكورو فعلاً، فهي ذكية وجذابة، وفي حين أنها لا تقدم له ما يحفز فكره كهايدا إلا أن لديها شخصية منفتحة ومرحة، ولديها الكثير من الفضول، بالإضافة إلى أنها تستمتع بالحديث، تستمع بالحب أيضاً، ومرافقتها عرّفته أكثر بأجساد النساء.
لم تكن تتقن الطبخ، لكنها تجد المتعة في التنظيف، فخلال مدة قصيرة كانت شقتها تشع نظافة، غيّرت الستائر، الملاءات، أغطية الوسائد، المناشف، والسجادات في الحمام بأخرى جديدة، لقد أضفت على حياة تسوكورو بعد هايدا لوناً وحياة، لكنه لم يستطع أن ينام معها دون عاطفة، قد يكون لأنه مولع بها، أو ليقلل من وحدته. على الرغم أنه لم يكن ليعترف بذلك، كان يأمل أن يثبت لنفسه أنه لا يميل إلى الرجال، أنه قادر على ممارسة الجنس مع امرأة حقيقية، ليس فقط في أحلامه. كان هذا غرضه الأساسي.
وقد حقق هدفه.  
بقيت طوال الليل في شقته في أيام العطل كما كان هايدا يفعل منذ مدة ليست طويلة، مارسا الحب برويّة، حتى إنهما في بعض الأحيان كانا يمارسان الجنس حتى الفجر تقريباً. كان كلما مارس معها الحب يحاول أن لا يفكر بشيء آخر غيرها وغير جسدها. ركّز، أطفأ خياله، وأزال كل ما لم يكن هناك؛ جسدي شيرو وكورو العاريين وشفتي هايدا، بقدر ما يستطيع. كانت مستمرة على أخذ حبوب منع الحمل، لذلك كان يأتي داخلها بحريّة، كانت تستمتع بممراسة الجنس معه، وكانت تبدو راضية. عندما تنتشي تصرخ بصوت غريب. إنّ الأمر على ما يرام، يحدّث نفسه. أنا طبيعيّ، بعد هذا كله. شكراً لهذه العلاقة، لقد اختفت أحلامه الجنسية.
كان يريان بعضهما لثمانية أشهر، ثم قررا باتفاق متبادل أن ينفصلا، كان هذا قبل تخرجه من الجامعة. عرضت عليه شركة لسكك الحديد عملاً، وانتهى عمله الجزئي في الشركة المعمارية. وبينما كانت ترى تسوكورو كان لديها حبيب آخر، شخص ما قد رجع إلى موطنها في نيغاتا، تعرفه منذ الطفولة (معلومة قد أفصحت عنها في اليوم الذي ناما فيه معاً). ستتزوجه في إبريل، خططت أن تترك عملها في الشركة المعمارية وتنتقل إلى مدينة سانجو، حيث يعمل خطيبها. "إذاً، لن أستطيع رؤيتكَ بعد الآن". أخبرت تسوكورو ذلك في أحد الأيام وهي ممدة بجانبه على السرير.
"إنه شخص جيد جداً". قالت وقد أرخت يديها على يديّ تسوكورو. "نحن مناسبان لبعضنا البعض".
"أكره شعور أني لن أراكِ مرة أخرى". قال تسوكورو. "لكن أعتقد أنّ عليّ تهنئتك".
"شكراً لك". قالت، ثم وكأنها تكتب هامشاً صغير جداً في زاوية الصفحة "ربما أحظى بفرصة رؤيتك مرة أخرى، يوماً ما".
"سيكون هذا عظيماً". قال تسوكورو على الرغم من أنه وجد صعوبة في فك لغز ذلك الهامش. كان يتساءل فجأة: عندما تكون مع خطيبها هل تصرخ بنفس الطريقة؟ مارس الاثنان الحب مرة أخرى.
انتابه شعور سيء فعلاً لعدم قدرته على رؤيتها مرة في الأسبوع، لقد أدرك أنه إذا كان يريد أن يتجنب الأحلام الجنسية وإذا كان يريد أن يعيش أكثر في الحاضر فإنه يحتاج إلى شريك دائم يمارس معه الجنس، ورغم ذلك فقد كان زواجها -بغض النظر عن أي شيء- تطوراً جيداً بالنسبة إليه؛ إذ لم يكنّ لها إحساساً أبعد من عاطفة هادئة وانجذاب جسديّ صحيّ، وفي تلك الأثناء كان تسوكورو في طريقه ليشرع في مرحلة جديدة في حياته.     

الجمعة، 14 أبريل 2017

الفصل (7) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي

في تلك الليلة التي أخبره فيها هايدا قصة والده في شبابه، عن التقائه بعازف البيانو المسمى ميدوريكاوا في منتجع الينابيع الساخنة المتعمقة في جبال كيوشو، حصلت أشياء كثيرة.
بقي تسوكورو مستيقظاً ثابتاً في الظلام، استيقظ على صوت نقر، كصوت حصى يضرب النافذة، ربما قد تخيل ذلك فحسب لكنه لم يكن متأكداً من ذلك. أراد أن يتأكد من ساعة المنبه الموضوعة على المنضدة بجانب سريره، لكنه لم يستطع تحريك عنقه، جسده الداخلي لا يتحرك، لم يكن مخدَّراً، لكنه عندما يحاول أن يحرّكه لا يستطيع، الرابط بين عقله وعضلاته قد انقطع.
لقد التفّت الغرفةُ بالظلام. يضطرب نوم تسوكورو عندما يكون هناك أي ضوء في الغرفة، ودائماً يغلق الستائر بإحكام عندما يذهب إلى السرير، لذلك لم يكن يتسرب أي ضوء من الخارج. ومع ذلك فما زال يشعر بوجود شخص آخر في الغرفة، مختفياً في الظلام، ينظر إليه، كحيوانٍ مموّه، يلتقط أنفاس أي كان، يخفي رائحته، يغير لونه، ثم يرتدّ إلى الظلال، ومع ذلك كان تسوكورو لسببٍ ما يعرف من هو. هايدا.
السيد رمادي.
الرمادي هو خليط من الأبيض والأسود، غيّرْ ظله وسيختلط بسهولة مع تدرجات العتمة العديدة. 
كان هايدا واقفاً في إحدى زاوايا الغرفة المعتمة، يحدّق إلى الأسفل بتسوكورو الذي كان متمدداً على السرير ووجهه لأعلى. وكالمهرج في المسرحية الصامتة كان يتظاهر بأنه تمثال، لم يحرّك هايدا عضلة واحدة لوقت طويل، الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يكون قد تحرك هو رموشه الطويلة. هناك تناقض غريب؛ فقد اختار هايدا أن يبقى ساكناً تماماً، أما تسوكورو فقد اختار أن يتحرك، إلا أنه لم يستطع. يجب أن أقول شيئاً، أنّ تسوكورو قد فكّر: عليّ أن أتكلم لأحطّم هذا التوازن الوهميّ، لكنّ صوته لم يُسمع، لم تتحرك شفتاه، تجمّد لسانه، الشيء الوحيد الذي أفلت من حلقه هو الجفاف... تنفسٌ بلا صوت.
ماذا كان يفعل هايدا هناك؟ لماذا كان يقف هناك ويحدق بي باهتمام بالغ؟
هذا ليس حلماً، قرر تسوكورو. كل شيء جليّ على أن يكون حلماً، لكنه لم يستطع القول ما إذا كان الشخص الذي كان يقف هناك هو هايدا الحقيقي. فهايدا الحقيقي، لحمه ودمه الحقيقيان، كان نائماً على الكنبة في الغرفة المجاورة. لا بد أن يكون هايدا الذي كان واقفاً هناك نوعاً من الإسقاطات التي انزلقت خاليةً من هايدا الحقيقي، هكذا كان يبدو الأمر.
لم يشعر تسوكورو أن ذلك الكائن يهدده أو أنه يكمن له الشر. لم يكن هايدا ليؤذه على الإطلاق بهذه الطريقة، شعر تسوكورو بأنه على يقين من ذلك،  لقد عرف ذلك بغريزته، من اللحظة الأولى التي التقيا فيها.
كان أكا، صديقُه من الثانوية، ذكياً أيضاً، حتى إنه كان بذكاء نفعيّ. فبالمقارنة مع أكا، كان ذكاء هايدا مكرراً ونظرياً أكثر، حتى إنه أكثر ذاتيّة. عندما يكونان معاً عادة لا يلتقط تسوكورو ما يفكر به هايدا بالضبط، إذ إن شيئاً ما في عقل هايدا يندفع، ويتجاوز تسوكورو، لكن ما كان شكل ذلك الشيء، لا يعرف. عندما يحدث ذلك يشعر بحيرة تبقيه وحيداً، ولكنه لم يحس بقلق وغضب تجاه صديقه الصغير. عقل هايدا سريع جداً، فلكُ نشاطه العقلي واسع جداً، بدرجة مختلفة تماماً، فبعد أن علم تسوكورو بهذا توقف عن محاولة مجاراة هايدا.
لا بد أن تكون في عقله دائرة كهربائية ذات سرعة عالية أُسّست لتتناسب مع سرعة أفكاره، تطلب منه أن يجمع سرعته من حين لآخر، أن يطلق العنان لعقله لفترات محددة من الوقت، إذا لم يفعل ذلك، إذا بقي في سرعة منخفضة ليجاري سرعة تسوكورو المنخفضة فسترتفع درجة حرارة الأساسات العقلية لتسوكورو وتبدأ تتعطل، أو على الأقل هذا الانطباع الذي أخذه تسوكورو. وبعد مدة قليلة سيغادر هايدا تلك الدائرة الكهربائية كأن شيئاً لم يحدث، يبتسم بهدوء، ويعود إلى المكان الذي يتمدد فيه تسوكورو منتظراً. سيخفف من سرعته ويجاري عقل تسوكورو.
إلى متى ستستمر نظرة هايدا الكثيفة؟ لم يستطع أن يحدد ذلك بعد. بقي هايدا في منتصف الليل ثابتاً هناك لا يتحرك، يحدق به بصمت. بدا أن لدى هايدا شيئاً ما يريد قوله، رسالة يجب أن يبلغها، لكنه لسبب ما لم يستطع أن يترجمها إلى كلمات، وهذا ما جعل صديق تسوكورو الصغير يغضب على غير العادة.
عندما تمدد تسوكورو على السرير تذكر القصة التي رواها هايدا عن ميدوريكاوا. قبل أن يعزف ميدوريكاوا في غرفة الموسيقى في المدرسة الثانوية وضع كيساً صغيراً على البيانو، كان على وشك الموت أو هكذا قال. ماذا كان بداخل الكيس؟ لقد انتهت قصة هايدا قبل أن يُظهر المحتويات! كان تسوكورو فضولياً جداً بشأن ما كان بداخله، وكان يريد من أي أحد أن يخبره بدلالته،  لماذا كان ميدوريكاوا حريصاً جداً على أن يضع الكيس على البيانو؟ هذا هو المفتاح المفقود من القصة.  
لكنه لم يحصل على إجابة، وبعد صمت طويل غادر هايدا أو شخصية هايدا البديلة بصمت. وفي نهاية زيارته شعر تسوكورو أنه التقط صوت تنفس هايدا الخفيف، لكنه لم يكن متأكداً. كبخور ابتلعه الهواء اختفت كينونة هايدا وتلاشت، وقبل أن يدرك تسوكورو ذلك كان وحيداً مرة أخرى في الغرفة المعتمة، وإلى الآن لم يستطع تحريك جسده، ظل الكابل بين إرادته وعضلاته مقطوعاً، البرغي الذي وصلهما معاً قد سقط.
ما هو معدل أن يكون ذلك حقيقياً؟ تساءل. لم يكن حلماً أو وهماً. يجب أن يكون حقيقياً لكن ينقصه الوزن الذي تتوقعه من الحقيقة.
السيد رمادي.
لا بد أن تسوكورو قد غفا مرة أخرى، لكنه استيقظ مرة أخرى في حلم. ربما بالمعنى الدقيق لم يكن حلماً. كان حقيقة، لكنها تشربت بكل خصائص الحلم. فلك مختلف من الحقيقة، حيث تحرر الخيال بوقت ومكان مميزين.
كانت الفتاتان في السرير عاريتين كما وُلدتا، تحضنانه من جانبيه، شيرو وكورو. كان عمرهما ست عشرة سنة أو سبع عشرة سنة، ثابتتين في ذلك السن، صدورهما وأفخاذهما ملتصقات به، جسداهما ناعمان ودافئان، يستطيع تسوكورو أن يحس ذلك بوضوح، مررتا أصابعهما ولسانهما على جسده بصمت وشراهة. كان عارياً أيضاً.
لم يكن شيئاً مما يأمل تسوكورو أن يحصل، ليس السيناريو الذي أراد تخيله، لم يكن يجب أن يحدث ذلك. لكن ذلك الخيال الذي كان ضد إرادته نما بشكل أكثر وضوحاً، الأحاسيس تصويرية أكثر، وأكثر واقعية.  
كانت أصابع الفتاتين لطيفة، مرهفة، حساسة، أربعة أيدٍ، عشرون إصبعاً. كمخلوقات ناعمة عمياء مولودة في الظلام، تجولت في كل إنش من جسد تسوكورو، أثارته تماماً. أحس بضجيج قلبه بشدة، بطريقة لم تحصل معه من قبل، كأنه قد عاش منذ زمن بعيد في منزل، فقط ليكتشف غرفة سرية لا يعرفها. كالطبل ارتجف قلبه، أصدر ضربات مسموعة. وما تزال ذراعاه وساقاه مخدرة ولا يستطيع تحريك إصبع واحد.  
تشابكت الفتاتان بخفة مع تسوكورو، صدر كورو ممتلئ وناعم، صدر شيرو صغير وحلماتها قاسية كالحصى الصغيرة المدورة، الشعر في الأسفل مبلل كالغابة المطرية، اختلطت أنفساهما مع أنفاس تسوكورو لتصبح واحدة، كتيارات آتية من البعيد تتداخل بسريّة في قاع البحر المظلم.
استمرت العناقات الملحّة حتى أصبح تسوكورو بداخل رحم إحدى الفتاتين. كانت شيرو. لقد باعدت بين ساقيه، أمسكت بقضيبه المتصلب والمنتصب وبذكاء قادته إلى داخلها، لقد وجد طريقه دون مقاومة كأنه قد ابتلعته مكنسة كهربائية مفرغة من الهواء. أخذت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم بدأت ببطء تدير جذعها كأنها ترسم رسماً بيانياً معقداً في الهواء، وكل الوقت تلوي وركيها، تمايل شعرها الطويل الأسود المستقيم فوقه بحدة كالسوط. الحركات جريئة، خارجة كثيراً عن شخصية شيرو الاعتيادية.
تعاملت كلاهما طوال الوقت مع ذلك كأنه تغير طبيعي في الأحداث، لا شيء يستدعيهما لإعادة التفكير به، لم تترددا. عانقته الاثنتان معاً، لكن شيرو من قد نفذ إليها. لماذا شيرو؟ تساءل تسوكورو في أوج تشوشه العميق. لماذا كانت شيرو؟ كان من المفترض أن تتساوا تماماً. كان من المفترض أن تكونا كائناً واحداً.
لم يستطع أن يفكر أبعد من ذلك، تطورت حركات شيرو بسرعة وبوضوح أكبر، وقبل أن يدرك ذلك كان يأتي داخلها. كان الوقت بين التخلل والنشوة قصيراً، قصيراً جداً، واستغرق تسوكورو في التفكير وقتاً قصيراً جداً، لكنه ربما فقد الإحساس بالوقت، على أية حال، لقد اجتاحته تلك الشهوة دون سابق إنذار.
أما الآن فلم يأتِ داخل شيرو، بل داخل هايدا. لقد اختفت الفتاتان فجأة وأخذ هايدا مكانهما، وبمجرد أن جاء انحنى هايدا ووضع عضو تسوكورو بفمه واحترس أن لا تتسخ ملابسه فوضع كل السائل المنوي المتدفق في فمه، قبِل هايدا ذلك كلَّه بصبر، وعندما انتهى تسوكورو، لعق هايدا عضوه، بدا أنه معتاد على ذلك، على الأقل بدا الأمر كذلك، نهض هايدا من السرير بهدوء وذهب إلى الحمام، سمع تسوكورو ماء يتدفق من الحنفية. ربما هايدا ينظف فمه.
بقي عضوه منتصباً حتى بعد أن أتى، ما زال يحس بدفء وبرقة رحم شيرو كأنه التوهج الذي يظهر بعد الجنس الفعليّ، وإلى الآن لم يستطع أن يدرك الحد بين الحلم والخيال، بين ما هو خياليّ وما هو حقيقيّ.
بحث تسوكورو في العتمة عن كلمات، ليس هناك كلمات موجهة إلى شخص محدد، لقد شعر بأنه يجب أن يقول شيئاً ما، يجب أن يجد ولو كلمة واحدة تملأ ذلك الصمت، تلك الفجوة الغامضة قبل أن يرجع هايدا من الحمام، لكنه لم يجد شيئاً، كان كل الوقت يدور في رأسه لحن بسيط، أدرك فيما بعد أنها قطعة (ليست) الموسيقية (Le mal du)، (Years of Pilgrimage)، (Switzerland:1Year)، (الحزن الذي لا حدود له، النهر الذي أتى من مناظر الأرياف الطبيعية إلى قلب أحد ما).
ثم ذهب بعد ذلك في نوم عميق جداً.    

كانت قبل الثامنة صباحاً عندما استيقظ.
وحالاً تفحص ملابسه الداخلية إذا كان عليها أثر من السائل المنوي. كلما جاءته أحلام جنسية مثل ذلك الحلم يكون هناك دليل، لكن هذه المرة ليس هناك شيء، ارتبك تسوكورو. لقد قذف بكل تأكيد، في حلمه أو على الأقل في المكان الذي لم يكن حقيقياً. كثيراً. ما يزال التوهّج يصاحبه، لا بد أنه قد اندفقت كمية غزيرة من السائل المنوي الحقيقي، لكن لا أثر لذلك.
ولكنه تذكر كيف أخذ هايدا كل ذلك بفمه.
أغلق عينيه وقطّب وجهه. هل حدث ذلك فعلاً؟ لا، هذا مستحيل. لقد حدث ذلك في عقلي الباطني، لا يهم كيف تنظر إليه. إذاً إلى أين اندفع ذلك السائل المنويّ؟ هل اختفى ذلك كله في خبايا عقلي أيضاً ؟
نهض تسوكورو من السرير مشوشاً، ما يزال يرتدي ملابس النوم، اتجه بخفة إلى المطبخ. كان هايدا مرتدياً ملابسه، جالساً على الكنبة يقرأ، منسجماً بكتابه الضخم، كان في عالم آخر، ولكن حالما ظهر تسوكورو ألقى الكتاب جانباً، ابتسم ببهجة، وذهب إلى المطبخ ليعدّ القهوة، والأومليت مع التوست، انبعثت رائحة القهوة الطازجة وانتشرت في أرجاء الشقة، الرائحة التي ميّزت الليل عن النهار، جلسا قبالة بعضهما البعض على الطاولة يتناولان الفطور ويسمعان الموسيقى ذات الصوت الخافت. تناول هايدا كالعادة خبزاً أسمر مع طبقة رقيقة من العسل.
شرح هايدا بلهفة عن البن الجديد الذي اكتشفه وبجودة تحميصه، ولكن بعد ذلك ذهب في تفكير عميق وبقي صامتاً. ربما يفكر في الكتاب الذي كان يقرؤه، كانت عيناه مثبتتين في ناحية من الخيال، واضحتين صافيتين، أما تسوكورو فلم يستطع أن يقرأ ما وراءهما. ذلك النوع من النظرات التي يستخدمها عندما يفكر بقضية مجردة، عينان تذكران تسوكورو دائماً بالشلالات التي لمحها من الفراغ بين الأشجار.
لا شيء يبدو خارج المعقول، كان صباح أحد اعتيادي، تغطي السماء طبقة رقيقة من الغيم ، وأشعة الشمس ناعمة. عندما بدأ يتكلمان، كان ينظر هايدا إلى عينيه مباشرة، ولم يستطع تسوكورو قراءة أي شيء من تلك النظرة. ربما لم يحصل شيئاً في الواقع. لا بد أنه وهمٌ قد رسمه لا وعيه، استنتج تسوكورو. أحرجته الفكرة وأقلقته. لقد أتت عدد من الأحلام الجنسية التي احتوت على شيرو وكورو معاً. لم يكن هذا شيئاً جديداً، أتت الأحلام بانتظام تماماً، بشكل لا إرادي كالعادة، ينتشي بعدها دائماً. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أتته أحلام جنسية حية وحقيقية بشكل مذهل. ولكن ما أربكه فعلاً هو وجود هايدا.
قرر تسوكورو أن لا يقتنع بذلك كثيراً، له الحرية في أن يفكر بذلك متى يريد وأن لا يحصل على إجابة، وضع ذلك الشك داخل الدرج في عقله الذي يحمل عنوان (قيد الانتظار) وأجّل أي وجهات نظر أخرى. كان لديه العديد من الأدراج داخله، بشكوك لا معدودة وأسئلة مطويّة.    

ذهبا بعد أن تناولا الإفطار إلى مسبح الكلية وسبحا لنصف ساعة، كان صباح الأحد، وكان المسبح تقريباً لهما، وكانا يستطيعان الاستمتاع بالذهاب إلى المكان الخاص بهما، ركّز تسوكورو على تحريك العضلات المطلوبة بطريقة دقيقة ومحكمة؛ عضلات الظهر، عضلات الورك والمعدة. التنفس والركل طبيعة أخرى. وعندما يتفق مع الإيقاع يحدث ما تبقى وحده. وكالعادة ترأس هايدا السباحة وتبعه تسوكورو، كان يراقبه وهو يسبح، كانت تبهره تلك الرغوة البيضاء الرقيقة التي تظهر بشكل متوازي مع حركات هايدا اللطيفة، ويجعله ذلك المشهد دائماً منوماً مغناطيسياً بعض الشيء.
عندما استحما وبدلا ثيابهما في غرفة الملابس لم تعد عينا هايدا بذلك الوضوح وذلك الضوء، لكنهما استعادتا النظرة الطبيعية اللطيفة، قلل التمرين من تشوشه ذاك، غادرا القاعة الرياضية وسارا باتجاه المكتبة، لم يتحدثا كثيراً، ولم يكن ذلك شيئاً غير طبيعي. "أريد أن أبحث عن شيء ما في المكتبة". قال هايدا. وهذا لم يكن غير طبيعي أيضاً، فهايدا يحب أن يبحث عن الأشياء في المكتبة. ما أعنيه عموماً هو أنني أريد أن أبقى وحدي لبعض الوقت. "سأرجع وأغسل الثياب". قال تسوكورو.
سارا إلى مدخل المكتبة، لوّحا بأيديهما بسرعة وذهبا في طريقيهما المختلفين.  

لم يسمع شيئاً من هايدا لمدة طويلة، تغيب هايدا عن المسبح والصف. عاد تسوكورو إلى العزلة، يأكل وحده، يسبح وحده، يدون الملاحظات في الصف، يتذكر مفردات وجمل غريبة. مضى الوقت بحيادية، وبالكاد يترك أثراً، يضع من حين لآخر موسيقى Le mal du pays في مشغل الأقراص ويستمع إليها.
بعد أسبوع كامل دون أية كلمة من هايدا، صدمت تسوكورو فكرة أن صديقه ربما قرر أن لا يراه مرة أخرى. دون أية كلمة، دون إعطائه تبريراً، ربما رحل إلى مكان ما، كما فعل أصدقاؤه الأربعة في وطنه.
بدأ تسوكورو يفكر أن صديقه الصغير قد تركه بسب الحلم الجنسيّ التصويري الذي خاضه. ربما هناك شيء قد منح هايدا إمكانية رصد كل ما يجول في وعي تسوكورو، وجعله يشمئز، أو ربما أغضبه.
لا لا يعقل ذلك، لا يمكن أن ينزلق ذلك خارج وعيه، مستحيل أن يكون هايدا قد عرف ذلك. لا زال تسوكورو لا يستطيع أن يتخلص من الإحساس الذي تركته عينا هايدا الواضحتان في الأجزاء الملتوية التي دُفنت في عقل تسوكورو، وجعلته الفكرة هذه يشعر بالخزي.
أياً يكن، بعد أن اختفى صديقه، أدرك كم كان هايدا مهماً بالنسبة إليه، كيف حوّل حياته الروتينية إلى شيء أكثر بهاء ولوناً، افتقد حواراتهما، وضحكة هايدا الخفيفة المميزة، الموسيقى التي كان يحبها، الكتب التي يقرأ منها أحياناً بصوت مرتفع، مآخذه من الأحداث الآنية، حسه الفكاهي المميز، اقتباساته السريعة، الطعام الذي كان يعده، القهوة التي يجهزها. ترك هايدا وراءه مساحات فارغة في حياته.
قدّم هايدا لحياة تسوكورو الكثير، لكنه يتساءل ماذا قدّم هو لهايدا؟ ما الذكريات التي تركها تسوكورو له؟
ربما قُدّر لي أن أبقى وحيداً دائماً، وجد تسوكورو نفسه يفكر بهذا. الناس يأتون إليه، لكنهم دائماً يتركونه في النهاية ، يأتون باحثين عن شيء ما لكنهم لا يجدونه، أو يحزنون لهذا الشيء الذي وجدوه (أو يخيب أملهم أو يغضبون)، ثم يغادرون. يختفون في يوم ما دون سابق إنذار ، دون تبرير، بلا كلمة وداع واحدة، كفأس صامت يقطع الأربطة بينهم، الأربطة التي ما زال يتدفق الدم الدافئ من خلالها إلى البعيد وينبض بهدوء.
لا بد أن يكون لديه شيء ما، شيء متأصل فيه يخيف الناس. "تسوكورو تازاكي عديم اللون"، قال بصوت مرتفع. أنا بالأساس ليس لدي ما أقدّمه للآخرين، إذا فكرت في هذا، حتى إنني ليس لدي ما أقدمه لنفسي.    
في الصباح بعد أن تودعا من أمام المكتبة بثلاثة أيام ظهر هايدا في مسبح الكلية، قبل أن يتشقلب تسوكورو مرة أخرى ويركل بقدمه الحافة الأخيرة من المسبح نقر أحدهم ظهر يده اليمنى عندما لمست جدار المسبح، نظر، كان هايدا هناك، مقرفصاً، ببنطال السباحة ونظارات السباحة السوداء التي علت جبهته، ابتسامته المبهجة الاعتيادية ارتسمت على وجهه. ومع أنهما لم يريا بعضهما منذ فترة طويلة إلا أنهما بقيا صامتين، بالكاد يومئان، وكالعادة بدآ يسبحان في نفس المسار، الحوار الذي جرى بينهما وهما في الماء كان عن حركات العضلات الطيّعة، وعن ركلاتهم اللطيفة والمتناسقة فحسب. لم يكن هناك داعٍ للكلمات.
"عدتُ إلى أكيتا لبعض الوقت". فسّر هايدا ما حصل أخيراً. انتهيا من السباحة، استحمّا، وجفّف شعره، "حصلت بعض الأمور العائلية".
أومأ تسوكورو وردّ ردّاً غير ملزم، لم يكن هايدا يتغيب لعشر أيام في منتصف الفصل ، كان كتسوكورو يحاول أن لا يغيب إلا إذا كانت هناك حاجة ضرورية، لذلك لا بد أن يكون هناك شيء هام جداً، لكن لم يقل هايدا شيئاً غير السبب الذي دعاه ليرجع إلى موطنه، ولم يضغط تسوكورو عليه أكثر من ذلك. عودة صديق تسوكوورالصغير التي حصلت بالصدفة جعلته يشعر وكأنه بطريقة أو بأخرى قادر على أن يخرج كمية كبيرة من الهواء العالقة في صدره، كأنّ الضغط الثقيل في صدره قد انزاح. لم يصبح منبوذاً بعد هذا كله.
عاد هايدا إلى الطريقة التي كان يتعامل بها مع تسوكورو، تكلّما، وتناولا الطعام معاً، جلسا على الكنبة يستمعان إلى الموسيقى الكلاسيكية التي جلبها هايدا من المكتبة، يتناقشان حول الموسيقى والكتب التي قرآها، وإذا لم يفعلان ذلك فإنهما ببساطة يجلسان معاً يتقاسمان الصمت اللطيف. أتى هايدا في العطلة إلى شقته ، كانا يتحدثان حتى وقت متأخر، وكان سيبقى هايدا على الكنبة. لم يزر هايدا (أو شخصيته البديلة) غرفة نوم تسوكورو، ولم يحدق به في العتمة على اعتبار أن ذلك قد حصل فعلاً للمرة الأولى. حلم تسوكورو بأحلام جنسية  كثيرة تحوي شيرو وكورو، لكن لم يظهر هايدا فيها.
لكن ما يزال تسوكورو يحس أن عينيّ هايدا الواضحتين قد رأتا في تلك الليلة ما يوجد داخل لا وعيه. ما تزال نظرات هايدا معلّقة كاحتراق خفيف. كان هايدا في ذات الوقت يراقب خيالات تسوكورو ورغباته السرية، يختبرها ويحللها واحدة تلو الأخرى، وفي النهاية أبقى على صداقة تسوكورو، كان بحاجة إلى أن يبقى بعيداً عن تسوكورو لبعض الوقت ليتقبل ما قد رآه، ليرتب مشاعره ولينظم نفسه. وهذا ما يفسر لماذا تجنّب تسوكورو متعمداً لعشر أيام.
كان ذلك مجرد تخمين بالطبع، تكهن غير مبرر، وغير عقلاني، يمكن أن تسميه وهماً. لكنه لم يتخلص من تلك الفكرة، بل إنها أقلقته، فكرة أنّ كل طيّة في أعماق دماغه قد تعرّت وتركته يشعر بأنه أصغر من دودة بائسة تحت صخرة رطبة.
ما يزال تسوكورو تازاكي يشعر بأنه بحاجة إلى صديقه الصغير أكثر من أي شيء آخر.

الجمعة، 7 أبريل 2017

الفصل (6) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي


أرسل تسوكورو في اليوم الذي تلى حديثهما في البار في إبيسو إيميل من كمبيوتره إلى سارة يدعوها إلى العشاء، وأتى ردها من سنغافورة. "سأرجع إلى اليابان خلال يومين"، كتبت. "وسيكون لدي متسع من الوقت في مساء اليوم التالي لعودتي، أنا سعيدة لأنك تتواصل معي، فهناك شيء أريد التحدث معك بشأنه".
شيء نتحدث بشأنه؟ لم تكن لدى تسوكورو أية فكرة عما يمكن أن يكون ذلك الشيء. ولكنّ فكرة رؤيتها مجدداً أسعدته، وجعلته يتأكد كم يريدها. فكان إذا لم يرها لحظة كأنّ شيئاً حيويّاً قد فُقد من حياته، وكأن ألماً مملاً قد استقرّ في صدره. لم يشعر بذلك منذ وقت طويل.   
كانت الأيام الثلاثة التي تلت ذلك التبدّل عصيبة على تسوكورو، كمهمة مفاجئة وغير متوقعة قد ظهرت للتو. لقد واجهت خطة الاستخدام المشترك لخط محطة القطار عقبة، إذ اتضح أن الاختلاف في شكل القطارات قد خلق قضية أمنية (لماذا لم يتمكنوا من إخبارنا بمثل هذه المسائل الحرجة من قبل؟) تساءل تسوكورو، وقد استدعى ذلك إصلاحات طارئة لأرصفة العديد من المحطات. كانت مهمة تسوكورو أن يصمم جدول الإصلاحات، كان يعمل على مدار الساعة، ولكنه ما يزال يقلّب في التقويم ليأخذ إجازة تبدأ من مساء يوم السبت وحتى صباح الأحد. انطلق يوم السبت من مكتبه ببدلته إلى المكان الذي خطط وسارة أن يلتقيا فيه في أيوما، لكنه راح في نوم عميق في المترو حتى إنه قد فقد طريقه في محطة أكاسكا-ميتسوك.
"تبدو مرهقاً". قالت سارة عندما رأته.
وضّح تسوكورو لها بإيجاز وببساطة بقدر ما يستطيع سبب انشغاله الكبير في الأيام القليلة الأخيرة.
"كنت أخطط أن أعود للبيت لأستحم وأبدل ملابسي بأخرى مريحة، ولكن ما كان مني إلا أن قدمت من العمل مباشرة". قال.
أخرجت سارة صندوقاً، ملفوفاً بشكل جميل، طويلاً ومسطحاً وضيقاً من حقيبة التسوق وقدمته له. "هدية مني إليك".
أزال تسوكورو الغلاف فوجد بداخله ربطة عنق زرقاء وأنيقة، مصنوعة من الحرير العادي، من ماركة إيف سان لوران.
"رأيتها في السوق الحرة في سنغافورة واعتقدت أنك ستبدو جميلاً بها".
"شكراً لك. إنها جميلة".
"بعض الرجال لا يحبون أن يهدَوا ربطات عنق".
"لست واحد منهم". قال تسوكورو. "فأنا ليس لدي دافع لأخرج وأشتري ربطة عنق. ثم إنّ لديك ذوقاً جيداً".
"سعيدة بذلك". قالت سارة.                 
أزال تسوكورو ربطة العنق الذي كان يرتديها، بخطوطها الضيقة، وارتدى الربطة التي قدمتها سارة له. كان يرتدي بدلة صيفية لونها أزرق غامق وقميص أبيض عاديّ، فتناسبت الربطة الزرقاء معها. اقتربت من فوق الطاولة وبيد متمرسة ضبطت العقدة. فالتقط تسوكورو أثراً فاتناً من العطر.
"تبدو جميلة عليك". قالت بابتسامة.
بدت الربطة الملقاة على الطاولة بالية أكثر مما كان يظن، كسلوك غير لائق لم يكن على وعي بأنه كان يقوم به. صدمته فكرة أنه يجب أن يهتم أكثر بمظهره. لم تكن في مكتب شركة محطات القطار ضرورة لتهتم بملابسك، فمعظم الذين يعملون هناك رجال، وعندما يقترب وقت انتهاء الدوام ينزع عنه ربطة العنق ويرفع أكمامه، في أغلب الأوقات يكون في موقع العمل في الخارج فأي نوع يرتديه من البدلات أو ربطات العنق سيكون في غير موضعه. هذه أول مرة منذ مدة طويلة يتعرف على حبيبة منظّمة.
لم تقدم سارة هدية إليه من قبل فهديتها أسعدته. أحتاج أن أعرف متى يكون عيد ميلادها، فكّر. يجب أن أهديها شيئاً. شكرها مرة أخرى وطوى الربطة القديمة ووضعها في جيب سترته.
كانا في مطعم فرنسي في الطابق السفلي من المبنى الموجود في أيوما، قصدته سارة من قبل، كان مكاناً بسيطاً، وسعر النبيذ والطعام فيه مقبول، كان شكله قريباً من شكل حانة صغيرة لكن المقاعد فيه متباعدة، لتسمح ببدء حوارات مريحة، الخدمة فيه لطيفة أيضاً. طلبا زجاجة نبيذ أحمر وقرآ القائمة.
كانت سارة ترتدي فستاناً منقوشاً بالورود وسترة بيضاء من الصوف، كأنهما أزياء مصمِّم، لم تكن لدى تسوكورو أية فكرة كم تكسب سارة من المال ولكن يبدو أنها تنفق مبلغاً لا بأس به لخزانة ثيابها.
أخبرته بعد أن تناولا الطعام عن عملها في سنغافورة، عن التفاوض في أسعار الفندق، اختيار المطاعم، تأمين النقل البري، إعداد الرحلات اليومية، التأكد من توفر التجهيزات الصحية...هناك مجموعة كاملة من المهمات لأهتم بها في الجولة الجديدة، تحضير قائمة طويلة، السفر إلى الوجهة المقصودة، التحقق من كل شيء، الذهاب إلى كل الأماكن للتأكد مباشرة بأن كل جزء تم التعامل معه بشكل مناسب، تشبه العملية هذه كثيراً ما تتابعه شركة ما حين ينشؤون محطة جديدة. وبينما يستمع إليها اتضح له كم هي دقيقة ومؤهلة ومتخصصة.
"أفكر أن أذهب إلى هناك مرة أخرى في أقرب وقت". قالت سارة. "هل زرت سنغافورة من قبل؟".
"لا. في الحقيقة لم أغادر اليابان، لم تكن هناك فرصة للذهاب في رحلة عمل إلى الخارج، والسفر خارج البلاد وحدي يعني لي دائماً أنني سأواجه مشاكل كثيرة".
"سنغافورة مذهلة، الطعام مذهل، هناك منتجع جميل قريب، سيكون جميلاً لو سافرت معي!".
تخيّلَ روعة السفر معها إلى الخارج، هما فحسب .

شرب تسوكورو زجاجة نبيذ واحدة كالعادة بينما أنهت سارة باقي الزجاجات، يبدو أن الكحول لا يؤثر بها، فوجهها لا يتورد أياً كانت الكمية التي تشربها. اختار لحم بقر بالبورغيغون، أما هي فقد طلبت بط مشوي، ووقعت في حيرة بعد أن انتهت من الطبق الرئيسي هل تختار طبق الحلوى أم لا، وفي النهاية قررت أن تطلب. أما تسوكورو فقد طلب قهوة.
" بدأتُ، في الواقع، بعد آخر مرة رأيتك فيها أفكر في عدة أشياء". قالت سارة وهي ترتشف من كوب الشاي الذي اختتمت به وجبتها، "عن أصدقائك الأربعة في المدرسة الثانوية، عن تلك المجموعة الجميلة، وعن تأثير كل واحد منهم عليك".   
حرّك تسوكورو رأسه قليلاً، وانتظرها لتكمل.
"وجدت قصة مجموعتك مثيرة للاهتمام حقاً. ربما لأنني لم أجرب شيئاً مثل ذلك من قبل".
"ربما سيكون الأمر أفضل إذا لم أجرب ذلك أنا أيضاً". قال تسوكورو.
"لأنك قد تأذيت في النهاية؟".
أومأ.
"أفهم شعورك". قالت سارة وقد ضيقت عينيها. "ولكن حتى لو انتهت القصة نهاية سيئة وتأذيت أعتقد أنه شيء جيد أنك التقيت بهم، فلا يحدث هذا كثيراً؛ أن يتقرب الناس منك إلى هذه الدرجة، وعندما تفكر أنّ هناك خمسة أشخاص لديهم كل تلك الصلة، فهذا ليس أقل من معجزة".  
"أوافقك. كان يشبه المعجزة، ونعم أعتقد أن ما حصل جيد بالنسبة إليّ". قال تسوكورو. "ولكنّ انتهاء العلاقة جعل المفاجأة سيئة للغاية، أو يجب أن أقول عندما انتُزعت مني. إحساسٌ بالخسارة، الاغتراب...مثل هذه الكلمات، حتى إنك لا تستطيعين أن تقتربي من وصف ذلك الإحساس بالضبط".
"لكن مضى على ذلك أكثر من ست عشرة سنة، والآن أنت بالغ، في أواخر الثلاثينات، ربما عاد شعورك بالألم العظيم من جديد، ولكن ألم يحن الوقت لتتغلب عليه؟".
"أتغلب عليه!". أعاد تسوكورو. "ماذا تقصدين بالضبط؟".
أرخت يديها على الطاولة، باعدت بين أصابعها العشرة بعض الشيء. كانت تضع خاتماً في إصبعها الصغير في يدها اليسرى، عليه حجرٌ لوزي الشكل، حدّقت في الخاتم قليلاً ثم نظرت إليه.  
"أتاني إحساس بأنّ الوقت قد حان لتعرف سبب إقصائك، أو محاولة إقصائك عنهم بذلك الشكل المفاجئ".
"كان تسوكورو سيشرب ما تبقى من قهوته لكنه لاحظ أن فنجان القهوة قد فرغ فأعاده إلى الصحن. ضرب الفنجانُ الصحن فأصدر صخباً غير متوقع، استجاب النادل للضجيج، أسرع إليهما وأعاد ملء الزجاجات بالماء البارد.
انتظر تسوكورو أن يذهب النادل ليتكلم.      
"كما أخبرتك، أريد أن أخرج هذا كله من دماغي، حاولت ببطء أن أغلق الجرح وبطريقة ما أتغلب على الألم، استغرق هذا وقتاً طويلاً، والآن الجرح مغلق، لماذا أشقه فينفتح مرة أخرى؟".
"أفهمك، ولكن ربما يظهر من الخارج فقط أن الجرح لا يزال مغلقاً". حدقت بعينيه وتكلمت بهدوء. "ربما داخل الجرح، تحت القشرة التي تغطيه ما زال الدم يتدفق بصمت. ألم تفكر بهذا من قبل؟".  
لقد تجاوز تسوكورو ذلك، ولكن لم يكن لديه رد مناسب.
"هل تستطيع أن تخبرني عن أسماء أولئك الأربعة الكاملة، اسم المدرسة الثانوية، سنة تخرجكم منها، الكليات التي التحقوا بها، وعناوينهم الأخيرة حين كنتم على تواصل؟".
"ماذا تنوين أن تفعلي بتلك المعلومات؟".
"أريد أن أعرف أين هم الآن، وماذا يفعلون".
اختنق تسوكورو فجأة. التقط كأسه وابتلع بعض الماء. "لماذا؟". 
"لتقابلهم، لتتحدث معهم، وليفسروا لك سبب تخليهم عنك".
"وإذا قلت أنني لا أريد ذلك؟".
قلبت يديها على الطاولة فأصبح باطن يديها إلى الأعلى، واستمرت في النظر مباشرة إلى تسوكورو، عيناها لم تكفّ عن التحديق.
"هل أكون صريحة معك؟". سألت سارة.
"بالطبع".
"ليس من السهل قول ذلك".
"أريد أن أعرف بماذا تفكرين، لذا قولي ما يدور في دماغك".
"المرة الأخيرة التي تقابلنا فيها أخبرتك أنني لا أريد أن أرجع إلى شقتك، هل تذكر؟ هل تعرف لماذا قلت هذا؟". 
هز تسوكورو رأسه.
"أعتقد أنك شخص جيد، وأنا أحبك فعلاً، ليس كصديق"، قالت سارة وتوقفت قليلاً". "لكن أعتقد أن لديك نوعاً من المشاكل العاطفية التي لم تحلّ".
نظر إليها تسوكورو بصمت.
"هذا الجزء يصعب عليّ قليلاً التحدث عنه، من الصعب التعبير عنه، هذا ما أقصد. إذا ترجمته فسيبدو مبالغاً فيه، لا أستطيع أن أشرحه باعتدال أو بشكل منطقي. هو أقرب إلى أن يكون شيئاً بديهياً".
"أثق بحدسك". قال تسوكورو.
عضت سارة على شفتها بلطف ونظرت إليه، كأنها تقيس مسافة ما، ثم قالت. "عندما مارسنا الحب شعرت أنك في مكان آخر، مكان بعيد عنا ونحن معاً في السرير، كنت لطيفاً، وكان ذلك رائعاً، ولكن...".
رفع تسوكورو فنجان القهوة الفارغ مرة أخرى متمسكاً به بكلتا يديه، أعاده إلى الصحن ولكن هذه المرة دون أن يصدر صوتاً".
"لا أفهم". قال."كل الوقت كنت أفكر بك... أنت فقط، لا أتذكر أنني كنت في مكان آخر، بصدق، لا أظن أنه كان هناك أي احتمال لأفكر بشيء آخر غيرك". 
"ربما. ربما كنتَ تفكر بي فحسب، إذا قلت ذلك سأصدقك، ولكن كان في عقلك شيء آخر، على الأقل لقد شعرت بنوع من المسافة بيننا، ربما هذه من الأشياء التي تستطيع الأنثى وحدها التقاطها، على أية حال، ما أريدك أن تعرفه أنني لا أستطيع إكمال العلاقة على هذا النحو لمدة أطول من ذلك، حتى لو كنت مغرمة بك. أنا أكثر حباً للتملك، أكثر بساطة مما كنت أظن. إذا كنا في طريقنا لعلاقة جدية فلا أريد لأي شيء مهما كان أن يحول بيننا، هذا الشيء غير القابل للتحديد، هل تدرك ما أقول؟".
"أنك لا تريدين رؤيتي بعد الآن؟".
"لا، ليس كذلك". قالت. "ليست لدي مشكلة في رؤيتك والحديث معك بهذا الشكل، فأنا أستمتع بهذا كثيراً، لكني لا أريد أن أرجع إلى شقتك".
"تقصدين أنك لا تستطيعين ممارسة الحب معي؟".
"لا أستطيع". قالت سارة بصراحة.
"لأن لديّ...مشاكل عاطفية؟".
"صحيح، لديك مشاكل، تحملها معك، بعض الأشياء التي يمكن أن تتعمق أكثر مما تتوقع، ولكني أعتقد أنها من النوع الذي تستطيع تجاوزه إذا رتبتَ أفكارك وقررت ذلك فعلاً، كأن تشرع في إصلاح خلل ما في المحطة. لتفعل ذلك تحتاج أن تجمع البيانات اللازمة، تضع مخططاً دقيقاً، تنشئ برنامج عمل مفصل، وعلاوة على ذلك كله، تحتاج أن تحدد الأولويات".  
"ولأفعل هذا أحتاج أن أرى أولئك الأشخاص الأربعة مجدداً وأتحدث معهم. أهذا ما تقولينه؟".
أومأت. "يتطلب منك أن تواجه الماضي ليس كولد ساذج يُجرح بسهولة، بل كمحترف ناضج ومستقل. لا أن ترى ما تريد أن تراه بل ما يجب أن تراه، وإلا فستحمل ذلك الثقل بقية حياتك. لهذا السبب أريدك أن تخبرني بأسماء أصدقائك الأربعة، سأبدأ أتقصى أماكنهم الآن".
"كيف ستفعلين ذلك؟".
هزت سارة رأسها باستغراب. "تخرجت من كلية الهندسة ولا تعرف كيف تستخدم الإنترنت؟ ألم تسمع من قبل بجوجل أو فيسبوك؟".
"أستخدم الإنترنت في العمل بالطبع، وأعرف جوجل وفيسبوك، ولكن لا أستخدمهما كثيراً، أنا فقط غير مهتم بهما".
"إذاً اترك الأمر لي. فأنا خبيرة بمثل هذه الأمور". قالت سارة.

تمشيا بعد العشاء إلى شيبويا، كان مساء ساحراً مع اقتراب نهاية الربيع، وقد تغطى القمر الأصفر الكبير بالضباب، كان هناك أثر رطوبة في الهواء، وكان ذيل ثوب سارة يرتعش بجانبه في النسيم على نحو رائع، وكلما مشى كان تسوكورو يتخيل الجسد تحت تلك الثياب. فكّر أن يمارس معها الحب مرة أخرى، وكلما كان يتخيل ذلك يشعر بأنه عضوه بدأ يتصلّب، لم تكن لديه مشكلة بالإحساس بتلك الرغبات، فهي في النهاية رغبة طبيعية وشهوة ذكر بالغ سليم. ولكن ربما قد وضع في الداخل، في العمق (كما توقعت سارة) شيئاً غير منطقي، شيئاً ملتوياً، لم يستطع وصفه، كلما فكر أكثر في الحدود بين الوعي واللاوعي قلّ يقينه بوجوده.
تردد تسوكورو أولاً ثم قال:"هناك شيء يجب أن أصححه، شيء قد أخبرتك به في اليوم التالي".     
بينما كانت سارة تسير نظرت إليه، وقد أثار فضولها ذلك. "ما هو؟".
"كنتُ على علاقة مع مجموعة من النساء، ولكن لم يحصل شيء، لعدة أسباب، قلت لك أنه لم يكن خطئي وحدي".
"أذكر ذلك".
" خرجت خلال العشر سنوات الأخيرة مع ثلاث أو أربع نساء، واستمرت علاقتي بهنّ لفترة طويلة إلى حدٍ ما وكانت علاقة جدية، لم أكن أتلاعب بهنّ، وعدم نجاح أي علاقة مع واحدة منهنّ كان بسببي، ليس لأن هناك مشكلة لدى إحداهنّ". 
"وما هي المشكلة؟".
"كانت مختلفة قليلاً وذلك يعتمد على الشخص". قال تسوكورو. "ولكن العامل الشائع أكثر هو أنني في الحقيقة لم أنجذب إلى أي منهنّ. أعني، لقد أحببتهنّ وكنا نقضي وقتاً ممتعاً، لديّ الكثير من الذكريات، ولكني لم أشعر بأن هناك رغبة جرفتني أو طغت عليّ تجاه أي واحدة".
بقيت سارة صامتة لبعض الوقت. "لعشرة سنوات"، أخيراً قالت. "حظيت بعلاقات طويلة إلى حد ما وجديّة مع نساء لم تكن منجذباً إليهنّ".
"هذا صحيح تقريباً".
"لم يقنعني ذلك كثيراً".
"كان يجب أن أوافق".
"ربما لم ترد أن يصل بك الأمر إلى الزواج، أو أن تُقيّد؟".
هز تسوكورو رأسه. "لا، لا أعتقد أنّ هذا هو السبب، فأنا من الأشخاص الذين يرغبون بالاستقرار".
"لكن لا يزال هناك ما يمنعك نفسياً من القيام بذلك؟".
"ربما".
"يمكن أن تخوض علاقة فقط مع امرأة لست مضطراً لتفتح لها قلبك".
"ربما أخاف إذا أحببت واحدة ما، واحتجت إليها، يأتي يوم وتختفي فيه فجأة دون أية كلمة وتتركني وحيداً تماماً".
"إذاً أنت دائماً -بوعي ودون وعي- تُبقي مسافة بينك وبين المرأة التي تواعدها، وإذا لم تفعل ذلك تختار واحدة تستطيع أن تبقي بينكما تلك المسافة فلا تتأذى، هل اقتربتُ مما يدور في عقلك؟". 
لم يجب تسوكورو، كان صمته تأكيداً، وفي ذات الوقت كان يدرك أن ذلك ليس أساس المشكلة الحقيقيّ.
"وذات الشيء يمكن أن يحصل معي أنا وأنت". قالت سارة.
"لا، لا أعتقد ذلك، يختلف الأمر بالنسبة إليك، أنا فعلاً أعني ذلك، أريد أن أفتح لك قلبي، أنا حقاً أشعر بهذا الشيء. لهذا أخبرك عن كل هذا".
"تريد أن ترى المزيد مني؟". سألت سارة.
"بالطبع أريد".
"أريد أرى المزيد منكَ أنا أيضاً إذا استطعتُ ذلك". قالت سارة. "أنت شخص جيد، وصادق، ومخلص".
"شكراً لك". قال تسوكورو .
"إذاً أخبرني بتلك الأسماء الأربعة، وبعدها قرر. وعندما أعرف عنهم أكثر وأشعر أنك لا تريد أن تراهم فلست مجبراً على الاستمرار، الأمر يعود إليك كلياً، ولكن بغض النظر عن كل هذا، أنا شخصياً لديّ الفضول لأعرف عنهم، أريد أن أعرف المزيد عن أولئك الذين لا يزالون يتعبونك".

عندما عاد إلى شقته أخرج تسوكورو دفتر جيب قديم من درج مكتبه، فتح قائمة العناوين، ودوّن الأسماء الأربعة، العناوين، أرقام الهاتف منذ آخر مرة بحث فيها عن أصدقائه الأربعة في الحاسوب المحمول.

كي أكاماتسو
يوشيو أومي
يوزوكي شيراني
إري كورونو

عندما تفحص الأسماء الأربعة في الشاشة ورجعت الذكريات التي حملتها تلك الأسماء إليه، أحس أن الماضي قد اختلط بصمت مع الحاضر، في الوقت الذي كان يجب أن تحوم طويلاً في الهواء حوله، كدخان لا رائحة له ولا لون يتسرب إلى الغرفة من شق صغير في الباب. وأخيراً عند نقطة معينة عاد إلى الحاضر، نقر على المفتاح في حاسبه المحمول، وأرسل إيميل لسارة، تأكد أنه قد تم إرسال الرسالة وأطفأ الكمبيوتر، وانتظر الوقت أن يعود حقيقياً من جديد.
أنا شخصياً لديّ الفضول لأعرف عنهم، أريد أن أعرف المزيد عن أولئك الذين لا يزالون يتعبونك.
سارة على حق، فكر بهذا عندما تمدد في السرير، لا يزال أولئك الأشخاص الأربعة عالقين بي، وربما أكثر مما كانت سارة تتخيل.
السيد أحمر
السيد أزرق
الآنسة بيضاء
الآنسة سوداء