السبت، 18 نوفمبر 2017

19/11 2:21 AM

أشتاق إلى أشياء قديمة، أشياء أتذكرها وأخرى لا أتذكرها، أشياء تأخذني إليها، تجذنبي نحوها كأنني معدن عاديّ يشوبه القليل من الصدأ. أشتاق إليّ حين سمعت أغنية   Ne Me Quitte Pas بصوت Edith Piaf لأول مرة، وأنا أحاول إيجاد النهاية الأفضل لقصة قصيرة قديمة، وأنا أعرق، وعيناي تذهبان إلى مكان بعيد لوقت طويل جداً، وأبتسم، ثم أبكي لا من شيء، أشتاق إليّ وأنا أحاول أن أصدر صوتاً حتى لو كان حشرجة، قبل أن أصبح عديمة الصوت في منتصف الضجيج الذي لا يهدأ.

أشتاق إلى صديقاتي القديمات، إلى صورتهن التي ما تزال في المريول الأزرق، وحن نركض خلف بعضنا البعض في ساحة المدرسة الضيقة، إلى طوق شعري الأبيض ثم إلى ضحكاتنا البريئة على قصص بسيطة. أشتاق -كلما مرّ يوم- إلى الأمس، إلى الحالة التي كنت فيها أثناءه، إلى وجه إخوتي أيضاً عندما سقط الثلج لأول مرة في مدينتي القديمة، عندما كانت الحياة أبسط، حين لم أكن أتلهف لركوب المصعد بدلاً من الدرج، أشتاق إلى وجوهنا القديمة، إلى الأشياء التي أحبها كلها والتي تركتني أتذكرها، أشتاق إلى جدي وإلى الليالي التي كنا نقضيها معاً على سطح المنزل عندما كنت صغيرة، كان أغلب الوقت يحدق بالسماء ويخبرني عن قصص الأصدقاء والحطب والدفء في فلسطين، ثم أغط في النوم في حضنه، أشتاق إلى شغفه الذي لم يمت معه.

أنا سعيدة ومطمئنة، لكني غريبة، لا أدركني، ألاحقني دوماً ولا أصل إليّ، أحب تفاصيل كثيرة لكني غريبة، كنت أفكر دائماً أنه ما إن أصل إلى هذا الشعور؛ أن يعانقني شخص يحبني أكثر، أن أنتهي وحسب، أن ينتهي العالم بالغرابة نفسها التي بدأ فيها، أختفي وحسب، لا أموت، ولكن أختفي؛ لأن ذلك هو الخلاص، هو النشوة، هو التناقض، تسرب النفس إلى الخارج بالكامل حيث لا يعود هناك أي شيء يفصح عن وجود بسيط لك، الانتهاء، انتهاء كل شيء، والوصول إلى كل شيء، حتى إلى قراءة قصيدة كهذه:

"لا أحنّ إلى أي شيء
فلا أمس يمضي، ولا الغد يأتي
ولا حاضري يتقدم أو يتراجع
لا شيء يحدث لي!
ليتني حجرٌ-قلتُ-يا ليتني
حجرٌ ما ليصقلني الماءُ
أخضرُّ، أصفرُّ...أوضع في حُجْرة
مثل منحوتة، أو تمارين في النحت...
أو مادة لانبثاق الضروريّ
من عبث اللاضروريّ...
يا ليتني حجرٌ
كي أحنّ إلى أيّ شيء!".   
    

السبت، 4 نوفمبر 2017

الفصل (10) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي

أخذ تسوكورو عطلة طويلة في نهاية مايو وعاد إلى بيته في ناغويا لثلاثة أيام. كانت تقيم عائلته خدمة بوذية تذكارية لوالده، لذا فقد كان الوقت مناسباً جداً أن يعود.
منذ وفاة والده وأخته الكبرى تسكن مع زوجها في منزل والدة تسوكورو الواسع، لكن غرفة تسكورو القديمة ظلت شاغرة منذ غادرها، فبقي فيها. لم يتغير سريره، مكتبه، ورف كتبه من أيام دراسته الثانوية، رف الكتب قد صُفّت عليه خطوط من الكتب القديمة، الأدراج مليئة بأقلام الحبر ودفاتر المذكرات التي لم تستخدم منذ كان صبياً.
حدثت الخدمة التذكارية في اليوم الأول من عودته، أقيمت في معبد، متبوعة بوجبة طعام مع الأقارب، لقد أعطته وقتاً كافياً ليقف مع عائلته، وفي اليوم التالي كان متفرغاً، فقرر تسوكورو أن يرى أو أولاً، كان يوم أحد حيث معظم مواقع العمل مغلقة في الغالب إلا أعمال السيارات الحديثة، قرر تسوكورو أن أياً من أصدقائه يراه فإنه سيظهر صدفة، دون موعد. لقد أراد أن يحصل على استجابة صادقة عندما يرونه مجدداً، دون إعطائهم فرصة أن يجهزوا أنفسهم عقلياً لهذه الزيارة. إذا لم يكن قادراً على لقائهم عندما يظهر، أو إذا رفضوا رؤيته فسيتعايش مع ذلك، إذا حصل ذلك فسيكتشف طريقاً آخر.  
كانت صالة عرض ليكزس في منطقة هادئة قرب قلعة ناغويا، صُفّت مجموعة ليكزس بألوانها العديدة بطريقة رائعة، خلف نوافذ عرض زجاجية عريضة، جميع أنواع السيارات؛ من السيارات الرياضية إلى سيارات الدفع الرباعي. السيارة الموجودة داخل المعرض؛ السيارة الجديدة المميزة قد انبعثت منها رائحة طيبة باتجاهه؛ مزيج من روائح الإطارات الجديدة والبلاستيك والجلد.
سار تسوكورو ليتحدث مع امرأة صغيرة جالسة على كرسي الاستقبال، لفت شعرها على شكل كعكة متقنة، كاشفة عن عنق بيضاء نحيلة، زينت عنقها بفازة من زهور الأضاليا البيضاء والزهرية.
"أود رؤية السيد أومي لو سمحتِ". أخبرها.
أومضت له بابتسامة هادئة متزنة متناسبة تماماً مع المعرض النظيف اللامع، أحمر شفاهها كان ظلاً طبيعياً، حتى أسنانها كانت جميلة. "السيد أومي؟ بالطبع سيدي. وأنت تكون؟".
"تازاكي". قال.
"السيد تازاكي، وهل لديك موعد اليوم؟".   
لم يصحح خطأها في لفظ اسمه، إنه خطأ شائع. سيفي ذلك بالغرض.
"أخشى أنني لم آخذ موعداً".
"فهمت. إذا سمحت لي للحظة". ضغطت المرأة على زر إضافي على هاتفها وانتظرت حوالي خمس ثوانٍ، ثم تحدثت. "السيد أومي؟ هنا زبون يدعى السيد تازاكي يريد رؤيتك. نعم هذا صحيح. السيد تازاكي".
لم يستطع سماع ما كان يقوله الطرف الآخر، لم يسمع إلا ردودها المقصوصة القصيرة. قالت أخيراً: "حسناً سيدي، سأخبره بذلك".
أغلقت السماعة ثم نظرت إلى تسوكورو. "سيد تازاكي، أخشى أنّ السيد أومي مشغول هذه اللحظة، ولا يستطيع الانصراف عن عمله. أعتذر بشدة، لكن هلي أن أطلب منك الانتظار؟ لقد قال أن الأمر لا يأخذ عشرة دقائق".     
كانت طريقتها في التحدث لطيفة وقد تدربت عليها كثيراً، عبارات التعظيم اليابانية لا تجد فيها عيباً، لقد بدت صادقة في اعتذارها عن جعله ينتظر، من الواضح أنها قد تلقت تعليماً جيداً جداً، أو ربما كانت طبيعتها من ذلك النوع من الناس؟
"لا بأس. أنا لست مستعجلاً". قال تسوكورو.
قادته إلى أريكة سوداء جلدية بلشية. وبجانبه كان هناك أصيص ضخم مزخرف، ويُعزَف لحن لأنطونيو كارلوس جوبيم في الخلفية. وقوائم (جلوسي ليكزس) موضوعة على طاولة القهوة الزجاجية الضيقة.
" هل تفضل القهوة أم الشاي؟ أم ربما الشاي الأخضر؟".
" سيكون جيداً لو كانت قهوة". قال تسوكورو.
وبينما هو يتصفح قائمة أحدث سيارات الليكزس أحضرت له القهوة بكوب ملون باللون الكريمي مطبوع عليه شعار ليكزس. شكرها. كانت القهوة لذيذة، ذات عبق منعش، وذات الحرارة الأفضل.
كان تسوكورو سعيداً بأنه قرر ارتداء بذلة وحذاء جلدي. لم يكن يعلم ما يرتديه الناس في العادة الذين يأتون لشراء سيارة ليكزس، ولكنهم قد لا يأخذونه على محمل الجد إذا ظهر بقميص بولو وجينز وحذاء رياضي. فقبل أن يغادر المنزل بقليل غيّر رأيه فجأة ووضع على نفسه بذلة وربطة عنق.
بقي ينتظر خمس عشرة دقيقة، وخلال ذلك كان يتصفح التشكيلة الداخلية لموديلات ليكزس. وقد اكتشف أن ليكزس لم تعطِ لموديلاتها المختلفة أسماء، ككورولا أو كراون لكن بدلاً من ذلك فقد استخدمت أرقاماً للتمييز بين الموديلات. بالضبط كمرسيدس بنز و بي ام دبليو. وسيمفونيات برامس.       
ظهر أخيراً رجل طويل، قطع صالة العرض باتجاه تسوكورو. كانت كتفاه عريضتين، سار بطريقة حاسمة يجعل ممن حوله يعرف أنه لن يضيع وقتاً في الانتقال من النقطة أ إلى النقطة ب. هو أو حتماً، حتى وإن تمت رؤيته من مسافة بعيدة، لقد بدا أنه –تقريباً- لم يتغير منذ أن كان في المدرسة الثانوية، لقد كبر جسده قليلاً، هذا كل ما في الأمر، كبيتٍ مع توسعة تستخدم عندما تكبر العائلة. أرجع تسوكورو القوائم إلى أعلى الطاولة وقام من على الكنبة.       
"أعتذر لأني جعلتك تنتظر. أدعى أومي".
وقف أو أمام تسوكورو، انحنى قليلاً، البذلة التي غطت جسده كانت قد شُدت جيداً دون تجعيد واحد. بذلة ناعمة؛ مزيج من الرمادي والأزرق في قماش خفيف. إذا أخذنا بعين الاعتبار مقاسه فحتماً قد تمت صناعتها بناءً على الطلب. قميص رمادي فاتح وربطة عنق باللون الرمادي الغامق قد أكملت الطقم. تذكر تسوكورو كيف كان شكل أو في المدرسة الثانوية ووجد الآن مظهره بهذا اللباس المتكامل أمراً مفاجئاً. إلا أنّ شعر أو لم يتغير، قصة لاعب الركبي القصيرة، كما أنه أسمر جداً كما في السابق.
تغيرت ملامح أو قليلاً عندما رأى تسوكورو. لمع شك قليل في عينيه، كأنه قد رأى شيئاً في وجه تسوكورو قد تذكره، لكنه لم يستطع أن يتذكره تماماً. ابتسم، تراجع عما كان سيقول، منتظراً تسوكورو أن يتكلم.
"لقد مضى زمن". قال تسوكورو.
وحال سمع صوت تسوكورو غادرت فجأة طبقة الشك التي كانت تغطي وجه أو. لم يتغير صوت تسوكورو أبداً.
"تسوكورو؟". قال مضيّقاً عينيه.
أومأ تسوكورو. "أعتذر عن تطفلي في وقت العمل بهذا الشكل ، لكني رأيت أنها أفضل طريقة".
أخذ أو نفساً عميقاً، ارتفعت كتفاه ثم أخرج نفسه ببطء. نظر إلى جسد تسوكورو بالكامل كأنه يفحصه، تحركت نظراته من الأعلى إلى الأسفل ثم عادت إلى الأعلى مرة أخرى.
"لا أصدق كم تغيرت!". قال أو بانفعال. "إن اعترضتُ طريقك في الشارع فلن أميزك".
"لم تتغير أبداً".
"التوى فم أو الكبير إلى اتجاه واحد. "لقد زاد وزني، أصبح لدي كرش الآن، ولم أعد أستطيع الجري بسرعة، الجولف مرة في الشهر مع أحد الزبائن هذا كل ما أستطيع تحقيقه".
بقيا صامتين لفترة.
"لم تأتِ إلى هنا بهدف شراء سيارة هل أنا محق؟". سأل أو كأنه يوافق على ذلك.
"أنت محق، لم آت إلى هنا لشراء سيارة. إذا كنت متفرغاً أريد أن أتكلم معك، نحن الاثنان فقط. حتى لو كان وقتاً قصيراً".
أظهر أو عبوساً جزئياً وغير واثق. دائماً ما يفصح وجهه عن المشاعر،منذ المرة الأولى التي عرفه فيها تسوكورو.
"لدي جدول مكتظ جداً اليوم، عليّ أن أتفقد بعض الزبائن، وبعدها عندي اجتماع في المساء".
"أخبرني عن الوقت المناسب لك، أنا مستعد لما يتناسب معك. فهذا ما أعادني إلى ناغويا".
راجع أو جدوله في عقله، ثم حدق في ساعة الحائط. كانت الحادية والنصف. فرك أنفه بقوة ثم تكلم، كأنه عزم على شيء. "حسناً، سأتناول الغداء عند الساعة الثانية عشرة، أستطيع أن أقابلك لنصف ساعة. إذا خرجت من هنا واتجهت يساراً سترى ستاربوكس أسفل الشارع. سأقابلك هناك".
وصل أو ستاربوكس الساعة الثانية إلى خمس دقائق.
"يوجد إزعاج هنا، لنأخذ بعض المشروبات ونذهب إلى مكان آخر". قال أو. طلب كاباتشينو وكعكة مدورة . اشترى تسوكورو زجاجة مياه معدنية. سارا باتجاه متنزه قريب وجلسا على مقعد فارغ.
غطت السماء طبقة رقيقة من الغيوم، لا يُرى أية بقعة زرقاء في أي مكان، لذا فلا يبدو شتاءً. ليس هناك رياح حتى. أغصان شجرة الصفصاف القريبة كانت مثقلة بأوراق خصبة ومتدلية بشكل كبير، تصل إلى الأرض تقريباً، لكنهما لا يزالان مستغرقان في تفكير عميق. أحياناً يحط عصفور صغير غير مستقر على غصن لكنه يستسلم بعد قليل ويحلق بعيداً. يرتعش الغصن قليلاً، كذهنٍ شديد الاضطراب، ثم يعود إلى ثباته.
"ربما قد تأتيني مكالمة ونحن نتحدث"، قال أو. "آمل أن تسامحني. فلدي مجموعة من الأمور المتعلقة بالعمل أحاول إنجازها".
"ليست هناك مشكلة، أستطيع أن أتخيل كم يجب أن تكون مشغولاً".
"الهواتف النقالة مريحة جداً على الرغم من أنها مصدر إزعاج"، قال أو. "إذاً أخبرني، هل أنت متزوج؟".
"لا، لا زلت أعزباً".
"لقد تزوجت قبل ست سنوات، ولدي طفل، ذكر عمره ثلاث سنوات. وآخر على الطريق، وزوجتي تكبر شيئاً فشيئاً. الموعد المقرر في سبتمبر. أنثى هذه المرة".
أومأ تسوكورو. "الحياة تمضي بلطف إذاً".
"لا أعلم شيئاً عن اللطف، لكنها تمضي على الأقل. ليست هناك عودة ممكنة الآن لوضعها في طريقة أخرى. ماذا عنك؟".
"ليست سيئة جداً"، قال تسوكورو مخرجاً بطاقة عمل من محفظته، ومقدماً إياها لأو، الذي التقطها وأخذها يقرأها بصوت مرتفع.
"شركة ]ــــــ[ لسكك الحديد. قسم المعدات، فرع البناء".
"بشكل عام، نبني ونقوم بصيانة محطات القطار"، قال تسوكورو.
"دائماً ما كنت تحب المحطات، أليس كذلك؟"، قال أو بانفعال. أخذ رشفة من الكاباتشينو. "إذاً لقد حصلت على وظيفة في المجال الذي تحب".
"لكني أعمل في شركة، لذا فإنني لا أستطيع فعل ما أحب، هناك كافة الأنواع من الأشياء المملة التي يجب عليّ فعلها".
"إنه الشيء ذاته في كل مكان"، قال أو. "ما دمت تعمل لصالح أحد فيجب أن تطيق ذلك مع كثير من الحماقة". هز رأسه عدة مرات، كأنه يتذكر أمثلة.
"إذاً هل مبيعات ليكزس جيدة؟". سأل تسوكورو.
"ليست سيئة. تبقى هذه ناغويا. بلد التويوتا. سيارات التويوتا -عملياً- تبيع نفسها. لكن منافستنا الآن ليست نيسان وهوندا، إننا نستقطب الزبائن الذين يشترون السيارات المستوردة الأغلى. تحاول سياراتك المرسيدس والبي ام دبليو أن تحولهم إلى مشتري ليكزس. هذا الذي دعا التويوتا إلى أن تصنع ماركة موثوقة. ربما تأخذ وقتاً لكنني واثق أنها ستنجح".
"الخسارة ليست خياراً".
ارتسمت نظرة غريبة على وجه أو لثانية ثم ابتسم بطلاقة. "آه حديثي الحيوي حديث السن في الركبي ــــ، لقد اخترتَ شيئاً غريباً لتتذكره".   
"لقد كنتَ جيداً في تعزيز المعنويات".
"نعم، لكني ضعت معظم الوقت. العمل في الحقيقة يسير بسلاسة. ما يزال الاقتصاد يأخذ شكلاً سيئاً بالتأكيد، لكن الأغنياء ينجحون في الإمساك بأموالهم. بشكل مدهش جداً".
أومأ تسوكورو، وأكمل أو.
"لقد قدت سيارة ليكزس بنفسي منذ مدة. إنها سيارت رائعة؛ هادئة ولا تحتاج إلى إصلاح. لقد خرجت بواحدة في مادة الاختبار وزدت سرعتها لتصل إلى 125 ميلاً في الساعة. المقود كان ثابتاً، وليس هناك اهتزاز على الإطلاق، المكابح ثابتة أيضاً. إنها سيارة مذهلة. إنه من الجميل أن تكون لديك القدرة على أن تبيع الناس شيئاً تؤمن به أنت نفسك. لا يهم كم سأكون متحدثاً جيداً إذا لم أبع شيئاً لا أحبه حقاً".
وافق تسوكورو.
نظر أو في عينيه تماماً. "أراهن أنني أبدو كبائع سيارات".
"لا أظن ذلك"، قال تسوكورو. لقد عرف أنّ أو كان صادقاً في شعوره، ومع ذلك، فقد بقيت الحقيقة؛ أنه لم يتحدث هكذا من قبل في أيام المدرسة الثانوية. 
"هل تقود سيارة؟"، سأل أو.
"نعم، لكني لا أملك سيارة. تستطيع في طوكيو أن تستقل القطارات، الحافلات، وسيارات الأجرة. أتجول في الدراجة كثيراً. وعدما أضطر إلى سيارة أستأجر واحدة. إن الأمر يختلف عن ناغويا".
"نعم، سيكون هذا سهلاً وأقل تكلفة"، قال أو. أخرج تنهيدة صغيرة. "الناس يخرجون دون سيارة. إذاً كيف تعيش في طوكيو؟".
"حسناً، عملي هناك، ولقد عشت هناك مدة كافية لأعتاد عليها. ليس لدي مكان آخر لأذهب إليه. هذا كل ما في الأمر. لا يعني الأمر أنني مهووس بالمكان".
بقيا صامتين لفترة. مرت امرأة متوسطة في العمر ومعها كلبان مرقعان يسيران قبلها، ثم بعض العدائين المتوجهين إلى القلعة.
"لقد قلت أن لديك شيئاً تريد أن تتحدث بشأنه". قال  كأنه يخاطب شخصاً في مكان بعيد.
"خلال العطلة الصيفية في سنتي الثانية في الكلية عدت إلى ناغويا واتصلت بك"، بدأ تسوكورو. "لقد أخبرتني حينها أنك لا تريد رؤيتي بعد الآن، أن لا أتصل بك مطلقاً، وأربعتكم كان لديه ذات الشيء. هل تتذكر ذلك؟".
"بالتأكيد أتذكر ذلك".
"أريد أن أعرف السبب". قال تسوكورو.
"هكذا ببساطة بعد كل هذا الوقت؟"، قال أو، وقد بدا مستغرباً بعض الشيء.
"نعم بعد كل هذا الوقت، لم تكن لدي القدرة أن أعود وأسألك، لقد كان ذلك غير متوقع أبداً، وصادم جداً، وكنت أخشى أن أسمع السبب الذي دعاكم إلى رفضي بتلك القوة. لقد شعرت بأنه إذا أخبرتني فلن أتعافى، لذلك حاولت نسيان الأمر كله دون أن أبحث فيما حدث، اعتقدت أن الزمن سيشفي الألم".  
قضم أو قطعة صغيرة من الكعك ورماها في فمه، مضغها ببطء، وأنزلها بالكاباتشينو. أكمل تسوكورو.
"مضت ست عشرة سنة، لكني أشعر بأن الجرح لا يزال هناك داخلي، كأنه لا يزال ينزف. لقد حدث شيء في الواقع، شيئاً مهماً للغاية  بالنسبة إلي جعلني أعي ذلك، هذا ما دفعني إلى المجيء إلى ناغويا لأراك، أعتذر عن الظهور في مثل هذه الحالة السيئة".
حدّق أو لبعض الوقت في أغصان الصفصافة الثقيلة المتدلية. "ليس لديك أية فكرة عن السبب الذي دفعك إلى فعل ذلك؟"، قال أخيراً.
"لقد فكرت فيه لست عشرة سنة لكني لم أحصل على نتيجة".
ضيّق أو عينيه، محتاراً على ما يبدو، ثم فرك أرنبة أنفه (عادته التي تظهر عندما يفكر كثيراً). "عندما أخبرتك بذلك قلت: أفهم ذلك ثم أغلق السماعة، لم تعترض ولم تفعل شيئاً آخر، لم تحاول أن تتقصى الأمر حتى، لذلك من الطبيعي أن أعتقد أنك قد عرفت السبب".   
"الكلمات لا تخرج عندما تتألم بذلك العمق"، قال تسوكورو.
لم يرد أو، قسم قطعة أخرى من الكعك ورماها لبعض الحمام، تجمع الحمام بسرعة حول الطعام، بدا أنه معتاد على فعل ذلك، ربما يأتي في العادة إلى هنا في وقت استراحته ويتشارك مع الطيور غداءه.  
"حسناً، أخبرني، ما السبب؟"، سأل تسوكرو.
"أليست لديك أية فكرة حقاً؟".
"كلا، حقاً".
بعدها فوراً صدرت موسيقى مبتهجة من جهاز أو المحمول، سحب الجهاز من جيب القميص، تفحص الاسم على الشاشة، ضغط على مفتاح بهدوء ثم أرجعه إلى الجيب. لقد سمع تسوكورو الموسيقى تلك  في مكان ما قبل ذلك. أغنية شعبية قديمة لأحد ما، ربما هو مشهور قبل أن يُولد، لكنه لم يتذكر اسمه.
"إذا كان لديك شيء تريد أن تفعله"، قال تسوكورو، "أرجوك افعله بحرية".
هز أو رأسه. "لا بأس. إنه ليس بتلك الأهمية، سأقوم به في وقت لاحق".
شرب تسوكورو القليل من عبوة المياه المعدنية البلاستيكية. "لماذا قد تم طردي من المجموعة؟".
فكر أو في ذلك لبعض الوقت قبل أن يتحدث. "إذا كنت تحاول أن تقول أنه ليست لديك أية معرفة عن السبب، ماذا يعني ذلك؟ أنك لم تقم بأية علاقة جنسية مع شيرو؟".
انكمشت شفتي تسوكورو متفاجئاً. "علاقة جنسية؟! مستحيل!".
"قالت شيرو أنك اغتصبتها"، قال أو كما لو أنه معارض لما قد قال. "لقد قالت إنك أجبرتها على الجنس".
بدأ تسوكورو يستجيب لكن الكلمات لم تأتِ. وحتى مع وجود الماء، جفّ جدار حلقه حتى الألم.
"لم أستطع تصديق أنك ستفعل شيئاً مثل هذا"، أكمل أو.
"أعتقد أن كورو وأكا قد شعرا بذات الشيء. لست من النوع الذي يرغم أحداً على فعل شيء لا يريد فعله. أنت لست عنيفاً، نحن نعلم ذلك. لكن شيرو كانت جادة جداً في ذلك، لقد كانت تهجس بذلك حتى. كان لديك وجه عام، ووجه خاص مخفيّ، قالت. لديك جانب مظلم ومخفي، شيء مشوش ومفصول عن جانبك الذي يعرفه الجميع. عندما قالت ذلك لم يكن لدينا ما نستطيع قوله".
عض تسوكورو شفته لبعض الوقت. "هل وضحت شيرو ربما كيف اغتصبتها ؟".
"نعم بواقعية كبيرة وبتفصيل عظيم. لم أكن أريد أن أسمع شيئاً من ذلك. في الواقع، كان مؤلماً سماع ذلك، مؤلماً وحزيناً. لقد آلمتني، عليّ قول ذلك. على أي حال لقد كانت عاطفية جداً، كان جسدها يرتجف، كانت محتدة جداً، حتى أنها بدت كشخص مختلف. فحسب شيرو، لقد سافرت إلى طوكيو لتشاهد حفلاً موسيقياً لعازف بيانو أجنبي مشهور، وأبقيتها في شقتك في جيوجاوكا. أخبرت والديها أنها ستبقى في فندق، لكن بالبقاء معك فإنها توفر النقود.  بشكل طبيعي، قد تتردد في البقاء مفردها في شقة رجل، لكنه أنت، لذا أحست بالأمان. لكنها قالت أنك في منتصف الليل اغتصبتها. حاولتْ أن تقاوم، لكن جسدها كان متجمداً ولم يتحرك. لقد احتسيتما شراباً قبل النوم، وربما أضفت شيئاً إلى كأسها. هذا ما أخبرتنا به".
هز تسوكورو رأسه. "لم تز شيرو شقتي في طوكيو ولا مرة، بقيت وحدي دائماً".
هز أو كتفيه بشكل خفيف، تغير وجهه كأنه قد قضم شيئاً مراً، ونظر في جانب واحد. "الشيء الوحيد الذي كنت سأفعله أن أصدق ما قالت. لقد أخبرتنا أنها كانت عذراء، أنك أفقدتها عذريتها بالقوة، وكان ذلك مؤلماً، وقد نزفت. كانت شيرو دائماً خجولة وعفيفة ولم أستطع أن أتخيل السبب الذي دعاها إلى اختلاق قصة حية كهذه".
عاد تسوكورو ينظر في ملامح أو. "افترض ذلك، ولكن لم لم تسألني؟ ألم يجدر بك أن تمنحني فرصة لأوضح ذلك؟ بدلاً من تجربتي هكذا في الغيب؟".   
تنهد أو. "أنت محق تماماً. بالنظر إلى الماضي، بلى، هذا ما كان يجب علينا فعله، وجب أن نسمع رأيك في القصة، لكننا لم نكن نستطيع في ذلك الوقت ، كان ذلك مستحيلاً، كانت شيرو محتدة وقلقة بشكل لا يمكنك تصوره، لم نكن ندري ما حصل، لذا فكان أول شيء علينا فعله هو تهدئتها، لم نكن نصدق كل شيء، بعض الأجزاء لم تكتمل، لكننا في ذات الوقت لم نعتقد أنه كله خيال، كان ما أخبرتنا به مليئاً بالتفاصيل حتى أننا تخيلنا أنه ينحو إلى الحقيقة".   
"تابعتم إذاً وقاطعتوني".
"تسوكورو عليك أن تفهم أننا صدمنا وتشوشنا تماماً، تألمنا أيضاً. لم نكن ندري من نصدق. وخلال ذلك وقفت كورو إلى جانب شيرو. لقد أرادت أن نقاطعك مثلما طلبت منا شيرو. أنا لا أبرر فعلتنا لكنني وأكا جاريناهم وفعلنا ما طلبت كورو.
تنهد تسوكورو. "إن صدقتني أو لم تصدقني، أنا لم أغتصب شيرو ولم أقم بعلاقة جنسية معها، حتى إنني لا أتذكر أنني فعلت ما يشبه ذلك".
أومأ أو لكنه لم يقل شيئاً. أي شيء سواء صدقه أو لم يصدقه قد مضى عليه وقت طويل جداً، هذا ما توصل إليه تسوكورو. على الثلاثة الباقين أيضاً، وعلى تسوكورو نفسه.
دق هاتف أو مرة أخرى، تفحص الاسم ثم عاد إلى تسوكورو.
"أعتذر، لكن هل تمانع إذا أجبت على هذه المكالمة؟".
"أجب". قال تسوكورو.
قام أو عن المقعد، سار خطوات قليلة بعيداً، وبدأ يتحدث عبر الهاتف. أوضخت لغة جسده وملامحه أنه زبون. تذكر تسوكورو فجأة لحن نغمة الرنين؛ هو لحن لإلفيس بريسلي (فيفا لاس فيجاس)!". لا يهم ما نوع الدوران الموضوع فيها، لكن هذه ليست النغمة المناسبة لبائع ليكزس بارع. أحس تسوكورو أنه ببطء شديد يرشح من الأشياء حوله.
عاد أو وجلس على المقعد.
"أعتذر عن ذلك"، قال. "لقد انتهيت".
نظر تسوكورو إلى ساعته، إنها تقرب من نهاية الثلاثين دقيقة التي قال أو أنه سيغادر بعدها.
"لكن ما الذي دفع شيرو إلى أن تدعي أشياء سخيفة مثل هذه؟"، سأل تسوكورو. "ولماذا أنا الذي تسبب بذلك؟".  
"لا أعلم"، قال أو. هز رأسه بضعف عدة مرات. "أعتذر، لكني لا أستطيع مساعدتك، فأنا مغيب تماماً عن الأمر بكامله فيما مضى وحتى الآن ".
شكوك حول ما هو صحيح وما يجب أن يصدقه قد سيطرت على أو، وهو ليس من النوع الذي يستطيع تحمل أن يكون قلقاً، لقد كان دائماً يقدم أقصى ما لديه في ملعب منظم، بقوانين منظمة، وفريق منظم.
"يجب أن تكون كورو تعرف أشياء أكثر"، قال أو. "لقد جاءني ذلك الانطباع، كأن تكون هناك تفاصيل لم تخبرنا بها، تفهم ما أعنيه؟ النساء يفصحن عن أشياء أكثر فيما بينهن".
"تعيش كورو في فنلندا الآن"، قال تسوكورو.
"أعلم، إنها ترسل لي رسالة من حين لآخر"، قال أو.
صمتا مرة أخرى. مجموعة من ثلاث فتيات في المرحلة الثانوية بزي المدرسة يعبرن المتنزه، تحركت أطراف تنانيرهن بقوة مصدرة حفيفاً، ثم ضحكن بصوت مرتفع عندما مررن من أمام المقعد. لم تزل الفتيات تشبه الأطفال، جوارب بيضاء وأحذية سوداء، وذات ملامح بريئة. أعطت تسوكورو إحساساً غريباً في أن يفكر أنه منذ زمن ليس بعيداً جداً كان وأو وأصدقاؤه في ذلك العمر.
"شكلك الآن مختلف تماماً ، أتعلم ذلك؟"، قال أو.
"بالتأكيد لقد تغيرت، أنت لم ترني منذ ست عشرة سنة".
"لا، ليس بسبب أنه مضى زمن طويل. في البداية لم أميزك. وعندما نظرت جيداً، بالطبع عرفت من تكون. تبدو –لا أعلم- نحيلاً ومخيفاً نوعاً ما، لديك تلك الوجنات الغائرة، العينان الحادتان. في السابق كان لديك وجه دائري، من النوع الناعم جداً".    
لم يستطع تسوكورو أن يخبره كيف غيرته -خلال نصف عام- تلك الهواجس التي كانت تنتابه والتي أوصلته إلى التفكير بالموت، إلى تدمير نفسه، كيف حولت تلك الأيام، على الدوام، الشخص الذي كان. لقد أحس بإحساس لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن تجاوز نصف اليأس الذي عاشه في ذلك الوقت حتى، ربما كان من الأفضل عدم زيادته أبداً. كان تسوكورو صامتاً، منتظراً أو أن يكمل.
"في مجموعتنا كنت دائماً الأكثر وسامة، الشاب الذي يعطي دائماً انطباعاً جيداً للآخرين، نظيفاً، مرتباً، أنيقاً، ومهذباً. كنت تثق دائماً أن تحيي الناس بلباقة، ولا تقول شيئاً غبياً. لا تدخن، وبالكاد تلمس الكحول، دائماً تأتي على الموعد. هل تدري أن أمهاتنا جميعاً كنّ أكثر المعجبات بك؟".
"أمهاتكم؟!"، قال تسوكورو متفاجئاً، إنه بالكاد يتذكر شيئاً عنهن. "ولم أكن وسيماً، ليس في ذلك الحين ولا الآن. لدي ذلك الشكل الأحمق".
هز أو كتفيه بشكل خفيف. "على الأقل كنت الأفضل شكلاً في مجموعتنا. كان لوجهي هوية، أظن أنها هوية الغوريلا، وأكا له صفة الطالب المثابر بنظارات. الذي أحاول أن أقوله هو أننا نظهر جميعاً بأدوارنا المختلفة بشكل جيد إلى حد ما. أعني حتى أنّ المجموعة استمرت.
"لعبنا تلك الأدوار بوعي؟".             
"لا، لا أظن أننا كنا بذلك الوعي بها"، رد أو. "لكنا أحسسنا بكل دور لعبه كل واحد منا. أنا كنت الرياضي الذي لا هم لديه، أكا العاقل الذكي، شيرو الشابة الجميلة، كورو الممثلة الكوميدية سريهة البديهة، وأنت الشاب المهذب الوسيم". 
فكر تسوكورو بذلك. "إنني دائماً ما أنظر لنفسي على أنني شخص فارغ، أفتقد اللون والهوية، ربما هذا دوري في المجموعة؛ أن أكون فارغاً".
انطلقت من عيني أو نظرة مرتبكة. "لم أفهم، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه من هو فارغ؟".
"إناء فارغ، خلفية عديمة اللون، بلا خلل محدد، لا شيء مميز، ربما كان ذلك النوع من الأشخاص ضرورياً في المجموعة".   
هز أو رأسه. "لم تكن فارغاً، لا أحد قد فكر بهذا أبداً، أنت...كيف أوضح ذلك؟ ساعدت الباقين ليرتاحوا".
"ساعدتهم ليرتاحوا؟"، أعاد تسوكورو مندهشاً. "تقصد كالموسيقى في المصعد؟".
"لا، ليس كذلك، من الصعب توضيح ذلك، لكنْ وأنتَ لدينا هناك كنا نستطيع أن نكون أنفسنا. لم تكن تتحدث كثيراً، لكن أقدامك كانت راسخة في الأرض وهذا ما أعطى المجموعة إحساساً بالأمان، كالمرساة. لقد رأينا ذلك بوضوح عندما لم تعد معنا . كم نحتاج إليك فعلاً! لا أعلم إن كان ذلك السبب، لكن عندما غادرت ذهبنا إلى طرق متفرقة نوعاً ما".      
بقي تسوكورو صامتاً، غير قادر على إيجاد الرد الصحيح.
"تعلم أننا -بطريقة ما- كنا خليطاً مذهلاً، خمستنا كالأصابع الخمسة. "رفع أو يده اليمنى وفرّق بين أصابعه السميكة. "لا زلت أدرك ذلك، نجح خمستنا جميعاً بشكل طبيعي في ما افتقد إليه الآخرون، وتشاركنا صفاتنا الجيدة. أشك أن شيئاً كهذا يمكن أن يحدث مرة أخرى في حياتنا. إنه شيء يحدث مرة واحدة فقط. لدي عائلتي الآن، وبالطبع أحبها، لكن في الحقيقة ليس لدي ذات الشعور العفوي النقي تجاههم الذي كنت أكنه لكم جميعاً في ذلك الوقت".
كان تسوكورو صامتاً. ثنى أو الكيس الورقي على شكل كرة ولفه حول يده الكبيرة.
"أنا أصدقك تسوكورو"، قال أو. "بأنك لم تفعل شيئاً بشيرو. إذا فكرتَ في ذلك، فسيتولد وعي مطلق. لم تكن لتفعل مثل ذلك أبداً".
وبينما كان تسوكورو يتساءل كيف سيجيب، صدر صوت (فيفا لاس فيجاس) من هاتف أو مجدداً. تفحص اسم المتصل وأرجعه إلى جيب قميصه.
"أعتذر، لكني مضطر إلى العودة إلى مكتبي، العودة إلى ضجة السيارت، هل تمانع إذا سرت معي إلى القسم؟".
سارا باتجاه الشارع جنباً إلى جنب، لم يتحدثا لوقت.
تسوكورو كان أول من كسر الصمت. "قل لي، لمَ فيزا لاس فيجاس كنغمة للرنين؟".
ضحك أو بينه وبين نفسه. "هل رأيت ذلك الفيلم؟".
"منذ وقت طويل، على التلفاز في وقت متأخر جداً في الليل. لم أتابع كل شيء".
"فيلم سخيف نوعاً ما، صحيح؟".
ابتسم تسوكورو ابتسامة طبيعية.
"دعيت قبل ثلاث سنوات كأفضل موظف مبيعات في اليابان، لأنضم إلى مؤتمر في لاس فيجاس يضم تجار ليكزس الأمريكيين. كان مكافأة لأدائي أكثر منه مؤتمراً حقيقياً. وبعد الاجتماع في الصباح، كان بقية اليوم عبارة عن لعب قمار وشرب. كانت فيفا لاس فيجاس لحناً رئيسياً للمدينة، تسمعه في كل مكان تذهب إليه. تعزف كأغنية خلفية عندما يكون العدد كبيراً في الروليت أيضاً. وأصبحت تلك الأغنية بعدها تعويذتي الجالبة للحظ".
"هذا منطق".       
"وقد أصبحت الأغنية بصورة مفاجئة تساعدني في العمل. يفرح الزبائن المتقدمين في السن عندما نكون نتحدث ويسمعون تلك النغمة. ما زلت صغيراً، لماذا تحب تلك الأغنية القديمة؟ يسألونني. أعتقد لأني كاسر للجمود نوعاً ما. فيفا لاس فيجاس ليست واحدة من أغاني إلفيس الأسطورية بالتأكيد. هناك أغانٍ أكثر شهرة بكثير، لكن هناك شيء خاص بها، شيء لا يتوقع أن يجعل الناس أكثر وضوحاً، لا يفعلون شيئاً بل يبتسمون، لا أعلم لماذا، لكن هذا حقيقي. هل زرت لاس فيجاس من قبل؟".
"لا، أبداً"، قال تسوكورو. "لم أسافر إلى الخارج ولا مرة، لكني أفكر أن أذهب إلى فنلندا يوماً ما في أقرب وقت".
أخذ أو بكلامه. وبينما يسير كان يبقي عينيه مركزتين في تسوكورو.
"نعم قد يكون ذلك جميلاً، إذا استطعت سأذهب أيضاً. لم أتحدث مع كورو منذ يوم زفافها، ربما لا يصح أن أقول ذلك ولكني كنت أحبها". أدار أو وجهه ثم سار إلى الأمام بضع خطوات. "لكني حصلت على واحدة ونصف فتيان الآن، ووظيفة تأخذ الوقت، رهن عقاري وكلب علي أن أسير معه كل يوم. لا أرى نفسي أبعد حتى أصل فنلدا. لكن إن رأيت كورو أوصل لها سلامي".
"سأفعل"، قال تسوكورو. "قبل أن أفعل ذلك أفكر أن أرى أكا".
"آه"، قال أو. "ارتسمت على وجهه نظرة غامضة. شدت عضلات وجهه بطريقة غريبة. "لم أره مؤخراً".
"كيف ذلك؟".
"هل تعلم ما نوع الوظيفة الذي يعمل بها الآن؟".
"نوعاً ما"، رد تسوكورو.
"أعتقد أنه لا يجب أن أدخل في هذا الموضوع الآن. لا أريد أن أجعلك تنحاز إلى رأي معين قبل أن تراه. كل ما أستطيع قوله هو أنني غير مولع بما يفعل. لهذا السبب، إلى حد ما، لا أراه كثيراً. للأسف".
كان تسوكورو صامتاً مبقياً على مسافة سير بينه وبين خطوات أو الواسعة.
"ليس الأمر أن لدي شكوك به على مستوى شخصي، لدي شكوك تتعلق بعمله. هناك فرق."، بدا أو كأنه يقنع نفسه. "ربما شكوك هي كلمة خاطئة، أنا فقط لا أشعر بارتياح لطريقة تفكير على كل حال، لقد أصبح مشهوراً جداً في هذه المدينة. لقد ظهر على التلفاز وفي الجرائد والمجلات كمتعهد حقيقي وعامل بارع. لقد تم وصفه في مجلة نسائية على أنه واحد من أفضل الدارسين للبكالوريوس في جيله".
"أفضل الدارسين للبكالوريوس؟"، قال تسوكورو.
"لم أرَ أن ذلك سيجعله ينجح أبداً"، "لم أتخيل من قبل أنه سيظهر في مجلة نسائية".
"أخبرني، كيف ماتت شيرو؟"، قال تسوكورو، مغيراً الموضوع.
أتى أو إلى استراحة مفاجئة في منتصف الشارع، وقف ثابتة تماماً كتمثال. اصدم الناس الذين يسيرون خلفه به تقريباً. وحدق مباشرة في تسوكورو.
"لحظة. بصدق أنت لا تعرف كيف ماتت؟!".
"كيف أعرف ذلك؟ إلى الأسبوع الماضي لم أعرف حتى أنها ماتت، لم يخبرني أحد".
"ألم تقرأ الجريدة؟".
"بالتأكيد، لكني لم أرَ شيئاً عن ذلك. لا أعلم ماذا حدث، لكني أعتقد أن صحف طوكيو لا تغطي الموضوع كثيراً".
"عائلتك لم تعرف شيئاً؟".
هز تسوكورو رأسه.
فقد أو ثقته بنفسه على ما يبدو، اتجه للأمام مرة أخرى وأبقى على خطواته السريعة. جاراه تسوكورو. بعد لحظة نطق أو. "بعد أن تخرجت شيرو من كلية الموسيقى درّست الموسيقى في منزلها لفترة. ثم انتقلت إلى هاماماتسو أخيراً، وكانت تسكن وحدها. بعد سنتين وُجدت مشنوقة في شقتها. قلقت أمها لأنها لم تستطع أن تصل إلى شيرو، أمها هي من وجدها، ما زالت غير متعافية من الصدمة، ولم يعتقلوا أحداً إلى الآن".
شهق تسوكورو: مشنوقة؟
أكمل أو. "اكتشف جسد شيرو قبل ست سنوات، في 12 من مايو،  حتى ذلك الوقت نادراً ما كنا نتواصل مع بعضنا البعض، لذلك لم أكن أعلم ما نوع الحياة التي بدأتها في هاماماتسو، لا أعلم حتى لم انتقلت إلى هناك، عندما وجدتها أمها كانت شيرو قد توفيت منذ ثلاثة أيام، كانت ممددة على أرض المطبخ لثلاثة أيام.
"ذهبت إلى الجنازة في ناغويا"، تابع أو، "ولم أكن أستطيع التوقف عن البكاء، شعرت أن جزءاً مني قد مات، كأنني تحولت إلى حجر. لكن كما قلت، في ذلك الوقت كانت مجموعتنا قد انشقت بصورة كبيرة. كنا بالغين، لدينا حيوات مختلفة، لذلك لم يكن هناك الكثير لفعله تجاه ذلك. لم نعد طلاباً حمقى في مراحلنا الثانوية. ومع هذا، كان محزناً أن نرى ما كنا نسعى أن يكون شيئاً جوهرياً جداً في حياتنا قد تلاشى واختفى. لقد ضيعنا مثل تلك الأوقات التي قضينا فيها معاً وكبرنا فيها معاً".
عندما استعاد نفَسه، شعر تسوكورو كأن رئتيه تحترقان، لسانه منتفخ حتى كأنه يغلق فمه.
صدرت فيفا لاس فيجاس من الهاتف مرة أخرى، لكن أو تجاهلها وبقي يسير. بقيت ترن الأغنية المبتهجة و(خارج المكان) من جيب قميصه ثم توقفت.
عندما وصلا مدخل صالة عرض ليكزس، أخرج أو يده الضخمة ليسلم على تسوكورو. لدى أو قبضة قوية. "أنا سعيد لأنني رأيتك"، قال وهو ينظر في عيني تسوكورو. نظرته إلى الناس في أعينهم مباشرة عندما يتحدث، ومصافحتهم بصلابة وبشكل جيد، هذا لم يتغير.                              
"أعتذر لأنني أزعجتك عندما كنت مشغول جداً"، نجح تسوكورو أخيراً في قول ذلك.
"لا مشكلة، أرغب في رؤيتك مجدداً عندما يكون لدي وقت أكثر، أشعر بأن لدينا أشياء أكثر لنتحدث بشأنها، تأكد أن تتواصل معي في الوقت القادم عندما تكون في ناغويا".
"سأفعل ذلك، أنا متأكد أننا سنتقابل في وقت قريب جداً"، قال تسوكورو. "أوه، شيئاً آخر، هل تتذكر القطعة الموسيقية للبيانو التي كانت شيرو تعزفها كثيراً؟ قطعة هادئة من خمس إلى ست دقائق لفرانز ليست تدعى Le mal du pays ؟".
فكر أو لدقيقة ثم هز رأسه. "إذا سمعت اللحن ربما أتذكر. لا أستطيع أن أعرف من العنوان، لا أعرف الكثير عن الموسيقى الكلاسيكية. لماذا تسأل؟".
"يحدث أن أتذكرها"، قال تسوكورو. "سؤال أخير: ما الذي تعنيه كلمة ليكزس في العالم؟".
ضحك أو. "يسأل الناس ذلك كثيراً. في الحقيقة، إنها لا تعني شيئاً، إنها كلمة مخترعة. وكالة إعلانات في نيويرك جاءت بناء على طلب تويوتا. تبدو راقية ومؤثرة ولها رنين جميل. ما هذا العالم الغريب الذي نعيش به؟ بعض الناس يواظب على بناء محطات القطار بينما يصنع الآخرون أطناناً من المال في تحضير كلمات ذات أصوات معقدة".
"تنقية صناعية" المصطلح الخاص بذلك. موضة العصر"، قال تسوكورو.
ابتسم أو ابتسامة واسعة. "دعنا نؤكد أن لا يترك أحد منا الآخر".
تودعا. ذهب أو إلى صالة العرض، سحب هاتفه وأخرجه، بينما يخطو خطوات واسعة إلى الداخل.
قد تكون هذه المرة الأخيرة التي أراه فيها، فكر تسوكورو وهو ينتظر أن تتغير الإشارة في ممر المشاة. كان اللقاء في ثلاثين دقيقة بعد ست عشرة سنة محتملاً، قصيراً جداً لصديقين قديمين ليدركا بعضهما البعض بشكل تام. بالطبع هناك الكثير الذي لم يجدا الوقت للتحدث به، ورغم ذلك أحس تسوكورو وكأنهما غطا كل شيء مهم كان بحاجة ليفصح عنه.

أخذ تسوكورو تاكسي، ذهب إلى مكتبة محلية، وطلب النسخ المتبقية من الصحف التي صدرت قبل ست سنوات.    

الجمعة، 29 سبتمبر 2017

29/9/2017 8:47 PM

 كل يوم يمر أزداد يقيناً أنني لا أريد شيئاً، أنني أريد أن أتخلى عن كل ما كنت أحب، أشبه إجابة أغوتا كريستوف عندما سئلت عن سبب بقائها حية ما دام كل شيء سيّان؛ "أستيقظ لأن البقاء في السرير أمر غير ممتع، المرء يشتهي فنجان قهوة. وهذا كل ما في الأمر". كل من مر بي أخذ شيئاً مني، وإنني أمضى الآن تحت مظلتي وحدي، أعبث بالأشعة فوقي كما أرغب، أزيح المظلة فوق رأسي تماماً، وأحياناً أسمح لبعض الشمس من المساس بوجهي.

لقد تغيرت بي أشياء كثيرة، لا أنكر ذلك، لكن جزءاً ما بي قد اختفى، اختفى بطريقة غريبة كأنه لم يكن في الأصل، ربما أستطيع تسميته القدرة على النجاة. إن الأمر ليس صعباً، ابق يوماً كاملاً وحيداً في المنزل وستحقق ذلك، ستنكفئ كأنك دلة قهوة يدها أثقل منها، ستسيل من ذاتك ببطء، وتفرغ.

أقول كل يوم أنّ هذا العالم لا يستحق ذلك العناء الذي تخيلته، إنه يسير كالبحر وأنا السفينة الخفيفة التي لا تريد أن تمضي، لكني أمضي مع ذلك كردة فعل طبيعية لشخص وحيد...وحيد رغم المشهد الصاخب حوله.
لا أعلم لماذا أحس بأنني كذلك، رغم كل من حولي، إنني أكرر قول ذلك كثيراً، ربما لأني أردت أن أكون ورقة شجر، ورقة أتجول كيفما أشاء وأموت في وقت قصير، لا أحب العمر الطويل، إنّ الأشياء حولنا تكتفي منا في وقت معين، تمل من وجودنا، وقتٌ قصير أريد أن أفعل به ما أحبّ، ما أريد وأنتهي، مثل ورقة الشجر بالضبط.
ولأنني أضطرب كلما مر وقت أطول، كلما أتذكر أنني مع أحد ما، أشاركه كل شيء، حتى الإعلانات التلفزيونية التي تمر أثناء الفيلم، وأنه ربما يفتقدني في لحظة معينة. إنّ شيئاً ما في فترة زمنية معينة قد سار باتجاه خاطئ ، لم أعد أذكر اللحظة بالضبط الذي قد حصل بها ذلك، ربما أحدهم قد وضع قماشة سوداء على عينيّ وقادني إلى ذلك الاتجاه، ثم قطع اتصالي بكل ما من شأنه أن يجذبني نحوه، بكل ما يتسارع وجوده متزامناً مع دقات قلبي، ما يذكرني بي وأنا أستمع إلى الأغاني الفرنسية كأنني حبل صوتيّ لإنريكو ماسياس، وأنا...وأنا أي شيء قديم وأصيل.

أحرك قدمي اليمنى لأرسم خطاً كأنه سهم بوصلة، خطاً من الشَّمال ثم لا أكمله وأنت واقفٌ تنظر نحوي كأنني (بوسايدن) تلاحقني نظراتك من كل الجهات، وكأنك تؤمن بي أكثر من الحقل الفارغ هناك.

 تتحرك مفاتيح البيانو الذي بجانبي على وقع أنفاسك وأنا آبهة بوجهك المتخيّل. أنت بعيد كخرافة وقادم نحوي كسلام لكنني لا أراك، حتى وأنا أركّب هذا المشهد يستعصي عليّ وجهك. كم تراكمت عليه أصدافٌ! وكم تدفقت الطحالب في عمقك! كم نَقَرك الزائرون كأنك تمثال من الرمل لا شأن لك بأحد! وأنا لا شأن لي إلا بالأمواج التي تتلاطم داخلي وتجعلني أشرَق.
قدمي موائمة مع العشب لأنها بلون الطين.
لكنها زرقاء في الأصل فلن أراها إذا دست في البحر.

قبّلني هناك حيث هواجسي متشابكة
لن أفعل بك شيئاً إلا أن أتفقد لون عينيك إذا ذاب داخلي.
 بعيدتان عيناك إذا دعاهما توجسي من الغياب.
 بعيدٌ وجهك الآن وأنا مبللة بالغيم،
 وأنا أليفة كنبتة فينيقية تستجدي غزالاً قليل التداعي.

   

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

"إسقاط نجمي" مؤلم-قصة قصيرة

أذكر أن ذلك لم يحصل بإرادتي، وقفتُ في الشارع فجأة، لم أكن أريد أن أستقل سيارة أجرة، كنت أريد أن أكمل السير إلى الجهة الأخرى ولكنني توقفت، لا أعلم لماذا، وصرت أنظر إلى حيّز قدميّ و أفكر في أشياء كثيرة وأشياء جديدة أقوم بها، مثل أن أزرع زهر الفلامنجو في حديقة بيتنا، وأن أعيد علاقتي بجارنا الكبير في السن كما كانت؛ فهو لم يؤذني في كلامه كما كنت أظن، أشياء بسيطة مثل هذه وأشياء أخرى أيضاً، ثم أدركت أنه يجب عليّ أن أعبر إلى الجهة المقابلة، مشيت نصف المسافة، أذكر أن أضواء السيارات كانت تقترب، أضاءت وجهي كله ولكنني لم أستطع إكمال السير حينها لأنني وقعت على الأرض.

أذكر السيارة جيداً قبل أن تمر إطاراتها على وجهي، سوداء وملمّعة بطريقة غريبة وكأن سائقها زائر عابر لحيّنا المليء بالحفر والأتربة والبنايات التي يتم تأسيسها، كان يسير ببطء وحذر، لذلك أقول إنه بدا عليه أنه قاصد دهسي، قبل أن أسقط لمحتُ وجهه من خلال الزجاج المعتم، كل شيء فيه معتم وغامض، سترته، نظاراته، حتى عندما نقلني إلى المستشفى قبل أن يخبرونه بموتي، كان صوته يوحي بعدم اضطرابه، عيناه تلمعان، وجهه واسع، ذقنه صغير وحاد، وأنفه بارز كالمنقار، ربطة عنقه زرقاء ومشدودة جداً على عنقه، شعره غامق، حاجباه كثيفان، ويداه عريضتان. لو أنني استيقظت لقلت لهم إنه خطط لقتلي لولا أنني أنا الذي وقعت أولاً فقد شاهدني صاحب البقالة وأدلى بشهادته أمام الضابط.

 لم أتدحرج مع أنني وقعت على شارع منحدرٍ. كان ذلك مؤلماً للغاية، تكسرت عظام قفصي الصدري على قلبي، تكسرت يداي، امتلأت ثيابي بالبنزين والزيوت والدخان. رأيتُ أفواه الناس المفتوحة، بدا عليهم أنهم يصرخون، وجوههم خائفة، كلهم متجمهرون حول جثتي، والسائق وصاحب البقالة يشرحان لوالديّ ما حدث، يمكن لأي حدث مهما كان صغيراً أن يضطرب الناس لأجله، كيف إذا رأوا جثتي بتلك الظروف الغامضة وبهذا الحادث الغريب! حضرت وجوه لم أرها منذ زمن بعيد، ها هم الآن يرون جثتي بعد زمن طويل، وأنا أراهم في غير مسرّة؛ بجسدي الذي لم يتدحرج أمامهم.

ركب أبي إلى جانبي بسيارة الإسعاف والسائق إلى جانبي الآخر، كان المسعف قد قاس نبضي وتأكد فعلاً من موتي، وكان أبي يبكي وينظر إلى السائق الهادئ ويكذّبه بنظراته التي أعرفها جيداً، لم أكن أعرف أنني سأبصر بتلك القوة بعد موتي، إلى الآن أنا خائف وغير واثق من ملامح السائق، وهو يكرّر قوله لأبي: "صدقني لم أره، لم أقصد ذلك!".

أنا أحاول تصديقه، وأريد أن أستيقظ من موتي وأخبر أبي أنه بريء، ولكنني مثل أبي ومثل أمي ومثل كل من تجمع حولي عندما أرى وجهه وعيناه لا أستطيع ذلك، ربما سأصدّقه إذا شهد صاحب البقالة أمامنا على براءته.

لكن أقول لكم هو ليس بريئاً بشكل قطعيّ، لأن ذاكرتي ما زالت قوية، كانت حركة سيارته بطيئة، كان يستطيع أن يراني لكن لا أعلم لمَ أكمل السير وكأنه لا يراني.

كان وجه أمي حزيناً أيضاً عندما تبعتنا إلى المستشفى، فيه كثير من الحسرة، كنت أريد أن أمسك يدها، وأخبرها أن الجميع حولي لهم نفس وجهها، وأن وجهي هو المميز بينهم، وجهي وجسدي أيضاً، حتى صمتي لا يشبه صمتهم، أود أن أبوح لهم بكل شيء، أتساءل، أصف لهم وجوههم الآن، قتامة المكان الذي فيه جسدي، القماش القميء الذي يغطونه به، صمتهم مرة أخرى، الحب الذي أراه في عيونهم، وجه السائق الغريب، بقع الدم الكثيرة التي ترسم على قميصي بِطريقاً وبحراً وأحياناً أراها على شكل امرأة ترتدي تنورة قصيرة ولها شعر طويل، كنت أرى نظراتهم حولي، يبدو أنني قد أثرت فضول الطبيب الشرعي و ضابط الشرطة، أو أنهما أيضاً لا يصدقان السائق.

كنت في الأيام الماضية أفكر بالانتحار كثيراً لا أخفي ذلك، لا لشيء ولكن لأنني فقدت ذلك الشيء الذي يسمونه شغفاً والذي يمكن أن يقودني في ممرات الحياة كلّها حتى وأنا مغمض العينين، مع هذه الحروب المنتشرة حولي وأمامي بنفس الوقت، تلك الحالات الإنسانية التي لا يبالي بها أحد وتستنكرها المنظمات الدولية أحياناً، وأستمر في رؤيتها جثثاً أمامي، أوجاعهم، وتلك الهوّات المتتالية في عملي وفي علاقاتي الاجتماعية كلها تدفعني للاستسلام. خسرت أشخاصاً أحبهم، أولئك الذين رأيتهم متجمهرين حولي جاهلين فحوى نظراتي وإيماءات جسدي، خسرتهم لأنني لم أرهم بذلك الوضوح الذي أراهم فيه اليوم بعد وفاتي. عندما توقفت على الرصيف قبل أن أقطع نصف مسافة العبور كنت أفكر أكثر بهذه الأشياء، وعندما رأيتُ وجهي أمامي يحدثهم بكل هذا وبصوتي الذي لم أكن أسمعه جيداً في الأيام الماضية، انطلقت بي طاقة عجيبة هائلة جداً، لم أعرف أنها ستتوقف في نصف الطريق فأهوي على الأرض.

عندما رأيت الطبيب أردتُ أن أخبره الطريقة في الانتحار التي كنت سأختارها ، أذكرها من صديقي الذي كان يدرس -بجانبي في السكن الجامعيّ- مادةً من مقررات كلية التمريض، كان يشرح لي بصوت مرتفع حتى لا ينسى شيئاً ولكنه لم يكن يعلم أنني مستمع جيدٌ وأنني إلى الآن أتذكر كل ما أخبرني به، كان يضع القلم على أذنه اليمنى ويشمّر عن ذراعيه ويحرك يديه الكبيرتين كثيراً أثناء ذلك، ثم يتحسس عنقي، الغرفة ذات إضاءة خافتة قليلاً وكان ذلك ما يؤلم عينيّ قليلاً عندما أذهب لأتفحص دروسي. " تضع إصبعين على الشريان السّباتي في عنقك من الجهتين وتضغط عليه لمدة دقيقتين إلى أربع دقائق وبعدها تذهب بسلام". ضحكتُ كثيراً في تلك الليلة وهو يشرح لي ذلك بنبرة أستاذه الجامعيّ... صنعت له كأساً من البابونج ليسترخي ويجعلني أنام بهدوء، ولم يكن علي بعدها سوى إطفاء النوّاسة والاستغراق في النوم، وبالفعل بعد أربع دقائق بالضبط بدأنا نحلم كلانا بعالم أفضل.   

كانت طريقة مثلى وهادئة لو أردتُ ذلك، لكنني أخاف من الموت ولستُ مهووساً به إلى حد كبير، ولا أملك الشجاعة لأقتل نفسي بأي طريقة حتى لو بأربع دقائق هادئة، أريد أن أخبر الجميع بهذا، بأنني بريء من قتلي، "أنا بريء الآن صدقوني!" ولكن لا يسمعني أحد، إضافة إلى ذلك فقد سمعتُ السائق يخبرهم أنه لم يرني فعلاً، أن جسدي لم يصبح مرئياً إلا بعد أن دهسني بسيارته، أحاول أن أكرر أنني بريء ثم أفكر فيما إذا كان كلامه صحيحاً، لقد كانت مجرد أفكار بالانتحار لا أعلم أنها ستجعلني أنتهي ويختفي بذلك جسدي... لا أصدّقه، إن هذا غير منطقيّ! ولكن وجوههم جميعاً الآن تشكّ بي، أنا الوحيد المتهم هنا، وقد أنكروا وجه السائق ذو الملامح المميزة. "أنا بريء صدقوني...إنني أراه!" أريد أن ألقي اللوم على السائق وحده، وأجعل الجميع يدقق في وجهي جيداً، وأطلب إجابة واضحة من أحد..أي أحد عن الوقت بالضبط الذي متُّ فيه!