الثلاثاء، 28 مارس 2017

الفصل (1) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي


كل ما كان تسوكورو تازاكي يفكر به منذ شهر يوليو، في سنته الثانية في الجامعة وحتى شهر يناير من السنة التي تليها هو الموت، لقد أتم العشرين خلال ذلك الوقت، لكن نقطة التحول هذه -بأن أصبح بالغاً- لم تعنِ له شيئاً، وكان المضي في الحياة هو الحل الأمثل. لكنه إلى الآن لم يستطع أن يجد تبريراً لعدم اتخاذه الخطوة الأخيرة تلك، كان اجتياز تلك العتبة بين الحياة والموت يمكن أن يكون أسهل من ابتلاع بيضة ملساء وباردة.
ربما لم ينتحر لأنه لم يستطع أن يحدد الطريقة التي تتوافق مع أحاسيسه النقية والكثيفة تجاه الموت، ولكن لم يكن للطريقة علاقة بالأمر، فلو وجد باباً يؤدي مباشرة إلى الموت لما تردد للحظة في دفعه كما لو أنه جزء من الحياة العادية. ومع ذلك، وفي جميع الأحوال لم يكن هناك باب قريب.
كان عليّ أن أموت في ذلك الحين، عندها لن يكون للعالم الذي هنا وفي هذا الوقت وجودٌ، كثيراً ما يحدّث تسوكورو نفسه بذلك. كانت فكرة آسرة وساحرة... فلم يكن ليوجد هذا العالم الحالي، ولن يبقى الواقع حقيقةً. بقدر ما كان يعنيه هذا العالم، لم يعد –ببساطة- موجوداً فيه، كما لو أن العالم لم يكن قد وُجد من أجله.     
وفي ذات الوقت لم يفهم تسوكورو تازاكي تماماً لمَ وصل لهذه المرحلة، المرحلة التي كان فيها يتأرجح على حافة الهاوية. لكن هناك حادثة حقيقية قادته إلى هذا المكان الذي يعرفه جيداً، ولكن لماذا يمكن للموت أن يسيطر عليه، يطوّقه بأحضانه لسنة تقريباً؟ يطوّقه (الكلمة التي تعبر عن ذلك تماماً). كما سقط يونان في بطن الحوت سقط تسوكورو في أحشاء الموت، يومٌ وراء آخر؛ كانت أياماً لا توصف، وكان فيها ضائعاً في  فراغ معتمٍ وساكن.       
كأنه كان يمشي في الحياة وهو نائم، كأنه قد مات بالفعل ولم يلاحظ أحد ذلك. عندما تشرق الشمس ينظف تسوكورو أسنانه، يرمي على جسده أي ثياب يجدها بين يديه، يركب القطار ليتجه إلى الجامعة، ويدوّن الملاحظات. كمن يتمسك بعامود الإنارة بيأس أثناء العاصفة، يتشبث تسوكورو بروتينه اليومي. كان يتكلم مع الناس عند الضرورة فقط، وبعد الدراسة يعود إلى شقته المعزولة عن العالم الخارجي، يجلس على الأرض، يسند ظهره إلى الجدار، يفكر بالموت وبالإخفاقات في حياته قبل وضعه تلك الهاوية العظيمة والمظلمة التي تسرع بجذبه إلى نواة الأرض. كل ما يستطيع رؤيته هو سحابة كثيفة من اللاشيء تحوم حوله، وكل ما يمكنه سماعه هو صمت عميق يضغط على طبلة أذنه. 
وعندما لا يفكر بالموت يبقى ذهنه فارغاً، ليس صعباً أن تمتنع عن التفكير. لم يكن يقرأ الصحف، ولا يسمع الموسيقى، وليست لديه رغبة جنسية. وأما الأحداث التي تحصل في الخارج فكانت بالنسبة إليه غير منطقية. وعندما يتعب من غرفته كان يتجول بلا وجهة حول الجيران أو يذهب إلى المحطة حيث يجلس على المقعد يراقب القطارات وهي تغادر وتجيء مراراً وتكراراً.
يستحم كل صباح، ويغسل شعره جيداً، يغسل ثيابه مرتين في الأسبوع. النظافة هي ركن أساسي يضاف إلى غسل الثياب والاستحمام وتنظيف الأسنان. نادراً ما ينتبه إلى ما قد تناوله، كان يتناول الغداء في كافيتيريا الجامعة، ومع هذا فإنه نادراً ما يستهلك وجبة لائقة. وعندما يشعر بالجوع يتوقف عند السوبرماركت ويشتري تفاحة أو بعض الخضار، وفي بعض الأحيان يأكل خبزاً جافاً، يذيبه مع الحليب الذي يأخذه من الصندوق مباشرة، وعندما يحين وقت النوم يتجرع زجاجة ويسكي كما لو أنها جرعة من دواء. ولحسن الحظ لم يكن يشرب الكحول كثيراً، كان القليل منه كفيلاً بجعله يستغرق في النوم، لم يكن يحلم، وحتى إن رأى حلماً، أو ظهرت صور متخيَّلة من حواف دماغه ستوجد في اللامكان ثم تحطّ على منحدرات وعيه الزلقة بدل أن تنزلق سريعاً و تهوي إلى الفراغ.
السبب من سيطرة الموت على تسوكورو تازاكي كان واضحاً، فيوماً ما أعلن أصدقاؤه الأربعة المقربون، أصدقاؤه الذين عرفهم منذ وقت طويل، أنهم لا يريدون رؤيته مجدداً، كان ذلك تصريحاً مفاجئاً ومضلّلاً، ولا مجال لتسوية الأمر فيه، لم يقدموا تفسيراً، ولا كلمة واحدة لهذا البيان القاسي، ولم يتجرأ تسوكورو على سؤالهم.  
بدأت صداقتهم وهم في المدرسة الثانوية، وعندما تركوه غادر تسوكورو موطنه والتحق بجامعة في طوكيو، فلم يؤثر إقصاؤه تأثيراً سلبياً مباشراً على حياته الروتينية، كأن تواجهه لحظات حرجة (عندما يلتقي بهم صدفة في الشارع) لكن لم يكن ذلك إلا تشويشاً. الألم الذي شعر به مع هذا كان شديداً وقد أرهقه ذلك أكثر بسبب المسافة المادية. أصبح الاغتراب والوحدة كابلاً يمتد إلى مئات الأميال، يُسحب إلى نقطة الانهيار بواسطة رافعة عملاقة، وعبر ذلك الخيط المشدود كان يستقبل رسائل غامضة ليلاً نهاراً، وكعاصفة تهب بين الأشجار تتفاوت هذه الرسائل في قوتها، وتصله شظايا تلدغ أذنيه.

كان الخمسةُ زملاءً في مدرسة ثانوية حكومية في ضواحي ناغويا؛ ثلاثة ذكور وفتاتان. قاموا خلال العطلة الصيفية من عامهم الدراسي الأول ببعض الأعمال التطوعية معاً، وبعد ذلك أصبحوا أصدقاء، وبقوا مجموعة متماسكة حتى بعد ذلك العام وبعد توزيعهم على صفوف مختلفة، كان العمل التطوعي الذي جمعهم  جزءاً من مهمة صيفية تتعلق بدراسات اجتماعية، وبعد أن انتهت شكلوا مجموعة تطوعية تضمهم وحدهم.
كانوا إلى جانب العمل التطوعي يذهبون في نزهات، يلعبون التنس، يسبحون في شبه جزيرة تشيتا، أو يلتقون في بيت أحدهم يدرسون للامتحان، وإن لم يفعلوا ذلك فإنهم -وهذا ما يفعلونه في الغالب- يخرجون إلى مكان ما ويتحدثون لساعات.
هي صدفة خالصة ما جمعتهم، كان هناك عدة نماذج من الأعمال التطوعية عليهم أن يختاروا واحدة منها لكنهم اجتمعوا على نفس الخيار؛ برنامج إعطاء دروس خصوصية بعد انتهاء دوام المدرسة لطلاب في مراحلهم الابتدائية، أكثرهم كان ممن رفض الالتحاق بالمدرسة، كان البرنامج ينفذ بدعم من الكنيسة الكاثوليكية، ومن ضمن خمسة وثلاثين طالباً من المرحلة الثانوية كان قد تم اختيارهم هم. في البداية، شاركوا في مخيم صيفي كانت مدته ثلاثة أيام خارج ناغويا، وكانوا أصدقاء جيدين مع الأطفال.
وأياً كان وقت الاستراحة فإنهم يجتمعون معاً ويتحدثون، تعرفوا على بعضهم البعض جيداً، كانوا يتشاركون الحديث عن أفكارهم وعن أحلامهم وعن مشاكلهم أيضاً. وعندما ينتهي التخييم يشعر كل واحد منهم أنه كان في المكان الصحيح؛ إذ كانوا بحاجة إلى أن يرافقوا أصدقاء مثاليين. هناك إحساس فريد من الانسجام قد تطور بينهم، كل واحد يحتاج الآخر، بالتوالي، ليتشاركوا في هذا الإحساس الذي يحتاجونه، كان التقارب يشبه الحظ لكنه كان اندماجاً كيميائياً حدث بالصدفة حتماً، شيء يحدث لمرة واحدة فقط. يمكن أن تجمع نفس المواد معاً لتصنع تقديماً متماثلاً لكنك لا تستطيع أن تكرر النتيجة.
بعد انقضاء المرحلة الابتدائية، قضوا عطلتين تقريباً في الشهر في البرنامج، يعلمون الأطفال، يقرؤون لهم، يلعبون معهم، يجزون العشب، كما أنهم قد دهنوا المبنى، وأصلحوا المعدات في المكان. استمروا في هذا العمل حتى العامين اللذين تلا ذلك العام إلى أن تخرجوا من المدرسة الثانوية.
المصدر الوحيد الذي يمكن أن ينشئ التوتر بينهم هو العدد غير المتساوي، حيث تتألف مجموعتهم من ثلاثة ذكور وفتاتين، إذا شكل اثنان من الذكور وفتاتين زوجين فسيبقى واحد منهم خارج المجموعة. كل مرة يتعلق ذلك الاحتمال فوق أيديهم كغيمة صغيرة كثيفة محدبّة من الجهتين، لكن ذلك لم يحصل ولم يكن هناك أي احتمال لحدوثه.
وقد صدف أن يكون جميعهم من الضواحي، من العائلات ذات الطبقة فوق المتوسطة، كان آباؤهم ممن ولدوا في السنوات التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية، كلهم محترفون في عملهم، لكنهم لا يدخرون شيئاً لتعليم أبنائهم، ومع ذلك فقد كانوا هادئين ومستقرين، لا أحد من آبائهم مطلق. وأغلبهم كان يسكن في المنزل مع عائلته. تعليمهم الثانوي يقودهم إلى الدراسات الأكاديمية، وكان مجموع علاماتهم جيداً. إجمالاً كان التشابه في عاداتهم أكثر من الاختلاف.
وباستثناء تسوكورو تازاكي كان لديهم شيء صغير مشترك من قبيل الصدفة؛ إذ تحتوي أسماء عائلاتهم على لون، اسما عائلة الذكور: أكاماتسو وتعني "صنوبر أحمر، وأومي "بحر أزرق"، واسما عائلة الفتاتين: شيراني "جذر أبيض" و كورونو "حقل أسود. أما تسوكورو فهو الوحيد الذي ليس في معنى عائلته لونٌ، وقد جعلته هذه الحقيقة منذ البداية يشعر بأنه مستثنى. إذا كان هناك لون في أحد أجزاء اسمك أو لم يكن فهذا بالتأكيد لا يؤثر على شخصيتك، فهم تسوكورو ذلك، لكن لا يزال هذا الأمر يحبطه، ويفاجئ نفسه بأن يتألم. قريباً سيدعون بعضهم بألقابهم: سينادى الذكور: أكا (أحمر) و أو (أزرق)، والفتاتين شيرو (أبيض) وكورو (أسود) وسيبقى هو تسوكورو، كم سيكون عظيماً لو كان في اسمي لونٌ أنا أيضاً! عندها سيكون كل شيء على ما يرام. دائماً ما كان يفكر بذلك.                                            
أكا هو الأفضل بينهم في التحصيل الدراسي، لم يكن يبدُ عليه أنه يدرس كثيراً ولكنه الآن الأول على صفه في كل المواد، لا يتفاخر بعلاماته، وفي الغالب يبقى باحتراس في الخلف كأنه محرج من كونه ذكياً جداً، ومثلما يفعل الأشخاص قصار القامة عادة الذين لا يزيد طولهم عن نصف معدل الطول الطبيعي عندما يفكر في أمر ما -ومهما كان تافهاً- فإنه لا يتراجع، وتزعجه القوانين غير المنطقية كما يزعجه المعلمون الذين لا يظهروا مستواه المرتفع. يكره الخسارة، وإذا خسر بلعبة التنس يصبح مزاجه سيئاً، لا يفعل شيئاً، لا يغضب، وبدلاً من ذلك يصبح هادئاً بشكل غير عادي. الأربعة الآخرون يجدون مزاجهم ذو المدى القصير مسلٍّ وفي كثير من الأحيان كان يغضبه ذلك، ولكنه في النهاية يعود إلى طبيعته ويضحك معهم. والده أستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة ناغويا.        
كانت بنية أو جيدة؛ كتفان عريضان، صدر ضخم، جبين واسع، وفم كبير، وأنف مرتفع. كان لاعب هجوم في فريق الركبي، وفي سنة التخرج أصبح قائد الفريق، كان حماسياً ويتعرض باستمرار للجروح والكدمات، ليس شخصاً جدياً وليس جيداً في الدراسة، لكنه مرح، وله شعبية كبيرة بين زملائه في الصف، ينظر إلى أعين الناس مباشرة، يتحدث بصوت واضح وقويّ، له شهية مذهلة، إذ يستمتع بكل شيء أمامه، يتذكر أسماء ووجوه الناس بسرعة، ونادراً ما يتحدث بسوء عن أحد، مستمع جيد، وشخصية قيادية منذ الولادة، لم ينسَ تسوكورو كيف جمع الفريق حوله قبل المباراة ليوجه إليهم كلاماً حماسياً.       
"اسمعوا". صرخ أو. "سنربح، السؤال الوحيد كيف وبكم. الخسارة ليست خياراً لنا. تسمعونني؟ الخسارة ليست خياراً".
"ليست خياراً". يصرخ الفريق قبل أن يندفعوا باتجاه الملعب.
ليس لأن الفريق المكون من طلاب الثانوية جيد، بل لأن أو ذكيٌّ ورياضيٌّ جداً، أما الفريق نفسه فليس ذو مهارة عالية، فعندما يواجه فريق المدارس الخاصة حيث يضم لاعبين من جميع أنحاء اليابان حاصلين على منح رياضية، يخسر فريق أو عادة. "المهم"، يقول لأصدقائه "هو تصميمنا على النجاح. في الحياة الواقعية لا نستطيع أن نربح دائماً. أحياناً نربح وأحياناً نخسر".
"وأحياناً تمطر". علّقت كورو بسخرية.
هزّ أو رأسه بحزن. "أنت تخلطين بين الركبي والبيسبول أو التنس. الركبي لا يؤخره المطر".  
"تلعبون حتى وهي تمطر؟". سألت شيرو متفاجئة. لا تعرف شيرو شيئاً عن أنواع الرياضة، وليس لديها اهتمام بها.
"هذا صحيح". قال أكا بجدية. "مباريات الركبي لا تلغى أبداً، مهما بلغت شدة المطر، لذلك ينضم كل سنة عدد من اللاعبين الذين يغرقون في المباريات".
"يا إلهي. هذا سيء للغاية!". قالت شيرو.
"لا تكوني سخيفة. إنه يمزح". قالت كورو بنبرة فيها قليل من الاشمئزاز.
"إذا لا تمانع". تابَع أو "ما أريد قوله إذا كنت رياضياً فيجب أن تتعلم كيف تكون خاسراً جيداً".
"من المؤكد أنك تتدرب كثيراً كل يوم". قالت كورو.
شيرو طويلة ونحيلة، جسمها مثل عارضات الأزياء، وملامحها جميلة كملامح الدمى اليابانية التقليدية. شعرها طويل أسود لامعٌ وحريريّ. كل من يراها في الطريق يدير وجهه ليراها مرة أخرى، لكنها ترى جمالها محرِجاً. ذات شخصية جدية، وهي قبل كل شيء لا تحب أن تلفت الأنظار إليها، عازفة بيانو رائعة وماهرة، لذلك لا تعزف لأحد لا تعرفه، تبدو فرحة أثناء تعليمها للبيانو للأطفال في الحصص الإضافية، وخلال تلك الدروس تظهر مرتاحة بشكل كامل وبدرجة أكبر من الأوقات الأخرى التي يراها فيها تسوكورو. يمكن أن يكون العديد من الأطفال غير جيدين في الواجبات المدرسية الاعتيادية، قالت شيرو، لكن لديهم موهبة طبيعية في الموسيقى وسيكون من المخجل عدم تطوير تلك الموهبة لديهم. في المدرسة بيانو تقليدي قديم، أنتيكي أعتقد، ولذلك بدأ الخمسة بحملةٍ لجمع التبرعات لشراء بيانو جديد، عملوا بدوام جزئي خلال العطلة الصيفية، وأقنعوا الشركة التي تصنع الآلات الموسيقية لتساعدهم، وفي الربيع في عامهم الدراسي الأخير لاقى جهدهم ثمرَه أخيراً فقد اشتروا للمدرسة بيانو كبير، واستقطبت حملتُهم أنظار الناس، وبرزت في الصحف أيضاً.         
كانت شيرو هادئة لكنها تحب الحيوانات كثيراً، فعندما ينحو موضوع  الحديث إلى الكلاب والقطط يضيء وجهها وتتدفق الكلمات من فمها بسرعة. أحلامها ستكون أحلام طبيبة بيطريّة، لذا لم يكن تسوكورو يستطيع أن يتخيلها وهي تمسك مشرطاً وتشرّح بطن كلب اللابرادور، أو تلمس فتحة شرج الحصان. إذا كانت تريد أن تذهب إلى مدرسة بيطرية فتلك هي التدريبات التي يجب أن تقوم بها. فتح والدها عيادة للأمراض النسائية والتوليد في ناغويا.
أما كورو فلم تكن جميلة، لكن لديها شغف، جذابة، وفضولية دائماً، عظامها طويلة، وجسدها ممتلئ، وصدرها ممتلئ منذ أن بلغت سن السادسة عشرة، ذات شخصية مستقلة، وجافة، وعقلها سريع مثل لسانها، تسترسل في المواضيع التي تتعلق بالعلوم الإنسانية، لكنها ميؤوس منها في الرياضيات والفيزياء. فتح والدها شركة محاسبة في ناغويا، ولكن لم يكن ذلك يساعدها، كان تسوكورو معظم الأوقات يساعدها في حل واجباتها في مادة الرياضيات، كانت ساخرة ولكن لديها حس فكاهيّ منعش ومميز، فيجد الحديث معها ممتع ومحفّز، هي قارئة عظيمة أيضاً، ودائماً تحمل الكتاب تحت ذراعها.         
كانت شيرو وكورو في نفس الصف في المدرسة الأساسية وتعرفتا على بعضهما جيداً حتى قبل أن تكتمل المجموعة، رؤيتما معاً كان مشهداً رائعاً؛ مزيجاً فريداً وساحراً من فنانة جميلة وخجولة، وفتاة فكاهية ذكية وساخرة.
تسوكورو تازكي هو الوحيد في المجموعة الذي ليس لديه شيء مميز، درجاته أعلى بقليل من المتوسط، لم يكن مهتماً بالمدرسين بشكل خاص، لذلك كان يركز انتباهه كثيراً أثناء الدرس، ويتأكد دائماً أن يقوم بالحد الأدنى من المشاركة وبالمراجعة المطلوبة ليحصل على الدرجات. منذ كان صغيراً كانت هذه هوايته، لا تختلف عن غسل يديك قبل الأكل وتنظيف أسنانك بعد الطعام، ومع أن علامته ليست ممتازة لكنه دائماً ينجح بسهولة، وحتى لو بقيت علاماته مرتفعة لا يميل والداه إلى مضايقتك ليلتحق بمدارس الجوكو، أو ليتابع دروسه مع مدرس خصوصيّ.
لا يمانع أن يمارس الرياضات لكنه ليس مهتماً بما فيه الكفاية لينضم إلى فريق، يلعب التنس مرات متقطعة مع عائلته أو أصدقائه، أو يتزلج أو يسبح من وقت لآخر. هذا كل شيء. كان شكله جميلاً جداً، حتى إن الناس يقولون له ذلك، لكنهم في الحقيقة كانوا يعنون أنه ليس لديه أية عيوب يمكن الحديث عنها. أحياناً عندما ينظر إلى وجهه في المرآة يكتشف فيه مللاً لا يطاق. ليس لديه اهتمام عميق بالفن، ليست لديه هواية أو مهارة مميزة. وكان مع ذلك قليل الكلام، يحمر وجهه بسرعة، ليس اجتماعياً، ولا يشعر بالراحة إذا أحاط به أشخاص يقابلهم لأول مرة.  
إذا اضطر أن يخبر عن الأشياء المميزة لديه سيلاحظون أن عائلته هي الأكثر ثراء بين عائلات الخمسة، وسيلاحظون أن خالته ممثلة، ليست نجمة ولكنها تعتبر معروفة، لكن عندما يختص الأمر بتسوكورو شخصياً فسيتبين أنه لا يملك ميزة واحدة ليتفاخر ويتباهى بها أمام الآخرين، على الأقل هكذا يظهر. كل شيء يتعلق به متوسط، شاحب، يفتقر إلى اللون.       
كان الاهتمام الحقيقي الوحيد لديه هو محطات القطار، لم يكن واثقاً من السبب، لكن حسب ما يذكر كان يحب مراقبتها، إنها تناديه دائماً. محطات ضخمة للقطار السريع: محطات باتجاه واحد خارج الريف، محطات الشحن الأولية ولم يكن مهماً ما هو نوعها ما دامت محطات سكك حديد،  كل ما يتعلق بالمحطات يثير اهتمامه بشكل عميق.
وكمعظم الأطفال يستمتع بتجميع قطع القطارات، ولكن لم تكن القاطرات الدقيقة، أو السيارات، أو السكك المتقاطعة بطريقة معقدة، أو الديوراما المصممة بطريقة ذكية ما يغريه، ما كان يغريه هو تصاميم المحطات العادية التي توضع تحت الأجزاء الأخرى، كالكلمات المعترضة. كان يحب مراقبة القطارات وهي تمر بالمحطة، أو عندما تخفف من سرعتها عندما تصل إلى رصيف المحطة، يستطيع أن يتخيل المسافرين قادمين ومغادرين، البلاغات من نظام مكبر الصوت أيضاً، رنين الإشارة عندما يستعد القطار للمغادرة، وعندما يذهب موظفو المحطة بخفة لأعمالهم. ما هو حقيقي وما هو خيالي يختلط في عقله، ويرتعش أحياناً... مستمتعاً بكل هذا. لم يكن يفسر للناس بشكل كاف عن سبب انجذابه إلى المحطات، وإن استطاع فإنه كان يدري أنهم سيظنون أنه طفل غريب. وأحياناً كان تسوكورو نفسه يشك أن هناك شيئاً ليس صحيحاً تماماً يحصل معه.
لذلك فقد كان يفتقد الشخصية اللافتة، أو المميزات التي تجعله بارزاً، وعلى الرغم من ذلك فقد كان يتطلع دائماً إلى ما هو معتدل، منتصف الطريق، هناك شيء أو (ربما) هناك شيء فيه ليس طبيعياً تماماً، شيء يفصله عنه. بقي هذا التناقض يربكه ويشوشه طوال مرحلة الشباب حتى الآن، منذ كان عمره ستة وثلاثين. أحياناً يكون الارتباك قصيراً ولا قيمة له، وأحياناً عميقاً وثقيلاً.
يفكر تسوكورو أحياناً في سبب انضمامه لمجموعتهم. هل يحتاجه الآخرون حقاً؟ ألم يكونوا سيشعرون بالراحة وسيقضون وقتاً أفضل دونه؟ ربما لم يدركوا ذلك إلى الآن وهي مسألة وقت فحسب قبل أن يتركوه؟ كلما تأمل تلك المشكلة قل استيعابه لها. المحاولة في إبراز قيمته أمام أصدقائه كمحاولة وزن شيء ليس لديه قيمةَ وحدة. الإبرة في الميزان لا تستقر على رقم.
ولكن لم يبدُ أن إحدى هذه المخاوف قد أزعجت الأربعة البقية، كان تسوكورو يرى أنهم يرغبون في ذلك بصدق..عندما يجتمعون سوياً كالبنتاغون متساوي الأضلاع حيث جميع الأطراف لها ذات الامتداد. تكوين المجموعة كان مصمماً على أن يتألف من خمسة أشخاص بالضبط لا أكثر ولا أقل، وكانوا يعتقدون أن ذلك صحيح.
وبطبيعة الحال كان تسوكورو فرحاً وفخوراً بأنه قد انضم إليه، كطرف لا غنى عنه من أطراف البنتاغون، أحب أصدقاءه الأربعة وأحب شعور الانتماء عندما يكون معهم، وكشجرة صغيرة تمتص غذاءها من التربة كان تسوكورو يأخذ قوته الذي يحتاجه (كالمراهق) من هذه المجموعة، يستخدمها كغذاء ضروري للنمو، ويخزن الباقي في داخله كمصدر طاقة في الحالات الطارئة. ومع ذلك فقد كان لديه خوف مزعج ومستمر من أنه في يوم ما سيسقط بعيداً عن هذا المجتمع، القريب إلى قلبه، أو سيجبر على الخروج منه ويُترك بمفرده. رفع القلق يده كصخرة ذات أطراف حادة منذرة بالشؤم تتكشف عند انحسار المد...عند الخوف من فصله عن المجموعة، وأن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح وحيداً تماماً.
____

  "إذاً أنت تحب محطات سكك الحديد منذ كنت صغيراً". سألته سارة كيموتو، ويبدو أنها متأثرة.
أومأ تسوكورو بحذر. آخر شيء لا يريدها أن تفكر فيه هو أن يكون من أولئك المهووسين بالأوتاكو الذين عرفهم في قسم الهندسة في العمل، ذلك النوع الذي يستغرق في العمل حتى يصبح كل حياته. كانت الطريقة التي يتم فيها الحوار تجعلها تنتهي إلى التفكير فحسب. "هذا صحيح". اعترف. "أحب المحطات منذ طفولتي".    
"قادك ذلك إلى حياة متناغمة". قالت ويبدو عليها أنها مستمتعة بالحديث، ولم يكتشف تسوكورو أية سلبية في صوتها.
"لماذا المحطات لا أعرف".
ابتسمت سارة. "لا بد أن تكون مهنتك".
"ربما". قال تسوكورو.
كيف انتهينا إلى الحديث عن هذا الأمر؟ تساءل تسوكورو. لقد حصل هذا منذ زمن بعيد وكان من الأفضل أن يمسحه من الذاكرة. لكن سارة لسبب ما أرادت أن تعرف عن أيامه في المدرسة الثانوية، من أي نوع من الطلاب كان؟ ماذا كان يفعل في ذلك الحين؟ ولكن قبل أن يعرف ذلك توجه إلى الحديث بلا انقطاع عن مجموعة الأصدقاء الخمسة المقربين؛ الأشخاص الأربعة الذين لهم لون، وتسوكورو تازاكي عديم اللون.
كانت سارة وتسوكورو في بار في إحدى ضواحي إبيسو. ذهبا إلى مطعم صغيرعلى الطراز الياباني كانت سارة تعرفه، ولأنها تناولت الغداء في وقت متأخر ولم تكن تشعر بالجوع بعد ألغيا الطلب وخرجا ليشربا الكوكتيل. لم يكن تسوكورو يشعر بالجوع أيضاً ولم يمانع أن يتجاوز العشاء، لم يكن يأكل كثيراً في الأصل، كان يستطيع أن يطلب جبنة ومكسرات من البار.  
كانت سارة أكبر من تسوكورو بسنتين وتعمل في شركة سياحية كبيرة، مختصة بالرحلات الخارجية وتسافر في رحلات عمل كثيرة في الخارج. يعمل تسوكورو (في مهنته) في شركة محطات سكك الحديد، في القسم الذي يشرف على تصميم محطات القطار، في الجزء الغربي من منطقة كانتو التي تحيط بطوكيو. وعلى الرغم من عدم وجود اتصال مباشر بين عمليهما، لكن كانت هناك نقطة مشتركة بينهما؛ حيث إنهما يعملان في مجال يتعلق بوسائل النقل. لقد تقابلا في حفلة لرئيسه، بمناسبة الانتهاء من بناء بيته الجديد، حيث تبادلا عناوين البريد الالكتروني، وكان ذلك موعدهما الرابع. فبعد العشاء في الموعد الثالث -كتقدم طبيعيّ في الأحداث- عادا إلى شقته ومارسا الحب. أما اليوم فهو من الأسبوع الذي تلا ذلك؛ مرحلة حساسة في علاقتهما المتطورة، وإذا استمرا في رؤية بعضهما بعد ذلك فبالتأكيد ستصبح الأمور أكثر جدية. عمرُ تسوكورو ست وثلاثين، وعمر سارة ثماني وثلاثين، لم يكن حباً طائشاً بين طالبة وطالب في المرحلة الثانوية.      
أحب تسوكورو شكلها منذ المرة الأولى الذي تقابلا فيها. لم يكن جمالها مثاليّاً، لكن العظام البارزة في وجنتيها أضفت على شكلها تماسكاً، أنفها صغير ودقيق، لكن هناك شيء قاتل وحيّ من الصعب تحديده في وجهها قد خطف أنظاره. عيناها ضيقتان ولكن عندما تنظر إلى شيء فإنهما تتسعان فجأة، غامقتان، جريئتان، ومليئتان بالفضول.
لم يكن على وعي بهما، لكن كان في جسده جزء حساس جداً، يمتد على طول ظهره. كانت هذه المنطقة الناعمة الرقيقة التي لم يستطع الوصول إليها قد غُلّفت بشيء لا يرى بالعين المجردة، ولكن عندما تصبح هذه البقعة مكشوفة -لسبب ما- أو عندما يضغط أحدهم بإصبعه عليها فإن شيئاً ما داخله يُثار. مادة مميزة تُفرز، وبسرعة تنقل في مجرى دمه إلى كل زاوية في جسمه، هذا المنبّه المميز عبارةٌ عن إحساس جسدي وعقلي يصنعان صوراً حية في عقله.
في المرة الأولى التي التقيا فيها أحسَّ أنّ إصبعاً غامضاً قد ضغط بقوة على المنطقة المثارة في ظهره، في ذلك اليوم أخذهما الحديث لوقت طويل ولذلك لم يتذكر الكثير مما دار بينهما، ما تذكره هو ذلك الإحساس الذي في ظهره، والشعور المثير الذي يجهل تحديد الطريقة التي وصل بها إلى عقله وجسده، جزء منه مسترخٍ والجزء الآخر مشدود. هكذا كان يشعر. لكن ماذا يعني؟ فكر تسوكورو في ذلك عدة أيام لكنه لم يكن بطبيعة الحال ماهراً في التفكير المجرد، فلم يكن منه إلا أن أرسل لسارة إيميل ودعاها إلى العشاء، كان مصمماً أن يستوضح معنى ذلك الشعور، تلك الاستثارة.
مثلما كان يعجبه مظهر سارة كانت تعجبه أيضاً طريقتها في اختيار الملابس. ملابسها بسيطة دائماً ومغرية لكنها جميلة وتناسبها تماماً، يتصور تسوكورو أن الملابس التي تبدو بسيطة تأخذ وقتاً طويلاً دون شك في اختيارها ولا يكون سعرها منخفضاً بالمقابل. مكياجها متوسط، وإكسسواراتها متوسطة القيمة وكأنها قد تم صقلها للتو. لم يكن لتسوكورو ذوقاً معيناً في الملابس لكنه يحب أن يرى المرأة أنيقة دائماً، كاستمتاعه بسماع الموسيقى الجميلة.
تحب أختاه الكبيرتان الملابس، وكانتا وهما في مقتبل عمرهما عندما تريدان أن تخرجا في موعد تمسكان بتسكورو أولاً وتأخذا رأيه في الثياب، لم يكن واثقاً من السبب ولكنهما كانتا جادتين في ذلك. ما رأيك؟ تسألانه. هل تتناسب مع بعضها؟ ثم يعطي رأيه بصراحة من وجهة نظر ذكورية، وتحترما رأيه، وكان يجعله ذلك سعيداً، حتى أصبحت عادة.  
عندما أخذ تسوكورو رشفة من الخمر ضعيف التأثير عرّى سارة ذهنياً، حلّ ظهر فستانها، وبهدوء أزال الثياب عنها. كان قد نام معها مرة واحدة، ولكن كان ذلك رائعاً وقد حقق النتيجة المرغوبة، فسواء كانت ترتدي ثيابها أو كانت عارية في الحالتين كانت تبدو أصغر بخمس سنوات، ببشرة بيضاء صافية وخصر جميل، وصدر ذو حجم معتدل... لاطفها ببطء، وعانقها. كان ذلك هائلاً. وعندما جاء أحسّ بسلام وهي بين أحضانه. ولكن لم يكن ذلك كل شيء، كان على يقين تام أن هناك شيئاً آخر، ممارسة الحب هي رابط... اتصال... بين شخصين. تأخذ شيئاً وعليك أن تعطي شيئاً بالمقابل. 
"كيف كانت أيامكِ في مدرستك الثانوية؟". سأل تسوكورو.
"هزت سارة رأسها. "لا أريد الحديث عنها. لقد كانت مملة للغاية، سأخبرك عنها في وقت لاحق، ولكني الآن أريد الاستماع إليك. ماذا حصل لمجموعتك من الأصدقاء الخمسة؟   
أخذ تسوكورو حفنة من المكسرات ورماها في فمه.
"كانت لدينا قوانين غير معلنة بيننا، وبقدر ما نستطيع كنا نفعل أشياء مشتركة. كنا نحاول أن لا يخرج اثنان من المجموعة إلى مكان ما دون البقية، كنا نخاف أن تنقسم المجموعة، كنا نحاول أن نبقى وحدة متكاملة، لا أعرف كيف أعبر عن ذلك، أن نبقيها مجموعة منظمة ومنسجمة".  
"مجموعة متكاملة ومنسجمة؟". ظهرت مفاجأة حقيقية على وجهها.
احمر وجه تسوكورو قليلاً. "كنا في المرحلة الثانوية ولدينا جميع الأنواع الغريبة من الأفكار".
نظرت سارة إلى تسوكورو باهتمام ، وأمالت رأسها درجة أو درجتين. "لا أجد ذلك غريباً، لكن ما الهدف من المجموعة تلك؟".
الهدف الأصلي كما قلت للمساعدة في برنامج ما بعد المدرسة حيث نتقابل ونشعر بدافع تجاه ذلك، إذ يبقى هدفاً مشتركاً مهماً، ومع مرور الوقت أصبح وجود مجموعتنا ببساطة من أهدافنا أيضاً.
"تعني أن الحفاظ على المجموعة ذاتها واستمراريتها أصبحا من أهدافكم؟".
"أعتقد ذلك".
ضيقت سارة عينيها حتى أصبحتا خطاً مشدوداً. "كالعالَم تماماً".
"لا أعرف كثيراً عن العالم". قال تسوكورو. "ولكن بالنسبة إلينا كان ذلك مهماً للغاية. كان يجب أن نحافظ على الكيمياء الخاصة التي تتطور بيننا. كإبقاء عود الثقاب مشتعلاً، ومنعه من الانطفاء عند هبوب الرياح".  
"كيمياء؟".
"الطاقة التي وُجدت لتنمو في ذلك الزمن، شيءٌ لا يمكن أن يُستنسخ".
"كالانفجار العظيم؟".
"لست متأكداً من هذا". قال تسكورو.
أخذت سارة رشفة من الموخيتو، ثم تفحصت ورقة النعنع من زوايا متعددة.
"ذهبتُ إلى مدارس خاصة للإناث". قالت. "لذلك لم أفهم جيداً تلك الأنواع من المجموعات المختلطة في المدارس الحكومية، لا أستطيع تصور شكلها... بدل أن تحافظوا أنتم الخمسة على المجموعة من الانقسام، حاولتَ أنت بقدر ما تستطيع أن تكون متقشفاً. هل هكذا كان الأمر؟".
"متقشف؟ لست متأكد أنها الكلمة الصحيحة، لم يكن شيئاً دراميتيكياً. ولكنه صحيح فيما يتعلق بأننا كنا حريصين في مجموعتنا على أن لا ندخل بعلاقات مع الجنس الآخر".
"لكنك لم تضع ذلك في كلمات". قالت سارة.
أومأ تسوكورو. "لم نصرح بذلك. كأن نكون قد وضعنا قوانين أو شيء".
"ماذا عنك؟ كنت تبقى معهم طوال الوقت ألم تنجذب إلى شيرو أو كورو؟ فحسب ما قلت تبدوان  جذابتين جداً".  
"كانت لكلا الفتاتين جاذبية خاصة. أكذب إن قلت أنني لم أنجذب إليهما، ولكني حاولت قدر المستطاع أن لا أفكر بهما بتلك الطريقة".
"قدر المستطاع؟".
"قدر المستطاع". قال تسوكورو. شعر أن وجنتيه صبغتا بالأحمر من جديد. "عندما لا أكف عن التفكير بهما أحاول دائماً أن أفكر بهما كزوج".
"الاثنتان كزوج؟".
توقف تسوكورو عن الكلام محاولاً أن يجد الكلمات الصحيحة. "لا أستطيع شرح ذلك حقاً، كنت أنظر إليهما على أنهما كائنات خيالية، كائنات مجردة ليس لها شكل".      
"مممم". بدت سارة متأثرة، فكرت في ذلك، بدا أنها تريد أن تقول شيئاً، ولكنها أخذت تفكر جيداً بما ستقوله، وبعد قليل تكلمت.
"إذاً بعد أن تخرجت من المدرسة التحقت بجامعة في طوكيو وتركت ناغويا. أليس كذلك؟".
"هذا صحيح". قال تسوكورو. "أعيش في طوكيو منذ ذلك الحين".
"ماذا عن الأربعة الآخرين؟".
"التحقوا بكليات في منطقة ناغويا. درس أكا في قسم الاقتصاد في جامعة ناغويا، في القسم الذي كان يدرّس فيه والده. التحقت كورو بكلية خاصة للإناث اشتهرت بقسم اللغة الإنجليزية، بينما التحق أو بمدرسة متخصصة بإدارة الأعمال بكلية خاصة، ينتمي إليها فريق ركبي معروفٌ بما يمتلكه من قدرات رياضية هائلة. وأما شيرو فاقنعت أخيراً بإلغاء فكرة أن تصبح طبيبة بيطرية، وبدلاً من ذلك درست البيانو في مدرسة للموسيقى، كانت المدارس الأربعة قريبة من مكان سكنهم، وأنا الوحيد الذي ذهبتُ إلى طوكيو بحالتي تلك وسجلت في كلية الهندسة".
"لماذا قررت أن تذهب إلى طوكيو؟".
"لسبب بسيط جداً، كان أستاذ في جامعتي خبير ببناء محطات سكك الحديد. بناء سكك الحديد هو تخصص، لديهم مبنى مختلف عن باقي الكليات، فإذا التحقت بكلية الهندسة الأساسية ودرست البناء والهندسة لن يكون هناك فائدة عمليّة، أنا بحاجة إلى أن أدرس مجالاً متخصصاً".
"أن تكون لديك أهداف محددة وواضحة ذلك يجعل الحياة أكثر سهولة". قالت سارة.
وافق تسوكورو.
"فإذاً بقي الأربعة الآخرون في ناغويا لأنهم لم يريدوا لهذه المجموعة أن تتفكك؟".
"عندما اقتربنا من سنة التخرج تحدثنا عن الكليات التي نريد الدراسة فيها، لقد خططوا أن يبقوا في ناغويا ويدرسوا هناك، إلا أنا لم أكن أريد ذلك. لم يأتوا ويقولوا ذلك بالضبط ، لكن كان واضحاً أنهم سيفعلون ذلك لأنهم لا يريدون أن ينقسم أحد عن المجموعة".
يستطيع أكا بمعدله التراكمي أن يلتحق بأفضل الجامعات مثل جامعة طوكيو، وأقنعه والداه أن يحاول، ويستطيع أو بمهاراته أن يكسب مقعداً بجامعة مشهورة أيضاً، وكانت شخصية كورو مناسبة تماماً للحياة المعقدة المحفزة لعقلها التي قد تجدها في بيئة عالمية، ولذلك كان يجب أن تلتحق بواحدة من الجامعات الخاصة في طوكيو. ناغويا مدينة كبيرة بالتأكيد لكن ثقافياً كانت ذات أفق تفكير ضيق. وفي النهاية قرر أربعتهم البقاء في ناغويا، تثبتوا في مدارس أقل مستوى من التي كان يجب أن يلتحقوا بها. شيرو هي الوحيدة التي لم تكن لتغادر ناغويا حتى لو لم تكن المجموعة موجودة. لم تكن من النوع الذي يغامر وحده ليبحث عن بيئة محفزة في الخارج.
"عندما سألوني عن مخططاتي" قال تسوكورو. "أخبرتهم أنني لم أخطط بعد، لكنني كنت قد قررت أن ألتحق بالجامعة في طوكيو. أعني إذا أردت أن أبقى مقترباً من ناغويا وأدرس -دون قلب- في إحدى الكليات العادية كنت سأنجح في ذلك، إذا كان يعني ذلك أن عليّ أن أبقى قريباً منهم. سيكون ذلك سهلاً وفي العديد من الطرق وكان هذا ما تأمل به عائلتي في الحقيقة. كانوا متوقعين تقريباً أنني بعد أن أنهي دراستي الجامعية أن آخذ محل أبي في الشركة، ولكني كنت أعرف أنني إذا لم أذهب إلى طوكيو سأرفض ذلك. كنت أشعر أنه يجب أن أدرس تحت يدي ذلك الأستاذ الجامعي فحسب".
"هذا منطقي". قالت سارة. "وبعد أن قررت الذهاب إلى طوكيو كيف استقبل الآخرون الخبر؟".  
"لا أعرف كيف شعروا بالضبط تجاهه، بالتأكيد، لكني كنت واثقاً جداً أنهم شعروا بخيبة أمل. إذا لم أكن موجوداً في المعادلة سيغيب جزء من معنى الوحدة التي كنا نحملها فينا على الدوام، حتماً".  
"الكيمياء أيضاً".
"لقد تغيرت إلى شكل آخر، إلى حد ما".
والآن وبعد أن أدرك أصدقاؤه كم كان تسوكورو مصمماً على الذهاب لم يحاول أحد إيقافه، بل لقد شجعوه في الواقع. تأخذ الطريق من طوكيو ساعة ونصف بالقطار السريع. يستطيع أن يأتي بأي وقت، صحيح؟ وعلى أية حال لا شيء مضمون في جامعتك (خيارك الأول)، قالوا نصف مازحين. النجاح في امتحان القبول في تلك الجامعة يعني أن على تسوكورو أن يشمّر عن ساعديه ويدرس كما لم يدرس من قبل.
"وماذا حصل لمجموعتكم بعد أن تخرج الجميع من الثانوية؟". سألت سارة.
"في البدء كل شيء كان يسير بشكل جيد، كنت أرجع إلى ناغويا في العطل المدرسية؛ عطلة الربيع والخريف، والعطلة الصيفية، وفي رأس السنة، وأقضي أكبر وقت ممكن معهم. كنا مقربين كما دائماً وكانت تتقدم علاقتنا بشكل جيد".
عندما يرجع إلى وطنه يكون هناك العديد من الأشياء التي يخوض فيها تسوكورو مع أصدقائه. وبعد أن يغادر ناغويا يستمر الأربعة في قضاء الوقت معاً، لكن عندما يعود إلى المدينة فإنهم يعودون مجموعة متكاملة من خمسة أشخاص (مع أنه هناك أوقات بالتأكيد يكون بعضهم مشغولاً فيجتمع ثلاثة أو أربعة منهم). يعيده الأربعة إلى الإطار وكأنه لم يكن هناك فجوة زمنية، أو على الأقل لم يكن هناك -حسب ما اكتشف تسوكورو- تغيرٌ حادٌ في المزاج، ليس هناك مسافة غير مرئية بينهم وهذا ما جعله سعيداً جداً، وما جعله لا يبالي في عدم مصادقته أحداً في طوكيو.
ضيّقت سارة عينيها ونظرت إليه. "لم تحظَ ولو بصديق واحد في طوكيو؟".
"لا أعلم لماذا، لكني لم أستطع فحسب". قال تسوكورو. "أعتقد أني في الأساس لست اجتماعياً بما فيه الكفاية، لكن لا تأخذي فكرة سيئة عني، فأنا لست منغلقاً أو شيء ما، كانت هذه هي المرة الأولى التي أعيش فيها وحدي، ولي الحرية أن أفعل أي شيء أرغب به، كنت أستمتع بوقتي، خطوط سكك الحديد في طوكيو مثل الشبكة، منتشرةٌ على كامل المدينة، بمحطات لا معدودة، مجرد النظر إليها كان يأخذ الكثير من الوقت، كنت أذهب لمحطات مختلفة أدقق في كيفية تصميمها، أرسم بعض المخططات، أسجل أي شيء مميز ألاحظه".
"يبدو مثل المتعة". قالت سارة.
لم تكن الجامعة بحد ذاتها ممتعة، معظم مساقاته في البداية كانت مواداً تعليمية عامة، غير ملهمة، مملة بشكل تفقد فيه شعورك تجاه أي شيء، ولكنه اجتهد ليلتحق بالكلية، فكان يحاول أن لا يتغيب عن أية حصة. درس الألمانية والفرنسية، حتى إنه سجل في مختبر اللغات لممارسة الانجليزية. اكتشف بشكل مفاجئ أنه بارع في تعلم اللغات، وإلى الآن لم ينجذب إلى أحد، بالمقارنة مع مجموعة أصدقاء الثانوية الذين لهم لون والمحفزين، كلُّ شخص سواهم بدا فاتراً مملاً مبتذلاً. لم يقابل أحداً كان يشعر أنه يريد أن يعرف عنه الكثير، لذلك قضى الوقت في طوكيو وحيداً، ولكن -من ناحية إيجابية- كان على الدوام يقرأ أكثر من أي وقت مضى.
"ألم تشعر بالوحدة؟". سألت سارة.
"لقد شعرت بأنني وحيد لكن ليس تماماً، أعتقد أنني اعتبرت ذلك منحة".
كان شاباً صغيراً، ولم يزل في العالم الكثيرُ الذي لا يعرفه، وكانت طوكيو مكاناً جديداً عليه، مختلفة تماماً عن البيئة التي تربى فيها، وكانت تلك الاختلافات أعظم مما كان يتوقع. حجم المدينة ساحق، تنوع الحياة هناك استثنائيّ، هناك الكثير من الخيارات، الطريقة التي يتحدث الناس فيها أذهلته لغرابتها، وخطى الحياة سريعة. لم يستطع أن يحقق توازناً بين العالم حوله ونفسه، لكن لا يزال هناك مكان يرجع إليه، كان يعرف ذلك. يركب القطار السريع من محطة طوكيو وبساعة ونصف سيصل إلى مكان منظم ومتناغم ودافئ؛ حيث يمضي الوقت بسلام، وبشوق ينتظره أصدقاؤه الذين يأتمنهم على أسراره.
"ماذا عن الآن؟". سألت سارة. "هل تشعر بأنك تحافظ على توازن جيد بينك والعالم حولك؟".
"لقد مضى عليّ وأنا في هذه الشركة أربع عشرة سنة. العمل جيد، وأستمتع به. أنسجم مع زملائي. ولقد أقمت علاقات مع بعض النساء لم تؤل إلى شيء، وكان هناك أسباب كثيرة لذلك. لم يكن خطئي وحدي".
"وأنت الآن وحدك ولست وحيداً".
كان الوقت مبكراً وهما الزبونين الوحيدين في البار، وتُسمع موسيقى جاز لثلاثة عازفين خلفهما.
"أفترض ذلك". قال تسوكورو بعد قليل من حيرة.
"لكن لا تستطيع أن تعود الآن؟ إلى ذلك المكان المنظم والمتناغم والدافئ؟".
لقد فكر في ذلك، لذلك لم يكن هناك حاجة للتفكير. "ذلك المكان لم يعد موجوداً". قال بهدوء.

لقد اختفى المكان تماماً وكان ذلك في العطلة الصيفية في سنته الثانية في الجامعة.

الاثنين، 20 مارس 2017

الفصل (5) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي


"أمضى أبي، عندما كان صغيراً، سنة كاملة يتجول في اليابان". بدأ هايدا. "كان هذا في بداية الستينات، في أوج عصر الثقافة المضادة، عندما كانت تقوم الحركات الانقلابية في الجامعات. لا أعرف كامل التفاصيل، ولكن عندما كان في الجامعة في طوكيو حصلت أشياء كثيرة غبية، ثم سئم من السياسة وترك تلك الحركة. أخذ إجازة من الجامعة وبدأ يتجول في اليابان. عمل في وظائف مؤقتة ليكسب قوته، وكان يقرأ الكتب عندما يجد وقتاً، يلتقي بجميع أصناف الناس، يحظى بحياة حقيقية، وبخبرة عملية. يقول أبي أن ذلك الوقت كان أسعد أيام حياته، عندما تعلم بعض الدروس المهمة. كان يخبرني عندما كنت طفلاً بعض القصص التي حصلت معه في تلك الأيام، كجندي قديم يسرد ذكريات معارك قديمة في مكان قصيّ. رجع إلى الجامعة بعد تلك الأيام البوهيمية، وعاد إلى حياته الأكاديمية. ولم يذهب بعدها إلى رحلة طويلة مرة أخرى، وحسب ما أعرف كان يقضي وقته يجيء من المكتب إلى البيت، والعكس. هذا غريب أليس كذلك؟ لا يهم كيف تبدو حياة الأشخاص هادئة ومريحة، فهناك دائماً وقت ما في الماضي كانوا قد وصلوا فيه إلى مأزق، وقت أصيبوا فيه بالجنون قليلاً، أعتقد أن الناس بحاجة إلى مثل هذه المرحلة في حياتهم".
عمل والد هايدا في ذلك الشتاء كحرفيّ عامّ في منتجع للينابيع الساخنة في جبال محافظة أويتا شمال اليابان، لقد أحب المكان فعلاً، وقرر أن يبقى على هذا الوضع لمدة قصيرة، طالما هو يؤدي مهامه اليومية، والأعمال المتنوعة الأخرى الموكلة إليه، وباقي الوقت يستطيع أن يفعل ما يشاء. أجره كان قليلاً ولكن كانت لديه غرفة مجانية بالإضافة إلى ثلاث وجبات في اليوم، ويمكنه الاستحمام في الينابيع الساخنة متى يرغب، وعندما لا يكون لديه عمل يستلقي في غرفته الضيقة ويقرأ. الأشخاص الآخرون كانوا مثل طلاب طوكيو؛ قليلي الكلام وغريبي الأطوار. الوجبات كانت بسيطة وشهية، مصنوعة من مكونات طازجة ومحلية. المكان كان، فوق هذا كله، معزولاً عن العالم الخارجي؛ لم تكن هناك غرفة مخصصة للتلفاز، والصحف تصل يومياً في وقت متأخر، وأقرب محطة للحافلات كانت تبعد عن الجبال ثلاث كيلومترات، ووسيلة النقل الوحيدة التي تأخذك من هناك وتعيدك عبر الطريق الوعر هي جيب قديمة ومتكسرة، وهي ملك للحانة. وكانت الكهرباء في الجبال قد ثُبتت حديثاً.
أمام الحانة جدول جميل تستطيع أن تلتقط منه الكثير من الأسماك الثابتة والملونة، طيور مزعجة تقرأ دائماً سطحه، نداؤها حاد. ولم تكن مراقبة خنزير بري أو قرد يتجول في مكان قريب أمراً مألوفاً. كانت الجبال كنزاً من النباتات البرية الصالحة للأكل، كان هايدا الصغير قادراً في هذه البيئة المعزولة أن يدلل نفسه بالقراءة والتأمل، ولم يعد مهتماً بما يحصل في العالم الحقيقي.
بدأ أثناء زياراته للحانة على مدار شهرين يتحدث مع زائر مقيم هناك، بدا على الرجل أنه في منتصف الأربعينات، طويلاً، رجلاه طويلتان ونحيلتان، وشعره قصير، يرتدي نظارة بإطار ذهبيّ، لديه انحسار في خط الشعر يجعل قمة رأسه ملساء كبيضة طازجة. صعد الجبال وحده، يرتدي حقيبة سفر بلاستيكية تحمل على كتف واحد. لقد بقي في الحانة لمدة أسبوع، كان يرتدي ثيابه التي لا تتغير عندما يخرج، معطفاً جليدياً، بنطال جينز، وحذاء العمل، وفي الأيام الباردة يضيف قبعة من الصوف وشالاً أزرق داكن، كان اسم الرجل ميدوريكاوا. على الأقل هذا هو الاسم الذي وقّعه في دفتر زوار الحانة، مع العنوان: في مدينة كوجاني في طوكيو. كان يدفع نقداً أجرة إقامته لليلة الماضية، وبدقة كل صباح.
(ميدوريكاوا؟ "نهر أخضر"، شخص آخر بلون، فكر تسوكورو، لكنه لم يقل شيئاً وبقي يستمع إلى باقي القصة).
لم يكن ميدوريكاوا يفعل شيئاً مميزاً، يقضي أوقاته يتبلل، في حمام في الهواء الطلق، يتمشى في التلال القريبة أو يستلقي في كاتاتسو (الطاولة التي تبقي القدمين دافئتين) يقرأ كتب الجيب التي جلبها معه (أسرار طائشة في الغالب) وفي وقت العصر يتناول زجاجة من السيك الساخن لا أكثر ولا أقل. كان قليل الكلام كوالد هايدا، ولا يتكلم إلا للضرورة، لذلك لم يكن يبدو عليه أنه يزعج الآخرين في الحانة، وكانوا معتادين على ذلك النوع من الضيوف، كل الذين يأتون إلى هذه الينابيع الساخنة النائية غريبون، من هؤلاء الذين يبقون لمدى طويل وأكثر.
وفي صباح أحد الأيام قبل بزوغ الفجر، كان هايدا يبلل جسده من مياه الينابيع الساخنة بجانب النهر عندما أتى ميدوريكاوا ليستحم وبدأ يتحدث معه، ولسبب ما بدا على ميدوريكاوا أنه أحس بإعجاب عميق لهذا العامل الصغير الذي يقوم بأعمال مختلفة، وربما نبع هذا الاهتمام -إلى حد ما- في الوقت الذي رأى  فيه هايدا على الشرفة يقرأ كتاباً لجورج باتاي.
أنا عازف بيانو لموسيقى الجاز. قال ميدوريكاوا. لدي خيبات أمل على المستوى الشخصي، الروتين اليومي سيطر علي، لذا جئت وحدي إلى هذا المكان الهادئ، إلى عمق الجبال على أمل أن أرتاح، في الحقيقة لقد انطلقت دون أي تخطيط وانتهى بي الأمر هنا. أحببته، كل شيء قد جُرّد من الكماليات. سمعت أنك من طوكيو أيضاً؟ 
وضّح هايدا ذلك مختصراً موقفه بقدر ما يستطيع، وهو ينتقع بالماء الساخن في الضوء الباهت، كيف أراد أن يأخذ إجازة من الجامعة ويتجول في اليابان، وبجانب ذلك كان الحرم الجامعي قد حوصر، أضاف، فلم يكن هناك داعٍ للبقاء في طوكيو.
ألست مهتماً بما يجري الآن في طوكيو؟ سأل ميدوريكاوا. إنها مسرحية فعلاً، صخبٌ وراء صخب، يومياً، مثل أن يكون العالم كله قد انقلب رأساً على عقب. ألا تشعر باستياء من كونك ضيّعت عليك ذلك؟
لا ينقلب العالم بتلك السهولة، أجاب هايدا. إن الناس هم من ينقلبون على رؤوسهم، ولم أشعر باستياء عندما فاتني ذلك. بدا على ميدوريكاوا أنه يقدّر اقتضابَ الرجل الأصغر سناً في الكلام وأسلوبَه المباشر.
أتساءل إذا كان هناك مكان يمكنني أن أعزف فيه على البيانو. سأل ميدوريكاوا هايدا.
هناك مدرسة ثانوية على الجانب الآخر من الجبل، رد هايدا. عندما ينتهي دوام المدرسة ربما يسمحون لك بالعزف على البيانو بغرفة الموسيقى. فرح ميدوريكاوا لسماع ذلك. هلا أخذتني إلى هناك إذا لم تكن لديك مشكلة؟ قال ميدوريكاوا. نقل هايدا طلبه إلى صاحب الحانة الذي أخبره بأن يصطحبه إلى هناك، ثم اتصل صاحب الحانة بالمدرسة لتجهيزها، وذهب الاثنان إلى الجبل. المطر كان قد توقف للتو لذلك كان الطريق زلقاً، تدلت حقيبة ميدوريكاوا بشكل قطري على كتفيه، فصار يخطو خطوات كبيرة، واثق القدم، إلى آخر الطريق، فظاهرياً بدا أقوى من أن يكون شخصاً يعيش في المدينة.
لوحة البيانو القديم الموجود في الغرفة كانت غير مستقيمة والنغم غير مضبوط لكنه مع كل هذا كان محتملاً. جلس ميدوريكاوا على الكرسي الذي يحدث صريراً، مد أصابعه ودق على كل المفاتيح الثماني والثمانين، ثم بدأ يجرب بعض الكوردات؛ الخامس، السابع، التاسع، الحادي عشر. لم يبدُ راضياً عن الصوت ولكن تبين أنه قد حصل على رضى جسدي بمجرد أن دق على المفاتيح. وعندما شاهد هايدا أصابعه كيف تتحرك بخفة وليونة عليها أصر أن ميدوريكاوا يجب أن يكون عازف بيانو معروفاً جداً.
وبعدما جرب ميدوريكاوا البيانو أخذ كيساً صغيراً من القماش من حقيبته وبلطف وضعه على سطح البيانو. الكيس مصنوع من قماش ثمين، فتحته مربوطة بخيط. ربما رماد أحدهم؟ فكر هايدا. يبدو أن وضع القماش على سطح البيانو في كل مرة يعزف فيها هي موهبة لديه، يمكنك أن تقول ذلك من الطريقة المحترفة التي يفعل بها ذلك.
بدأ ميدوريكاوا يعزف "Round Midnight " بتردد. بدأ يعزف كل كورد بحذر واحتراس في بداية الأمر كمن يغرز أصابع قدميه في النهر يختبر سرعة المياه ويبحث عن موطئ قدميه. بدأ يرتجل لمدة طويلة بعد أن عزف المقدمة الرئيسية، ومع الوقت أصبحت أصابعه أكثر رشاقة وسخاء بحركاتها كسمكة تسبح في مياه صافية. اليد اليسرى ألهمت اليمنى واليد اليمنى حفّزت اليسرى.  لم يكن والد هايدا يعرف كثيراً عن الجاز ولكنه صدف أن كان على معرفة بمعزوفة ثيلونيوس مونك، ثم وصل ميدوريكاوا مباشرة إلى قلب المقطوعة، كان عزفه مفعماً بالعاطفة حتى نسي هايدا أمر النغمة غير المضبوطة. كلما سمع الموسيقى في الغرفة هذه في المدرسة الثانوية المتعمقة في الجبال شعر هايدا (الجمهورُ الوحيدُ الذي يستمع لعزفه) بأن كل ما هو ملوث داخله قد انجرف، وتداخل جمال الموسيقى البسيط مع الهواء النقي المليء بالأكسجين ومع ماء الشلال البارد والصافي، الجميع لهم دور في الحفلة الموسيقية حتى ميدوريكاوا كان ضائعاً في عزفه كأن كل التفاصيل الصغيرة للحقيقة قد اختفت. لم يرَ هايدا أحداً يستغرق تماماً بما يفعله، لم يرفع عينيه عن أصابع ميدوريكاوا العشرة التي تتحرك كمخلوقات حية مستقلة.
أنهى ميدوريكاوا العزف خلال خمس عشرة دقيقة، أخرج منشفة سميكة من حقيبته، وبحرص مسح وجهه المتعرق، أغلق عينيه لفترة كأنه كان يستغرق في التفكير بأمر ما. "حسناً". قال أخيراً. "هذا يكفي، لنرجع". مد يده، أمسك قطعة القماش الموضوعة على البيانو وبلطف أرجعها إلى حقيبته.
"ما قطعة القماش هذه؟". تجرأ والد هايدا وسأله.
"تعويذة تجلب لي الحظ". قال ميدوريكاوا ببساطة.
"كالملاك الحارس لإله البيانو؟".       
"لا، إنها تشبه شخصيتي البديلة أكثر ". رد ميدوريكاوا، وبابتسامة متعبة على شفتيه. "هناك قصة غريبة وراءها، ولكنها طويلة جداً، وأحسب أني منهك كثيراً لأرويها الآن".    
توقف هايدا وألقى نظرة سريعة على الساعة المعلقة على الحائط، ثم نظر إلى تسوكورو. إنه بالطبع هايدا الابن، ولكن هايدا الأب كان بنفس عمره في هذه القصة، بدأت الشخصيتان تتداخلان في عقل تسوكورو. كان إحساساً غريباً كأن الزمانين المختلفين امتزجا في زمن واحد، ربما لم يكن الأب هو من حصل معه هذا بل الإبن، ربما رواها هايدا كأنها حصلت مع والده بينما في الواقع حصلت معه. لم يستطع تسوكورو أن يتخلص من هذا الوهم.
"إن الوقت أصبح متأخراً، سأكملها لاحقاً إذا كنت تشعر بالنعاس".
لا إن الوقت مناسب، قال تسوكورو. لا أشعر بالنعاس. كانت قد عصفت عليه الرياح الثانية، وأراد أن يسمع بقية القصة.
"حسناً، سأكمل". قال هايدا. "وأنا كذلك، لا أشعر بالنعاس".

                                                       ـــــــ
     كانت تلك هي المرة الوحيدة التي سمع فيها هايدا عزف ميدوريكاوا. بعدما عزف "Round Midnight" في غرفة الموسيقى في المدرسة الثانوية، بدا عليه أنه فقد الشهية في العزف مرة أخرى. "ألا تريد أن تعزف مرة أخرى؟". سأله هايدا محاولاً استدراجه، ولكن حركة رأس ميدوريكاوا الصامتة كانت رده الوحيد، ثم استسلم هايدا ولم يعد يسأله. لم يعد ميدوريكاوا يخطط أن يعزف مرة أخرى على البيانو، وتمنى هايدا أن يتمكن من سماع عزفه مرة أخرى.
يمتلك ميدوريكاوا موهبة صادقة، ولا شك في هذا، فلعزفه قدرة على إثارة المستمع غريزياً وجسدياً، ونقلك إلى عالم آخر، ليس من النوع الذي تخلقه بسهولة.
ولكن ماذا تعني هذه الموهبة الفريدة لميدوريكاوا نفسه؟ لم يفهم هايدا ذلك، إذا كنت تملك مثل موهبته، هل ستسعدك أم ستكون عبئاً؟ رحمة أم لعنة؟ أم شيئاً يحتوي كل تلك المكونات معاً؟ أياً كان، لم يبدُ ميدوريكاوا شخصاً سعيداً، تبدل انفعاله إلى شيء ما بين الكآبة واللامبالاة، يمكن لابتسامة طفيفة أن تعلو شفتيه من حين لآخر ولكنها دائماً ما تكون مكبوتة وساخرة قليلاً.
وفي أحد الأيام حيث كان هايدا يقطع الخشب، جاء إليه ميدوريكاوا وهو في الساحة الخلفية يحمل الحطب.
"هل تشرب؟". سأله.
"قليلاً". ردّ هايدا.
"لا بأس بالقليل منه". قال ميدوريكاوا. "هل تشرب معي الليلة؟ تعبت من أن أشرب وحدي".
"لدي بعض الواجبات لأقوم بها في المساء، وسأفرغ منها في السابعة والنصف".
"حسناً، تعال إلى غرفتي عندئذ ".

وعندما وصل هايدا الصغير إلى غرفة ميدوريكاوا كان العشاء مجهزاً لهما، سفرة طويلة مع سيك ساخن. جلسا قبالة بعضهما يأكلان ويشربان. أكل ميدوريكاوا أقل من نصف حصته من العشاء ولكنه قد شرب السيك، وخدم نفسه بنفسه، لم يقل أي شيء عن حياته الخاصة، وبدلاً من ذلك كان يسأل هايدا عن المكان الذي نشأ فيه (في أكيتا) وعن حياته الجامعية في طوكيو، وعندما علم أن هايدا كان يدرس الفلسفة سأله بعض الأسئلة المتعلقة باختصاصه، عن نظرية هيجل، عن كتابات بلاتو. واقعياً، بدا واضحاً عليه أنه قد قرأ تلك الأنواع من الكتب، ولم تكن الكتب التي تحتوي على الغموض هي الوحيدة التي قرأها.
"فهمت، إذاً أنت تؤمن بالمنطق، أليس كذلك؟". قال ميدوريكاوا.
"نعم، أؤمن بالمنطق، وأعتمد عليه، هذا كل ما تدور حوله الفلسفة في النهاية". رد هايدا.
"فبالتالي أنت لا تحب أي شيء يتنافى مع المنطق؟".
"بعيداً عن إن كنت أرغب في ذلك أم لا، أنا لا أرفض التفكير بالأشياء غير المنطقية، هذا ليس أنني أمتلك إيماناً عميقاً في المنطق، أعتقد أنه من الضروري أن تجد الفكرة من هذا التداخل بين ما هو منطقي وما هو غير منطقي".
"هل تؤمن بالشيطان؟".
"الشيطان؟ تقصد الفتى الذي لديه قرون؟".
"هذا صحيح، إذا كان يمتلك قروناً في الحقيقة أم لا، لا أعرف".
"إذا كنت تقصد الشيطان المَجاز الذي يعني الشر فأنا أؤمن به". 
"ماذا إذا كان هذا المجاز الذي يعني الشر يأخذ شكلاً حقيقياً؟".
"لا يمكنني قول أي شيء إذا لم أره". قال هايدا.
"ولكن ما إن تراه فسيكون الوقت قد تأخر كثيراً".
"حسناً، نحن نتحدث بفرضيات الآن، إذا أردنا أن نتابع الحديث أكثر فسنحتاج إلى بعض الأمثلة المادية، كالجسر في حاجته للعوارض الخشبية. كلما ذهبت أكثر في هذه الفرضيات أصبح الأمر زلقاً أكثر، وأي استنتاج ستستخلصه سيصبح أقرب إلى الوهم".   
"أمثلة؟". قال ميدوريكاوا. أخذ رشفة من السيك وامتعض. "ولكن في بعض الأحيان عندما يظهر مثال يجيء سؤال هل ستوافق عليه أم لا، أو هل ستؤمن به. ليس هناك أرض في الوسط، يجب أن تقوم بقفزة عقلانية، المنطق لن ينقذك". 
"ربما لا تتمكن من ذلك. المنطق ليس دليلاً ملائماً لتعرضه، مع أنه لاحقاً يتوجب عليك أن تقيس أي حالة بالمنطق. 
"ولكن في ذلك الوقت، قد تكون قد تأخرت".
"ولكن ليس هناك ما يمكن فعله بالمنطق".
ابتسم ميدوريكاوا. "معك حق، بالطبع. حتى لو وجدت في آخر الطريق أن الوقت متأخر لذلك فهذا مختلف عن منطق ذلك، هذا صوت الجدال. لا مجال للمناقشة".
"هل خضت مثل تلك التجربة سيد ميدوريكاوا؟ الموافقة على شيء، الإيمان به، أخذ قفزة لما وراء المنطق؟".
"لا". أجاب ميدوريكاوا. "لا أؤمن بشيء، لا المنطقي منه ولا اللامنطقي، لا أؤمن بالله ولا بالشيطان. ولا امتداد للفرضية، ولا شيء كالقفزة. أنا أتقبل بصمت كل شيء كما هو فحسب. في الواقع، هذه هي مشكلتي الأساسية. لا أستطيع وضع حاجز لائق بين الفاعل والشيء". 
"ولكنك موهوب جداً، بما يخص الموسيقى".
"أتعتقد ذلك؟".
"موسيقاك تستطيع أن تحرك الناس، ليست لدي معرفة كبيرة بالجاز، ولكن هذا كل ما أستطيع قوله".
هز ميدوريكاوا رأسه على مضض. "يمكن أن تكون الموهبة شيئاً جميلاً تمتلكه في بعض الأحيان، فتبدو جيداً، تجذب الانتباه، وإذا كنت محظوظاً تكسب المال، وتندفع النساء إليك. بمعنى، أن تكون لديك موهبة أفضل من لا تكون، لكن فوائدها لا تظهر إلا إذا أُوليت اهتماماً مادياً وفكرياً قاسياً وشديداً. كل ما تأخذه هو برغياً تضعه في دماغك لتصبح خاسراً وتسقط، أو يكون لبعض الوصلات في جسدك لتتدمر، يتلاشى تركيزك مثل الندى في ساعات الصباح، وجع أسنان بسيط، أكتاف متيبسة، فلا تستطيع أن تعزف على البيانو بشكل جيد. هذا صحيح، لقد جربت ذلك في الحقيقة، تجويف واحد، كتف واحد متألم، والمشهد الجميل والصوت الذي أملت أن أوصله خرج من النافذة. جسد الإنسان الهش نظام معقد يمكن أن يتحطم بسبب شيء تافه جداً، وفي أغلب الحالات عندما يحدث وأن يتحطم لا يمكن استعادته بسهولة، التجويف أو الكتف الضعيف يمكن أن تتغلب عليه ولكن هناك أشياء كثيرة لا يمكنك تجاوزها، إذا كانت الموهبة هي الأساس الذي تعتمد عليه، والآن هي شيء لا يُعتمد عليه كثيراً لدرجة أنك لا تعرف ماذا سيحدث لها في الدقيقة القادمة. فماذا تعني إذاً؟
"ربما تكون الموهبة عابرة". رد هايدا. "وليس هناك الكثير ممن لا يستطيع تحملها مدى الحياة، ولكنها تجعل من القفزة الروحية العظيمة ممكنة، هي ظاهرة عالمية مستقلة تتجاوز الأفراد". 
تأمل ميدوريكاوا ذلك للحظة قبل أن يجيب. "مات موزارت وشوبارت وهما في عمر صغير، ولكن موسيقاهما بقيت إلى الآن. هل هذا ما تقصده؟".
"يمكن أن يكون هذا مثالاً".
"ذلك النوع من الموهبة دائماً استثناء، معظمهم يود أن يدفع ثمن عبقريته من خلال قبول حياة قصيرة الأمد وموت يجيء في غير أوانه، إنهم يعقدون صفقة واضعين حيواتهم على الخط، سواء كانت الصفقات مع الله أو مع الشيطان، لا أعرف". تنهد ميدوريكاوا وبقي صامتاً لفترة. "تغيير في الموضوع قليلاً". أكمل، "ولكن، في الحقيقة أنا أموت، وبقي لي شهر واحد". 
جاء دور هايدا ليصمت، لم تأته أية كلمة.
"أنا لا أحارب أي مرض أو أي شيء". قال ميدوريكاوا. "أنا في صحة جيدة، ولا أفكر في الانتحار، إذا كان هذا ما تفكر فيه فتستطيع أن تستريح". 
"إذاً كيف تعرف أنه تبقى لموتك شهر واحد؟".
"أحد ما أخبرني بذلك، بقي لك أن تعيش شهرين، قال، كان ذلك قبل شهر".
"من سيقول شيئاً مثل هذا؟".
"لم يكن طبيباً، أو عرافة، كان شخصاً عادياً، مع أنه في ذلك الوقت كان ميتاً أيضاً".
قلّب هايدا الصغير ذلك في عقله ولكن موطئ أقدامه المنطقيّ تفلّت منه. "إذاً هل...جئت إلى هنا تبحث عن مكان لتموت فيه؟".
"يمكن قول ذلك".
"لا أستطيع أن أتابعك تماماً، ولكن ألا توجد طريقة ما تستطيع من خلالها تجنب الموت؟".
"هناك طريقة واحدة". قال ميدوريكاوا. "أن تأخذ تلك الصفة (صفة الموت) إن شئت، وتحوّلها  إلى شخص آخر. ما أعنيه هو أن تجد أحداً آخر ليموت في مكانك. تمرر العصا عليه، تقول له: "حسناً، جاء دورك". وبعدها تغادر. افعل ذلك وستلغي الموت في ذات اللحظة. ولكن أنا لا أخطط لذلك، كنت أفكر منذ وقت طويل أنني أرغب أن أموت في أقرب وقت، ربما هذا ما أحتاج إليه".
"حسناً تعتقد أنه لا بأس في أن تموت، كما أنت الآن؟".
"أصبحت الحياة لا تطاق، ليس لدي مانع أن أموت كما أنا، لا أملك الطاقة لأخرج وأبحث عن طريقة تساعدني على الحياة، ولكني بهدوء قبلت أن أموت، هذا ما أستطيع القيام به".
"ولكن كيف بالضبط تسلّم صفة الموتهذه إلى شخص آخر؟".
رفع ميدوريكاوا كتفيه، كأنه غير مهتم بالأمر حقاً. "هذا سهل، يجب على الشخص الآخر أن يدرك ما أقوله فحسب، يوافق عليه، يعطي موافقته الكاملة، ويوافق على أن يلتزم بها، وحينها يتم التحويل، يمكن أن تكون موافقة كلامية، هز الرأس مقبول، لا ضرورة لوثيقة موقعة ومختومة أو عقد أو شيء آخر، هي ليست نوعاً من الأشياء الروتينية".
أمال هايد رأسه. "ولكن ليس من السهل أن تجد أشخاصاً مستعدين لأخذه منك، إذا كان أخذه منك يعني أنهم سيموتون في القريب العاجل".
"هذه نقطة منطقية". قال ميدوريكاوا. "لا تستطيع أن تطرح هذه الفكرة على أي أحد، لا تستطيع أن تتسلل إلى أحد ما ثم تهمس في أذنه عفواً، هل يمكن أن تموت مكاني؟ يجب أن تكون حذراً جداً في الاختيار، تصبح هنا الأشياء شائكة قليلاً".
حدق ميدوريكاوا ببطء في جميع أنحاء الغرفة، وتنحنح.
كل شخص له لونه الخاص، هل تعلم ذلك؟". قال.
"لا. لا أعلم".
"كل فرد له لونه المميز الخاص به، يومض قرب حدود جسده، كالهالة أو كالإضاءة الخلفية. لدي القدرة على رؤية هذه الألوان بوضوح.
سكب ميدوريكاوا كوباً من السيك وأخذ رشفة منه، وعلى مهل أخذ يتذوق طعمه.
"هل القدرة هذه على كشف الألوان قد نشأت معك منذ الولادة؟". سأل هايدا بريبة.
هز ميدوريكاوا رأسه. " لا، ليست فطرية بل هي قدرة مؤقتة، تكتسبها من موافقتك على تبادل الموت الفوري. وإنها تمرر من شخص لآخر حالاً، وأنا المتعهد بها".
ظل هايدا الشاب صامتاً لفترة. لم تأته أية كلمة.
"هناك ألوان في العالم أحبها فعلاً". قال ميدوريكاوا. "وهناك ألوان أكرهها. ألوان جذابة، وأخرى حزينة، هناك من لديه لون عميق جداً، بينما البعض الآخر لديه لون خافت، سيرهقك هذا حتماً، لأنك ترى كل تلك الألوان حتى إن لم تكن تريد ذلك، لا أحب أن أكون في أمكنة مزدحمة جداً لهذا السبب، هذا ما جعلني أنتهي إلى هذا المكان البعيد.
بالكاد كان هايدا يعي ما يقوله. "إذاً أنت تخبرني أنك تستطيع أن ترى اللون الذي يطلقه جسدي؟".
"نعم بالتأكيد، ومع هذا لا أريد أن أخبرك به".  قال ميدوريكاوا. "ما أحتاج فعله هو أن أجد الأشخاص الذين لديهم نوعاً محدداً من الألوان، لوناً يرافقه توهج. هؤلاء هم الأشخاص الوحيدون الذي أستطيع أن أنقل إليهم صفة الموت، لا أستطيع تسليمه لأي أحد".
"هل يوجد في العالم الكثير ممن لديهم هذا اللون وهذا التوهج؟".
"لا، ليس كثيراً، أخمن أن أجد واحداً من ألف أو ربما ألفين، ليس من السهل أن تجدهم، وليس مستحيلاً أيضاً. الأصعب من ذلك أن تجد الفرصة لتجلس معهم وتناقشهم بذلك بجديّة. كما تتخيل، إنه ليس بالأمر السهل".
"ولكن أي نوع من الناس هم؟ الأشخاص المستعدون للموت مكان أحدٍ لا يعرفونه حتى؟".
ابتسم ميدوريكاوا. "أي نوع من الناس؟ لا أستطيع الإفصاح عن ذلك حقاً. كل ما أعرفه أنهم يملكون نوعاً خاصاً، عمقاً محدداً من التوهج يحدد أجسادهم. إنها مميزات إضافية فقط، إذا كنت سأغامر وأخمن (وهذا سيكون رأيي الخاص) فتذكر أنني سأقول أن هناك أشخاص ليسوا خائفين من القفزة النوعية، وأنا واثق أنهم يملكون جميع الأسباب التي تجعلهم يفعلون ذلك".
"حسناً، أنا محظوظ أنهم غير خائفين منها، ولكن لماذا يقفزون". لم يقل ميدوريكاوا شيئاً لفترة، وفي الصمت بدا اندفاع الشلال أشد. ابتسم ابتسامة عريضة أخيراً.
"والآن تأتي زفراتي المُباعة".
"هذا ما أرغب بسماعه". قال هايدا.
"في الوقت الذي تقبل فيه أن تتحدى الموت، ستكسب قدرة خارقة، قوةً خاصةً يمكنك أن تسميها. إدراك الألوان التي يصدرها الناس هي واحدة فقط من الوظائف التي تقوم بها تلك القوة، ولكن في جذورها كلها قدرة على توسيع مداركك، تملك القدرة على دفع ما يسميه ألدوس هكسلي "أبواب الإدراك"، إدراكك يصبح نقياً خالصاً، وكل شيء حوله يصبح واضحاً كانقشاع الضباب، تملك رؤية معرفية لا محدودة للعالم وترى الأشياء التي لم ترها من قبل".
"هل أداؤك في اليوم الآخر كان نتيجةَ تلك القدرة؟".
هزّ ميدوريكاوا رأسه قليلاً. "لا، كان هذا ما أستطيع فعله دائماً، أعزف مثل ذلك العزف منذ سنين، الإدراك مكتمل في حد ذاته، ولا يكشف عن نفسه في الخارج ليصبح دليلاً ملموساً، وليس هناك مصالح مادية، يصعب عليّ شرح ذلك في كلمات، يجب أن تجربه لتفهم، إلا أن هناك شيء واحد يمكنني قوله أنه عندما ترى الرؤية الحقيقية تلك بعينيك سيبدو العالم الذي عشت فيه وتعيش فيه حتى الآن مسطحاً وغير مشجع، ليس هناك منطق أو لا منطق في ذلك المشهد، لا خير ولا شر، كل الأشياء اندمجت مع بعضها، وأنت جزء من هذا الاندماج. تترك حدود جسدك الفيزيائي خلفك لتصبح كائناً ميتافيزيقياً، تصبح حدساً، إحساساً رائعاً ومليئاً بالخيبة في ذات الوقت، لأنك في آخر دقيقة على الغالب تدرك كم كانت حياتك ضحلة وسطحية، وترتجف من الحقيقة التي ظهرت في ذلك الوقت الذي أصبحت فيه قادراً على فهم هذه الحياة".
"وتعتقد أن اختبار ذلك الإحساس يستحق التجربة حتى إذا كان يعني أن تلتزم بالموت؟ وحتى إذا جربته لبعض الوقت؟".
أومأ ميدوريكاوا. "حتماً. هذا إحساس قيّم، أضمن ذلك".
بقي هايدا صامتاً لفترة.
"إذاً ما رأيك؟". قال ميدوريكاوا ذلك وابتسم. "هل بدأت تهتم بقبول تلك الصفة؟".
"هل يمكن أن أسألك سؤالاً؟".
"تابع".
"هل من المحتمل أنك تقول بأني من أولئك الناس الذين لديهم ذلك اللون الخاص والتوهج المحدد؟ من بين ألف أو ألفين؟".
" أنت منهم، عرفت ذلك في الدقيقة التي رأيتك فيها".
"إذاً أنا واحد من أولئك الذين يريدون أن يقفزوا؟".
"من الصعب قول ذلك. في الحقيقة لا أعرف، هذا ما ستسأله لنفسه، هل تعتقد ذلك؟".
"ولكنك قلت أنك لا تريد أن تمرر الصفة إلى شخص آخر".
"أعتذر". قال عازف البيانو. "أنا أخطط للموت ولم أشعر أنني كنت سأسلمها لأحد، أنا أشبه البائع الذي لا يريد أن يبيع شيئاً".
"وإذا مت ماذا سيحصل للصفة؟".
"فهمتني. سؤال جيد. ربما ستختفي معي، وربما ستبقى بشكل آخر، ثم تمرر مرة أخرى من شخص لآخر كخاتم فاغنر، ليست لدي فكرة وبصراحة لا أهتم. أعني أنني لست مسؤولاً عما سيحدث عندما أذهب".
حاول هايدا خلق نوع من التنظيم لكل تلك الأفكار في عقله لكنها لم تنتظم بشكل جيد.
"إذاً ما أخبرتك به ليس منطقياً ولو قليلاً. أليس كذلك؟ قال ميدوريكاوا.
"إنها قصة ساحرة، ولكن يصعب تصديقها". اعترف هايدا.
"لأنه ليس هناك تفسير منطقي؟".
"بالضبط".
"لا يمكن إثبات ذلك".
"الطريقة الوحيدة لتعرف أنها حقيقية أم لا، الطريقة الوحيدة لإثباتها هي بعقد الاتفاق. أليست تلك هي الطريقة التي تعمل فيها؟".
أومأ ميدوريكاوا. "بالضبط، إلا إذا قفزت فعندئذ لن تثْبتها. لا حاجة لإثباتها بعد الآن إذا قفزت، ليس هناك أرض وسطى، إما أن تقفز أو لا تقفز. أحدهما أو الآخر".
"ألست خائفاً من الموت؟".
"لا أبداً، لقد شاهدت كثيراً من الفاشلين والتافهين يموتون، وإذا كان مثل هؤلاء يستطيعون القيام بذلك فيجب أن تكون لدي القدرة أيضاً على القيام بذلك .     
"هل فكرت يوماً ماذا ينتظرك بعد الموت؟".
"البعث والآخرة؟ مثل تلك الأشياء؟".
أومأ هايدا.
"قررت أن لا أفكر بها". قال ميدوريكاوا وهو يحك لحيته. "أن تفكر بأشياء لا تعرفها وأشياء لا تصدقها -حتى لو كنت تعرفها- تضييعٌ للوقت. في التحليل الأخير، هذا الأمر لا يختلف عن المنحدر الزلق من الفرضيات التي كنت تتحدث عنها".
أخذ هايدا نفساً عميقاً. "لماذا تخبرني بكل تلك الأشياء؟".  
"لم أخبر أحداً بذلك من قبل حتى الآن، ولم أخطط لذلك". قال ميدوريكاوا، وأخذ رشفة من الشراب. "سأختفي بنفسي بهدوء فحسب، ولكني فكرتُ عندما رأيتك: لقد حان الوقت، هذا هو الرجل الذي يستحق أن أخبره".
"ولا يهمك إن صدقتك أم لا؟".
بدت عينا ميدوريكاوا ناعستين، وتثاءبَ قليلاً.
"لا يهمني إن صدقت ذلك، لأنك ستصدقه عاجلاً أم آجلاً. ستموت يوماً ما، وليس لديّ فكرة متى وكيف سيحصل ذلك، وعندئذ ستتذكر حتماً أنني أخبرتك، وستوافق على ما قلتُه لك، وستفهم كل تفاصيل المنطق وراء ذلك، المنطق الحقيقي. كل ما فعلته هو نثر البذور".         
بدأت تمطر من جديد، مطر خفيف وصامت، اندفاع الشلال حجب صوت المطر، يمكن لهايدا أن يقول أنها تمطر، باختلاف طفيف في الهواء المعاكس لجلده فحسب.  
الجلوس في غرفة صغيرة مقابل ميدوريكاوا بدا فجأة شيئاً غريباً، كما لو أنهما وسط شيء مستحيل، على خلاف مع مبادئ الطبيعة. ازداد الدوار في رأس هايدا، في الهواء الساكن، التقط نفساً خفيفاً من الموت، رائحة الجسد وهو يتعفن ببطء. لا بد أن يكون وهماً، فلم يمت أحد بعد.
"سترجع إلى جامعتك في طوكيو قريباً". أعلن ذلك بهدوء. "وسترجع إلى الحياة الحقيقية، تحتاج إلى أن تعيشها بالكامل، لا بأس كم ستصبح الأشياء سطحية ومملة ربما، هذه الحياة تستحق أن تعاش، إنني أقدّرها، ولست في طريق أن أصبح ساخراً أو متناقضاً. كل ما في الأمر أن كل ما هو جدير بالاهتمام في الحياة يصبح عبئاً بالنسبة إليّ، شيء لا أستطيع تحمله أكثر. ربما لم أنقطع عنه، وكالقط الميت زحفتُ إلى مكان هادئ ومظلم منتظراً بصمت أن يأتي أجلي بأي وقت. هذا ليس سيئاً، إنك مختلف، يجب أن تكون قادراً على الإمساك بالطريق الذي اختارته لك الحياة، تحتاج إلى أن تستخدم خيط المنطق، بقدر ما تستطيع، لترقع نفسك بكل ما يستحق العيش لأجله".        
"هذه نهاية القصة". قال هايدا الابن. "في الصباح، بعد يومين من ذلك الحوار، بينما كان أبي في الخارج يهتم ببعض الأعمال، غادر ميدوريكاوا الحانة مثلما جاء، مع حقيبة متدلية على كتفيه، يسير الثلاث كيلومترات هابطاً من الجبل إلى محطة الحافلات، لم يكتشف أبي أين ذهب. دفع ميدوريكاوا أجرة إقامته عن اليوم السابق وانسحب دون كلمة أو أية رسالة لأبي، كل ما تركه خلفه هو كومة من الروايات الغامضة. بعد فترة ليست طويلة عاد أبي إلى طوكيو، رجع إلى الجامعة وركز على دراسته . لا أعلم إن كانت مقابلة ميدوريكاوا حافزاً جعله ينهي رحلته الطويلة، ولكن عند سماعي القصة من أبي أحسست أنها فعلاً لعبت دوراً كبيراً في ذلك".
 اعتدل هايدا في جلسته على الكنبة، مدّ أصابعه الطويلة إلى رسغيه ودلّكهما.
"بعد أن عاد أبي إلى طوكيو، بحث إذا كان هناك عازف بيانو للجاز يدعى ميدوريكاوا لكنه لم يجد أحداً بهذا الاسم. ربما استخدم اسماً مستعاراً. وإلى اليوم لم يكتشف أحد ذلك ، (إذا كان الرجل قد مات بعد شهر فعلاً)".       
"لكن والدك حيٌّ وبصحة جيدة، أليس كذلك؟". سأل تسوكورو.
أومأ هايدا. "إلى الآن لم يصل إلى نهاية حياته".
"هل صدّق والدك القصة الغريبة تلك التي أخبره بها ميدوريكاوا؟ ألم يخطر له أن تكون مجرد قصة ذكية مصممة لخداعه؟".
"أتعرف، يصعب عليّ القول. بالنسبة لأبي أعتقد أنها لم تكن مسألة صدّقها أم لا، في ذلك الوقت. أعتقد أنه قبلها بشكل كامل كما كانت، قصةً غريبةً. كالطريقة التي تلتهم فيها الأفعى فريستها دون أن تلوكها، وبدلاً من ذلك تهضمها ببطء".
توقف هايدا في هذه اللحظة وأخذ نفساً عميقاً.
"أعتقد أني أشعر الآن بنعاس شديد. ما رأيك أن نذهب إلى النوم؟".
كانت حوالي الواحدة صباحاً حين ذهب تسوكورو إلى غرفة نومه، وجهز هايدا الكنبة وأطفأ الضوء. عندما تمدد تسوكورو في سريره بثياب النوم سمع صوت تدفق مياه الشلالات، لكن ذلك مستحيل طبعاً.  لقد كانوا في وسط طوكيو.
ذهب في نوم عميق بعد وقت قصير.
في تلك الليلة، حدثت العديد من الأشياء الغريبة.