لقد قابل الرجلَ في مسبح
الكلية.
كان يسبح وحده كل صباح، كما يفعل تسوكورو. أحنيا
رأسيهما للتحيّة، ثم بدآ يتحدثان مع بعضهما، وبعد أن بدّلا ملابسهما في غرفة الملابس ذهبا لتناول
الإفطار في كفتيريا الجامعة. كان أصغر من تسوكورو بسنتين دراستين، يتعلم الفيزياء،
ولكنه مع تسوكورو في نفس الكلية؛ كلية الهندسة... وكان يبدو على طلاب قسم الفيزياء
و قسم الهندسة المدنية أنهم آتون من كوكب آخر.
"بماذا أنت متخصص بالضبط
بقسم الهندسة المدنية؟" سأله الطالب.
"أبني محطات". أجابه
تسوكورو.
"محطات؟".
"محطات قطار. ليست محطات
تلفاز أو شيء آخر".
"ولكن لماذا محطات
قطار؟".
"لأن العالم يحتاج
إليها". قال تسوكورو وكأنه شيء مفروغ منه.
"شيء مثير
للإعجاب". قال الرجل، كأنه شعر بذلك حقاً. لم يسبق أن أتتني فكرة عن ضرورة وجود
المحطات".
"ولكني أتصور أنك تستخدمها.
لو لم تكن هناك أية محطة فستكون في مأزق عندما تركب القطار".
"إنني أركب القطار وأفهم
ما تقصد...أنا فقط...حسناً... لم أتصور أن يكون هناك شخص في العالم لديه شغف في
بناء المحطات".
"بعضهم يكتب مجموعة
رباعيات وترية، وبعضهم يزرع الخس والطماطم، بالمقابل ستكون هناك فئة ما من الناس تبني
المحطات". قال تسوكورو. لا أقول أن لدي شغف لفعل ذلك تماماً. ولكن لدي
ميل لشيء محدد".
"ربما تبدو هذه وقاحة
ولكنني أعتقد أنه إنجاز عظيم أن تجد أكثر من شيء تهتم به".
"اعتقد تسوكورو أن الرجل
الأصغر منه سناً يهزأ به، فحدّق بوجهه الوسيم باهتمام، ولكنه بدا جدياً، ملامحه
مكشوفة وصريحة.
"أنت تحب أن تصنع أشياء،
هذا ما يدل عليه اسمك". قال الرجل مشيراً إلى حقيقة ما يعنيه اسم تسوكورو
(يصنع أو يبني).
"أنا أرغب دائماً أن أصنع
أشياء تُرى". اعترف تسوكورو.
"أما أنا فلا". قال
الرجل. "دائماً ما كنت أواجه مشاكل في صنع الأشياء، فمنذ أن كنت في المدرسة
الابتدائية، كنت أخرب الأشياء بين يديّ، لم أكن أعرف كيف أركّب قالباً بلاستيكياً.
أنا أفضّل التفكير بالأشياء النظرية، ولم أكن أتعب من ذلك، ولكن عندما يصل الأمر
إلى استخدام يديّ في صنع شيء حقيقي انسَ ما قد يحدث. ومع ذلك أنا أحب الطبخ؛ ذلك
لأنه أقرب إلى تفكيك الأشياء من بنائها، أعتقد أنه سيكون أمراً
مقلقاً لشخص مثلي لا يستطيع صنع شيء أن يذهب إلى كلية الهندسة".
" ماذا تريد من دراستك
هنا بالضبط؟".
أعطاه الرجل بعض الأفكار.
"لا أعلم بالضبط، لا أملك هدفاً واضحاً ثابتاً مثلك. أنا فقط أريد أن أفكر
بعمق في الأشياء. أتأمل الأفكار بطريقة نقية وحرة، هذا كل شيء. لو فكرت في ذلك، فستجده
يشبه إلى حد ما صنع مكنسة كهربائية".
"حسناً، يحتاج العالم إلى
عدد قليل ممن يصنعون مكنسة كهربائية".
ضحك الرجل الآخر بلباقة.
"نعم، لكنهم يختلفون عمن يزرعون الخس والطماطم. إذا سعى كل شخص في العالم إلى
صنع مكنسة كهربائية فسنكون في فرطة كبيرة".
"الأفكار كاللحى، لا
يملكها المرء إلا إذا أصبح رجلاً، أحدهم قال ذلك لكنني لا أتذكر من هو".
"فولتير". قال الرجل
الأصغر سناً، حكّ ذقنه وابتسم ابتسامة مرحة وغير متكلفة. "ربما كلام فولتير
خاطئ، فأنا لا أملك أية لحية على الإطلاق، ولكنني أحب التفكير في الأشياء منذ الطفولة".
كان وجهه أملس حقاً بلا أي
تلميح لظهور لحية، حاجباه رفيعان لكنهما كثيفان، شكل أذنيه مثل أصداف البحر
الجميلة.
"كنت أتساءل عما كان يعنيه
فولتير، وأظنه ليس مجرد أفكار بقدر ما هو تأمل". قال تسوكورو.
حنى الرجل رأسه قليلاً.
"الألم هو ما يثير التأمل، وليس هناك ما يمكن فعله تجاه العمر، فدعك من
اللحى".
الشاب يدعى هايدا، والذي يعني حرفياً (الحقل
الرماديّ)، فومايكا هايدا. شخص آخر بلون، قال تسوكورو ذلك بعد تأمل. السيد رمادي.
إذاً رماديّ. بالطبع، لون خافتٌ تماماً.
لم يكونا اجتماعيّيْن كثيراً،
ولكن لأنهما واصلا لقاء بعضهما نمت بينهما صداقة طبيعية، وبدآ يفتحان قلبيهما
لبعضهما. قررا أن يتقابلا كل صباح ثم يسبحان مع بعضهما في دورات مائية لمسافات حرة
طويلة، كان هايدا أسرع قليلاً من تسوكورو، فقد بدأ يسبح في مسبح المدرسة، منذ أن
كان يافعاً، وكانت طريقته في السباحة جميلة، ليس ثمة حركة ضائعة. عظام كتفيه تتحرك
بسلاسة مثل أجنحة الفراشة؛ بالكاد تقرأ سطح الماء. لقد أصبح تسوكورو، بعد نصائح هايدا
المفصّلة، وبعد أن زاد من تدريبات القوة، يجاري سرعة هايدا. كانا يتحدثان في البداية
عن أساليب السباحة، ثم تعددت مواضيعهما بعد ذلك.
كان هايدا قصيراً ولكنه رجل
وسيم، وجهه صغير وضيق كتمثال يونانيّ قديم، ولكن ملامح وجهه مع هذا كلاسيكية ومتحفظة،
لم تكن وسامته من النوع الذي يأسر كل من يراه، ولكنها من النوع الذي يظهر مع
الوقت.
شعره قصير ومجعد قليلاً، يرتدي
دائماً ملابس غير رسمية؛ بناطيل رياضية وقمصان بألوان فاتحة، كان يعرف كيف يرتدي
ملابسه جيداً بغض النظر عن لباسه البسيط والعادي. وبالإضافة إلى ذلك كله كان يحبّ
القراءة، ولكنه مثل تسوكورو، نادراً ما كان يقرأ الروايات، يفضل قراءة الفلسفة والأدب
الكلاسيكي، ويستمتع في قراءة المسرحيات أيضاً، وهو من أكبر معجبي التراجيديا
الإغريقية وشكسبير، كما يعرف نوح و بونراكو جيداً. أصل هايدا من ولاية أكيتا شمال
اليابان، بشرته بيضاء وأصابعه طويلة، ولا يشرب النبيذ كثيراً، كتسوكورو، إلا أنه يستطيع
التمييز بين موسيقى مندلسون وموسيقى شومان. كان خجولاً بشكل كبير، فعندما يزيد عدد
من معهما عن ثلاثة فإنه يحاول جاهداً أن يبقى مخفياً، هناك ندبة قديمة عميقة بطول
إنش ونصف على عنقه، كأنه قد جُرح بسكين، لكنها أضافت، مع ذلك، علامةً غريبةً على
مظهره الهادئ. أتى هايدا من أكيتا إلى طوكيو في ذلك الربيع، وكان يقيم في السكن
القريب من الحرم الجامعي ولم يكن قد كوّن صداقات بعد. وعندما اكتشف الاثنان ذلك
الانسجام بينهما بدآ يقضيان الوقت معاً، وأصبح هايدا ينزل إلى شقة تسوكورو.
"كيف يستطيع طالب أن
يتحمل تكاليف شقة باهظة الثمن؟". تساءل هايدا في أول زيارة له لتسوكورو في
شقته.
"أبي يعمل في العقارات في
طوكيو". وضّح تسوكورو. "كانت حماقة، وطلبوا مني العيش هنا لهذا السبب.
قررت أختي الصغيرة ذلك أولاً، ولكنها كانت تتنقل هنا وهناك بعد أن تخرجت من الكلية.
وهذه الشقة باسم الشركة".
"يجب أن تكون عائلتك
ثرية؟".
"أتعرف، لست متأكداً من
ذلك. ربما، ليست لدي فكرة. لا أعتقد أن أبي سيعرف ذلك إذا لم يجمع محاسبه ومحاميه
وجباة الضرائب ومستشاره ومستشار الاستثمار في غرفة واحدة معاً. يبدو أننا لسنا
أثرياء بما فيه الكفاية لذلك أسكن في شقة مثل هذه. صدقني، أنا أشعر بالامتنان".
"لكن لا يعجبك نوع عمل
أبيك؟".
"لا، أبداً. في خط العمل
يتحرك رأس المال باستمرار بشكل دائري من طرف إلى آخر ثم يرجع. طريقة سير الأمور
مقلقة بالنسبة إليّ. أنا لست مثله. أنا أفضل طريقي إلى محطات البناء حتى إن لم يكن
مريحاً".
"ما تستمتع به".
علّق هايدا بابتسامة كبيرة على وجهه.
____
انتهى الأمر بتسوكورو إلى
غرفة نوم واحدة في جوجوكا حتى بعد أن تخرج من الجامعة، وبدأ يعمل في شركة تهتم
بشؤون المحطات مقرها الرئيسي في شينجوكو. توفي والده وهو في الثلاثين من عمره
وأصبح السكن ملكه، كان والده قد عزم بوضوح أن يعطيه إياه، وانتقل العقد دون علمه
إليه. أخذ زوج أخت تسوكورو الكبرى شركة والده، وأكمل تسوكورو العمل في تصميم محطات
القطار في طوكيو دون تواصل كبير مع عائلته، وبقيت زياراته إلى ناغويا قليلة
ومتباعدة.
توقع نصف توقع عندما رجع إلى
موطنه أن يظهروا في جنازة أبيه ليقدموا تعازيهم، وفكر كم سيكون جميلاً لو فعلوا
ذلك، لكن لم يظهر أحد. شعر تسوكورو بالراحة وبقليل من الحزن أيضاً، وفكر مرة أخرى:
كل الذي فعلوه في السابق قد انتهى حقاً. لن يرجعوا مرة أخرى، لقد أصبح عمر الخمسة
الآن ثلاثين سنة. لا عُمر... حين يحلم أحد ما بمجتمعٍ منسجمٍ ومنظمٍ من الأصدقاء.
يكره نصفُ سكان العالم
تقريباً أسماءهم، هذا ما اطلع عليه تسوكورو في الإحصاءات المكتوبة في المجلات. أما
هو فكان من النصف الآخر، أو عالأقل من الذين لا يكرهون أسماءهم. ربما الأكثر دقة
أن نقول أنه لم يتصور أن يكون له اسم آخر أو حياة أخرى غير التي انقاد إليها، لو
أراد ذلك.
لقد كُتب اسمه الأول
(تسوكورو) بحرف صيني واحد، ويقوم عادة بتهجئته بالهريغانا، ويعتقد أصدقاؤه أنه يكتب
هكذا، وتستخدم أمه وأختاه قراءة بديلة لنفس اسمه، ينادونه ساكو أو ساكو شان لأنهن
يرين ذلك أسهل.
والده هو من اختار له الاسم.
حسناً، كان والده قد قرر الاسم قبل أن يولد تسوكورو، والسبب غير واضح، ربما لأنه
أمضى سنوات عديدة من حياته يُزاح من أي شيء يتعلق بصنع الأشياء، أو ربما في وقتٍ
ما جاءه شيء أقرب أن يكون إلهاماً؛ جزءاً من ضوء غير مرئي، مصحوباً برعد ليس له
صوت، يحرق اسم تسوكورو في عقله، ولكن والده لم يخبر أحداً من أين جاء بفكرة اسمه،
لا لتسوكورو ولا لأي أحد آخر.
لم يكن ليأخذ وقتاً طويلاً في
اختيار الحرف الصيني، ليصبح تسوكورو؛ الحرف الذي يعني "يبدع" أو الأكثر
بساطة والذي يعني "يصنع" أو "يبني". يمكن أن تقرأ هذه الحروف
بنفس الطريقة مع وجود فروق بسيطة. افترضت أمه أنه يجب أن يُكتب اسمه بالحرف الذي
يعني "يبدع"، ولكن والده اختار المعنى الأكثر تجرداً.
تذكرت أمه النقاش الذي كان (عندما
اختار والده له الاسم) بعد انتهاء جنازته. "شعر والدك أن إعطاءك الحرف الذي
يعني "يبدع" سيكون عبئاً عليك". أخبرت تسوكورو. الحرف البسيط يُقرأ
أيضاً تسوكورو، واعتقد أنه سيكون أكثر هدوءاً وراحة. يجب أن تعرف أنه على الأقل فكّر
طويلاً وجدياً في اسمك، أنت ابنه الأول في النهاية".
لا يذكر تسوكورو كثيراً أنه
كان قريباً من أبيه، ولكن عندما يصل الأمر إلى اختياره الاسم فتسوكورو ملزم أن
يوافق. في الحقيقة اسم تسوكورو بهذا الشكل الأبسط والأسهل قد ساعده أكثر، ذلك
لأن عظامه لا تحتوي على الشيء الكثير من الأصالة والإبداع. ولكن هل خفف أيُّ شيء
من هذا من أعبائه في الحياة؟ ربما هذه الأعباء أخذت شكلاً مختلفاً، ولكن أياً
منها كان الأكثر خفة؟ لا يستطيع تسوكورو القول.
هكذا أصبح هذا الشخص يدعى تسوكورو.
لم يكن شيئاً قبل ذلك؛ ظلام، فوضى لا اسم لها، لا أكثر. أقل من سبعة باوندات من
كتل اللحم التي بالكاد تتنفس أو تبكي في الظلام. تم إعطاؤه الاسم أولاً ، ثم نما
الوعي، ونمت الذاكرة، ثم الأنا أخيراً، ولكن كل شيء بدأ مع اسمه.
اسم والده هو توشيو تازاكي،
يتم تهجئة اسم توشيو بحروف تعني "الرجل الذي يربح"، أما تازاكي فيعني
حرفياً "العديد من أشباه الجُزر". اسمٌ لرجلٍ يربح حقاً، بتميز، وفي
مجالات كثيرة، فقد انتقلت حالته من الفقر إلى وظيفة مميزة، صمّم أن يعمل في
العقارات، فاكتسح عصرَ التطور في اليابان، بنجاحه المتميز. ثم بدأ يعاني من سرطان
الرئة، إلى أن توفي وعمره أربعة وستين سنة، ولكنّ ذلك حصل لاحقاً، فعندما التقى
تسوكورو بهايدا كان والده لا يزال بصحة جيدة، يشتري ويبيع العقارات السكنية
الراقية في طوكيو بقوة وبلا كلل، كما كان ينفث بطريقه خمسين سيجارة (دون فلتر) في
اليوم الواحد، وقد انفجرت فقاعة العقارات، ولكنه كان يتوقع حدوث هذا الخطر، فقد وظّف
جميع أمواله، ليخفض النتائج المالية التي قد تحدث في نهايته. وبقي الظل المشؤوم في
رئتيه مخفياً وبعيداً عن أن يكتشفه أحد.
"يدرّس أبي الفلسفة في
جامعة حكومية في أكيا". قال هايدا لتسوكورو. "إنه يشبهني، لقد كان يحب دراسة الأفكار التجريدية، يسمع الموسيقى
الكلاسيكية دائماً، ويلتهم الكتب التي لم يقرأها أحد من قبل، ليست لديه القدرة على
جني الأموال، وأي مال يكسبه يذهب لشراء الكتب أو التسجيلات، ونادراً ما يفكر
بعائلته أو مدخراته، عقله يحلق دائماً في الغيوم. ولم أكن أستطيع أن أدرس إلا في
طوكيو؛ لأن الرسوم الدراسية فيها جيدة ومنخفضة، ولأني أخذت سكناً فيجب أن أخفف من
مصاريفي أيضاً".
"ألم يكن من الأفضل له،
من الناحية المالية، أن يذهب إلى قسم الفيزياء بدل قسم الفلسفة؟". سأله
تسوكورو.
" بالنسبة لخريجيها فهم
لا يكسبون أي شيء، كلهم متساوون، إلا إذا فزت بجائزة نوبل أو شيء آخر". قال
هايدا ذلك بابتسامة النصر اللامعة الاعتيادية.
كان هايدا الابن الوحيد
لعائلته، لم يكن لديه أصدقاء كثيرون، وكان يعتمد على كلبه والموسيقى الكلاسيكية
ليأنسا وحدته، لم يكن السكن الذي يعيش فيه مكاناً مثالياً ليسمع فيه الموسيقى،
وبالتأكيد ليس مكاناً مناسباً لإبقاء الكلب فيه، لذلك كان يذهب إلى شقة تسوكورو
ومعه بعض الأقراص ليسمعها هناك، اقترض أغلبها من مكتبة الجامعة، وأحياناً كان يجلب
معه ألعاب الفيديو الخاصة به. كان في شقة تسوكورو ستيريو لائق نوعاً ما، وأما التسجيلات
الوحيدة التي أبقتها أخته فهي لباري مانيلو، ومجموعة Pet
Shop Boys، لذلك
لم يكن تسوكورو يلمس المسجل.
كان هايدا يفضل أن يسمع موسيقى
الآلات، وموسيقى الحجرة، والتسجيلات الصوتية. لم تكن الموسيقى التي تكون فيها مكونات
الأوركسترا صاخبة من النوع الذي يرغب سماعه، أما تسوكورو فلم يكن مهتماً بالموسيقى
الكلاسيكية أو أية موسيقى أخرى للسبب ذاته، ولكنه كان يستمتع بها مع هايدا.
لاحظ تسوكورو وهما يستمعان
إلى تسجيلات البيانو أنه قد سمع هذه المقطوعة من قبل مرات عديدة، ولكنه لم يعرف
عنوانها أو مؤلفها، كانت قطعة هادئة وحزينة، تبدأ بمقدمة بطيئة وبارزة، تعزف
بنوتات منفردة، ثم يتبعها تقلبات هادئة. بحث تسوكورو في الكتاب الذي كان يقرؤه ثم
سأل هايدا عنها.
"فرانز ليست (Le
mal du). من نوتات
Years of Pilgrimage، (Year 1: Switzerland)".
" Le mal du؟"
" Le mal du pays". إنها فرنسية. وفي العادة تترجم "الحنين إلى
الوطن" أو "كآبة".
إذا وضعت نقطة دقيقة عليها ستصبح
(الحزن الذي لا حدود له، النهر الذي أتى من مناظر الأرياف الطبيعية إلى قلب أحد ما).
تعبير يصعب عليّ شرحه.
"هناك فتاة أعرفها، صديقتي
في المدرسة الثانوية تعزف هذه القطعة كثيراً".
"لطالما أحببت هذه
القطعة، هي ليست معروفة كثيراً". قال هايدا. "هل كانت صديقتك عازفة
بيانو جيدة؟".
"من الصعب قول ذلك، فأنا
لا أعرف كثيراً عن الموسيقى، ولكني كلما سمعتها اعتقدت أنها جميلة، كيف أوضح ذلك؟
إنها تبعث فيك حزناً هادئاً، ولكنها ليست عاطفية".
"إذاً فقد عزفتها
جيداً". قال هايدا. "تبدو بسيطة تقنياً ولكن من الصعب التعبيرعنها. اعزفها
كما هي مكتوبة وستنتهي بملل جذاب، ولكن اذهب في طريق معاكس وترجمها بشكل مكثف ستبدو
هيّنة، كاستخدامك للدواسات التي تصنع كل الاختلافات، و تستطيع أن تغير رمز القطعة
الموسيقية بالكامل".
"من عازف البيانو
الآن؟".
" الروسي، لازار بيرمان.
عندما يعزف ل(ليست) فكأنه يرسم مشهداً متخيلاً مباشراً، أغلب الناس يرون أن موسيقى
(ليست) فنية وسطحية، وله بعض القطع الصعبة بالطبع، ولكن إذا دققت السمع في موسيقاه
فستكتشف عمقاً لا تلاحظه في بادئ الأمر، في معظم الوقت يكون مخفياً وراء الزخرفات،
هذه حقيقة نوتات Years
of Pilgrimageتحديداً. ليس هناك عازفو بيانو أحياء كثيرون
يستطيعون عزف هذه القطعة بشكل صحيح وجميل. بيرمان هو الوحيد من بين العازفين
المعاصرين الكثيرين من يستطيع فعل ذلك بشكل صحيح، وأما القدامى فسأختار كلاوديو آرو".
كان هايدا يتحدث كثيراً إذا كان
الموضوع يتعلق بالموسيقى. بدأ يصف بدقة أداء بيرمان لموسيقى ليست، وكان تسوكورو لا
يصغي إليه كثيراً، وبدلاً من ذلك سقطت صورة شيرو في عقله وهي تعزف القطعة
الموسيقية، صورة ذهنية ثلاثية الأبعاد، ومشرقة، كأن هذه اللحظات الجميلة كلها على
نحو سواء تسبح عائدة، في ممر مائي معاكس لضغط الوقت المنطقي.
بيانو ياماها، ضخمٌ، في غرفة
الاستقبال في بيتها، انعكاس لوعي شيرو. البيانو مضبوط بشكل تام دائماً، بمظهره
اللامع، دون أي لطخة قد تشوه لمعانه. ضوءُ ما قبل المساء يترشح من خلال النافذة،
ينصبّ ظلُ شجر السرو في الحديقة، ترتعش أشرطة الستارة في النسيم، أكواب الشاي على
الطاولة، شعرها الأسود مربوط بعناية على ظهرها، ملامحها الحازمة وهي تحدق في الرمز
الموسيقي، أصابعها العشرة الطويلة على مفاتيح البيانو، قدماها وهي تضغط على دواسات
البيانو مأخوذة بقوة مخفية قد لا تُصدّق في مواقف أخرى، جلدُها الذي مثل خزف مصقول،
أبيض وناعم، وعندما يطلب منها أن تعزف شيئاً فإن هذه القطعة تكون خيارها الأقرب Le
mal du pays، الحزن
الذي لا حدود له، النهر الذي أتى من مناظر الأرياف الطبيعية إلى قلب أحد ما، الشوق
إلى الوطن، الكآبة.
حين أطبق تسوكورو عينيه
وانسجم مع الموسيقى شعر بضيق في صدره صاحبه شعور خانق وحزين، كأنه قبل أن يدرك ذلك
الشعور قد ابتلع قطعة قاسية من الغيوم... انتهت القطعة الموسيقية وبدأت مقطوعة
أخرى ولكنه لم يقل شيئاً، ولم يفعل شيئاً سوى أن سمح لتلك المشاهد أن تنجرف ببساطة
نحوه، أما هايدا فكان يطلق عليه نظراته من حين لآخر.
"إذا لم تمانع، أرغب أن
أترك هذه الإسطوانة هنا، لا أستطيع الاستماع إليها في غرفتي في السكن أبداً".
قال هايدا ذلك وهو يغلّف ألعاب فيديو.
لازالت تلك المجموعات الثلاثة
من الأسطوانات إلى الآن في شقة تسوكورو، على يمين باري مانيلو و Pet
Shop Boys.
كان هايدا طباخ ماهر. أحب أن
يتسوق ويحضّر الطعام في مطبخ تسوكورو لشكره على السماح له بسماع الموسيقى. تركت
أخت تسوكورو له مجموعة من القدور والمقالي والصحون، ميراثَه من الأثاث، ومكالمة
مؤقتة من أحد أصدقائها السابقين. "أعتذر، لم تعد أختي تسكن هنا أبداً". كان
يتناول تسوكورو الغداء مع هايدا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، يستمعان إلى
الموسيقى، يتحدثان، يتناولان الطعام الذي يحضره هايدا، كانت أطباقاً بسيطة ليوم
واحد، وفي العُطل عندما يصبح لديه متسع أكثر من الوقت كان يحاول أن يعد الأطباق
الأكثر دقة، وتكون جميعها شهية. يبدو أن هايدا يمتلك موهبة الطبخ، وأي شيء يصنعه؛
من أومليت عادي، حساء ميسو، صلصة الكريما، أو نيجرو، يكون محضراً بمهارة ودراية.
"من السيء أن تكون في
قسم الفيزياء، يجب أن تفتح مطعماً". قال تسوكورو ذلك نصف مازح.
ضحك هايدا. "يبدو هذا
جيداً، ولكني لا أحب أن أقيّد في مكان واحد، أحب أن أكون حراً، أذهب أينما أشاء ومتى
أشاء، وأكون قادراً على التفكير بأي شيء أريده".
"بالطبع، ولكن لا تستطيع
أن تفعل ذلك بسهولة".
"نعم ليس سهلاً ولكني
قررت. أنا أحب الطبخ ولكني لا أريد أن أكون مقيداً في المطبخ ليصبح هذا عملاً. إن
حصل هذا سينتهي الأمر بكره أحد".
"كره أحد؟".
"الطبّاخ يكره النادل،
وكلاهما يكرهان الزبون". قال هايدا. "سطر من مسرحية (المطبخ) لآرنولد
ويسكر. الناس الذين يفقدون حريتهم ينتهي بهم الأمر دائماً إلى أن يكرهوا أحداً ما.
صحيح؟ أعرف أني لا أريد أن أعيش هكذا".
"أن تكون غير مقيد، تفكر بالأشياء بحرية،
أهذا ما تأمل به؟".
"تماماً".
"هذا يعني أن تترك جسدك
خلفك، تترك القفص الذي يحوي لحم جسدك، تكسر القضبان، وتسمح للمنطق النقي بالتحليق،
تعطي المنطق حياته الطبيعية ، هذا هو أساس التفكير الحر".
هز هايدا رأسه. "لا، هذا
يعتمد على كيف تراه، هو ليس بهذه الصعوبة، يفعل كثير من الناس ذلك مرات عديدة دون
أن يعلموا، هذا ما يتمكنون من فعله ليبقوا عقلاء، غير مدركين لما يفعلونه تماماً ".
فكّر تسوكورو في هذا، إنه يحب
التحدث مع هايدا عن مثل هذا النوع من الأفكار التجريدية، الأفكار التأملية. لا
يتكلم تسوكورو كثيراً في العادة، ولكن شيئاً ما في الحديث مع هذا الشاب يحفّز
عقله، وأحياناً تتدفق الكلمات وحدها...إنه لم يجرب ذلك سابقاً، فبالعودة إلى
ناغويا والمجموعة التي تضم خمستهم فإنه يلعب، في أغلب الأحيان، دورَ المستمع.
"ولكن إذا لم تفعل ذلك
قصداً". قال تسوكورو. "لا تستطيع أن تحصل على حرية التفكير التي تتكلم
عنها. صحيح؟".
أومأ هايدا. "تماماً،
ولكن هذا بنفس درجة صعوبة أن تحلم الحلم الذي قصدت أن تراه، هذا الأمر خارج عن
طبيعتك البشرية".
"الآن، أنت تريد أن تكون
قادراً على فعل ذلك قاصداً".
"يمكنك قول ذلك".
"لا أتخيل أنهم يدرّسون ذلك
في قسم الفيزياء".
ضحك هايدا. "لا أتوقع أنهم
سيدرّسون ذلك في يوم من الأيام، ما أبحث عنه هنا هو محيطٌ حرٌّ، ووقت، هذا كل ما
أبحث عنه. في الإطار الأكاديمي إذا أردت أن تناقش معنى ما تفكر به عليك أولاً أن توافق
على التعريف النظري، حيث تصبح الأشياء شائكة. الأصالة هي لا شيء لكنها محاكاة
حكيمة. قال ذلك الواقعيّ، فولتير ".
"أنت موافق على
ذلك؟".
"كل الأشياء لها حدود، وذات
الشيء ينطبق على الأفكار، يجب ألا تخاف من الحدود، و يجب ألا تخاف من هدمها أيضاً.
هذا أهم شيء تفعله إذا أردت أن تكون حراً؛ احترام الحدود، والغضب منها. أكثر ما
يهم في الحياة هي الأشياء الثانوية، دائماً. هذا جُلّ ما أستطيع قوله".
"هل أستطيع أن أسألك
سؤالاً؟". قال تسوكورو.
"بالتأكيد".
"في الأديان المختلفة
يبعث الرسل وبهم نشوةٌ، يستلمون رسالة من وجودٍ كامل".
"صحيح".
"ويحدث هذا في مكان
يتجاوز الإرادة الحرة. أليس كذلك؟ وبشكل مجهول دائماً".
"هذا صحيح".
"وهذه الرسالة تتجاوز
حدود شخصية المرسَل، وتؤدّى المهام بنهجٍ واسعٍ وكونيّ".
"صحيح أيضاً ".
"ولا يكون في هذه
الرسالة تناقض أو التباس".
أومأ هايدا بصمت.
"لم أفهم ذلك". قال
تسوكورو. "إذا كان ذلك صحيحاً فما قيمة الإرادة الحرة للإنسان؟".
"هذا سؤال قوي".
قال هايدا، وابتسم بهدوء كابتسامة القط وهو يتمدد، وحين يغفو في الشمس.
"أتمنى أن يكون لديّ
إجابة لك، ولكني لا أملك الآن أية إجابة ".
بدأ هايدا يبتعد عن شقة
تسوكورو في أيام العطل، كان يمكن أن يتحدثا حتى وقت متأخر من الليل، وحينها سيطوي
هايدا الكنبة في غرفة الاستقبال ويذهب إلى النوم، وفي الصباح يصنع القهوة، ويعد الأومليت
لهما. كان هايدا استثنائياً فيما يتعلق بالقهوة، كان يستخدم دائماً حبوباً معطّرة،
يضعها في مطحنة كهربائية صغيرة يحضرها معه دائماً. كان إخلاصه للبن ترفاً في فقره
ونمطِ حياته الضئيلة.
أفصح تسوكورو لهذا الصديق
الجديد والكاتم للأسرار عن كل أموره الشخصية، ومع ذلك كان يتجنب ذكر أصدقائه
الأربعة في ناغويا، فلم يكن الحديث عنهم شيئاً سهلاً، ولا تزال الجروح طازجة
وعميقة.
أما الآن، فعندما يكون برفقة
صديقه الصغير فإنه يستطيع بشكل عام أن ينساهم. لا. ينسى ليست الكلمة
المناسبة، فالألم من رفضه بهذا الشكل العلنيّ ظل يصاحبه، والآن هو كالمد والجزر
ينحسر ويفيض، تارة يغمر قدميه وتارة أخرى يتراجع بعيداً...بعيداً جداً إلى ذلك
الحد الذي لا يمكن اكتشافه أبداً. تمكّن تسوكورو شيئاً فشيئاً أن يشعر بأنه قد وضع
جذوراً في تربة طوكيو الجديدة. لقد بنى حياة جديدة هناك وإن كانت صغيرة ووحيدة، وبدت
أيامه التي قضاها في ناغويا شيئاً من الماضي، غريبة تقريباً ولكنها كانت خطوة إلى
الأمام بلا شك، أتت بصديقه الجديد، هايدا، إلى حياته.
كان لدى هايدا رأي في كل شيء،
وكان يناقش انطباعه بمنطق، وكلما قضى تسوكورو وقتاً أطول مع صديقه الجديد تأصّل احترامه
له. ولكن تسوكورو الآن، لا يفهم لم انجذب هايدا إليه، أو لم هو مهتم به، ولكنهما
كانا يستمتعان برفقة بعضهما البعض، حتى إن الوقت يمر سريعاً وهما يتمازحان.
وعندما يكون تسوكورو وحيداً تراوده
رغبة أن تكون له حبيبة... يودّ أن يضم امرأة، يعانق جسدها، يتنفس رائحة جلدها، وهذه
رغبة طبيعية تماماً لشابٍ سليم، ولكنه عندما يحاول أن يستحضر صورة امرأة، أوعندما
يفكر بعناق امرأة، تأتي في عقله مباشرة، لأسباب ما، صورةُ شيرو وكورو. إنهما
تظهران دائماً في هذا العالم المتخيَّل كثنائيٍ متلازم، وهذا ما يضيف لتسوكورو،
دائماً، ولسبب غير مفهوم، شعوراً كئيباً. لماذا يجب أن تبقى هاتان الاثنتان معي دائماً،
وحتى الآن؟ فكّرَ. لقد رفضتاني بشكل قاطع، وقالتا أنهما لا تريدان رؤيتي
أبداً ولا تريدان التحدث معي مرة أخرى، لم لم تخرجا بهدوء وتتركاني وشأني؟! عشرون
سنة هو عمرُ تسوكورو تازاكي الآن، وإلى الآن لم يعانق أي امرأة، لم يقبّلها، أو
يمسك يدها، أو حتى يواعدها.
في الواقع، لا بد أن يكون
هناك خطأ ما، فكّر تسوكورو بهذا كثيراً. هناك شيء ما يُغلق المسار الطبيعي للمشاعر،
ويشوّه شخصيتي. ولكن لم يعرف تسوكورو إن كان هذا بسبب رفضه من أصدقائه الأربعة، أو
لسبب فطريّ؛ مشكلةٌ موجودة لديه من الأساس، لا علاقة لها بالصدمة التي مر بها.
في ليلة يوم السبت، ظل تسوكورو
وهايدا مستيقظان ويتحدثان كالعادة، إلى أن تغير الموضوع، فأصبحا يتكلمان عن الموت؛
عن معنى الموت، أنه يجب أن تعيش إلى جانب المعرفة إلى أن تموت معها. ناقشا ذلك من
منحى نظريّ في الغالب. أراد تسوكورو أن يوضح له كم كان قريباً من الموت مؤخراً، و
مقدار التغير العميق الذي نتج عن تلك التجربة؛ تغيّرٌ على المستوى الجسدي والنفسي.
أراد أن يخبره عن الأشياء الغريبة التي رآها، ولكنه يعرف أنه إذا قام بذلك فسيضطر
إلى توضيح تسلسل الأحداث بأكمله من البداية حتى النهاية. ولكن كالعادة لم يترك
هايدا له مجالاً للكلام، وظل تسوكورو جالساً يستمع.
في الساعة الحادية عشرة وبضع
دقائق مساءً (الوقت الذي يسميانه ليلاً، وحينها يتجهزان للنوم) تلاشى الكلام، وعمّ
الصمت في أرجاء الغرفة. كانا قد عزما على الاستيقاظ باكراً، لكن هايدا بقي جالساً،
متربّعاً على الكنبة، وذاهباً في تفكير عميق، ثم بنبرة مترددة غير عادية، بدأ يتكلّم.
"لديّ قصة غريبة متعلقة
بالموت، شيء أخبرني به أبي. قال إنه قد حدث معه شيء حقيقي عندما كان في أوائل
العشرينات من عمره، كما هو عمري الآن، لقد سمعت القصة عدة مرات وأستطيع تذكر جميع
تفاصيلها، إنها غريبة فعلاً، ويصعب عليّ حتى الآن تصديق إن كان ذلك قد حصل فعلاً،
لكن أبي لم يكن من النوع الذي يكذب بمثل هذه الأمور، أو من النوع الذي يخترع قصصاً
مثلها، أنا متأكد أنك تعلم ذلك، فعندما تؤلف قصة بنفسك فإن تفاصيلها ستتغير كلما
أعدت روايتها، إنك تميل إلى زخرفة الأشياء ثم تنسى ما قد قلته...لكن قصة أبي من
بدايتها حتى نهايتها تبقى دائماً هي ذاتها في كل مرة يقصّها على أحد، لذلك أؤمن أن
ثمة شيء قد حصل معه فعلاً، أنا ابنه وأعرفه جيداً، والشيء الوحيد الذي عليّ فعله هو
أن أصدق ما يقول. أما أنت تسوكورو فإنك لا تعرف أبي، فلك الحرية في تصديقه أو عدم
تصديقه، لكن عليك أن تدرك أن هذا ما قاله، يمكن أن تحسبها (فولكلور) أو قصة خارقة،
ليس لدي مانع. إنها قصة طويلة، وقد تأخر الوقت، لكن هل تمانع أن أرويها لك؟
بالتأكيد، قال
تسوكورو، لا بأس في ذلك. أنا لا أشعر بالنعاس الآن. 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق