"أمضى أبي، عندما كان صغيراً، سنة كاملة يتجول في
اليابان". بدأ هايدا. "كان هذا في بداية الستينات، في أوج عصر الثقافة
المضادة، عندما كانت تقوم الحركات الانقلابية في الجامعات. لا أعرف كامل التفاصيل،
ولكن عندما كان في الجامعة في طوكيو حصلت أشياء كثيرة غبية، ثم سئم من السياسة
وترك تلك الحركة. أخذ إجازة من الجامعة وبدأ يتجول في اليابان. عمل في وظائف مؤقتة
ليكسب قوته، وكان يقرأ الكتب عندما يجد وقتاً، يلتقي بجميع أصناف الناس، يحظى
بحياة حقيقية، وبخبرة عملية. يقول أبي أن ذلك الوقت كان أسعد أيام حياته، عندما
تعلم بعض الدروس المهمة. كان يخبرني عندما كنت طفلاً بعض القصص التي حصلت معه في
تلك الأيام، كجندي قديم يسرد ذكريات معارك قديمة في مكان قصيّ. رجع إلى الجامعة
بعد تلك الأيام البوهيمية، وعاد إلى حياته الأكاديمية. ولم يذهب بعدها إلى رحلة
طويلة مرة أخرى، وحسب ما أعرف كان يقضي وقته يجيء من المكتب إلى البيت، والعكس. هذا
غريب أليس كذلك؟ لا يهم كيف تبدو حياة الأشخاص هادئة ومريحة، فهناك دائماً وقت ما
في الماضي كانوا قد وصلوا فيه إلى مأزق، وقت أصيبوا فيه بالجنون قليلاً، أعتقد أن
الناس بحاجة إلى مثل هذه المرحلة في حياتهم".
عمل والد هايدا في ذلك الشتاء
كحرفيّ عامّ في منتجع للينابيع الساخنة في جبال محافظة أويتا شمال اليابان، لقد أحب
المكان فعلاً، وقرر أن يبقى على هذا الوضع لمدة قصيرة، طالما هو يؤدي مهامه
اليومية، والأعمال المتنوعة الأخرى الموكلة إليه، وباقي الوقت يستطيع أن يفعل ما
يشاء. أجره كان قليلاً ولكن كانت لديه غرفة مجانية بالإضافة إلى ثلاث وجبات في
اليوم، ويمكنه الاستحمام في الينابيع الساخنة متى يرغب، وعندما لا يكون لديه عمل
يستلقي في غرفته الضيقة ويقرأ. الأشخاص الآخرون كانوا مثل طلاب طوكيو؛ قليلي
الكلام وغريبي الأطوار. الوجبات كانت بسيطة وشهية، مصنوعة من مكونات طازجة ومحلية.
المكان كان، فوق هذا كله، معزولاً عن العالم الخارجي؛ لم تكن هناك غرفة مخصصة
للتلفاز، والصحف تصل يومياً في وقت متأخر، وأقرب محطة للحافلات كانت تبعد عن
الجبال ثلاث كيلومترات، ووسيلة النقل الوحيدة التي تأخذك من هناك وتعيدك عبر
الطريق الوعر هي جيب قديمة ومتكسرة، وهي ملك للحانة. وكانت الكهرباء في الجبال قد
ثُبتت حديثاً.
أمام الحانة جدول جميل تستطيع
أن تلتقط منه الكثير من الأسماك الثابتة والملونة، طيور مزعجة تقرأ دائماً سطحه، نداؤها
حاد. ولم تكن مراقبة خنزير بري أو قرد يتجول في مكان قريب أمراً مألوفاً. كانت
الجبال كنزاً من النباتات البرية الصالحة للأكل، كان هايدا الصغير قادراً في هذه
البيئة المعزولة أن يدلل نفسه بالقراءة والتأمل، ولم يعد مهتماً بما يحصل في
العالم الحقيقي.
بدأ أثناء زياراته للحانة على
مدار شهرين يتحدث مع زائر مقيم هناك، بدا على الرجل أنه في منتصف الأربعينات،
طويلاً، رجلاه طويلتان ونحيلتان، وشعره قصير، يرتدي نظارة بإطار ذهبيّ، لديه
انحسار في خط الشعر يجعل قمة رأسه ملساء كبيضة طازجة. صعد الجبال وحده، يرتدي
حقيبة سفر بلاستيكية تحمل على كتف واحد. لقد بقي في الحانة لمدة أسبوع، كان يرتدي
ثيابه التي لا تتغير عندما يخرج، معطفاً جليدياً، بنطال جينز، وحذاء العمل، وفي
الأيام الباردة يضيف قبعة من الصوف وشالاً أزرق داكن، كان اسم الرجل ميدوريكاوا.
على الأقل هذا هو الاسم الذي وقّعه في دفتر زوار الحانة، مع العنوان: في مدينة
كوجاني في طوكيو. كان يدفع نقداً أجرة إقامته لليلة الماضية، وبدقة كل صباح.
(ميدوريكاوا؟ "نهر
أخضر"، شخص آخر بلون، فكر تسوكورو، لكنه لم يقل شيئاً وبقي يستمع إلى باقي
القصة).
لم يكن ميدوريكاوا يفعل شيئاً
مميزاً، يقضي أوقاته يتبلل، في حمام في الهواء الطلق، يتمشى في التلال القريبة أو
يستلقي في كاتاتسو (الطاولة التي تبقي القدمين دافئتين) يقرأ كتب الجيب التي جلبها
معه (أسرار طائشة في الغالب) وفي وقت العصر يتناول زجاجة من السيك الساخن لا أكثر
ولا أقل. كان قليل الكلام كوالد هايدا، ولا يتكلم إلا للضرورة، لذلك لم يكن يبدو
عليه أنه يزعج الآخرين في الحانة، وكانوا معتادين على ذلك النوع من الضيوف، كل
الذين يأتون إلى هذه الينابيع الساخنة النائية غريبون، من هؤلاء الذين يبقون لمدى
طويل وأكثر.
وفي صباح أحد الأيام قبل بزوغ
الفجر، كان هايدا يبلل جسده من مياه الينابيع الساخنة بجانب النهر عندما أتى ميدوريكاوا
ليستحم وبدأ يتحدث معه، ولسبب ما بدا على ميدوريكاوا أنه أحس بإعجاب عميق لهذا
العامل الصغير الذي يقوم بأعمال مختلفة، وربما نبع هذا الاهتمام -إلى حد ما- في
الوقت الذي رأى فيه هايدا على الشرفة يقرأ
كتاباً لجورج باتاي.
أنا عازف بيانو لموسيقى
الجاز. قال ميدوريكاوا. لدي خيبات أمل على المستوى الشخصي، الروتين اليومي سيطر
علي، لذا جئت وحدي إلى هذا المكان الهادئ، إلى عمق الجبال على أمل أن أرتاح، في
الحقيقة لقد انطلقت دون أي تخطيط وانتهى بي الأمر هنا. أحببته، كل شيء قد جُرّد من
الكماليات. سمعت أنك من طوكيو أيضاً؟
وضّح هايدا ذلك مختصراً موقفه
بقدر ما يستطيع، وهو ينتقع بالماء الساخن في الضوء الباهت، كيف أراد أن يأخذ إجازة
من الجامعة ويتجول في اليابان، وبجانب ذلك كان الحرم الجامعي قد حوصر، أضاف، فلم
يكن هناك داعٍ للبقاء في طوكيو.
ألست مهتماً بما يجري الآن في
طوكيو؟ سأل ميدوريكاوا. إنها مسرحية فعلاً، صخبٌ وراء صخب، يومياً، مثل أن يكون
العالم كله قد انقلب رأساً على عقب. ألا تشعر باستياء من كونك ضيّعت عليك ذلك؟
لا ينقلب العالم بتلك
السهولة، أجاب هايدا. إن الناس هم من ينقلبون على رؤوسهم، ولم أشعر باستياء عندما
فاتني ذلك. بدا على ميدوريكاوا أنه يقدّر اقتضابَ الرجل الأصغر سناً في الكلام وأسلوبَه
المباشر.
أتساءل إذا كان هناك مكان يمكنني
أن أعزف فيه على البيانو. سأل ميدوريكاوا هايدا.
هناك مدرسة ثانوية على الجانب
الآخر من الجبل، رد هايدا. عندما ينتهي دوام المدرسة ربما يسمحون لك بالعزف على
البيانو بغرفة الموسيقى. فرح ميدوريكاوا لسماع ذلك. هلا أخذتني إلى هناك إذا لم
تكن لديك مشكلة؟ قال ميدوريكاوا. نقل هايدا طلبه إلى صاحب الحانة الذي أخبره بأن
يصطحبه إلى هناك، ثم اتصل صاحب الحانة بالمدرسة لتجهيزها، وذهب الاثنان إلى الجبل.
المطر كان قد توقف للتو لذلك كان الطريق زلقاً، تدلت حقيبة ميدوريكاوا بشكل قطري
على كتفيه، فصار يخطو خطوات كبيرة، واثق القدم، إلى آخر الطريق، فظاهرياً بدا أقوى
من أن يكون شخصاً يعيش في المدينة.
لوحة البيانو القديم الموجود
في الغرفة كانت غير مستقيمة والنغم غير مضبوط لكنه مع كل هذا كان محتملاً. جلس ميدوريكاوا
على الكرسي الذي يحدث صريراً، مد أصابعه ودق على كل المفاتيح الثماني والثمانين،
ثم بدأ يجرب بعض الكوردات؛ الخامس، السابع، التاسع، الحادي عشر. لم يبدُ راضياً عن
الصوت ولكن تبين أنه قد حصل على رضى جسدي بمجرد أن دق على المفاتيح. وعندما شاهد
هايدا أصابعه كيف تتحرك بخفة وليونة عليها أصر أن ميدوريكاوا يجب أن يكون عازف
بيانو معروفاً جداً.
وبعدما جرب ميدوريكاوا
البيانو أخذ كيساً صغيراً من القماش من حقيبته وبلطف وضعه على سطح البيانو. الكيس
مصنوع من قماش ثمين، فتحته مربوطة بخيط. ربما رماد أحدهم؟ فكر هايدا. يبدو أن وضع
القماش على سطح البيانو في كل مرة يعزف فيها هي موهبة لديه، يمكنك أن تقول ذلك من
الطريقة المحترفة التي يفعل بها ذلك.
بدأ ميدوريكاوا يعزف "Round
Midnight "
بتردد. بدأ يعزف كل كورد بحذر واحتراس في بداية الأمر كمن يغرز أصابع قدميه في
النهر يختبر سرعة المياه ويبحث عن موطئ قدميه. بدأ يرتجل لمدة طويلة بعد أن عزف
المقدمة الرئيسية، ومع الوقت أصبحت أصابعه أكثر رشاقة وسخاء بحركاتها كسمكة تسبح
في مياه صافية. اليد اليسرى ألهمت اليمنى واليد اليمنى حفّزت اليسرى. لم يكن والد هايدا يعرف كثيراً عن الجاز ولكنه
صدف أن كان على معرفة بمعزوفة ثيلونيوس مونك، ثم وصل ميدوريكاوا مباشرة إلى قلب
المقطوعة، كان عزفه مفعماً بالعاطفة حتى نسي هايدا أمر النغمة غير المضبوطة. كلما
سمع الموسيقى في الغرفة هذه في المدرسة الثانوية المتعمقة في الجبال شعر هايدا (الجمهورُ
الوحيدُ الذي يستمع لعزفه) بأن كل ما هو ملوث داخله قد انجرف، وتداخل جمال
الموسيقى البسيط مع الهواء النقي المليء بالأكسجين ومع ماء الشلال البارد والصافي،
الجميع لهم دور في الحفلة الموسيقية حتى ميدوريكاوا كان ضائعاً في عزفه كأن كل التفاصيل
الصغيرة للحقيقة قد اختفت. لم يرَ هايدا أحداً يستغرق تماماً بما يفعله، لم يرفع
عينيه عن أصابع ميدوريكاوا العشرة التي تتحرك كمخلوقات حية مستقلة.
أنهى ميدوريكاوا العزف خلال
خمس عشرة دقيقة، أخرج منشفة سميكة من حقيبته، وبحرص مسح وجهه المتعرق، أغلق عينيه
لفترة كأنه كان يستغرق في التفكير بأمر ما. "حسناً". قال أخيراً.
"هذا يكفي، لنرجع". مد يده، أمسك قطعة القماش الموضوعة على البيانو
وبلطف أرجعها إلى حقيبته.
"ما قطعة القماش
هذه؟". تجرأ والد هايدا وسأله.
"تعويذة تجلب لي
الحظ". قال ميدوريكاوا ببساطة.
"كالملاك الحارس لإله
البيانو؟".
"لا، إنها تشبه شخصيتي
البديلة أكثر ". رد ميدوريكاوا، وبابتسامة متعبة على شفتيه. "هناك قصة
غريبة وراءها، ولكنها طويلة جداً، وأحسب أني منهك كثيراً لأرويها الآن".
توقف هايدا وألقى نظرة سريعة
على الساعة المعلقة على الحائط، ثم نظر إلى تسوكورو. إنه بالطبع هايدا الابن، ولكن
هايدا الأب كان بنفس عمره في هذه القصة، بدأت الشخصيتان تتداخلان في عقل تسوكورو.
كان إحساساً غريباً كأن الزمانين المختلفين امتزجا في زمن واحد، ربما لم يكن الأب
هو من حصل معه هذا بل الإبن، ربما رواها هايدا كأنها حصلت مع والده بينما في
الواقع حصلت معه. لم يستطع تسوكورو أن يتخلص من هذا الوهم.
"إن الوقت أصبح متأخراً،
سأكملها لاحقاً إذا كنت تشعر بالنعاس".
لا إن الوقت مناسب، قال
تسوكورو. لا أشعر بالنعاس. كانت قد عصفت عليه الرياح الثانية، وأراد أن يسمع بقية
القصة.
"حسناً، سأكمل".
قال هايدا. "وأنا كذلك، لا أشعر بالنعاس".
ـــــــ
كانت
تلك هي المرة الوحيدة التي سمع فيها هايدا عزف ميدوريكاوا. بعدما عزف "Round
Midnight"
في غرفة الموسيقى في المدرسة الثانوية، بدا عليه أنه فقد الشهية في العزف مرة أخرى.
"ألا تريد أن تعزف مرة أخرى؟". سأله هايدا محاولاً استدراجه، ولكن حركة
رأس ميدوريكاوا الصامتة كانت رده الوحيد، ثم استسلم هايدا ولم يعد يسأله. لم يعد ميدوريكاوا
يخطط أن يعزف مرة أخرى على البيانو، وتمنى هايدا أن يتمكن من سماع عزفه مرة أخرى.
يمتلك ميدوريكاوا موهبة
صادقة، ولا شك في هذا، فلعزفه قدرة على إثارة المستمع غريزياً وجسدياً، ونقلك إلى
عالم آخر، ليس من النوع الذي تخلقه بسهولة.
ولكن ماذا تعني هذه الموهبة
الفريدة لميدوريكاوا نفسه؟ لم يفهم هايدا ذلك، إذا كنت تملك مثل موهبته، هل ستسعدك
أم ستكون عبئاً؟ رحمة أم لعنة؟ أم شيئاً يحتوي كل تلك المكونات معاً؟ أياً كان، لم
يبدُ ميدوريكاوا شخصاً سعيداً، تبدل انفعاله إلى شيء ما بين الكآبة واللامبالاة، يمكن
لابتسامة طفيفة أن تعلو شفتيه من حين لآخر ولكنها دائماً ما تكون مكبوتة وساخرة
قليلاً.
وفي أحد الأيام حيث كان هايدا
يقطع الخشب، جاء إليه ميدوريكاوا وهو في الساحة الخلفية يحمل الحطب.
"هل تشرب؟". سأله.
"قليلاً". ردّ
هايدا.
"لا بأس بالقليل
منه". قال ميدوريكاوا. "هل تشرب معي الليلة؟ تعبت من أن أشرب
وحدي".
"لدي بعض الواجبات لأقوم
بها في المساء، وسأفرغ منها في السابعة والنصف".
"حسناً، تعال إلى غرفتي
عندئذ ".
وعندما وصل هايدا الصغير إلى
غرفة ميدوريكاوا كان العشاء مجهزاً لهما، سفرة طويلة مع سيك ساخن. جلسا قبالة
بعضهما يأكلان ويشربان. أكل ميدوريكاوا أقل من نصف حصته من العشاء ولكنه قد شرب
السيك، وخدم نفسه بنفسه، لم يقل أي شيء عن حياته الخاصة، وبدلاً من ذلك كان يسأل
هايدا عن المكان الذي نشأ فيه (في أكيتا) وعن حياته الجامعية في طوكيو، وعندما علم
أن هايدا كان يدرس الفلسفة سأله بعض الأسئلة المتعلقة باختصاصه، عن نظرية هيجل، عن
كتابات بلاتو. واقعياً، بدا واضحاً عليه أنه قد قرأ تلك الأنواع من الكتب، ولم تكن
الكتب التي تحتوي على الغموض هي الوحيدة التي قرأها.
"فهمت، إذاً أنت تؤمن
بالمنطق، أليس كذلك؟". قال ميدوريكاوا.
"نعم، أؤمن بالمنطق،
وأعتمد عليه، هذا كل ما تدور حوله الفلسفة في النهاية". رد هايدا.
"فبالتالي أنت لا تحب أي
شيء يتنافى مع المنطق؟".
"بعيداً عن إن كنت أرغب
في ذلك أم لا، أنا لا أرفض التفكير بالأشياء غير المنطقية، هذا ليس أنني أمتلك
إيماناً عميقاً في المنطق، أعتقد أنه من الضروري أن تجد الفكرة من هذا التداخل بين
ما هو منطقي وما هو غير منطقي".
"هل تؤمن
بالشيطان؟".
"الشيطان؟ تقصد الفتى
الذي لديه قرون؟".
"هذا صحيح، إذا كان
يمتلك قروناً في الحقيقة أم لا، لا أعرف".
"إذا كنت تقصد الشيطان
المَجاز الذي يعني الشر فأنا أؤمن به".
"ماذا إذا كان هذا
المجاز الذي يعني الشر يأخذ شكلاً حقيقياً؟".
"لا يمكنني قول أي شيء
إذا لم أره". قال هايدا.
"ولكن ما إن تراه فسيكون
الوقت قد تأخر كثيراً".
"حسناً، نحن نتحدث بفرضيات
الآن، إذا أردنا أن نتابع الحديث أكثر فسنحتاج إلى بعض الأمثلة المادية، كالجسر في
حاجته للعوارض الخشبية. كلما ذهبت أكثر في هذه الفرضيات أصبح الأمر زلقاً أكثر، وأي
استنتاج ستستخلصه سيصبح أقرب إلى الوهم".
"أمثلة؟". قال ميدوريكاوا.
أخذ رشفة من السيك وامتعض. "ولكن في بعض الأحيان عندما يظهر مثال يجيء سؤال
هل ستوافق عليه أم لا، أو هل ستؤمن به. ليس هناك أرض في الوسط، يجب أن تقوم بقفزة
عقلانية، المنطق لن ينقذك".
"ربما لا تتمكن من ذلك.
المنطق ليس دليلاً ملائماً لتعرضه، مع أنه لاحقاً يتوجب عليك أن تقيس أي حالة
بالمنطق.
"ولكن في ذلك الوقت، قد
تكون قد تأخرت".
"ولكن ليس هناك ما يمكن
فعله بالمنطق".
ابتسم ميدوريكاوا. "معك
حق، بالطبع. حتى لو وجدت في آخر الطريق أن الوقت متأخر لذلك فهذا مختلف عن منطق
ذلك، هذا صوت الجدال. لا مجال للمناقشة".
"هل خضت مثل تلك التجربة
سيد ميدوريكاوا؟ الموافقة على شيء، الإيمان به، أخذ قفزة لما وراء المنطق؟".
"لا". أجاب ميدوريكاوا.
"لا أؤمن بشيء، لا المنطقي منه ولا اللامنطقي، لا أؤمن بالله ولا بالشيطان. ولا
امتداد للفرضية، ولا شيء كالقفزة. أنا أتقبل بصمت كل شيء كما هو فحسب. في الواقع،
هذه هي مشكلتي الأساسية. لا أستطيع وضع حاجز لائق بين الفاعل والشيء".
"ولكنك موهوب جداً، بما
يخص الموسيقى".
"أتعتقد ذلك؟".
"موسيقاك تستطيع أن تحرك
الناس، ليست لدي معرفة كبيرة بالجاز، ولكن هذا كل ما أستطيع قوله".
هز ميدوريكاوا رأسه على مضض.
"يمكن أن تكون الموهبة شيئاً جميلاً تمتلكه في بعض الأحيان، فتبدو جيداً،
تجذب الانتباه، وإذا كنت محظوظاً تكسب المال، وتندفع النساء إليك. بمعنى، أن تكون
لديك موهبة أفضل من لا تكون، لكن فوائدها لا تظهر إلا إذا أُوليت اهتماماً مادياً
وفكرياً قاسياً وشديداً. كل ما تأخذه هو برغياً تضعه في دماغك لتصبح خاسراً وتسقط،
أو يكون لبعض الوصلات في جسدك لتتدمر، يتلاشى تركيزك مثل الندى في ساعات الصباح،
وجع أسنان بسيط، أكتاف متيبسة، فلا تستطيع أن تعزف على البيانو بشكل جيد. هذا
صحيح، لقد جربت ذلك في الحقيقة، تجويف واحد، كتف واحد متألم، والمشهد الجميل
والصوت الذي أملت أن أوصله خرج من النافذة. جسد الإنسان الهش نظام معقد يمكن أن
يتحطم بسبب شيء تافه جداً، وفي أغلب الحالات عندما يحدث وأن يتحطم لا يمكن استعادته
بسهولة، التجويف أو الكتف الضعيف يمكن أن تتغلب عليه ولكن هناك أشياء كثيرة لا
يمكنك تجاوزها، إذا كانت الموهبة هي الأساس الذي تعتمد عليه، والآن هي شيء لا يُعتمد
عليه كثيراً لدرجة أنك لا تعرف ماذا سيحدث لها في الدقيقة القادمة. فماذا تعني
إذاً؟
"ربما تكون الموهبة
عابرة". رد هايدا. "وليس هناك الكثير ممن لا يستطيع تحملها مدى الحياة،
ولكنها تجعل من القفزة الروحية العظيمة ممكنة، هي ظاهرة عالمية مستقلة تتجاوز
الأفراد".
تأمل ميدوريكاوا ذلك للحظة
قبل أن يجيب. "مات موزارت وشوبارت وهما في عمر صغير، ولكن موسيقاهما بقيت إلى
الآن. هل هذا ما تقصده؟".
"يمكن أن يكون هذا
مثالاً".
"ذلك النوع من الموهبة
دائماً استثناء، معظمهم يود أن يدفع ثمن عبقريته من خلال قبول حياة قصيرة الأمد
وموت يجيء في غير أوانه، إنهم يعقدون صفقة واضعين حيواتهم على الخط، سواء كانت
الصفقات مع الله أو مع الشيطان، لا أعرف". تنهد ميدوريكاوا وبقي صامتاً
لفترة. "تغيير في الموضوع قليلاً". أكمل، "ولكن، في الحقيقة أنا
أموت، وبقي لي شهر واحد".
جاء دور هايدا ليصمت، لم تأته
أية كلمة.
"أنا لا أحارب أي مرض أو
أي شيء". قال ميدوريكاوا. "أنا في صحة جيدة، ولا أفكر في الانتحار، إذا
كان هذا ما تفكر فيه فتستطيع أن تستريح".
"إذاً كيف تعرف أنه تبقى
لموتك شهر واحد؟".
"أحد ما أخبرني بذلك،
بقي لك أن تعيش شهرين، قال، كان ذلك قبل شهر".
"من سيقول شيئاً مثل
هذا؟".
"لم يكن طبيباً، أو
عرافة، كان شخصاً عادياً، مع أنه في ذلك الوقت كان ميتاً أيضاً".
قلّب هايدا الصغير ذلك في
عقله ولكن موطئ أقدامه المنطقيّ تفلّت منه. "إذاً هل...جئت إلى هنا تبحث عن
مكان لتموت فيه؟".
"يمكن قول ذلك".
"لا أستطيع أن أتابعك
تماماً، ولكن ألا توجد طريقة ما تستطيع من خلالها تجنب الموت؟".
"هناك طريقة
واحدة". قال ميدوريكاوا. "أن تأخذ تلك الصفة (صفة الموت) إن شئت،
وتحوّلها إلى شخص آخر. ما أعنيه هو أن تجد
أحداً آخر ليموت في مكانك. تمرر العصا عليه، تقول له: "حسناً، جاء
دورك". وبعدها تغادر. افعل ذلك وستلغي الموت في ذات اللحظة. ولكن أنا لا أخطط
لذلك، كنت أفكر منذ وقت طويل أنني أرغب أن أموت في أقرب وقت، ربما هذا ما أحتاج
إليه".
"حسناً تعتقد أنه لا بأس
في أن تموت، كما أنت الآن؟".
"أصبحت الحياة لا تطاق،
ليس لدي مانع أن أموت كما أنا، لا أملك الطاقة لأخرج وأبحث عن طريقة تساعدني على
الحياة، ولكني بهدوء قبلت أن أموت، هذا ما أستطيع القيام به".
"ولكن كيف بالضبط تسلّم صفة
الموتهذه إلى شخص آخر؟".
رفع ميدوريكاوا كتفيه، كأنه
غير مهتم بالأمر حقاً. "هذا سهل، يجب على الشخص الآخر أن يدرك ما أقوله فحسب،
يوافق عليه، يعطي موافقته الكاملة، ويوافق على أن يلتزم بها، وحينها يتم التحويل،
يمكن أن تكون موافقة كلامية، هز الرأس مقبول، لا ضرورة لوثيقة موقعة ومختومة أو عقد
أو شيء آخر، هي ليست نوعاً من الأشياء الروتينية".
أمال هايد رأسه. "ولكن
ليس من السهل أن تجد أشخاصاً مستعدين لأخذه منك، إذا كان أخذه منك يعني أنهم
سيموتون في القريب العاجل".
"هذه نقطة منطقية".
قال ميدوريكاوا. "لا تستطيع أن تطرح هذه الفكرة على أي أحد، لا تستطيع أن تتسلل
إلى أحد ما ثم تهمس في أذنه عفواً، هل يمكن أن تموت مكاني؟ يجب أن تكون
حذراً جداً في الاختيار، تصبح هنا الأشياء شائكة قليلاً".
حدق ميدوريكاوا ببطء في جميع
أنحاء الغرفة، وتنحنح.
كل شخص له لونه الخاص، هل
تعلم ذلك؟". قال.
"لا. لا أعلم".
"كل فرد له لونه المميز
الخاص به، يومض قرب حدود جسده، كالهالة أو كالإضاءة الخلفية. لدي القدرة على رؤية
هذه الألوان بوضوح.
سكب ميدوريكاوا كوباً من
السيك وأخذ رشفة منه، وعلى مهل أخذ يتذوق طعمه.
"هل القدرة هذه على كشف
الألوان قد نشأت معك منذ الولادة؟". سأل هايدا بريبة.
هز ميدوريكاوا رأسه. "
لا، ليست فطرية بل هي قدرة مؤقتة، تكتسبها من موافقتك على تبادل الموت الفوري.
وإنها تمرر من شخص لآخر حالاً، وأنا المتعهد بها".
ظل هايدا الشاب صامتاً لفترة.
لم تأته أية كلمة.
"هناك ألوان في العالم
أحبها فعلاً". قال ميدوريكاوا. "وهناك ألوان أكرهها. ألوان جذابة، وأخرى
حزينة، هناك من لديه لون عميق جداً، بينما البعض الآخر لديه لون خافت، سيرهقك هذا
حتماً، لأنك ترى كل تلك الألوان حتى إن لم تكن تريد ذلك، لا أحب أن أكون في أمكنة
مزدحمة جداً لهذا السبب، هذا ما جعلني أنتهي إلى هذا المكان البعيد.
بالكاد كان هايدا يعي ما
يقوله. "إذاً أنت تخبرني أنك تستطيع أن ترى اللون الذي يطلقه جسدي؟".
"نعم بالتأكيد، ومع هذا
لا أريد أن أخبرك به". قال ميدوريكاوا.
"ما أحتاج فعله هو أن أجد الأشخاص الذين لديهم نوعاً محدداً من الألوان،
لوناً يرافقه توهج. هؤلاء هم الأشخاص الوحيدون الذي أستطيع أن أنقل إليهم صفة
الموت، لا أستطيع تسليمه لأي أحد".
"هل يوجد في العالم الكثير
ممن لديهم هذا اللون وهذا التوهج؟".
"لا، ليس كثيراً، أخمن
أن أجد واحداً من ألف أو ربما ألفين، ليس من السهل أن تجدهم، وليس مستحيلاً أيضاً.
الأصعب من ذلك أن تجد الفرصة لتجلس معهم وتناقشهم بذلك بجديّة. كما تتخيل، إنه ليس
بالأمر السهل".
"ولكن أي نوع من الناس
هم؟ الأشخاص المستعدون للموت مكان أحدٍ لا يعرفونه حتى؟".
ابتسم ميدوريكاوا. "أي
نوع من الناس؟ لا أستطيع الإفصاح عن ذلك حقاً. كل ما أعرفه أنهم يملكون نوعاً
خاصاً، عمقاً محدداً من التوهج يحدد أجسادهم. إنها مميزات إضافية فقط، إذا كنت
سأغامر وأخمن (وهذا سيكون رأيي الخاص) فتذكر أنني سأقول أن هناك أشخاص ليسوا
خائفين من القفزة النوعية، وأنا واثق أنهم يملكون جميع الأسباب التي تجعلهم يفعلون
ذلك".
"حسناً، أنا محظوظ أنهم
غير خائفين منها، ولكن لماذا يقفزون". لم يقل ميدوريكاوا شيئاً لفترة، وفي
الصمت بدا اندفاع الشلال أشد. ابتسم ابتسامة عريضة أخيراً.
"والآن تأتي زفراتي المُباعة".
"هذا ما أرغب
بسماعه". قال هايدا.
"في الوقت الذي تقبل فيه
أن تتحدى الموت، ستكسب قدرة خارقة، قوةً خاصةً يمكنك أن تسميها. إدراك الألوان
التي يصدرها الناس هي واحدة فقط من الوظائف التي تقوم بها تلك القوة، ولكن في
جذورها كلها قدرة على توسيع مداركك، تملك القدرة على دفع ما يسميه ألدوس هكسلي
"أبواب الإدراك"، إدراكك يصبح نقياً خالصاً، وكل شيء حوله يصبح واضحاً
كانقشاع الضباب، تملك رؤية معرفية لا محدودة للعالم وترى الأشياء التي لم ترها من
قبل".
"هل أداؤك في اليوم
الآخر كان نتيجةَ تلك القدرة؟".
هزّ ميدوريكاوا رأسه قليلاً.
"لا، كان هذا ما أستطيع فعله دائماً، أعزف مثل ذلك العزف منذ سنين، الإدراك
مكتمل في حد ذاته، ولا يكشف عن نفسه في الخارج ليصبح دليلاً ملموساً، وليس هناك
مصالح مادية، يصعب عليّ شرح ذلك في كلمات، يجب أن تجربه لتفهم، إلا أن هناك شيء
واحد يمكنني قوله أنه عندما ترى الرؤية الحقيقية تلك بعينيك سيبدو العالم
الذي عشت فيه وتعيش فيه حتى الآن مسطحاً وغير مشجع، ليس هناك منطق أو لا منطق في
ذلك المشهد، لا خير ولا شر، كل الأشياء اندمجت مع بعضها، وأنت جزء من هذا الاندماج.
تترك حدود جسدك الفيزيائي خلفك لتصبح كائناً ميتافيزيقياً، تصبح حدساً، إحساساً
رائعاً ومليئاً بالخيبة في ذات الوقت، لأنك في آخر دقيقة على الغالب تدرك كم كانت
حياتك ضحلة وسطحية، وترتجف من الحقيقة التي ظهرت في ذلك الوقت الذي أصبحت فيه
قادراً على فهم هذه الحياة".
"وتعتقد أن اختبار ذلك
الإحساس يستحق التجربة حتى إذا كان يعني أن تلتزم بالموت؟ وحتى إذا جربته لبعض
الوقت؟".
أومأ ميدوريكاوا.
"حتماً. هذا إحساس قيّم، أضمن ذلك".
بقي هايدا صامتاً لفترة.
"إذاً ما رأيك؟".
قال ميدوريكاوا ذلك وابتسم. "هل بدأت تهتم بقبول تلك الصفة؟".
"هل يمكن أن أسألك
سؤالاً؟".
"تابع".
"هل من المحتمل أنك تقول
بأني من أولئك الناس الذين لديهم ذلك اللون الخاص والتوهج المحدد؟ من بين ألف أو
ألفين؟".
" أنت منهم، عرفت ذلك في
الدقيقة التي رأيتك فيها".
"إذاً أنا واحد من أولئك
الذين يريدون أن يقفزوا؟".
"من الصعب قول ذلك. في
الحقيقة لا أعرف، هذا ما ستسأله لنفسه، هل تعتقد ذلك؟".
"ولكنك قلت أنك لا تريد
أن تمرر الصفة إلى شخص آخر".
"أعتذر". قال عازف
البيانو. "أنا أخطط للموت ولم أشعر أنني كنت سأسلمها لأحد، أنا أشبه البائع
الذي لا يريد أن يبيع شيئاً".
"وإذا مت ماذا سيحصل
للصفة؟".
"فهمتني. سؤال جيد. ربما
ستختفي معي، وربما ستبقى بشكل آخر، ثم تمرر مرة أخرى من شخص لآخر كخاتم فاغنر،
ليست لدي فكرة وبصراحة لا أهتم. أعني أنني لست مسؤولاً عما سيحدث عندما
أذهب".
حاول هايدا خلق نوع من التنظيم
لكل تلك الأفكار في عقله لكنها لم تنتظم بشكل جيد.
"إذاً ما أخبرتك به ليس
منطقياً ولو قليلاً. أليس كذلك؟ قال ميدوريكاوا.
"إنها قصة ساحرة، ولكن
يصعب تصديقها". اعترف هايدا.
"لأنه ليس هناك تفسير
منطقي؟".
"بالضبط".
"لا يمكن إثبات
ذلك".
"الطريقة الوحيدة لتعرف
أنها حقيقية أم لا، الطريقة الوحيدة لإثباتها هي بعقد الاتفاق. أليست تلك هي الطريقة
التي تعمل فيها؟".
أومأ ميدوريكاوا.
"بالضبط، إلا إذا قفزت فعندئذ لن تثْبتها. لا حاجة لإثباتها بعد الآن إذا
قفزت، ليس هناك أرض وسطى، إما أن تقفز أو لا تقفز. أحدهما أو الآخر".
"ألست خائفاً من
الموت؟".
"لا أبداً، لقد شاهدت
كثيراً من الفاشلين والتافهين يموتون، وإذا كان مثل هؤلاء يستطيعون القيام بذلك
فيجب أن تكون لدي القدرة أيضاً على القيام بذلك .
"هل فكرت يوماً ماذا
ينتظرك بعد الموت؟".
"البعث والآخرة؟ مثل تلك
الأشياء؟".
أومأ هايدا.
"قررت أن لا أفكر
بها". قال ميدوريكاوا وهو يحك لحيته. "أن تفكر بأشياء لا تعرفها وأشياء
لا تصدقها -حتى لو كنت تعرفها- تضييعٌ للوقت. في التحليل الأخير، هذا الأمر لا
يختلف عن المنحدر الزلق من الفرضيات التي كنت تتحدث عنها".
أخذ هايدا نفساً عميقاً.
"لماذا تخبرني بكل تلك الأشياء؟".
"لم أخبر أحداً بذلك من
قبل حتى الآن، ولم أخطط لذلك". قال ميدوريكاوا، وأخذ رشفة من الشراب.
"سأختفي بنفسي بهدوء فحسب، ولكني فكرتُ عندما رأيتك: لقد حان الوقت، هذا هو
الرجل الذي يستحق أن أخبره".
"ولا يهمك إن صدقتك أم
لا؟".
بدت عينا ميدوريكاوا ناعستين،
وتثاءبَ قليلاً.
"لا يهمني إن صدقت ذلك،
لأنك ستصدقه عاجلاً أم آجلاً. ستموت يوماً ما، وليس لديّ فكرة متى وكيف سيحصل ذلك،
وعندئذ ستتذكر حتماً أنني أخبرتك، وستوافق على ما قلتُه لك، وستفهم كل تفاصيل
المنطق وراء ذلك، المنطق الحقيقي. كل ما فعلته هو نثر البذور".
بدأت تمطر من جديد، مطر خفيف
وصامت، اندفاع الشلال حجب صوت المطر، يمكن لهايدا أن يقول أنها تمطر، باختلاف طفيف
في الهواء المعاكس لجلده فحسب.
الجلوس في غرفة صغيرة مقابل ميدوريكاوا
بدا فجأة شيئاً غريباً، كما لو أنهما وسط شيء مستحيل، على خلاف مع مبادئ الطبيعة.
ازداد الدوار في رأس هايدا، في الهواء الساكن، التقط نفساً خفيفاً من الموت، رائحة
الجسد وهو يتعفن ببطء. لا بد أن يكون وهماً، فلم يمت أحد بعد.
"سترجع إلى جامعتك في
طوكيو قريباً". أعلن ذلك بهدوء. "وسترجع إلى الحياة الحقيقية، تحتاج إلى
أن تعيشها بالكامل، لا بأس كم ستصبح الأشياء سطحية ومملة ربما، هذه الحياة تستحق
أن تعاش، إنني أقدّرها، ولست في طريق أن أصبح ساخراً أو متناقضاً. كل ما في الأمر أن
كل ما هو جدير بالاهتمام في الحياة يصبح عبئاً بالنسبة إليّ، شيء لا أستطيع تحمله
أكثر. ربما لم أنقطع عنه، وكالقط الميت زحفتُ إلى مكان هادئ ومظلم منتظراً بصمت أن
يأتي أجلي بأي وقت. هذا ليس سيئاً، إنك مختلف، يجب أن تكون قادراً على الإمساك
بالطريق الذي اختارته لك الحياة، تحتاج إلى أن تستخدم خيط المنطق، بقدر ما تستطيع،
لترقع نفسك بكل ما يستحق العيش لأجله".
"هذه نهاية القصة".
قال هايدا الابن. "في الصباح، بعد يومين من ذلك الحوار، بينما كان أبي في
الخارج يهتم ببعض الأعمال، غادر ميدوريكاوا الحانة مثلما جاء، مع حقيبة متدلية على
كتفيه، يسير الثلاث كيلومترات هابطاً من الجبل إلى محطة الحافلات، لم يكتشف أبي
أين ذهب. دفع ميدوريكاوا أجرة إقامته عن اليوم السابق وانسحب دون كلمة أو أية
رسالة لأبي، كل ما تركه خلفه هو كومة من الروايات الغامضة. بعد فترة ليست طويلة
عاد أبي إلى طوكيو، رجع إلى الجامعة وركز على دراسته . لا أعلم إن كانت مقابلة ميدوريكاوا
حافزاً جعله ينهي رحلته الطويلة، ولكن عند سماعي القصة من أبي أحسست أنها فعلاً لعبت
دوراً كبيراً في ذلك".
اعتدل هايدا في جلسته على الكنبة، مدّ أصابعه
الطويلة إلى رسغيه ودلّكهما.
"بعد أن عاد أبي إلى
طوكيو، بحث إذا كان هناك عازف بيانو للجاز يدعى ميدوريكاوا لكنه لم يجد أحداً بهذا
الاسم. ربما استخدم اسماً مستعاراً. وإلى اليوم لم يكتشف أحد ذلك ، (إذا كان الرجل
قد مات بعد شهر فعلاً)".
"لكن والدك حيٌّ وبصحة
جيدة، أليس كذلك؟". سأل تسوكورو.
أومأ هايدا. "إلى الآن
لم يصل إلى نهاية حياته".
"هل صدّق والدك القصة
الغريبة تلك التي أخبره بها ميدوريكاوا؟ ألم يخطر له أن تكون مجرد قصة ذكية مصممة
لخداعه؟".
"أتعرف، يصعب عليّ
القول. بالنسبة لأبي أعتقد أنها لم تكن مسألة صدّقها أم لا، في ذلك الوقت. أعتقد
أنه قبلها بشكل كامل كما كانت، قصةً غريبةً. كالطريقة التي تلتهم فيها الأفعى
فريستها دون أن تلوكها، وبدلاً من ذلك تهضمها ببطء".
توقف هايدا في هذه اللحظة
وأخذ نفساً عميقاً.
"أعتقد أني أشعر الآن
بنعاس شديد. ما رأيك أن نذهب إلى النوم؟".
كانت حوالي الواحدة صباحاً حين
ذهب تسوكورو إلى غرفة نومه، وجهز هايدا الكنبة وأطفأ الضوء. عندما تمدد تسوكورو في
سريره بثياب النوم سمع صوت تدفق مياه الشلالات، لكن ذلك مستحيل طبعاً. لقد كانوا في وسط طوكيو.
ذهب في نوم عميق بعد وقت
قصير.
في تلك الليلة، حدثت
العديد من الأشياء الغريبة. 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق