كل ما هو منشور هنا من تأليفي أو ترجمتي. يجب الإشارة إلى ذلك عند نشر أي نص أو مقتطفات منه.
الثلاثاء، 17 يوليو 2018
الجمعة، 22 يونيو 2018
الاثنين، 26 مارس 2018
خطيئة - قصة قصيرة
كنت أصعد السلالم، مرتبكاً
كأن أحداً خلفي يحمل المسدس عني، كنت أشبه لصاً بظل خفيف جداً إلى درجة أن من سيتبعني
سيمسك بي برمشة عين، رمشة عين! تذكرت كيف رمشت مغلقة عيناً واحدة، أتذكر أن عينها الأخرى
قد تأثرت بجلطة دماغية، كان ذلك بعد أن قلت لها كل شيء...كل شيء.
كنت أرتجف، حتى ثيابي
ترتجف، لا هذه ليست المرة الأولى التي أحمل فيها مسدساً، لقد كنت شرطياً، كنت شجاعاً
جداً، لا أخاف من أحد، كانت قبضتي على المسدس ثابتة، عيني تسير في مسار مستقيم، حين
أجلس على ساق واحدة أكون على أهبة أي شيء، وحين أطلق طلقة المسدس تكون موجهة إلى الهدف
تماماً، لا يوجد احتمال أن تنحو ولو قليلاً عن الهدف، ولو قلتم أني لست من أصدقاء الظلام
فهذا ليس صحيحاً على الإطلاق، أذكر أنه كانت لديّ سيارة وأنا طفل، تتحرك عبر جهاز التحكم،
وقد سهرت حينها على ضوء الشمعة حتى أصلحتها، من حينها عندما أرغب بشيء أجلس وحدي في
الظلام أو حتى على ضوء خفيف وأفكر في كل شيء حولي حتى في الأشياء الجميلة، وقد تكرر
قدوم أمي على غرفتي وأنا مطفئ الضوء وممعن بشيء ما، كما قلت لكم الظلام ليس مخيفاً
بالنسبة لي، كما أنني الآن رجل يعتمد عليه، لا يخشى شيئاً، هذا ما أراده أبي بالضبط
وما دربني عليه منذ الطفولة.
كانت حرارة الجو هائلة،
ظهري يتصبب عرقاً ويسيل عرق جبيني على عينيّ فلا أرى شيئاً، كلما صعدتً أومأ وجهها
أمامي، وجهها القديم بابتسامتها الرائقة التي تضيء كل المكان، عيناها اللتان لم أفهمهما
حتى آخر لحظة، بحزنهما الغامض، هناك شيء فيهما لم أفهمه، كأنهما كانتا تريدان أن تقولا
شيئاً ما يشبه: أنقذني!
قدمتُ إلى غرفتها، كانت
باردة جداً، كل شيء فيها مرتّب بطريقة مخيفة، لا شيء متحرك أو منزاح قليلاً عن مكانه،
نظافة المكان شديدة، كانت غرفة نهائية إن صح التعبير. لقد كان الوقت مناسباً جداً لأقول
لها ذلك.
كنتُ كلما نظرت إليها وتحدثتْ عن شيء عام -إذ كان
موضوعاً لذيذاً ومحفزاً في الغالب- تراجعتُ وأطبقتُ الكلام كأن لا شيء يدور في دماغي،
كأنّ دماغي قد فُرّغ بممسحة بيضاء ثم رُميت، كأن لم تعد لديّ كلمات بعد آخر حوار قد
تم، إذ -في الغالب- يكون مع أحد أصدقائي في العمل عن رحلة أسبوعية ضرورية للخروج من
جوّ العمل المقيت. لقد كانت تعلم ذلك، لذلك عادة ما تكون مواضيعها معي غير ذلك، فمثلاً
تحدثني عن محبتها لزراعة شجرة ورد غير مألوفة في الحديقة الخلفية...أو عن حوار جارتنا
العصبية المضحك مع ابنها، أشياء مثل هذه، وكان يعجبني ذلك.
كان الوقت مناسباً،
خاصة عندما لم أرها، ففي العادة تستقبلني عندما أصل، لم أدرك أن غيابها إشارة، أن عليّ
أن أتبعها، أبحث عنها، أجدها، أي شيء غير أن أقول لها ما تراكم على لساني طوال السنوات
الماضية معها، السنوات الجميلة بحقّ التي دائماً ما كنت أنتظرها. لقد انفلت لساني وحقق
ما أراده قلبي، إنّ الحُبّ لطالما كان وشيكاً...أعرف ذلك...
بعد أن رأيتها على تلك الحال عرفتُ بالضبط ما عليّ
فعله. وقع المسدس من يدي، وأحدث ضجيجاً هائلاً، أربكني وارتجفت ساقاي كثيراً، حتى ما
عدتُ أحس بالأرض، وما عدت أريد شيئاً غير ألا يسمع أحد من أصحاب العمارة الصوت الذي
وقع، غير أن صوت عقلي كان مرتفعاً أكثر، وصوتي كذلك، عندما أخبرتها بالأمر، حتى إنني
قد انزعجتُ منه أيضاً، التقطته بسرعة، كان عليّ أن أصعد الدرجة الأخيرة، كنت أنظر إلى
قدميّ، كنت أحس بثقل كبير، كأني تكثفتُ أكثر على حيز قليل، لقد أحسست بي كلي أكثر من
أي وقت مضى، لقد أحسست أن الدرَج خفيف وسيسقط بي، ثم سأهوي قربها وأراها تتألم، وتكرهني
في الآن نفسه. استجمعتُ قواي وأخذتُ أطول نفس ممكن، ثم رفعت قدمي، فوصلتُ، فتحت باب
السطح على عتمة كبيرة قد لا أرى منها أضواء غرف البنايات المجاورة المبعثرة، بجسدي
البارد، الذي يتساقط عرقاً، بعينيّ المشوشتين، ويدي التي تشد على المسدس، وثيابي غير
المهمة، وصلت إلى المهمة الأكثر سرية، التي ستنهي حماقتي للأبد، كنت سأوجه المسدس إلى
رأسي، ما إن رأيتُني (جميعي) بوضوح تام، في مرآة قد ظهرت أمامي مباشرة، لا أعرف من
وضعها، فصرختُ صرخة مدوية.
السبت، 24 فبراير 2018
الفصل (13) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي
ذهب تسوكورو في العطلة إلى
المسبح في الصالة الرياضية، التي تبعد مسافة عشرة دقائق على الدراجة عن شقته. يسبح
دائماً سباحة سريعة ضمن سرعة محددة ليتم 1500 متراً في اثنين وثلاثين دقيقة أو
ثلاث وثلاثين دقيقة. يسمح للسباحين السريعين أن يتجاوزوه. محاولة منافسة الآخرين
لم تكن من طبيعته. وكالعادة وجد في ذلك اليوم سباحاً سرعته تقاربه وانضم إلى نفس
الخط. كان الرجل الآخر صغيراً وطويلاً وهزيلاً ويرتدي ملابس سباحة سوداء منافسة،
قبعة سوداء ونظارات السباحة.
تخفف السباحة من تعب تسوكورو
المتراكم، وترخي عضلاته المشدودة. وجوده في الماء يهدئه أكثر من أي مكان آخر. تجعله
السباحة لنصف ساعة مرتين في الأسبوع يحقق توازناً هادئاً بين عقله وجسده. وإنه يجد
الماء مكاناً عظيماً للتفكير أيضاً، واكتشف أنه نوعاً من التفكر بطريقة (زن). تأتيه
الأفكار بلا انقطاع حالما دخل في إيقاع السباحة، ككلب طليق في الحقل.
"السباحة رائعة،
كالطيران في الهواء، على الأغلب". وضح تسوكورو ذلك لسارة في وقت ما.
"هل سبق أن حلقت في
الهواء؟". سألت.
"ليس بعد". قال
تسوكورو.
بينما كان يسبح في ذلك الصباح
أتته أفكار بسارة. تخيل وجهها، جسدها، وكيف فشل في السرير. وتذكر أشياء عديدة
قالتها. شيئاً ما عالقاً داخلك، والتدفق الطبيعي لعواطفك الذي يجب أن تمتلكه مسدود،
قالت له.
ربما هي على حق، فكّر.
تسير حياة تسوكورو تازاكي في
الخارج بشكل جيد على الأقل، بلا مشاكل محددة يمكن الحديث عنها. فلقد تخرج من مدرسة
هندسية معروفة، وجد وظيفة في شركة لسكك الحديد، محترف في العمل الكتابي. سمعته في
الشركة مسموعة، ويثق مديره به، وليس لديه مخاوف مالية. عندما توفي والده ورث
مقداراً كبيراً من المال بالإضافة إلى غرفة مشتركة في موقع مناسب قرب مركز طوكيو.
ليس عليه ديون. يشرب قليلاً جداً ولا يدخن، وليست لديه هوايات مكلفة. ينفق القليل
من المال. لا يحاول أن يقتصد أو يعيش حياة متشقشفة ولكنه فقط لا يفكر في طرق لصرف
المال. ليست لديه حاجة إلى السيارة، يهتم بخزانة ثيابه المحدودة. يشتري الكتب
والأسطوانات من حين لآخر لكن ذلك لا يساوي الكثير. يفضل أن يصنع طعامه على أن
يتناوله في الخارج، حتى إنه يغسل ملاءاته ويكويها.
في العموم هو شخص هادئ وليس
جيداً في النواحي الاجتماعية. ولا يعني هذا أنه يعيش حياة منعزلة. يتواصل مع
الآخرين بشكل جيد. لا يخرج ليبحث عن النساء بنفسه، لكنه لا يفتقد إلى صديقات. هو
أعزب، مظهره ليس سيئاً جداً، متحفظ، أنيق، تميل النساء إلى الاقتراب منه. وفي
أحيان أخرى يقدمه المعارف للنساء (وبتلك الطريقة تعرّف على سارة).
كان يظهر وهو في سن الست
والثلاثين على أنه يستمتع بحياة جامعية مريحة بكل الطرق. كانت صحته جيدة، يحافظ
على وزنه، ولم يمرض أبداً. معظم الناس يرون حياته تمضي بلين، بلا إخفاقات كبيرة.
كانت أمه وأختاه على وجه التحديد يرونه كذلك. "تستمتع جداً لأنك أعزب، لهذا
السبب لا تشعر بأنك تريد أن تتزوج"، أخبرن تسوكورو. وتوقفن أخيراً عن محاولة
وضع شريكات محتملات للزواج له. ويبدو أن زملاءه في العمل انتهوا إلى تلك الخاتمة
أيضاً.
لم يفتقد تسوكورو إلى أي شيء
في حياته، أو أراد شيئاً وعانى لأنه غير قادر على كسبه. ولذلك لم يختبر شعور الفرحة
في الحاجة الملحة لشيء والمحاربة للحصول عليه. ربما كان أصدقاؤه الأربعة من
المرحلة الثانوية أغلى شيء قد حصل عليه في حياته. تلك العلاقة لم تكن شيئاً اختاره
بنفسه، بل شيئاً أتى إليه بشكل طبيعي، كنعمة الله. وفي الماضي ومرة أخرى دون
اختياره خسرها كلها، أو إلى حد ما تجرد منها.
سارة الآن واحدة من الأشياء القليلة التي يرغب
بها. لم يكن واثقاً مئة بالمئة من ذلك ولكنه منجذباً إليها بقوة. وكل مرة يراها
تنمو تلك الرغبة. وهو جاهز ليضحي من أجل أن يحصل عليها. لم يكن أمراً عادياً أن
يكون لديه إحساس قوي وصاف هكذا. ومع هذا لم يكن يعرف لماذا عندما حاول أن يمارس
الحب معها لم يستطع. شيئاً ما أعاق تلك الرغبة. خذ وقتك. أستطيع الانتظار، قالت
سارة. ولكن لم تكن الأمور بتلك البساطة. الناس في حركة مستمرة، وليسوا ثابتين. لا
أحد يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.
تلك هي الأفكار التي شغلت
تفكيره وهو يسبح في المسبح ذو الخمسة وثلاثين متراً. ليحافظ على سرعة ثابتة دون أن
ينفذ الأوكسجين، كان يدير رأسه قليلاً إلى جانب ويأخذ نفساً ثم يطلقه في الماء
ببطء. كلما سبح مدة أطول أصبحت تلك العملية تلقائية أكثر. كانت الحركات التي
يحتاجها لكل مرحلة هي نفسها كل مرة. استسلم للإيقاع وأخذ يعد فقط عدد الجولات.
لاحظ فجأة أنه ميّز باطن قدمي
السباح الذي يشاركه نفس المسار. كان يشبه باطن قدمي هايدا تماماً. ابتلع ماء، تعطل
إيقاعه، ودخل الماء عبر أنفه. دق قلبه بقوة داخل قفصه الصدري، وأخذ تنفسه وقتاً
ليستقر.
فكر تسوكورو، لا بد أنهما لهايدا.
الحجم والشكل هما نفسهما بالضبط. حركة القدمين الواثقة كانت متشابهة حتى الفقاعات
التي تنبعث من السباح تحت الماء، صغيرة، لطيفة، ومطمئنة مثل حركة قدميه، مثله
تماماً. بالعودة إلى الماضي عندما كان وهايدا يسبحان معاً في مسبح الكلية كان يبقي
عينيه مثبتتين على باطن قدمي هايدا، مثلما يفعل سائق في الليل، لا يزيح نظره عن
الضوء الخلفي للسيارة أمامه. تلك الأقدام قد طبعت في ذاكرته.
توقف تسوكورو عن السباحة، خرج
من المسبح، وجلس على رصيف البداية منتظراً السباح أن يستدير ويعود.
لكنه لم يكن هايدا. القبعة
والنظارات أخفت ملامح وجهه، والآن أدرك أن الرجل طويل جداً، وكتفيه مبنيتان
بالعضلات، وعنقه مختلفة تماماً. كان شاباً صغيراً جداً، من المحتمل أنه ما يزال
طالباً جامعياً. بينما هايدا الآن في منتصف الثلاثينيات.
مع أنه عرف أنه شخص آخر لم
يهدأ قلبه. جلس على كرسي بلاستيكي بجانب المسبح يراقب الشاب وهو يسبح. مظهره العام
يشبه هايدا أيضاً، نفسه تقريباً. بلا رش للمياه وبلا صوت. يرتفع مرفقاه في الهواء
بصورة جميلة وبلطف، وتدخل يداه إلى الماء مجدداً بهدوء، إصبعا الإبهام أولاً. لطيف،
دون تكلف. يبدو أن المحافظة على الهدوء الملزم العنصر الأبرز لأسلوبه في السباحة.
رغم هذا التشابه الكبير في أسلوبه في السباحة مع هايدا إلا أنه ليس هايدا. توقف
الشاب أخيراً، خرج من المسبح، خلع نظاراته وقبعته السوداء، وجفف شعره القصير بقوة
بالمنشفة، وسار مبعتداً. كان وجهه بارز العظام، ليس كهايدا أبداً.
قرر تسوكورو أن ينهي اليوم،
ذهب إلى غرفة الملابس، ثم أخذ دشاً. عاد بدراجته إلى شقته، وتناول فطوراً بسيطاً.
وبينما يأكل أتته فكرة مفاجئة. هايدا أيضاً واحد من الأشياء التي تحبسني في الداخل.
كان يستطيع أن يجهز نفسه في
الوقت الذي يحتاجه، للسفر إلى فنلندا دون مشاكل. وقت إجازته غير الاعتيادي قد تكدس
كالماء المتجمد تحت المزراب. كل ما قاله مديره: "فنلندا؟". ونظر إليه
نظرة شك. وضح تسوكورو أن صديقته من أيام الثانوية تعيش هناك ويريد أن يذهب
لزيارتها. لقد تخيل أنه لن يكون لديه فرص كثيرة للذهاب إلى فنلندا في المستقبل.
"ماذا يوجد في
فنلندا؟". سأل المدير.
"سيبليس، أفلام أكي
كوريسماكي، ماريميكو، نوكيا، موومن". عدّد تسوكورو كل ما يخطر بباله من
الأسماء المشهورة في فنلندا.
هز مديره رأسه، غير مكترث بأي
منها بصورة واضحة.
اتصل تسوكورو بسارة وحدد موعد
السفر، حدد مسار الرحلة ليستطيع الذهاب مباشرة من ناريتا إلى هيلسينكي بلا توقف ثم
العودة إلى طوكيو.
"هل تريد أن تتواصل مع
كورو قبل أن تذهب؟". سألت سارة.
"لا، سأفعل مثلما فعلت
عندما ذهبت إلى ناغويا، لن أخبرها أنني قادم".
"فنلندا أبعد بكثير من
ناغويا. تأخذ الرحلة ذهاباً وإياباً وقتاً كثيراً. قد تصل إلى هناك وتجد أنها
غادرت قبل ثلاثة أيام لتقضي العطلة الصيفية في ماجوركا".
"إذا حصل أمر كهذا
سأتعايش مع ذلك. سأقوم بجولة سياحية في فنلندا ثم أعود".
" حسناً، إن كان هذا ما
تريده ". قالت سارت. "ولكن بما أنك ستقطع كل تلك المسافة، هل تود أن ترى
وأنت هناك بعض الأماكن؟ تاللن وسينت بيترسبيرغ في الأنحاء".
"فنلندا تكفي"، قال
تسوكورو. "سأسافر من طوكيو إلى هلنسكي أقضي أربع ليالٍ هناك ثم أعود".
"أفترض أن لديك جواز
سفر؟".
"عندما بدأت عملي في
الشركة أخبرونا أنه يجب أن نجدده لنستطيع الذهاب إلى رحلات عمل خارجية إذا أتت
الفرصة. لكن لم تأت الفرصة لأستخدمه".
"تستطيع في هيلنسكا أن
تستخدم اللغة الإنجليزية، لكني لست واثقة أنك تستطيع ذلك إذا توقفت في الريف. لدى
شركتنا مكتب صغير في هيلينسكا. مثل فرع تابع. سأتواصل معهم وسأخبرهم أنك آت، فإذا
حدثت معك مشكلة تزوره. تعمل هناك فتاة فنلندية اسمها أولجا وأنا واثقة أنها
ستساعدك".
"أقدر لك ذلك".
"يجب أن أذهب إلى لندن
بعد غد في عمل. حالما أنهي حجز الرحلة والفندق سأرسل لك ذلك عبر الإيميل، عنوان
مكتبنا في هيلسينكي ورقم الهاتف أيضاً".
"يبدو هذا جيداً".
"هل تريد حقاً أن
تقطع كل تلك المسافة إلى هيلنسكي لتراها دون أن تتصل بها أولاً؟ كل تلك المسافة بجانب
القطب الشمالي؟".
"هل هذا غريب
جدا؟".
ضحكت. "جريء هي
الكلمة التي سأستخدمها في هذه الحالة".
"أشعر بأن الأشياء ستسير
أفضل بهذه الطريقة. حدس فقط بالطبع".
"أتمنى لك
التوفيق"، قالت سارة. "هل أستطيع أن أراك مرة قبل أن تذهب؟ سأعود من
لندن في بداية الأسبوع القادم".
"بالطبع أرغب في
رؤيتك"، قال تسوكورو. "ولكن أحس أنه سيكون من الأفضل أن أذهب إلى فنلندا
أولاً".
"هل هو الحدس أيضاً الذي
أخبرك بهذا؟".
"أعتقد ذلك. شيء يشبه
الحدس".
""هل تعتمد على
الحدس كثيراً؟".
"لا. فأنا بالكاد أفعل
شيئاً بناء عليه حتى الآن. كما أنك لا تبنين محطة سكك حديد على الحدبة. أعني أنني
لا أعلم إن كانت حدس هي الكلمة الصحيحة. إنه شيء أشعر به فجأة".
"على أية حال، أنت تشعر
أن الوقت الذي عليك أن تسافر فيه هو الآن صحيح؟ سواء كان حدساً أم لا؟".
"بينما كنت أسبح في
المسبح في ذلك اليوم، كنت أفكر بكل الأشياء. بك، بهيلسينكي. لا أعرف كيف أوضح ذلك،
قد يكون مثل السباحة عكس التيار، لقد عدت إلى إحساسي الباطني".
"بينما كنت تسبح؟".
"أستطيع أن أفكر جيداً
وأنا أسبح".
توقفت سارة عن الكلام لبعض
الوقت، كأنها تأثرت بما قال. "مثل السالمون".
"لا أعرف الكثير عن
السالمون".
"تسبح أسماك السالمون
لمسافة بعيدة، مدفوعة بشيء". قالت سارة. "هل شاهدت من قبل حرب النجوم؟".
"عندما كنت
صغيراً".
"فلتكن القوة معك".
قالت سارة. "لئلا تخسر مع السلمون".
"شكراً. سأتصل بك حال
عدت من هيلسينكي".
"سأنتظر".
أنهت الاتصال.
__
لكن تغير الأمر، فقبل أن
يستقل الطائرة للذهاب إلى هيلسينكي بأيام قليلة رأى تسوكورو سارة مرة أخرى
بالصدفة. لم تعلم سارة ما حصل.
كان ذاهباً في ذلك المساء إلى
أوياما ليشتري بعض الهدايا لكورو؛ بعض الإكسسوارات، وبعض الكتب لأطفالها. كان
متجراً جيداً يوجد به مثل هذه الهدايا في الشارع الخلفي خلف جادة أوياما. وبعد
ساعة أو أكثر من التسوق شعر أنه يحتاج إلى استراحة فذهب إلى مقهى. جلس بجانب نافذة
ذات زجاج سميك، مطلة على أوموتيساندو، طلب قهوة وشطيرة تونا، ثم رجع إلى مقعده
ينظر إلى ما في الخارج، إلى الشارع المغمور بالشفق. معظم من كان يسير كانوا
أزواجاً، كانوا يبدون سعيدين جداً كأنهم في طريقهم إلى مكان ما مميز، حيث ينتظرهم
شيء ممتع. وبينما يراقب ذلك ازداد عقل تسوكورو ثباتاً وهدوءاً. إحساس هادئ كشجرة
متجمدة في ليلة شتائية هادئة. لكن اختلط معه ألم بسيط. كبر تسوكورو مع السنين، وهو
معتاد على تلك الصورة العقلية كثيراً حتى إنها لم تعد تجلب له أي ألم.
ومع ذلك لم يكن يستطيع أن
يتوقف عن تخيل كم سيكون جميلاً لو كانت سارة معه. لم يكن هناك شيء ليفعله حيال
ذلك، خاصة أنه هو الذي رفضها. هذا ما أراده. لقد جمد فروعه العارية في ذلك المساء
الصيفي المنعش.
هل هذا هو ما كان يجب فعله؟
لم يكن تسوكورو واثقاً أبداً.
هل يثق بحدسه حقاً؟ قد لا يكون ذلك حدس، أو أي شيء يشبهه، ولكن فكرة عابرة
لا أساس لها. فلتكن القوة معك، قالت سارة.
فكر تسوكورو لبعض الوقت في
السلمون وبرحلته الطويلة في البحار المظلمة تتبع الغريزة أو الحدس.
بعدها مرت سارة أمامه. كانت
ترتدي ذات الفستان الأخضر بلون النعناع ذو الأكمام القصيرة الذي كانت ترتديه ذلك
اليوم، مع الحذاء البني الفاتح، وكانت تسير في منحدر لطيف من جادة أوياما باتجاه
جينجومي. التقط تسوكورو أنفاسه، وكشر رغماً عنه. لم يستطع أن يصدق أن ما رآه
حقيقي. بدت لبضع ثوان أنها وهم محكم تولد من عقله المنفرد. لكن ليس هناك شك بذلك،
إنها الحقيقة، سارة حية. استقام على قدميه تلقائياً ودق على الطاولة بشكل خفيف.
اندلقت القهوة في الصحن. ثم عاد وجلس.
وقف بجانب سارة رجل في منتصف
العمر، رجل بنيته قوية بطول متوسط، يرتدي معطفاً أسود، قميصاً أزرق، وربطة عنق
زرقاء بحرية منقطة نقطاً صغيرة. شعر منظم بعناية، بلمسة رمادية، يبدو أنه في
بدايات الخمسينات. ملامح جميلة، بغض النظر عن الذقن الحادة بعض الشيء. كانت تظهر
تعابير وجهه هدوءاً، ثقة متواضعة، من تلك التي لدى الرجال الذين تنعكس عليهم
أعمارهم. كان يسير مع سارة في الشارع بسعادة، أيديهما متشابكة. فتح تسوكورو فمه
مندهشاً كشخص فقد الكلمات التي قد رتبها للتو، من النافذة الكبيرة كان ينظر
إليهما. سارا ببطء من أمامه لكن سارة لم تنظر في اتجاهه. كانت سارة مستغرقة تماماً
في الحديث مع الرجل، ولم تنتبه إلى من يحيطها من الناس. قال الرجل شيئاً ففتحت
فمها وضحكت. ظهرت أسنانها البيضاء بوضوح.
التهم حشد المساء سارة
والرجل. وبقي تسوكورو ينظر في الاتجاه الذي اختفيا فيه، مقيد بأمل ضعيف أنّ سارة
سترجع، أن تلاحظ أنه هناك وترجع لتوضح الأمر. لكنها لم تأتِ. مر أناس آخرون بوجوه
مختلفة وهيئات مختلفة واحداً تلو الآخر.
غير مقعده وبلع بعض الثلج. كل
ما بقي الآن هو حزن هادئ. شعر بألم مفاجئ في الجهة اليسرى من صدره كأنه قد طعن
بسكين، شعر بدم حار قد تفجر. على الأغلب كان دماً. لم يشعر بمثل هذا الألم منذ وقت
طويل، بعد صيف سنته الثانية في الكلية عندما تخلى عنه أصدقاؤه الأربعة. أغلق عينيه
كأنه يسبح في الماء، ينجرف إلى عالم الألم. لكن مع هذا كانت قدرته على الشعور
بالألم ما تزال جيدة. عندما لم تعد تستطيع أن تشعر بالألم فأنت واقع في مشكلة
حقاً.
اختلطت كل الأصوات معاً في
أعماق سمعه بحدة وبسكون فظيع، ذلك النوع من الأصوات الذي تدركه في الصمت العميق
المحتمل. ليس شيئاً يمكن أن تسمعه من لا شيء، لكنه صمت يتولد من أعضائك الداخلية.
الجميع لديه صوت مميز يعيشون معه، لذا نادراً ما يملكون الفرصة أن يسمعوه حقاً.
عندما فتح عينيه مرة أخرى،
أصبح العالم كأنه قد تحول. الطاولة البلاستيكية، فنجان القهوة الأبيض الواضح، نصف
الشطيرة، ساعة (هوير) الأوتوماتيكية في معصمه الأيسر(التذكار من أبيه)، صحيفة
المساء التي كان يقرؤها، سطر الأشجار في الشارع، نافذة العرض للمتجر في الطريق، كل
ذلك قد صار ساطعاً مع حلول المساء، بدا كل شيء حوله مشوهاً. الحدود غير محددة،
الإحساس بالعمق مفقود، المقياس خاطئ تماماً. تنفس بعمق، مرة بعد مرة، إلى أن بدأ
يهدأ أخيراً.
لم ينجم الألم الذي في قلبه
عن الغيرة. كان تسوكورو يعرف إحساس الغيرة. لقد أحس به مرة بشكل كبير، في ذلك
الحلم، وبقي لديه حتى الآن. كان يعرف كيف يتغير الإحساس إلى إحساس بالاختناق
وفقدان الأمل. لكن الألم الذي أحس به الآن مختلف. كل ما أحس به هو الحزن، كأن
أحداً قد تخلى عنه في حفرة عميقة مظلمة. كل ذلك كان حزناً. ذلك الإحساس يصاحبه ألم
جسدي بسيط. في الحقيقة لقد وجد ذلك مريحاً.
الذي آلمه أكثر لم تكن حقيقة
أن سارة تسير شابكة يدها بيد رجل آخر، أو احتمال أنها قد تنام مع الرجل. بالطبع
يؤلمه أن يتخيلها عارية ومع رجل آخر في السرير. يحتاج إلى جهد كبير لمسح تلك
الصورة الذهنية من عقله. لكن عمر سارة ثمان وثلاثين سنة، مستقلة، عزباء، ومتحررة. ولديها
حياتها الخاصة، مثلما لدى تسوكورو حياته الخاصة. إن لها الحق في أن تكون مع من
تحبه، أينما شاءت، وتفعل ما تشاء.
ما صدمه حقاً كم بدت سعيدة.
عندما كانت تتحدث مع ذلك الرجل كان وجهها يضيء بالكامل. لم تظهر تعبيراً غير متكلف
عندما كانت مع تسوكورو، ولا مرة. كانت تحافظ على مظهر هادئ ومحكم معه، هذا ما مزق
قلبه بصورة لا تطاق أكثر من أي شيء آخر.
في شقته، استعد للسفر إلى
فنلندا. البقاء مشغولاً ينزع كل ما في عقله، لم يكن لديه الكثير ليضعه في الحقيبة،
بعض الغيارات لأيام قليلة فقط، كيس من مستحضرات العناية الشخصية، كتابان ليقرؤهما
في الطائرة، ملابس السباحة والنظارات (التي لا يذهب إلى أي مكان دونها)، وشمسية
مطوية. كل ما يمكن حمله بعناية في حقيبة كتف. لم يأخذ كاميرا حتى . ما الجيد في
الصور؟ ما كان يسعى إليه هو شخص حقيقي وكلمات حقيقية.
عندما أنهى ترتيب الملابس،
التقط Years of Pilgrimage لليست لأول مرة منذ سنوات. الثلاثة تسجيلات التي عزفها لازار
بيرمان، ما أبقاها هايدا قبل خمس عشرة سنة. لا يزال يحتفظ بمسجل قديم لهدف واحد هو
سماع هذه الأسطوانة. اختار وضع التشغيل الطويل على الإسطوانة وحدد مكان البدء
والانتهاء وأخفض الإبرة.
"First
Year:Switzelan".
جلس على الكنبة، أغمض عينيه، وركز في الموسيقى. كانت “Le mal du pays" القطعة الرابعة في المجموعة، المعزوفة الأولى في الجهة B. يبدأ عادة بهذه القطعة
ويبقى يسمعها حتى القطعة الموسيقية الرابعة في "Second
Year:Italy"،
“ Sonnet 47 لبيتراتش". في تلك اللحظة، تنتهي جهة B وترتفع الإبرة تلقائياً.
"Le
mal du pays".
الموسيقى الهادئة الكئيبة تأخذ تدريجياً مكاناً في قلبه المغلف بالحزن غير المفسر،
كأنها قطع صغيرة مجهرية من اللقاح قد التصقت بكائن غير مرئي مختفٍ في الهواء، يظهر
في النهاية شكله ببطء وصمت. في هذا الوقت، أخذ الكائن شكل سارة، سارة بفستانها
الأخضر بلون النعنع ذو الأكمام القصيرة.
عاد الألم الذي في قلبه. ليس
ألماً شديداً، لكنه ذكرى لألم شديد.
ماذا كنت تتوقع؟ سأل تسوكورو
نفسه. إناء فارغ في الأساس قد أصبح إناء فارغاً مجدداً. من تستطيع الآن أن تشتكي
إليه من ذلك؟ يأتي الناس إليه، يكتشفون كم هو فارغ، ثم يتركونه. الذي بقي هو
تسوكورو تازاكي الفارغ، وربما أصبح فارغاً أكثر، بقي وحيداً. هل هذا كل شيء؟
إلا أنهم يتركون بعض الأحيان وراءهم
ذكرى صغيرة، مثل هايدا ومجموعة أسطوانات Year of Pilgrimage. ربما لا يكون قد نسيه
ببساطة، بل تركه قصداً في شقة تسوكورو ليصله بهايدا وشيرو. إنه الوريد الذي وصل هؤلاء
الأشخاص الثلاثة المشتتين ببعضهم البعض. وريد هش ورفيع لكنه لا يزال لديه دم أحمر
حي يسير به. جعلت القوة الموسيقية الأشياء الممكنة. ما إن يسمع تلك الموسيقى، خاصة“Le mal
du pays”، تندفع
فيه ذكريات قوية لهما، وفي ذلك الوقت يشعر بأنهما بجانبه تماماً يتنفسان بهدوء.
من ناحية معينة، كلاهما قد
اختفى من حياته. فجأة دون إنذار. لا، إنّ تركهما له أقل من مقاطعته عمداً، هجره. لقد
آلم ذلك تسوكورو كثيراً بالتأكيد، وبقي ذلك الجرح إلى الآن. لكن في النهاية، ألم
يكن كلاهما؛ شيرو وهايدا اللذان قد جُرحا في المعنى الحقيقي للكلمة وتأذيا؟ هذا
المشهد في هذه الأثناء هو المسيطر على دماغه.
فكّر: ربما أنا شخص
فارغ وعديم الفائدة، إنني كذلك تماماً لأنه لا يوجد في داخلي شيء يمكن أن يجدناه،
حتى لو كنت لوقت قصير مكاناً ينتميان إليه. كطائر ليلي يبحث عن مكان آمن في علية
منزل فارغة ليرتاح بها خلال اليوم. الطيور كذلك المكان الفارغ المعتم الصامت. إذا كان
صحيحاً فربما يتوجب عليه أن يكون سعيداً لأنه فارغ.
اختفت النغمة الأخيرة من “Sonnet 47” لبيترارتش في الهواء، وانتهت
الموسيقى، وارتفعت الإبرة تلقائياً، تحركت جانباً، وعادت إلى مسسند الذراع. أخفض الإبرة
إلى بداية جهة B من التشغيل الطويل. تتبعت الإبرة تلقائياً نمط الأسطوانة ومرة
أخرى بدأ لازار بيرمان يعزف بجمال ورقة.
استمع إلى كامل الجهة B مرة أخرى، ثم ارتدى
ملابس النوم، وذهب إلى السرير. أطفأ الضوء بجانب سريره، وأحس مرة أخرى بامتنان أن
الذي سيطر على قلبه هو حزن عميق وليس عبودية الغرور الشديد. التي ستخطف أي أمل في
النوم.
وأخيراً جاء النوم يلفه
بذراعيه. أحس في كثير من اللحظات العابرة برقة مألوفة تتخلل جسده. هذا أيضاً من
الأشياء القليلة التي أمدت تسوكورو بالرضا عن تلك الليلة.
سمع خلال نومه طيوراً تغرد
في الليل. الأربعاء، 7 فبراير 2018
الفصل (12) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي
وصل تسوكورو إلى شقته في
طوكيو الساعة السابعة مساء. في اليوم الذي قابل به أكا. أفرغ حقيبته ورمى ملابسه
التي تحتاج إلى غسيل في الغسالة، أخذ دشاً ثم اتصل بسارة. وصل إلى البريد الصوتي
فترك لها رسالة يخبرها أنه عاد للتو إلى ناغويا ويريد أن يراها عندما تستطيع.
انتظر إلى ما بعد الحادية
عشرة ولم تتصل. وعندما اتصلت به في اليوم التالي، الثلاثاء، كان تسوكورو في
كفيتيريا العمل يتناول غداءه.
"هل سار كل شيء على ما
يرام بناغويا؟". سألت سارة.
وقف، وسار إلى الممر حيث كان
أكثر هدوءاً. اختصر مقابلتيه مع أو وأكا في قاعة عرض ليكزس ومكتب أكا يوم الأحد
والاثنين على التوالي وعما تحدثوا.
"أنا سعيد لأنني تحدثت
معهما. استطعت أن أفهم أكثر ما حصل". قال تسوكورو.
"هذا جيد". قالت
سارة. "إذاً لم يكن ذلك عبثاً".
"هلا نتقابل في مكان ما؟
أريد أن أخبرك بكل الحوار الذي تم".
"أمهلني دقيقة، دعني
أتفحص برنامجي".
مرت خمس عشرة ثانية من الصمت.
وبينما ينتظر أخذ تسوكورو ينظر خارج النافذة إلى طرقات شينجوكو. غطت سحب كثيفة
السماء، وبدت أنها ستمطر.
"لدي فراغ بعد غد في
المساء. هل هذا مناسب؟". سألت سارة.
"يبدو جيداً. لنتناول
العشاء". قال تسوكورو. لم يكن بحاجة إلى أن يتفقد جدوله. لديه فراغ في كل
ليلة غالباً.
اتفقا على المكان وأنهيا
الاتصال. بعد أن أغلق الهاتف أحس إحساساً جسدياً بعدم الراحة، كأن شيئاً أكله لم
يهضم جيداً. لم يشعر به قبل أن يتحدث مع سارة. هذا مؤكد. ولكن ماذا كان يعني؟ أو
أنه لم يكن يعني شيئاً أبداً؟ لا يعرف.
حاول أن يعيد الحوار معها
بدقة بقدر ما يتذكر. ماذا تحدثا، نغمة صوتها، الطريقة التي توقفت فيها عن الكلام.
لم يكن شيء مختلف عن الاعتيادي. وضع هاتفه النقال في جيبه ورجع إلى الكافيتيريا
لينهي طعامه. لكن لم تعد لديه شهية للأكل.
___
كان يرافق تسوكورو ذلك المساء وكل اليوم موظفاً جديداً كمساعد له، فحصا محطات متعددة تحتاج إلى مصاعد جديدة. تفحص تسوكورو المخططات واحدة واحدة، برفقة الموظف الجديد الذي ساعده في القياس، حيث بقيا في المكتب استعداداً للمخططات الحقيقية في المواقع. وجد عدداً من الأخطاء غير المتوقعة والتعارض بين المخططات والمواقع الفعلية. قد يكون هناك أسباب مختلفة لذلك، ولكن الأهم هنا أن ترسم مخططات صحيحة وموثوقاً بها قبل أن يبدأ البناء. إذا اكتشفت الأخطاء بعد بدء البناء سيكون ذلك متأخراً، كوحدة عسكرية اعتمدت للنزول في جزيرة غريبة على خريطة تحتوي على أخطاء.
كان يرافق تسوكورو ذلك المساء وكل اليوم موظفاً جديداً كمساعد له، فحصا محطات متعددة تحتاج إلى مصاعد جديدة. تفحص تسوكورو المخططات واحدة واحدة، برفقة الموظف الجديد الذي ساعده في القياس، حيث بقيا في المكتب استعداداً للمخططات الحقيقية في المواقع. وجد عدداً من الأخطاء غير المتوقعة والتعارض بين المخططات والمواقع الفعلية. قد يكون هناك أسباب مختلفة لذلك، ولكن الأهم هنا أن ترسم مخططات صحيحة وموثوقاً بها قبل أن يبدأ البناء. إذا اكتشفت الأخطاء بعد بدء البناء سيكون ذلك متأخراً، كوحدة عسكرية اعتمدت للنزول في جزيرة غريبة على خريطة تحتوي على أخطاء.
بعد أن انتهيا من القياسات
ذهبا للتحدث مع مدير الموقع عن المشاكل الخطيرة التي قد تسببها إعادة البناء. إعادة
تحديدة موقع المصاعد قد يغير ترتيب المحطة الداخلية. التي بدورها ستؤثر على تدفق
المسافرين. ويجب أن يتأكدا أنهما يستطيعان توحيد تلك التغييرات في البناء. سلامة
المسافرين دائماً من أهم الأولويات، لكنهما يجب أن يتأكدا أيضاً من أن فريق عمل
المحطة سيؤدون واجباتهم بناءً على المخطط الجديد. عمل تسوكورو هو تركيب كل تلك
الأجزاء، ابتكار خطة إعادة البناء ووضعها ضمن مخطط فعلي. إنها عملية شديدة الدقة
لكنها حساسها، لأن سلامة الناس ركيزة. يدير تسوكورو كل ذلك بتأنٍ. ذلك هو نوع من
العمليات التي هي موطنه بالضبط؛ توضيح أي مشكلة، صنع قائمة، والتأكد بحذر من أن كل
نقطة قد عولجت بطريقة صحيحة. وبنفس الوقت إنها تعطي فرصة رائعة للموظف الصغير الذي
ليست لديه خبرة أن يتعلم التفاصيل في الموقع. تخرَّج الموظف الذي يدعى ساكاماتو
حديثاً من قسم الهندسة والعلوم في جامعة واسيدا. كان شاباً قليل الكلام، ذو وجه
طويل وغير ضاحك، لكنه كان يتعلم سريعاً ويتبع التعليمات. كان ماهراً في أخذ
القياسات أيضاً. ربما ينجح هذا الشاب، فكر تسوكورو.
استغرقا ساعة في تدقيق أمور
المحطة مع المدبر، واستعراض تفاصيل مشروع إعادة البناء. لقد كان وقت الطعام، فطلبوا
بينتوس وتناولوا معاً في مكتب مدير المحطة. وبعدها تحدثوا وهم يشربون الشاي. كان المدير
لطيفاً وممتلئ الجسم، في منتصف العمر، وقد أخبرهما قصصاً مثيرة عن أشياء حصلت معه
في عمله. أحب تسوكورو أن يذهب إلى المواقع ويسمع ذلك النوع من القصص. تغيّر
الموضوع. خاصة بما يتعلق بالعدد الكبير من المواد التي فقدت ووجدت وتركوها خلفهم
في القطارات والمحطات، والمواد غير العادية والغريبة بينها؛ رماد الجثث المحروقة،
البواريك، الأرجل الصناعية، مخطوطة رواية قرأ منها مدير المحطة القليل ووجدها
مملة، قميص ملطخ بالدم قد صفط بعناية في العلبة، أفعى حفر سامة وحية، أربعون صورة
ملونة لمهبل نساء، جرس خشبي طويل، من النوع الذي يضرب به الكهنة البوذيين عندما
يرتلون تعاليمهم الدينية...
"أحياناً تكون غير واثق
تماماً بما تفعله مع هذه الأشياء". قال المدير. "بلغ صديقي الذي شغّل
محطة أخرى مرة عن حقيبة بوسطن في داخلها جنيناً ميتاً. لحسن الحظ، لم يحصل معي مثل
ذلك. لكن مرة عندما كنت مدير محطة أخرى، أعطاني أحدهم إصبعين محفوظين في
الفورمالديهايد".
"هذا غريب بعض
الشيء"، قال تسوكورو.
"نعم بالطبع كان غريباً.
أصبعان صغيران يطفوان في سائل، محفوظين بشيء يشبه علبة المايونيز، كل شيء داخل
حقيبة قماش جميلة. تبدو أنها أصابع طفل وقد قطعت من أساسها. وكردة فعل طبيعية
اتصلنا بالشرطة عندما اعتقدنا أن ذلك ربما متصل بجريمة. أتت الشرطة في الحال وأخذت
العلبة".
ارتشف المدير شاياً.
"بعد أسبوع زارنا نفس
الشرطي الذي أخذ الإصبعين. سأل موظف المحطة الذي وجد العلبة في الاستراحة مرة
أخرى. كنت حاضراً أثناء الأسئلة، حسب ما قال الضابط لم يكن الإصبعان لطفل. قرر
المختبر الشرعي أنها لشخص بالغ. وسبب صغر حجمهما أنهما كانا أصبعين سادسين لا
وظيفيين. قال الضابط أنه أحياناً يكون لدى البعض أصابع إضافية. وغالباً ما يتخلص
الوالدان من التشويه، لذلك فإنهما يبترانها عندما يكون مولوداً صغيراً، لكن هناك
من هم بالغين وما يزال لديهم ستة أصابع. ما وجدناه كان مثالاً؛ إصبعان لبالغ قد أزالهما
جراحياً ثم حفظهما في الفورمالديهايد. قدّر المختبر أن يكون هذان الإصبعان لرجل في
منتصف العشرينات إلى منتصف الثلاثينيات، ولم يستطع معرفة منذ متى قد بتر الإصبعان.
لا أستطيع أن أتخيل كيف نُسيت، أو قد رميت في استراحة المحطة. لكن لا يبدو الأمر
أنهما متعلقان بجريمة. احتفظت الشرطة بهما في النهاية ولم يأت أحد ليسأل عنهما. حسبما
أعرف أنها ربما لا يزالان في مكان ما في مستودع الشرطة".
"إنها قصة غريبة"،
قال تسوكورو. "لماذا يحتفظ بتلكما الأصبعين حتى يصبح بالغاً ثم يقرر فجأة أن
يبترهما؟".
"إنها غامضة. لقد جعلتني
مهتماً بالظواهر، لذلك بدأت أقرأ فيها. المصطلح الاختصاصي هو عَنَش، وعند الكثير من
المشاهير ذلك. ليس واضحاً إن كان صحيحاً
أم لا ولكن هناك بعض الأدلة أن هيده-يوشي تويوتومي القائد المشهور في فترة السينغوكو
كان لديه إصبعان إبهام. هناك الكثير من الأمثلة الأخرى. هناك عازف بيانو مشهور
وهناك روائي وفنان ولا عب بيسبول لديهم الحالة. وعلمياً هانيبال ليكتر صاحب the
Silence of the Lambs لديه ستة أصابع. إنه ليس بتلك الغرابة، وجينياً هي صفة سائدة. هناك
تغييرات عبر الأعراق المختلفة، ولكن بشكل عام، واحد من خمسة ملايين من الناس ممن
يولد بستة أصابع. كما قلت، الأغلبية الساحقة من آبائهم يبترون أصابعهم الإضافية
قبل يوم الميلاد الأول لأطفالهم، عندما يبدأ الأطفال بتطوير المهارات الحركية
اللطيفة. لذلك من الصعب أن تصادف شخصاً ما معه هذه الحالة. إن الأمر ذاته قد حدث
معي، لم أكن قد سمعت بهذا الشيء حتى وجدت العلبة في المحطة".
"إنه غريب مع ذلك".
قال تسوكورو. "إذا كانت الأصابع الست صفة سائدة، إذاً لماذا لا نرى أناس أكثر
معهم؟".
أمال مدير المحطة رأسه.
"لا أعلم، ذلك النوع من الأشياء المعقدة ليس من ضمن اهتماماتي".
ساكاموتو، الذي تناول الطعام
معهما، فتح فمه لأول مرة، بتردد، كأنّ حجراً عملاقاً يغلق فم الكهف قد انزاح.
"أتساءل إن لم تمانعا أن أقدم رأيي؟".
"بالطبع". قال
تسوكورو، متفاجئاً. لم يكن ساكاموتو من نوع الشباب الذين يدلون بآراءهم أمام
الآخرين. "قل".
"يميل الناس إلى عدم فهم
معنى كلمة "سائدة"، قال ساكاموتو. "حتى لو هناك نزعة معينة سائدة
هذا لا يعني أن تصبح منتشرة بشكل واسع عبر الناس. هناك اختلالات قليلة نادرة،
جينياً هناك جين سائد، لكن تلك الحالات لا تصبح معروفة كنتيجة. لحسن الحظ، في معظم
الحالات تلاحق رقماً ثابتاً، وتبقى اختلالات نادرة. الجينات السائدة ليست إلا
واحدة من بين عدة عوامل في توزيع النزعة. العوامل الأخرى قد تتضمن بقاء الخيار
السليم والطبيعي وهكذا. هذا حدس شخصي ، لكني أعتقد أن الأصابع الستة كثيرة على
الإنسان. بما تفعله اليد، الأصابع الخمسة كلها كافية، وخمسة هو العدد الأكثر
فاعلية، لذلك حتى لو كان الحصول على ست أصابع جيناً سائداً فإنه يظهر في العالم الحقيقي
في أقلية قليلة فحسب. بمعنى آخر، قانون الاختيار يفوق الجين السائد".
بعد أن أبدى رأيه مطولاً، عاد
ساكاموتو إلى الصمت.
"هذا منطقي"، قال
تسوكورو. "لقد انتابني شعور أنه مرتبط بعملية كيف أن أنظمة الإحصاء في العالم
قد اتحدت على السائد، تنتقل من نظام الاثني عشر إلى النظام العشري".
"نعم، قد تكون هذه إجابة
الستة والخمسة أصابع، وما دون العشرة، لقد قلت ذلك الآن". قال ساكاموتو.
"كيف تعرف كثيراً عن
ذلك". سأل تسوكورو ساكاموتو.
"لقد أخذت مادة في علم
الوراثة في الكلية. بإمكانك أن تقول أن لدي اهتمام في ذلك". احمرت خدود
ساكاموتو عندما قال ذلك.
ضحك المدير ضحكة مرحة.
"إذاً أتتك مادة علم الوراثة في متناول يديك حتى بعد أن بدأت العمل في شركة
سكك الحديد. أعتقد أن التعليم ليس بذلك الأمر العظيم، أليس كذلك؟".
أدار تسوكورو وجهه إلى
المدير. "بالنسبة إلى عازف البيانو يبدو أن امتلاك ستة أصابع يمكن أن يكون
ملائماً إلى حد ما".
"ليس ملائماً، كما
يبدو". رد المدير. "قال أحد عازفي البيانو الذي يملك ستة أصابع أن
الأصابع الإضافية مزعجة. كما قال السيد ساكاموتو الآن، تحريك ستة أصابع بالتساوي
وبحرية قد يكون كثيراً على الإنسان. ربما خمسة هو الرقم الصحيح".
"هل هناك بعض الفوائد في
امتلاك ستة أصابع؟". سأل تسوكورو.
"حسب ما تعلمت"، رد
المدير، "خلال القرون الوسطى في أوروبا كانوا يعتقدون أن الناس الذي يولدون
ولديهم ستة أصابع هم سحرة أو ساحرات، وأنهم يحترقون على العمود. وفي إحدى الدول
خلال العصر الصليبي، كان أي أحد يملك ستة أصابع يُقتل. هل كانت هذه القصص حقيقية
أم لا. لا أعرف. في بورنيو يعامل الأطفال الذين يولدون في ستة أصابع تلقائياً كالشامان.
ربما هذه ليست ميزة مع ذلك".
"شامان؟". سأل
تسوكورو.
"فقط في بورنيو".
انتهى وقت الطعام، وكذلك
حوارهم. شكر تسوكورو المدير على الطعام وعاد وساكاموتو إلى مكتبهما.
وبينما يكتب تسوكورو ملاحظات
على المخطط، تذكر فجأة القصة التي قصها عليه هايدا، قبل سنة، عن والده. كيف وضع عازف
الجاز الذي بقي في الحانة عميقاً في جبال أويتا، قبل أن يبدأ العزف حقيبة من
القماش على البيانو. هل يمكن أن يكون داخل الحقيبة إصبعان سادسان لليد اليمنى
واليسرى محفوظين داخل علبة؟ ربما لسبب ما انتظر أن يصبح بالغاً ليبترهما وكان يحمل
العلبة معه دائماً. وقبل أن يؤدي المعزوفة يضعهما على البيانو كتعويذة.
بالطبع، كان ذلك مجرد حدس. ليس
هناك أساس لذلك. وتلك الحادثة قد وقعت-إن وقعت فعلاً-قبل أربعين سنة. ورغم ذلك،
كلما فكر فيها تسوكورو أكثر بدت أن قطعة الأحجية تناسب الفجوة في قصة هايدا. جلس
تسوكورو على طاولة الرسم، وظل حتى المساء، قلم الرصاص في اليد يتفكر بالفكرة.
قابل تسوكورو سارة في اليوم
التالي في هيرو. ذهبا إلى حانة صغيرة في منطقة معزولة من الحي، كانت سارة خبيرة في
الحانات المعزولة والصغيرة والمطاعم في طوكيو بأكملها. وقبل أن يأكلا، أخبرها
تسوكورو كيف رأى صديقيه السابقين في ناغويا، وعما تحدثوا بشأنه. لم يكن سهلاً عليه
أن يلخص ذلك، لذا كان إخبارها بكامل القصة يأخذ وقتاً. استمعت سارة بانتباه، وكانت
بين الحين والآخر توقفه لتطرح عليه سؤالاً.
"إذاً أخبرت شيرو
الباقين أنها عندما نزلت في شقتك في طوكيو قمت بتخديرها واغتصابها".
"هذا ما قالته".
"لقد وصفت ذلك بتفاصيل
كثيرة، وبواقعية، على الرغم أنها كانت انطوائية وتتجنب دائماً الحديث عن
الجنس".
"هذا ما قاله أو".
"وقالت أن لديك وجهين؟".
سألت سارة.
"قالت أنّ لدي جانب
آخر مظلم ومخفي، شيء منزوع ومفصول عن جانبي الذي يعرفه
الجميع".
عبست سارة وفكرت في ذلك لبعض
الوقت.
"ألا يذكرك هذا بشيء؟ ألم
تكن هناك لحظات خاصة وحميمية بينك وبين شيرو؟".
هز تسوكورو رأسه.
"أبداً. ولا مرة. كنت دائماً واعٍ ألا أسمح بأن يحصل شيء مثل هذا".
"واعٍ دائماً؟".
"حاولت أن لا أراها على
أنها من الجنس الآخر. وكنت أتجنب أن نبقى وحدنا بقدر ما أستطيع".
ضيقت سارة عينيها وأمالت
رأسها للحظة. "هل تعتقد أن الآخرين في المجموعة كانوا حريصين فقط؟ بمعنى آخر،
لم ينظر الذكور إلى الفتاتين على أنهما من الجنس الآخر في أعضاء المجموعة وهكذا؟".
"لا أعلم بماذا يفكر
الآخرون في أعماقهم. ولكن كما قلت لقد كان نوعاً من الموافقة غير المنطوقة بيننا
على أن لا نسمح أن تتشكل علاقة بين الذكور والإناث في المجموعة. كنا مصرين على ذلك
إلى حد ما". "ولكن أليس ذلك غير طبيعي؟ إذا اقترب الذكور والإناث بهذا
العمر من بعضهما وبقيا معاً طوال الوقت، فمن الطبيعي أن يبدؤوا بالاهتمام ببعضهم
البعض جنسياً".
"أردت أن يكون لدي حبيبة
وأن نخرج معاً في مواعيد غرامية فقط أنا وإياها. وبالتأكيد كنت مهتماً بالجنس، مثل
أي شخص آخر. ولا أحد أوقفني عن مصادقة فتاة من خارج المجموعة. ولكن في ذلك الوقت
كانت المجموعة الجزء الأهم من حياتي. كانت تراودني الفكرة بصعوبة أن أخرج وأكون مع
شخص آخر".
"لأنك وجدت تناغماً
رائعاً هناك؟".
أومأ تسوكورو. "عندما
كنت معهم شعرت كأني جزء ضروري للجميع. لقد كان إحساساً خاصاً بأني لا أستطيع
الذهاب إلى أي مكان آخر".
"لهذا السبب كنتم جميعاً
تتجاهلون أي اهتمام جنسي". قالت سارة. "لتحافظوا على التناغم بينكم
الخمسة. ولئلا تدمروا الدائرة المثالية".
"بالنظر إلى ذلك الآن،
أستطيع أن أرى فيه شيئاً غير طبيعي. ولكن في ذلك الوقت لم يكن هناك ما يبدو
طبيعياً أكثر من ذلك. لم نكن نزال في فترة المراهقة نجرب الأشياء لأول مرة. مستحيل
أن نكون موضوعيين في ذلك الموقف".
"بمعنى آخر، كنتم مغلقين
على أنفسكم داخل مثالية الدائرة. هل ترى ذلك بتلك الطريقة؟".
فكر تسوكورو بذلك. "ربما
ذلك صحيح، لكنا كنا سعداء لأننا مغلقين على أنفسنا داخلها. ولا أنكر ذلك، حتى
الآن".
"مثير للاهتمام".
قالت سارة.
كانت سارة أيضاً مهتمة جداً
بسماع ما حصل في زيارة أكا لشيرو في هاماماتسو قبل ستة أشهر من جريمة قتلها.
"إنه حدث مختلف،
بالطبع". قالت سارة، "ولكنه يذكرني بزميلتي في المدرسة الثانوية. كانت
جميلة، وقوامها جميل، من عائلة غنية، تربت بشكل جزئي في الخارج، وتتحدث الانجليزية
والفرنسية بطلاقة، وكانت دائماً في المرتبة الأولى في الصف. لاحظها الناس، بغض
النظر عما كانت تفعل، كانت موقرة من الجميع، محبوبة جميع الطلاب الشباب. ذهبنا إلى
مدرسة خاصة للإناث، فكان ذلك النوع من الإعجاب بها من الطلاب في سنتهم الأولى
قوي".
أومأ تسوكورو.
"التحقت بجامعة سيشين،
الجامعة الخاصة الأشهر للإناث، ودرست في الخارج، في فرنسا لسنتين. ولقد حظيت
برؤيتها بعد أن رجعت بعدة أعوام، وعندما رأيتها تفاجأت. لا أعرف كيف أقول ذلك ولكن
بدت شاحبة. كشخص تكشف تحت شمس قوية لمدة طويلة وبهت لونه. بقيت تشبه نفسها في
السابق. مازالت جميلة، وما زال قوامها جميلاً...ولكنها تبدو شاحبة، أقل إشراقاً
عما في السابق. جعلني هذا أشعر بأنني يجب أن أمسك ريموت التلفاز لأزيد كثافة
اللون. كانت تجربة سيئة. من الصعب أن تتخيل أن شخصاً ما قد استطاع خلال بضع سنوات
أن ينقص بشكل واضح هكذا".
أنهت سارة وجبتها وانتظرت
قائمة التحلية.
"لم نكن أنا وإياها بذلك
القرب، ولكن كان لدينا صديقات مشتركات، لذلك كنت أصادفها بشكل متكرر. وكل مرة أراها
فيها أجدها تنطفئ أكثر. في فترة ما كان واضح لدى الجميع أنها لم تعد جميلة، وأنها
لم تعد جذابة. ويبدو أنها قد أصبحت أقل ذكاء أيضاً. المواضيع التي تتحدث بها مملة،
آراؤها قديمة ومبتذلة. تزوجت في سن السابعة والعشرين وكان زوجها موظفاً حكومياً ذو
مرتبة عالية، رجل ضيق الأفق بشكل واضح، وممل. ولكن بالنسبة للمرأة فلا تستطيع أن
تدرك حقيقة أنها لم تعد جميلة، ولم تعد جذابة، ولم تعد من ذلك النوع من الأشخاص
الذي ينتبه إليه الناس. ما زالت تتصرف على أنها الملكة. إن مشاهدتها وهي كذلك كان
مثيراً للشفقة".
وصلت قائمة التحلية، وبدأت
سارة تتفحصها بدقة، وعندما قررت، أغلقت القائمة ووضعتها على الطاولة.
"توقفت صديقاتها عن
رؤيتها تدريجياً. إنه من المؤلم جداً مشاهدتها كذلك. ربما لم يكن الألم بالضبط ما
شعرن به عندما رأينها، ولكن كان خوفاً أكثر، ذلك النوع من الخوف الذي يلازم معظم
النساء. الخوف من أن ذروة جاذبيتك كامرأة قد قلت، ولا تدركي ذلك ولا ترفضي قبوله،
وتبقين تتصرفين بالطريقة التي اعتدت عليها، ثم يعاملك الناس بازدراء ويضحكون عليك
خلف ظهرك. بالنسبة لها جاءت الذروة في وقت مبكر قبل الآخرين. وهذا ما كان. كل
مواهبها الطبيعية قد اشتعلت وأزهرت وهي في فترة المراهقة، كحديقة في الربيع،
وعندما مرت تلك السنوات ذبلت سريعاً".
أتى النادل ذو الشعر الأبيض،
وطلبت سارة كعكة الليمون. دائماً ما كان تسوكورو منبهراً كيف أنها لا تتجاوز طبق
التحلية لتحافظ على قوامها الرشيق.
"أتصور أن كورو تستطيع
أن تخبرك بتفاصيل أكثر عن شيرو"، قالت سارة. "حتى لو كانت مجموعتكم
المكونة من خمسة أفراد مجموعة منسجمة ومثالية، يبقى هناك دائماً ما تناقشه
الفتاتان بين بعضهما. كما قال لك أو. وما يتحدثان به لا يخرج خارج عالم الإناث.
أحياناً تكون فقط ثرثرة، ولكن هناك أسرار معينة نحافظ عليها بشدة، خاصة وأن الذكور
لا يسمعون عنها".
نظرت إلى النادل، الذي كان
واقفاً بعيداً، كأنها قد ندمت على طلب كعكة الليمون. ثم بدت أنها غيرت رأيها ثم رجعت
تنظر إلى تسوكورو.
"هل كان لديكم أنتم
الذكور الثلاثة أحاديث خاصة كهذه؟". سألت.
"ليست كذلك كما
أتذكر". قال تسوكورو.
"إذاً عن ماذا
تتحدثون؟".
عن ماذا كنا نتحدث
وقتها؟ فكر تسوكورو بذلك، لكنه لم يكن يتذكر. لقد كان واثقاً أنهم كانوا يتحدثون
كثيراً بحماس، يفتحون قلوبهم لبعضهم البعض أما الآن، في حياته، لم يستطع أن يتذكر
شيئاً.
"أتعرفين، لا أستطيع أن
أتذكر شيئاً". قال تسوكورو.
"هذا غريب". قالت
سارة وابتسمت.
"يجب أن آخذ إجازة من
العمل الشهر القادم"، قال تسوكورو. "بما أنني وصلت إلى تلك المرحلة،
أفكر أن أذهب إلى فنلندا. وضحت ذلك لمديري، وليست لدي مشكلة أن آخذ إجازة".
"عندما تحدد المواعيد
أستطيع أن أرتب برنامج الرحلة لك. تذاكر الطيران، الحجز في الفندق، وما تحب".
"أقدر لك ذلك". قال
تسوكورو.
رفعت الكأس وارتشفت القليل من
الماء. مررت أصبعها على حافة الكأس.
"كيف كانت حياتك في
المدرسة الثانوية؟". سأل تسوكورو.
"لم أتحملها كثيراً. كنت
في فريق كرة اليد. لم أكن جميلة، وعلاماتي كانت مقبولة".
"هل أنت متأكدة أنك لا
تحاولين التواضع؟".
ضحكت وهزت رأسها.
"التواضع خلق حسن، لكنه لا يناسبني. هذا صحيح لا أظهره أبداً. لا أعتقد أنني اندمجت
مع نظام التعليم كله. لم أكن الحيوان المدلل لدى المعلمة، ولم أصادق أي من الطلاب ممن
يعتقدون أنني ظريفة. لم تكن هناك إشارة لوجود صديق، وكان لدي حب شباب. كان لدي كل
ما هو خاطئ! كل ما يمكن تخيله من الأقراص المضغوطة، وكنت أرتدي دائماً ملابس
داخلية بيضاء مملة كانت أمي قد أعتطني إياها. وكان لدي القليل من الأصدقاء
الجيدين. اثنتان. لم نكن بذلك القرب كما كنتم أنتم الخمسة في مجموعتكم، ولكننا كنا
جيدات ونخبر بعضنا أي شيء. لقد ساعددني في تخطي تلك السنوات السيئة من
المراهقة".
"هل ما زلت
ترينهم؟".
أومأت. "نعم ما زلنا
صديقات جيدات. لقد تزوجتا كليهما، ولديهما أطفالاً، لذلك لا نتقابل كثيراً، ولكننا
نذهب للعشاء كل فترة، ونبقى نتحدث بلا توقف لثلاث ساعات. نخبر بعضنا كل شيء".
جاء النادل وبيديه كعكة
الليمون وإسبريسو. بدأت سارة تلتهم الكعكة. إن كعكة الليمون كان الخيار الصحيح.
كان تسوكورو يحرك نظره بينه وبين سارة بينما تأكل، وينظر إلى البخار الصاعد من
الإسبريسو.
"هل لديك أصدقاء
الآن؟". سألت سارة.
"لا أحد أستطيع أن أسميه
صديقاً".
أصدقاؤه الأربعة في أيام
ناغويا فقط من يسميهم أصدقاء. وبعد ذلك، بعض وقت قليل، كان هايدا مقرباً منه بعض
الشيء. ولكن لا أحد غيره.
"هل تشعر بالوحدة دون
أصدقاء؟".
"لا أعلم"، قال
تسوكورو. "حتى لو كان لدي بعض الأصدقاء لا أعتقد أنه بإمكاني أن أفتح قلبي
إليهم وأشاركم أسراري".
ضحكت سارة. "النساء يجدن
ذلك ضرورياً. فمشاركة الأسرار هي الوظيفة الوحيدة للصديق".
"بالطبع".
"هل ترغب بقطعة من هذه
الكعكة؟ إنها لذيذة".
"لا، أكمليها".
أكلت سارة بحذر آخر قطعة من
الكعكة، ثم وضعت الشوكة جانباً، ربتت على شفتيها بمنديلها، وبدت ضائعة في التفكير.
وأخيراً رفعت رأسها ونظرت باتجاه الطاولة، مباشرة إلى تسوكورو.
"بعد ذلك هل يمكننا
الذهاب إلى شقتك؟".
"بالطبع"، قال
تسوكورو. أشار إلى النادل أن يحضر الحساب.
"فريق كرة اليد؟".
سأل تسوكورو.
"لا تسأل". قالت
سارة.
تعانقا في شقته. كان تسوكورو
سعيداً لأنه سيمارس معها الحب مرة أخرى، ولأنها أعطته فرصة ليفعل ذلك. تعانقا على
الكنبة ثم ذهبا إلى السرير. كانت ترتدي أسفل فستانها الأخضر الذي بلون النعناع
ملابس داخلية ضيقة سوداء بمشد.
"هل أمك اشترت لك هذا
أيضاً؟". سأل تسوكورو.
"غبي"، ضحكت سارة.
"لقد اشتريتها بنفسي. كما سألت".
"لا أرى أي حب
للشباب".
"ماذا تتوقع؟".
تقدمت إليه وأمسكت بعضوه.
ولكن بعد وقت قليل عندما كانت تدخله بها صار ليناً. إنها المرة الأولى في حياته
التي يحصل بها ذلك، وجعله هذا مرتبكاً ومحتاراً. أصبح كل شيء حوله صامتاً. صمت
كامل في أذنيه، فقط دقات قلبه التي تُسمع.
"لا تدع ذلك
يزعجك". قالت سارة وهي تداعب ظهره. "ابق ممسكاً بي فحسب. وهذا يكفي. لا
تهتم بأي شيء".
"لا أفهم"، قال
تسوكورو. "كل ما كنت أفكر به هذه الأيام هو ممارسة الحب معك".
"ربما انتظرتَ ذلك
كثيراً. على الرغم من ذلك، أنا سعيدة لأنك كنت تفكر بي هكذا".
تمددا على السرير عاريين
يداعبا بعضهما البعض على مهل، ولكن لا يزال تسوكورو غير قادر على الانتصاب بشكل
جيد. وأخيراً حان الوقت لتعود إلى بيتها. ارتديا ملابسهما بصمت ورافقها تسوكورو
إلى المحطة. وبينما هما يغادران بعضهما البعض اعتذر لأن تلك الأشياء لم تحصل.
"لا يهم أبداً. حقاً. لا
شيء تقلق بشأنه"، قالت له سارة بلطف. وأمسكت بيده. كانت يدها صغيرة ودافئة.
أحس تسوكورو أنه يريد أن يقول
شيئاً، لكن لا شيء قد خرج من لسانه، أكمل الإحساس بيديها فحسب.
"أشعر أن ما زال هناك ما
يضايقك". قالت سارة. "العودة إلى ناغويا، ورؤية أصدقائك القدامى لأول
مرة منذ سنين، التحدث معهم، معرفة كل شيء في آن واحد؛ هذا كله من شأنه أن يهزك
أكثر مما تتخيل".
لقد ارتبك بذلك القدر في
الواقع. الباب الذي قد أغلق لفترة طويلة قد فتح فجأة والحقيقة التي أعرض عنها حتى
الآن، الحقيقة غير المتوقعة قد أتت مندفعة إلى الداخل. وتلك الحقائق ما زالت تختلط
في عقله ولا تهدأ.
"ما زال هناك شيء ما
عالق داخلك"، قالت سارة. "شيء لا تستطيع قبوله. والتدفق الطبيعي لعواطفك
الذي يجب أن تمتلكه مسدود. لقد وصلني إحساسك".
فكر تسوكورو بما قالته.
"لم توضح كل أسئلتي في هذه الرحلة إلى ناغويا. هل هذا ما تعنينه؟".
"نعم، يشبه ذلك. أنا فقط
أقول". قالت سارة. انقلبت تعابير وجهها إلى الجدية، ثم أضافت، "لقد
توضحت تلك الأشياء المحددة لك الآن، قد تكون لها تأثير معاكس؛ جعل القطع المفقودة
مهمة أكثر".
تنهد تسوكورو. "أتساءل
إن كنت قد تطفلت وكشفت الغطاء الذي لا يجب أن ألمسه".
"ربما قد فعلت ذلك مؤقتاً".
قالت. "ربما لديك بعض الهزائم لفترة. ولكن على الأقل لقد اقتربت من حلها.
هذا هو المهم. تابع أكثروأنا متـأكدة من أنك ستكتشف القطع الصحيحة التي تملأ
الفجوات".
"ولكن ربما يأخذ هذا
وقتاً".
أمسكت سارة يده وشدت عليها،
قبضتها صارت قوية فجأة.
"لا داعي لتسرع. خذ وقتك
فحسب. ما أريد أن أعرفه أكثر من ذلك هو هل تأمل أن تبقي علاقتك معي على مدى طويل؟".
"بالطبع أريد، أريد أن
أبقى معك لوقت طويل".
"حقاً؟".
"هذا صحيح". قال
تسوكورو بصرامة.
"إذاً ليست لدي مشكلة.
مازال لدينا الوقت، وسأنتظر. في الوقت الحالي لدي أشياء كثيرة أريد أن أهتم
بها".
"تهتمين بها؟".
لم تجب سارة، وبدلاً من ذلك
ابتسمت له ابتسامة خفية.
"عندما تجد وقتاً أريدك
أن تذهب إلى فنلندا لترى كورو". قالت. "وأخبرها تماماً عما في قلبك. أنا
واثقة جداً أنها ستخبرك شيئاً مهماً. شيئاً مهماً جداً. لدي إحساس داخلي
بذلك".
بينما يعود وحيداً من المحطة
إلى الشقة، أمسك على أفكار عشوائية. انتابه إحساس غريب، كأن الوقت في مرحلة معينة قد
تفرع إلى فرعين. فكر في شيرو، في هايدا، وفي سارة. جرى الماضي والحاضر، الذاكرة
والعواطف كلها متوازية، وجنباً إلى جنب.
فكر، ربما هناك شيء بي شخصياً
حقاً، شيئاً عميقاً، ملتو ومشوه. ربما شيرو كانت على حق، أن في داخلي شيئاً
منزوعاً ومفصولاً. كالجانب البعيد للقمر المغطى في الظلام للأبد. ربما دون أن
يدرك ذلك، اغتصب شيرو حقاً ومزق قلبها إرباً، في مكان آخر وفي زمان آخر.
بقسوة ووحشية. وربما سيتجاوز ذلك الظلام، الجانب المخفي، في يوم ما الجانب الخارجي
ويتلفه تماماً. عبر تسوكورو الشارع باتجاه الضوء، ضغط سائق سيارة الأجرة على
المكابح بسرعة، وصرخ بكلام قذر.
في شقته، ارتدى ملابس النوم
وذهب إلى السرير قبل منتصف الليل. وحينها كأنه أخيراً تذكر، انتصب. كان انتصاباً
بطولياً مثالياً وصلباً. قاسياً جداً حتى أنه لم يصدقه. تحسرعميقاً في الظلام على
سخرية ذلك. نهض من السرير، أشعل الضوء، أخذ زجاجة كوتي سارك من الرف وصب القليل في
كأس صغيرة. فتح كتاباً، وبدأت بعد الواحدة بعد منتصف الليل تمطر فجأة، ثم هبت زوبعة
رملية. كانت عاصفة تقريباً، وكانت قطرات المطر تضرب النافذة بخط مائل.
فكر تسوكوو فجأة، ربما اغتصبتُ
شيرو في هذا السرير، خدرتها، وأوقفت حركتها، ومزقت ثيابها، وأجبرتها على ذلك. كانت
عذراء. لقد أحست بألم شديد، ونزفت. وبهذا كل شيء قد تغير. قبل ست عشرة سنة.
بينما يستمع إلى المطر الذي
يضرب النافذة، وإلى تلك الأفكار التي تدور في رأسه، بدأت الغرفة تظهر كأنها فضاء غريب.
كأن الغرفة نفسها وضّحت وصيتها. البقاء هنا ثابتاً يستنزف أي قدرة على التمييز بين
الحقيقي وغير الحقيقي. على مستوى واحد من الحقيقة لم يلمس حتى يد شيرو، وعلى المستوى
الآخر اغتصبها بوحشية. إلى أي حقيقة قد سار الآن؟ كلما فكر بهذا أكثر قل تركيزه.
كانت الثانية والنصف عندما
استغرق في النوم أخيراً.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)

