ذهب تسوكورو في العطلة إلى
المسبح في الصالة الرياضية، التي تبعد مسافة عشرة دقائق على الدراجة عن شقته. يسبح
دائماً سباحة سريعة ضمن سرعة محددة ليتم 1500 متراً في اثنين وثلاثين دقيقة أو
ثلاث وثلاثين دقيقة. يسمح للسباحين السريعين أن يتجاوزوه. محاولة منافسة الآخرين
لم تكن من طبيعته. وكالعادة وجد في ذلك اليوم سباحاً سرعته تقاربه وانضم إلى نفس
الخط. كان الرجل الآخر صغيراً وطويلاً وهزيلاً ويرتدي ملابس سباحة سوداء منافسة،
قبعة سوداء ونظارات السباحة.
تخفف السباحة من تعب تسوكورو
المتراكم، وترخي عضلاته المشدودة. وجوده في الماء يهدئه أكثر من أي مكان آخر. تجعله
السباحة لنصف ساعة مرتين في الأسبوع يحقق توازناً هادئاً بين عقله وجسده. وإنه يجد
الماء مكاناً عظيماً للتفكير أيضاً، واكتشف أنه نوعاً من التفكر بطريقة (زن). تأتيه
الأفكار بلا انقطاع حالما دخل في إيقاع السباحة، ككلب طليق في الحقل.
"السباحة رائعة،
كالطيران في الهواء، على الأغلب". وضح تسوكورو ذلك لسارة في وقت ما.
"هل سبق أن حلقت في
الهواء؟". سألت.
"ليس بعد". قال
تسوكورو.
بينما كان يسبح في ذلك الصباح
أتته أفكار بسارة. تخيل وجهها، جسدها، وكيف فشل في السرير. وتذكر أشياء عديدة
قالتها. شيئاً ما عالقاً داخلك، والتدفق الطبيعي لعواطفك الذي يجب أن تمتلكه مسدود،
قالت له.
ربما هي على حق، فكّر.
تسير حياة تسوكورو تازاكي في
الخارج بشكل جيد على الأقل، بلا مشاكل محددة يمكن الحديث عنها. فلقد تخرج من مدرسة
هندسية معروفة، وجد وظيفة في شركة لسكك الحديد، محترف في العمل الكتابي. سمعته في
الشركة مسموعة، ويثق مديره به، وليس لديه مخاوف مالية. عندما توفي والده ورث
مقداراً كبيراً من المال بالإضافة إلى غرفة مشتركة في موقع مناسب قرب مركز طوكيو.
ليس عليه ديون. يشرب قليلاً جداً ولا يدخن، وليست لديه هوايات مكلفة. ينفق القليل
من المال. لا يحاول أن يقتصد أو يعيش حياة متشقشفة ولكنه فقط لا يفكر في طرق لصرف
المال. ليست لديه حاجة إلى السيارة، يهتم بخزانة ثيابه المحدودة. يشتري الكتب
والأسطوانات من حين لآخر لكن ذلك لا يساوي الكثير. يفضل أن يصنع طعامه على أن
يتناوله في الخارج، حتى إنه يغسل ملاءاته ويكويها.
في العموم هو شخص هادئ وليس
جيداً في النواحي الاجتماعية. ولا يعني هذا أنه يعيش حياة منعزلة. يتواصل مع
الآخرين بشكل جيد. لا يخرج ليبحث عن النساء بنفسه، لكنه لا يفتقد إلى صديقات. هو
أعزب، مظهره ليس سيئاً جداً، متحفظ، أنيق، تميل النساء إلى الاقتراب منه. وفي
أحيان أخرى يقدمه المعارف للنساء (وبتلك الطريقة تعرّف على سارة).
كان يظهر وهو في سن الست
والثلاثين على أنه يستمتع بحياة جامعية مريحة بكل الطرق. كانت صحته جيدة، يحافظ
على وزنه، ولم يمرض أبداً. معظم الناس يرون حياته تمضي بلين، بلا إخفاقات كبيرة.
كانت أمه وأختاه على وجه التحديد يرونه كذلك. "تستمتع جداً لأنك أعزب، لهذا
السبب لا تشعر بأنك تريد أن تتزوج"، أخبرن تسوكورو. وتوقفن أخيراً عن محاولة
وضع شريكات محتملات للزواج له. ويبدو أن زملاءه في العمل انتهوا إلى تلك الخاتمة
أيضاً.
لم يفتقد تسوكورو إلى أي شيء
في حياته، أو أراد شيئاً وعانى لأنه غير قادر على كسبه. ولذلك لم يختبر شعور الفرحة
في الحاجة الملحة لشيء والمحاربة للحصول عليه. ربما كان أصدقاؤه الأربعة من
المرحلة الثانوية أغلى شيء قد حصل عليه في حياته. تلك العلاقة لم تكن شيئاً اختاره
بنفسه، بل شيئاً أتى إليه بشكل طبيعي، كنعمة الله. وفي الماضي ومرة أخرى دون
اختياره خسرها كلها، أو إلى حد ما تجرد منها.
سارة الآن واحدة من الأشياء القليلة التي يرغب
بها. لم يكن واثقاً مئة بالمئة من ذلك ولكنه منجذباً إليها بقوة. وكل مرة يراها
تنمو تلك الرغبة. وهو جاهز ليضحي من أجل أن يحصل عليها. لم يكن أمراً عادياً أن
يكون لديه إحساس قوي وصاف هكذا. ومع هذا لم يكن يعرف لماذا عندما حاول أن يمارس
الحب معها لم يستطع. شيئاً ما أعاق تلك الرغبة. خذ وقتك. أستطيع الانتظار، قالت
سارة. ولكن لم تكن الأمور بتلك البساطة. الناس في حركة مستمرة، وليسوا ثابتين. لا
أحد يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.
تلك هي الأفكار التي شغلت
تفكيره وهو يسبح في المسبح ذو الخمسة وثلاثين متراً. ليحافظ على سرعة ثابتة دون أن
ينفذ الأوكسجين، كان يدير رأسه قليلاً إلى جانب ويأخذ نفساً ثم يطلقه في الماء
ببطء. كلما سبح مدة أطول أصبحت تلك العملية تلقائية أكثر. كانت الحركات التي
يحتاجها لكل مرحلة هي نفسها كل مرة. استسلم للإيقاع وأخذ يعد فقط عدد الجولات.
لاحظ فجأة أنه ميّز باطن قدمي
السباح الذي يشاركه نفس المسار. كان يشبه باطن قدمي هايدا تماماً. ابتلع ماء، تعطل
إيقاعه، ودخل الماء عبر أنفه. دق قلبه بقوة داخل قفصه الصدري، وأخذ تنفسه وقتاً
ليستقر.
فكر تسوكورو، لا بد أنهما لهايدا.
الحجم والشكل هما نفسهما بالضبط. حركة القدمين الواثقة كانت متشابهة حتى الفقاعات
التي تنبعث من السباح تحت الماء، صغيرة، لطيفة، ومطمئنة مثل حركة قدميه، مثله
تماماً. بالعودة إلى الماضي عندما كان وهايدا يسبحان معاً في مسبح الكلية كان يبقي
عينيه مثبتتين على باطن قدمي هايدا، مثلما يفعل سائق في الليل، لا يزيح نظره عن
الضوء الخلفي للسيارة أمامه. تلك الأقدام قد طبعت في ذاكرته.
توقف تسوكورو عن السباحة، خرج
من المسبح، وجلس على رصيف البداية منتظراً السباح أن يستدير ويعود.
لكنه لم يكن هايدا. القبعة
والنظارات أخفت ملامح وجهه، والآن أدرك أن الرجل طويل جداً، وكتفيه مبنيتان
بالعضلات، وعنقه مختلفة تماماً. كان شاباً صغيراً جداً، من المحتمل أنه ما يزال
طالباً جامعياً. بينما هايدا الآن في منتصف الثلاثينيات.
مع أنه عرف أنه شخص آخر لم
يهدأ قلبه. جلس على كرسي بلاستيكي بجانب المسبح يراقب الشاب وهو يسبح. مظهره العام
يشبه هايدا أيضاً، نفسه تقريباً. بلا رش للمياه وبلا صوت. يرتفع مرفقاه في الهواء
بصورة جميلة وبلطف، وتدخل يداه إلى الماء مجدداً بهدوء، إصبعا الإبهام أولاً. لطيف،
دون تكلف. يبدو أن المحافظة على الهدوء الملزم العنصر الأبرز لأسلوبه في السباحة.
رغم هذا التشابه الكبير في أسلوبه في السباحة مع هايدا إلا أنه ليس هايدا. توقف
الشاب أخيراً، خرج من المسبح، خلع نظاراته وقبعته السوداء، وجفف شعره القصير بقوة
بالمنشفة، وسار مبعتداً. كان وجهه بارز العظام، ليس كهايدا أبداً.
قرر تسوكورو أن ينهي اليوم،
ذهب إلى غرفة الملابس، ثم أخذ دشاً. عاد بدراجته إلى شقته، وتناول فطوراً بسيطاً.
وبينما يأكل أتته فكرة مفاجئة. هايدا أيضاً واحد من الأشياء التي تحبسني في الداخل.
كان يستطيع أن يجهز نفسه في
الوقت الذي يحتاجه، للسفر إلى فنلندا دون مشاكل. وقت إجازته غير الاعتيادي قد تكدس
كالماء المتجمد تحت المزراب. كل ما قاله مديره: "فنلندا؟". ونظر إليه
نظرة شك. وضح تسوكورو أن صديقته من أيام الثانوية تعيش هناك ويريد أن يذهب
لزيارتها. لقد تخيل أنه لن يكون لديه فرص كثيرة للذهاب إلى فنلندا في المستقبل.
"ماذا يوجد في
فنلندا؟". سأل المدير.
"سيبليس، أفلام أكي
كوريسماكي، ماريميكو، نوكيا، موومن". عدّد تسوكورو كل ما يخطر بباله من
الأسماء المشهورة في فنلندا.
هز مديره رأسه، غير مكترث بأي
منها بصورة واضحة.
اتصل تسوكورو بسارة وحدد موعد
السفر، حدد مسار الرحلة ليستطيع الذهاب مباشرة من ناريتا إلى هيلسينكي بلا توقف ثم
العودة إلى طوكيو.
"هل تريد أن تتواصل مع
كورو قبل أن تذهب؟". سألت سارة.
"لا، سأفعل مثلما فعلت
عندما ذهبت إلى ناغويا، لن أخبرها أنني قادم".
"فنلندا أبعد بكثير من
ناغويا. تأخذ الرحلة ذهاباً وإياباً وقتاً كثيراً. قد تصل إلى هناك وتجد أنها
غادرت قبل ثلاثة أيام لتقضي العطلة الصيفية في ماجوركا".
"إذا حصل أمر كهذا
سأتعايش مع ذلك. سأقوم بجولة سياحية في فنلندا ثم أعود".
" حسناً، إن كان هذا ما
تريده ". قالت سارت. "ولكن بما أنك ستقطع كل تلك المسافة، هل تود أن ترى
وأنت هناك بعض الأماكن؟ تاللن وسينت بيترسبيرغ في الأنحاء".
"فنلندا تكفي"، قال
تسوكورو. "سأسافر من طوكيو إلى هلنسكي أقضي أربع ليالٍ هناك ثم أعود".
"أفترض أن لديك جواز
سفر؟".
"عندما بدأت عملي في
الشركة أخبرونا أنه يجب أن نجدده لنستطيع الذهاب إلى رحلات عمل خارجية إذا أتت
الفرصة. لكن لم تأت الفرصة لأستخدمه".
"تستطيع في هيلنسكا أن
تستخدم اللغة الإنجليزية، لكني لست واثقة أنك تستطيع ذلك إذا توقفت في الريف. لدى
شركتنا مكتب صغير في هيلينسكا. مثل فرع تابع. سأتواصل معهم وسأخبرهم أنك آت، فإذا
حدثت معك مشكلة تزوره. تعمل هناك فتاة فنلندية اسمها أولجا وأنا واثقة أنها
ستساعدك".
"أقدر لك ذلك".
"يجب أن أذهب إلى لندن
بعد غد في عمل. حالما أنهي حجز الرحلة والفندق سأرسل لك ذلك عبر الإيميل، عنوان
مكتبنا في هيلسينكي ورقم الهاتف أيضاً".
"يبدو هذا جيداً".
"هل تريد حقاً أن
تقطع كل تلك المسافة إلى هيلنسكي لتراها دون أن تتصل بها أولاً؟ كل تلك المسافة بجانب
القطب الشمالي؟".
"هل هذا غريب
جدا؟".
ضحكت. "جريء هي
الكلمة التي سأستخدمها في هذه الحالة".
"أشعر بأن الأشياء ستسير
أفضل بهذه الطريقة. حدس فقط بالطبع".
"أتمنى لك
التوفيق"، قالت سارة. "هل أستطيع أن أراك مرة قبل أن تذهب؟ سأعود من
لندن في بداية الأسبوع القادم".
"بالطبع أرغب في
رؤيتك"، قال تسوكورو. "ولكن أحس أنه سيكون من الأفضل أن أذهب إلى فنلندا
أولاً".
"هل هو الحدس أيضاً الذي
أخبرك بهذا؟".
"أعتقد ذلك. شيء يشبه
الحدس".
""هل تعتمد على
الحدس كثيراً؟".
"لا. فأنا بالكاد أفعل
شيئاً بناء عليه حتى الآن. كما أنك لا تبنين محطة سكك حديد على الحدبة. أعني أنني
لا أعلم إن كانت حدس هي الكلمة الصحيحة. إنه شيء أشعر به فجأة".
"على أية حال، أنت تشعر
أن الوقت الذي عليك أن تسافر فيه هو الآن صحيح؟ سواء كان حدساً أم لا؟".
"بينما كنت أسبح في
المسبح في ذلك اليوم، كنت أفكر بكل الأشياء. بك، بهيلسينكي. لا أعرف كيف أوضح ذلك،
قد يكون مثل السباحة عكس التيار، لقد عدت إلى إحساسي الباطني".
"بينما كنت تسبح؟".
"أستطيع أن أفكر جيداً
وأنا أسبح".
توقفت سارة عن الكلام لبعض
الوقت، كأنها تأثرت بما قال. "مثل السالمون".
"لا أعرف الكثير عن
السالمون".
"تسبح أسماك السالمون
لمسافة بعيدة، مدفوعة بشيء". قالت سارة. "هل شاهدت من قبل حرب النجوم؟".
"عندما كنت
صغيراً".
"فلتكن القوة معك".
قالت سارة. "لئلا تخسر مع السلمون".
"شكراً. سأتصل بك حال
عدت من هيلسينكي".
"سأنتظر".
أنهت الاتصال.
__
لكن تغير الأمر، فقبل أن
يستقل الطائرة للذهاب إلى هيلسينكي بأيام قليلة رأى تسوكورو سارة مرة أخرى
بالصدفة. لم تعلم سارة ما حصل.
كان ذاهباً في ذلك المساء إلى
أوياما ليشتري بعض الهدايا لكورو؛ بعض الإكسسوارات، وبعض الكتب لأطفالها. كان
متجراً جيداً يوجد به مثل هذه الهدايا في الشارع الخلفي خلف جادة أوياما. وبعد
ساعة أو أكثر من التسوق شعر أنه يحتاج إلى استراحة فذهب إلى مقهى. جلس بجانب نافذة
ذات زجاج سميك، مطلة على أوموتيساندو، طلب قهوة وشطيرة تونا، ثم رجع إلى مقعده
ينظر إلى ما في الخارج، إلى الشارع المغمور بالشفق. معظم من كان يسير كانوا
أزواجاً، كانوا يبدون سعيدين جداً كأنهم في طريقهم إلى مكان ما مميز، حيث ينتظرهم
شيء ممتع. وبينما يراقب ذلك ازداد عقل تسوكورو ثباتاً وهدوءاً. إحساس هادئ كشجرة
متجمدة في ليلة شتائية هادئة. لكن اختلط معه ألم بسيط. كبر تسوكورو مع السنين، وهو
معتاد على تلك الصورة العقلية كثيراً حتى إنها لم تعد تجلب له أي ألم.
ومع ذلك لم يكن يستطيع أن
يتوقف عن تخيل كم سيكون جميلاً لو كانت سارة معه. لم يكن هناك شيء ليفعله حيال
ذلك، خاصة أنه هو الذي رفضها. هذا ما أراده. لقد جمد فروعه العارية في ذلك المساء
الصيفي المنعش.
هل هذا هو ما كان يجب فعله؟
لم يكن تسوكورو واثقاً أبداً.
هل يثق بحدسه حقاً؟ قد لا يكون ذلك حدس، أو أي شيء يشبهه، ولكن فكرة عابرة
لا أساس لها. فلتكن القوة معك، قالت سارة.
فكر تسوكورو لبعض الوقت في
السلمون وبرحلته الطويلة في البحار المظلمة تتبع الغريزة أو الحدس.
بعدها مرت سارة أمامه. كانت
ترتدي ذات الفستان الأخضر بلون النعناع ذو الأكمام القصيرة الذي كانت ترتديه ذلك
اليوم، مع الحذاء البني الفاتح، وكانت تسير في منحدر لطيف من جادة أوياما باتجاه
جينجومي. التقط تسوكورو أنفاسه، وكشر رغماً عنه. لم يستطع أن يصدق أن ما رآه
حقيقي. بدت لبضع ثوان أنها وهم محكم تولد من عقله المنفرد. لكن ليس هناك شك بذلك،
إنها الحقيقة، سارة حية. استقام على قدميه تلقائياً ودق على الطاولة بشكل خفيف.
اندلقت القهوة في الصحن. ثم عاد وجلس.
وقف بجانب سارة رجل في منتصف
العمر، رجل بنيته قوية بطول متوسط، يرتدي معطفاً أسود، قميصاً أزرق، وربطة عنق
زرقاء بحرية منقطة نقطاً صغيرة. شعر منظم بعناية، بلمسة رمادية، يبدو أنه في
بدايات الخمسينات. ملامح جميلة، بغض النظر عن الذقن الحادة بعض الشيء. كانت تظهر
تعابير وجهه هدوءاً، ثقة متواضعة، من تلك التي لدى الرجال الذين تنعكس عليهم
أعمارهم. كان يسير مع سارة في الشارع بسعادة، أيديهما متشابكة. فتح تسوكورو فمه
مندهشاً كشخص فقد الكلمات التي قد رتبها للتو، من النافذة الكبيرة كان ينظر
إليهما. سارا ببطء من أمامه لكن سارة لم تنظر في اتجاهه. كانت سارة مستغرقة تماماً
في الحديث مع الرجل، ولم تنتبه إلى من يحيطها من الناس. قال الرجل شيئاً ففتحت
فمها وضحكت. ظهرت أسنانها البيضاء بوضوح.
التهم حشد المساء سارة
والرجل. وبقي تسوكورو ينظر في الاتجاه الذي اختفيا فيه، مقيد بأمل ضعيف أنّ سارة
سترجع، أن تلاحظ أنه هناك وترجع لتوضح الأمر. لكنها لم تأتِ. مر أناس آخرون بوجوه
مختلفة وهيئات مختلفة واحداً تلو الآخر.
غير مقعده وبلع بعض الثلج. كل
ما بقي الآن هو حزن هادئ. شعر بألم مفاجئ في الجهة اليسرى من صدره كأنه قد طعن
بسكين، شعر بدم حار قد تفجر. على الأغلب كان دماً. لم يشعر بمثل هذا الألم منذ وقت
طويل، بعد صيف سنته الثانية في الكلية عندما تخلى عنه أصدقاؤه الأربعة. أغلق عينيه
كأنه يسبح في الماء، ينجرف إلى عالم الألم. لكن مع هذا كانت قدرته على الشعور
بالألم ما تزال جيدة. عندما لم تعد تستطيع أن تشعر بالألم فأنت واقع في مشكلة
حقاً.
اختلطت كل الأصوات معاً في
أعماق سمعه بحدة وبسكون فظيع، ذلك النوع من الأصوات الذي تدركه في الصمت العميق
المحتمل. ليس شيئاً يمكن أن تسمعه من لا شيء، لكنه صمت يتولد من أعضائك الداخلية.
الجميع لديه صوت مميز يعيشون معه، لذا نادراً ما يملكون الفرصة أن يسمعوه حقاً.
عندما فتح عينيه مرة أخرى،
أصبح العالم كأنه قد تحول. الطاولة البلاستيكية، فنجان القهوة الأبيض الواضح، نصف
الشطيرة، ساعة (هوير) الأوتوماتيكية في معصمه الأيسر(التذكار من أبيه)، صحيفة
المساء التي كان يقرؤها، سطر الأشجار في الشارع، نافذة العرض للمتجر في الطريق، كل
ذلك قد صار ساطعاً مع حلول المساء، بدا كل شيء حوله مشوهاً. الحدود غير محددة،
الإحساس بالعمق مفقود، المقياس خاطئ تماماً. تنفس بعمق، مرة بعد مرة، إلى أن بدأ
يهدأ أخيراً.
لم ينجم الألم الذي في قلبه
عن الغيرة. كان تسوكورو يعرف إحساس الغيرة. لقد أحس به مرة بشكل كبير، في ذلك
الحلم، وبقي لديه حتى الآن. كان يعرف كيف يتغير الإحساس إلى إحساس بالاختناق
وفقدان الأمل. لكن الألم الذي أحس به الآن مختلف. كل ما أحس به هو الحزن، كأن
أحداً قد تخلى عنه في حفرة عميقة مظلمة. كل ذلك كان حزناً. ذلك الإحساس يصاحبه ألم
جسدي بسيط. في الحقيقة لقد وجد ذلك مريحاً.
الذي آلمه أكثر لم تكن حقيقة
أن سارة تسير شابكة يدها بيد رجل آخر، أو احتمال أنها قد تنام مع الرجل. بالطبع
يؤلمه أن يتخيلها عارية ومع رجل آخر في السرير. يحتاج إلى جهد كبير لمسح تلك
الصورة الذهنية من عقله. لكن عمر سارة ثمان وثلاثين سنة، مستقلة، عزباء، ومتحررة. ولديها
حياتها الخاصة، مثلما لدى تسوكورو حياته الخاصة. إن لها الحق في أن تكون مع من
تحبه، أينما شاءت، وتفعل ما تشاء.
ما صدمه حقاً كم بدت سعيدة.
عندما كانت تتحدث مع ذلك الرجل كان وجهها يضيء بالكامل. لم تظهر تعبيراً غير متكلف
عندما كانت مع تسوكورو، ولا مرة. كانت تحافظ على مظهر هادئ ومحكم معه، هذا ما مزق
قلبه بصورة لا تطاق أكثر من أي شيء آخر.
في شقته، استعد للسفر إلى
فنلندا. البقاء مشغولاً ينزع كل ما في عقله، لم يكن لديه الكثير ليضعه في الحقيبة،
بعض الغيارات لأيام قليلة فقط، كيس من مستحضرات العناية الشخصية، كتابان ليقرؤهما
في الطائرة، ملابس السباحة والنظارات (التي لا يذهب إلى أي مكان دونها)، وشمسية
مطوية. كل ما يمكن حمله بعناية في حقيبة كتف. لم يأخذ كاميرا حتى . ما الجيد في
الصور؟ ما كان يسعى إليه هو شخص حقيقي وكلمات حقيقية.
عندما أنهى ترتيب الملابس،
التقط Years of Pilgrimage لليست لأول مرة منذ سنوات. الثلاثة تسجيلات التي عزفها لازار
بيرمان، ما أبقاها هايدا قبل خمس عشرة سنة. لا يزال يحتفظ بمسجل قديم لهدف واحد هو
سماع هذه الأسطوانة. اختار وضع التشغيل الطويل على الإسطوانة وحدد مكان البدء
والانتهاء وأخفض الإبرة.
"First
Year:Switzelan".
جلس على الكنبة، أغمض عينيه، وركز في الموسيقى. كانت “Le mal du pays" القطعة الرابعة في المجموعة، المعزوفة الأولى في الجهة B. يبدأ عادة بهذه القطعة
ويبقى يسمعها حتى القطعة الموسيقية الرابعة في "Second
Year:Italy"،
“ Sonnet 47 لبيتراتش". في تلك اللحظة، تنتهي جهة B وترتفع الإبرة تلقائياً.
"Le
mal du pays".
الموسيقى الهادئة الكئيبة تأخذ تدريجياً مكاناً في قلبه المغلف بالحزن غير المفسر،
كأنها قطع صغيرة مجهرية من اللقاح قد التصقت بكائن غير مرئي مختفٍ في الهواء، يظهر
في النهاية شكله ببطء وصمت. في هذا الوقت، أخذ الكائن شكل سارة، سارة بفستانها
الأخضر بلون النعنع ذو الأكمام القصيرة.
عاد الألم الذي في قلبه. ليس
ألماً شديداً، لكنه ذكرى لألم شديد.
ماذا كنت تتوقع؟ سأل تسوكورو
نفسه. إناء فارغ في الأساس قد أصبح إناء فارغاً مجدداً. من تستطيع الآن أن تشتكي
إليه من ذلك؟ يأتي الناس إليه، يكتشفون كم هو فارغ، ثم يتركونه. الذي بقي هو
تسوكورو تازاكي الفارغ، وربما أصبح فارغاً أكثر، بقي وحيداً. هل هذا كل شيء؟
إلا أنهم يتركون بعض الأحيان وراءهم
ذكرى صغيرة، مثل هايدا ومجموعة أسطوانات Year of Pilgrimage. ربما لا يكون قد نسيه
ببساطة، بل تركه قصداً في شقة تسوكورو ليصله بهايدا وشيرو. إنه الوريد الذي وصل هؤلاء
الأشخاص الثلاثة المشتتين ببعضهم البعض. وريد هش ورفيع لكنه لا يزال لديه دم أحمر
حي يسير به. جعلت القوة الموسيقية الأشياء الممكنة. ما إن يسمع تلك الموسيقى، خاصة“Le mal
du pays”، تندفع
فيه ذكريات قوية لهما، وفي ذلك الوقت يشعر بأنهما بجانبه تماماً يتنفسان بهدوء.
من ناحية معينة، كلاهما قد
اختفى من حياته. فجأة دون إنذار. لا، إنّ تركهما له أقل من مقاطعته عمداً، هجره. لقد
آلم ذلك تسوكورو كثيراً بالتأكيد، وبقي ذلك الجرح إلى الآن. لكن في النهاية، ألم
يكن كلاهما؛ شيرو وهايدا اللذان قد جُرحا في المعنى الحقيقي للكلمة وتأذيا؟ هذا
المشهد في هذه الأثناء هو المسيطر على دماغه.
فكّر: ربما أنا شخص
فارغ وعديم الفائدة، إنني كذلك تماماً لأنه لا يوجد في داخلي شيء يمكن أن يجدناه،
حتى لو كنت لوقت قصير مكاناً ينتميان إليه. كطائر ليلي يبحث عن مكان آمن في علية
منزل فارغة ليرتاح بها خلال اليوم. الطيور كذلك المكان الفارغ المعتم الصامت. إذا كان
صحيحاً فربما يتوجب عليه أن يكون سعيداً لأنه فارغ.
اختفت النغمة الأخيرة من “Sonnet 47” لبيترارتش في الهواء، وانتهت
الموسيقى، وارتفعت الإبرة تلقائياً، تحركت جانباً، وعادت إلى مسسند الذراع. أخفض الإبرة
إلى بداية جهة B من التشغيل الطويل. تتبعت الإبرة تلقائياً نمط الأسطوانة ومرة
أخرى بدأ لازار بيرمان يعزف بجمال ورقة.
استمع إلى كامل الجهة B مرة أخرى، ثم ارتدى
ملابس النوم، وذهب إلى السرير. أطفأ الضوء بجانب سريره، وأحس مرة أخرى بامتنان أن
الذي سيطر على قلبه هو حزن عميق وليس عبودية الغرور الشديد. التي ستخطف أي أمل في
النوم.
وأخيراً جاء النوم يلفه
بذراعيه. أحس في كثير من اللحظات العابرة برقة مألوفة تتخلل جسده. هذا أيضاً من
الأشياء القليلة التي أمدت تسوكورو بالرضا عن تلك الليلة.
سمع خلال نومه طيوراً تغرد
في الليل. 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق