الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

"إسقاط نجمي" مؤلم-قصة قصيرة

أذكر أن ذلك لم يحصل بإرادتي، وقفتُ في الشارع فجأة، لم أكن أريد أن أستقل سيارة أجرة، كنت أريد أن أكمل السير إلى الجهة الأخرى ولكنني توقفت، لا أعلم لماذا، وصرت أنظر إلى حيّز قدميّ و أفكر في أشياء كثيرة وأشياء جديدة أقوم بها، مثل أن أزرع زهر الفلامنجو في حديقة بيتنا، وأن أعيد علاقتي بجارنا الكبير في السن كما كانت؛ فهو لم يؤذني في كلامه كما كنت أظن، أشياء بسيطة مثل هذه وأشياء أخرى أيضاً، ثم أدركت أنه يجب عليّ أن أعبر إلى الجهة المقابلة، مشيت نصف المسافة، أذكر أن أضواء السيارات كانت تقترب، أضاءت وجهي كله ولكنني لم أستطع إكمال السير حينها لأنني وقعت على الأرض.

أذكر السيارة جيداً قبل أن تمر إطاراتها على وجهي، سوداء وملمّعة بطريقة غريبة وكأن سائقها زائر عابر لحيّنا المليء بالحفر والأتربة والبنايات التي يتم تأسيسها، كان يسير ببطء وحذر، لذلك أقول إنه بدا عليه أنه قاصد دهسي، قبل أن أسقط لمحتُ وجهه من خلال الزجاج المعتم، كل شيء فيه معتم وغامض، سترته، نظاراته، حتى عندما نقلني إلى المستشفى قبل أن يخبرونه بموتي، كان صوته يوحي بعدم اضطرابه، عيناه تلمعان، وجهه واسع، ذقنه صغير وحاد، وأنفه بارز كالمنقار، ربطة عنقه زرقاء ومشدودة جداً على عنقه، شعره غامق، حاجباه كثيفان، ويداه عريضتان. لو أنني استيقظت لقلت لهم إنه خطط لقتلي لولا أنني أنا الذي وقعت أولاً فقد شاهدني صاحب البقالة وأدلى بشهادته أمام الضابط.

 لم أتدحرج مع أنني وقعت على شارع منحدرٍ. كان ذلك مؤلماً للغاية، تكسرت عظام قفصي الصدري على قلبي، تكسرت يداي، امتلأت ثيابي بالبنزين والزيوت والدخان. رأيتُ أفواه الناس المفتوحة، بدا عليهم أنهم يصرخون، وجوههم خائفة، كلهم متجمهرون حول جثتي، والسائق وصاحب البقالة يشرحان لوالديّ ما حدث، يمكن لأي حدث مهما كان صغيراً أن يضطرب الناس لأجله، كيف إذا رأوا جثتي بتلك الظروف الغامضة وبهذا الحادث الغريب! حضرت وجوه لم أرها منذ زمن بعيد، ها هم الآن يرون جثتي بعد زمن طويل، وأنا أراهم في غير مسرّة؛ بجسدي الذي لم يتدحرج أمامهم.

ركب أبي إلى جانبي بسيارة الإسعاف والسائق إلى جانبي الآخر، كان المسعف قد قاس نبضي وتأكد فعلاً من موتي، وكان أبي يبكي وينظر إلى السائق الهادئ ويكذّبه بنظراته التي أعرفها جيداً، لم أكن أعرف أنني سأبصر بتلك القوة بعد موتي، إلى الآن أنا خائف وغير واثق من ملامح السائق، وهو يكرّر قوله لأبي: "صدقني لم أره، لم أقصد ذلك!".

أنا أحاول تصديقه، وأريد أن أستيقظ من موتي وأخبر أبي أنه بريء، ولكنني مثل أبي ومثل أمي ومثل كل من تجمع حولي عندما أرى وجهه وعيناه لا أستطيع ذلك، ربما سأصدّقه إذا شهد صاحب البقالة أمامنا على براءته.

لكن أقول لكم هو ليس بريئاً بشكل قطعيّ، لأن ذاكرتي ما زالت قوية، كانت حركة سيارته بطيئة، كان يستطيع أن يراني لكن لا أعلم لمَ أكمل السير وكأنه لا يراني.

كان وجه أمي حزيناً أيضاً عندما تبعتنا إلى المستشفى، فيه كثير من الحسرة، كنت أريد أن أمسك يدها، وأخبرها أن الجميع حولي لهم نفس وجهها، وأن وجهي هو المميز بينهم، وجهي وجسدي أيضاً، حتى صمتي لا يشبه صمتهم، أود أن أبوح لهم بكل شيء، أتساءل، أصف لهم وجوههم الآن، قتامة المكان الذي فيه جسدي، القماش القميء الذي يغطونه به، صمتهم مرة أخرى، الحب الذي أراه في عيونهم، وجه السائق الغريب، بقع الدم الكثيرة التي ترسم على قميصي بِطريقاً وبحراً وأحياناً أراها على شكل امرأة ترتدي تنورة قصيرة ولها شعر طويل، كنت أرى نظراتهم حولي، يبدو أنني قد أثرت فضول الطبيب الشرعي و ضابط الشرطة، أو أنهما أيضاً لا يصدقان السائق.

كنت في الأيام الماضية أفكر بالانتحار كثيراً لا أخفي ذلك، لا لشيء ولكن لأنني فقدت ذلك الشيء الذي يسمونه شغفاً والذي يمكن أن يقودني في ممرات الحياة كلّها حتى وأنا مغمض العينين، مع هذه الحروب المنتشرة حولي وأمامي بنفس الوقت، تلك الحالات الإنسانية التي لا يبالي بها أحد وتستنكرها المنظمات الدولية أحياناً، وأستمر في رؤيتها جثثاً أمامي، أوجاعهم، وتلك الهوّات المتتالية في عملي وفي علاقاتي الاجتماعية كلها تدفعني للاستسلام. خسرت أشخاصاً أحبهم، أولئك الذين رأيتهم متجمهرين حولي جاهلين فحوى نظراتي وإيماءات جسدي، خسرتهم لأنني لم أرهم بذلك الوضوح الذي أراهم فيه اليوم بعد وفاتي. عندما توقفت على الرصيف قبل أن أقطع نصف مسافة العبور كنت أفكر أكثر بهذه الأشياء، وعندما رأيتُ وجهي أمامي يحدثهم بكل هذا وبصوتي الذي لم أكن أسمعه جيداً في الأيام الماضية، انطلقت بي طاقة عجيبة هائلة جداً، لم أعرف أنها ستتوقف في نصف الطريق فأهوي على الأرض.

عندما رأيت الطبيب أردتُ أن أخبره الطريقة في الانتحار التي كنت سأختارها ، أذكرها من صديقي الذي كان يدرس -بجانبي في السكن الجامعيّ- مادةً من مقررات كلية التمريض، كان يشرح لي بصوت مرتفع حتى لا ينسى شيئاً ولكنه لم يكن يعلم أنني مستمع جيدٌ وأنني إلى الآن أتذكر كل ما أخبرني به، كان يضع القلم على أذنه اليمنى ويشمّر عن ذراعيه ويحرك يديه الكبيرتين كثيراً أثناء ذلك، ثم يتحسس عنقي، الغرفة ذات إضاءة خافتة قليلاً وكان ذلك ما يؤلم عينيّ قليلاً عندما أذهب لأتفحص دروسي. " تضع إصبعين على الشريان السّباتي في عنقك من الجهتين وتضغط عليه لمدة دقيقتين إلى أربع دقائق وبعدها تذهب بسلام". ضحكتُ كثيراً في تلك الليلة وهو يشرح لي ذلك بنبرة أستاذه الجامعيّ... صنعت له كأساً من البابونج ليسترخي ويجعلني أنام بهدوء، ولم يكن علي بعدها سوى إطفاء النوّاسة والاستغراق في النوم، وبالفعل بعد أربع دقائق بالضبط بدأنا نحلم كلانا بعالم أفضل.   

كانت طريقة مثلى وهادئة لو أردتُ ذلك، لكنني أخاف من الموت ولستُ مهووساً به إلى حد كبير، ولا أملك الشجاعة لأقتل نفسي بأي طريقة حتى لو بأربع دقائق هادئة، أريد أن أخبر الجميع بهذا، بأنني بريء من قتلي، "أنا بريء الآن صدقوني!" ولكن لا يسمعني أحد، إضافة إلى ذلك فقد سمعتُ السائق يخبرهم أنه لم يرني فعلاً، أن جسدي لم يصبح مرئياً إلا بعد أن دهسني بسيارته، أحاول أن أكرر أنني بريء ثم أفكر فيما إذا كان كلامه صحيحاً، لقد كانت مجرد أفكار بالانتحار لا أعلم أنها ستجعلني أنتهي ويختفي بذلك جسدي... لا أصدّقه، إن هذا غير منطقيّ! ولكن وجوههم جميعاً الآن تشكّ بي، أنا الوحيد المتهم هنا، وقد أنكروا وجه السائق ذو الملامح المميزة. "أنا بريء صدقوني...إنني أراه!" أريد أن ألقي اللوم على السائق وحده، وأجعل الجميع يدقق في وجهي جيداً، وأطلب إجابة واضحة من أحد..أي أحد عن الوقت بالضبط الذي متُّ فيه!   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق