الأربعاء، 15 فبراير 2017

هل حقاً نجوت؟






































وصلتُ هذه المرة مبكراً، على غير العادة، أي قبل ساعتين تقريباً. لم يكن ما يحدد وقتي هو ساعة انطلاقي من البيت، بل عدد السيارات التي تتجول في الشوارع. في العادة، حين أصل إلى المستشفى أدخل سريعاً لآخذ رقماً لي، أو كما اعتدنا على تسميته نحن –المرضى- (دَوراً)، يكون رقماً كئيباً لا يفضي إلى شيء ويختلف في كل مرة. هذه الأرقام التي ننساها؛ إذ لا تأخذ منا شعوراً تجاه أي شيء، تُنسى ما إن تنتهِ، ولكنها تكون أجمل من ملامح وجه الطبيب، وهو يصف حالتنا ذاتها، التي لم تتغير منذ سنين.

 كان الجو جميلاً جداً اليوم، حول المكان أشجارٌ كبيرة، والغيوم قد حلّت على السماء، في هذا الشهر الأول من المطر. عندما أرى الأشجار حولي دائماً أؤمن أنهم قصدوا إيواءنا هنا، كي يكبر الأمل فينا أكثر...الأخضر -كما تعلمون- يمدنا بالأمل والطاقة الجيدة. وبالفعل، كانت طاقتي قوية اليوم، سرت باتجاه الكافيتيريا، واشتريت كوباً من القهوة، ثم قررت أن أجلس خارج المستشفى، حيث كانت هناك مقاعد وطاولات كثيرة مهيأة لحشد كبير غير المرضى، المقاعد بيضاء لا تتسخ -ربما- لأنها تابعة للمستشفى، ورائحتها أيضاً نظيفة، ربما يخافون عليها دائماً من أجسادنا أن تنقل إليها خلية سرطانية، هذا ما كنت أقوله في الأيام السابقة، أما اليوم، فلم أفكر بهذا أبداً بل على العكس فقد أعجبتني هذه الرائحة، مع أنها تخللت كل جسدي وليس أنفي فحسب.

وضعتُ الكأس على الطاولة، ولمحتُ يدي، كانت عروقها بارزة وملمسها جافاً، لم أدرِ لمَ تجاهلتها! ربما لأن الجو جميل فعلاً، نظرت إلى السماء وألصقت يديّ المفتوحتين برأسي، هطل عليهما مطر كثير، ثم أنزلتهما، ولم أنتبه إليهما أيضاً. كان الطقس هادئاً، ولم أكن أرغب في أن أتكلم مع أحد، مع أني حين أعود إلى البيت لا أجد أحداً... أبقى طوال اليوم حتى منتصف الليل وحيدة إلى أن يأتي ابني (الأخير)، وحين أراه أقول له: صباح الخير، ثم نتكلم قليلاً عن أي موضوع سهل... أسأله الأسئلة نفسها كل يوم: عن العمل وهل تناول الطعام أم لا، ثم أرجع إلى نومي القصير، فأنا أحب أن أستيقظ في الصباح وأذهب إلى التسوق، أسأل البائع عن ثمن البضائع التي أريد شراءها، وهذا كل ما أقوله يومياً، كلمات قليلة جداً وضرورية، لكنّي اليوم أرغب فعلاً أن أبقى صامتة، حتى لو سألني الطبيب شيئاً سأجيبه بالإيماءات أو بكلمات مقتضبة، سيحسبني كئيبة، وسيتعاطف معي، وسيختصر الكلام ووصف حالتي التي لا أرغب في تذكرها اليوم أيضاً، وسينتهي الأمر.   
    
 جلستْ امرأة كبيرة في السن على الطاولة التي تقابلني، كانت تغطي عنقها بشال أسود، ترتدي تنورةً سوداء وسترةً مرسوماً عليها جلد النمر، لا أعلم لماذا دائماً تجذبني هذه الخطوط! على الأرجح لأنها تدل على الوحشية، ولطالما أحببت أن أرتدي مثلها، فأنا أشعر أن كل من يرتديها يصير مخيفاً وقاسياً، نعم، أحتاج أن أكون قاسية. ربما هذه المرأة هكذا... على الأرجح هي مخيفة، كما تظهر ملامحُ وجهها: حاجباها رفيعان، عيناها ضيقتان حادتان. تخيفني هذه المرأة كثيراً، لكن ليس الآن، فقد أحسست أنها تحتاج إلى مساعدة، لقد أنزلت رأسها، وأغمضت عينيها، وبدأت يداها ترتجفان، نهضتُ سريعاً، أمسكت جسدها، كان ساخناً جداً... حملتُها أتعكز على أبواب المكان، أوصلتها إلى الطبيب، حيث لم تكن تدرك ما تقوله؛ كان كلاماً مبهماً، خرجتُ وأغلقتُ الباب، ثم اخترتُ أن أبقى داخل القسم، فنحن نكون مخيفين في بعض الأحيان، ثم إنني وحيدة... سأجلس هنا، بجانب الكثير، وسأنتظر دوري بهدوء. 

يصبح الوقت طويلاً جداً حين نتمعن الوجوه التي بقربنا، الوجوه التي لا نعرفها ولا تهمّنا، كنتُ أتمنى أن يكون هناك مثل وجه تلك السيدة؛ فالوجوه هنا عادية ومريضة فعلاً، كلها شاحبة بطريقة متشابهة. مضى من الوقت نصف ساعة فقط، فقررت أن أتمشى في الممر الطويل المطفأ والفارغ تقريباً، لأن الوقت ما زال مبكراً.  ونحن نتمشى نتذكر آخر شيء حدث...لقد تذكرت كيف أوقفتْ الشرطيةُ السيرَ الذي كانت فيه حافلتنا، كانت الحافلة تقف في المقدمة، ثم رأينا إشارة من يدها بالتوقف، ثم أدارت ظهرها إلينا، هذه الحركة التي كنت أود كثيراً فعلها في مواقف كثيرة مررت بها، كنت أود أن أوقف بعض الأشخاص من المرور في ممر حياتي بحركة يدها تلك نفسها، ثم أدير لهم ظهري بتلك السهولة وتلك الثقة. لمَ لمْ أفعل ذلك؟!

أدرتُ وجهي إلى القسم الذي كنت أنتظر فيه، فرأيت المرأة تخرج من عند الطبيب شاحبة الوجه مثل كل الوجوه المنتظِرة، صارت تشبههم: وجهها متعرق، ضعيفة جداً كما يجب أن تكون عليه ما دامت تأخذ مكاناً هنا. وقفتُ أمامها بعد أن كانت في الصباح تمدنا بالقوة، والحدة التي تملأ ملامح وجهها، والآن، ماذا عليّ أن أفعل؟ (أنزلتُ) عينيّ في الأرض بضعف بالغ جداً، ثم انضممنا إلى غرفة الانتظار من جديد.

بدأت الأرقام تظهر على الشاشة أمامنا، كان رقمي (9)، رقم سهل للحفظ، بالإضافة إلى أنّ أحداثاً كثيرة أخذت الرقم (9) غير شهر ميلادي؛ فقد سُجن زوجي (9) أيام بتهمة اختلاس الأموال قبل أن يقودوه إلى السجن المركزي، حيث تحمل زنزاته رقم (9)، وتوفيت ابنتي البكر قبل (9) سنوات، وتطلقت ابنتي الأخرى من زوجها بتاريخ 9/9 من هذه السنة، وأستأجرُ شقة في مبنى رقم (9) في الحي، يطالب مالكها أن نتركها بعد (9) أيام بسبب عدم تأميننا النقود، وسيتخرج ابني الأصغر في الكلية العسكرية في التاسع من هذا الشهر...ربما هناك أحداث أخرى لم أتذكرها... آه، كم تدوخنا الأرقام! كم هي بغيضة حين تعني لنا شيئاً! ثم جاءني السؤال الشديد: "هل سأبقى في العراء بعد كل ذلك؟" لكنه انقطع بعد أن رأيت رقمي يظهر على الشاشة، فذهبت لأتم الإجراءات المملة التي نواجهها في أي مستشفى حكوميّ، لنتمكن من رؤية الطبيب.   

وقفتُ بانتظار أن أسمع اسمي، هناك ثلاثة أرقام لم يظهر أصحابها، وفجأة شعرت أن كل من حولي يحدقون بي... لا أعلم لماذا! نظرت إلى شاشة هاتفي، فظهر وجهي في عتمتها... أذكر أنني كنتُ أبتسم في الصباح...يا للعنة الأشياء! أين ذهبتُ بابتسامتي؟! لمَ ذابت عيناي هكذا، بهذه السذاجة؟! نعم إن وجهي يومئ بالضعف أكثر من كل المرضى حولي، حتى شَعري تحوّل إلى خيوط مسكونة بالحُمّى...مستقيمة ومنسابة في اتجاه واحد.

سمعتُ اسمي من الممرضة، كان وجهها مستبشراً كالزهور، واسمي بصوتها كلعنة، كان وجهها يقول لي شيئاً لم أفهمه، فتحتْ لي الباب كالعادة، وقادتني إلى الطبيب على غير العادة، دخلتْ معي عند الطبيب أيضاً، هناك شيء يحدث...وجهه يقول لي أشياء أكثر، نظرت إليهما نظرة تساؤل مريبة، أظنهما قد خافا منها... لكنهما لم يفعلا، وجهاهما يختلفان عن الوجوه في الخارج، الفرح كثير فيهما ويبعث على الأمل. عندما بدأ الطبيب يتحدث أمعنتُ كثيراً في كلامه، حرفاً حرفاً، كنت أخاف أن تفوتني كلمة ما لا أفهمها، ودون أن أدري، تسللتْ ابتسامتهما إلى وجهي، وشعرتُ أنني بانتظار مفاجأة عظيمة، لطالما انتظرتُها،  وقبل أن أسمعها باغتتني الممرضة بالعناق. نعم، لقد أدركتُ ذلك من دموعي الخفيفة التي "غسلت وجهي"، هكذا علّق عليها الطبيب. الدموع الحزينة تشوّه وجوهنا، دائماً أحسها كذلك، والشفاء من مرض سيء مثل هذا أشبه بالخطو نحو الجنة، يشبه كثيراً النجاة من الغرق (في البحر)، وهواء يدخل من النافذة بشراهة إلى غرفة مختنقة جداً. "لقد نجوتِ". قال لي الطبيب.

طال هذا المشهد كثيراً؛ ربما لأنه لم يزرني مثل هذا الفرح منذ زمن بعيد! لا أعلم كيف يشعر الجسد حين يصبح نقياً تماماً. ربما هو الآن يطير (في داخلي).

وقفتُ على قدميّ، واستطعتُ أن أغلق صورة وجهيهما الفرِحين، حين أدرتُ ظهري ومشيتُ، حينها لفحَ وجهي هواءٌ كثيفٌ من النوافذ التي فتحها المرضى في غرفة الانتظار، لم أشأ أن أفزعهم بابتسامتي، لذا بقيت أسير مسرعة. نعم ها هو جسدي يطير فعلاً...

عندما أغلقتُ باب المستشفى خارجةً اتسعت الأرضُ أمامي، وأنا أردد: "لقد نجوت...لقد نجوت..."،  كنتُ كلما خفّ صوتي أنعطفُ إلى الذكريات السيئة التي مازالت تغلّفني، وإلى الوجوه الحزينة التي تنتظرني، وأتساءل: هل حقاً نجوتُ؟!           

(مجلة الدوحة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق