عندما لمحت كورو تسوكورو في
البداية بدت كأنها لم تستوعب الأمر، اختفت تعابير وجهها، وتبدلت بنظرة فارغة، رفعت
نظارتها على رأسها، وحدقت بتسوكورو دون أن تقول كلمة واحدة.
لقد خرجت في نزهة ما بعد
الغداء مع فتاتيها فقط، لتعود وتجد رجلاً؛ رجلاً يابانياً- هكذا يبدو عليه- يقف
بجانب زوجها. وجهٌ لم تدركه.
كانت تمسك بيد طفلتها
الصغيرة، يبدو أنها في الثالثة من عمرها، وتقف بجانبها أختها الكبرى، كانت أكبر
حجماً منها بقليل، وتكبرها بحوالي اثنين إلى ثلاث سنوات، كانت ترتديان فستانين
موردين متماثلين وصنادل بلاستيكية. مازال الباب مفتوحاً، والكلب في الخارج مازال
ينبح بإزعاج. أخرج إدوارد رأسه، وأعطى الكلب توبيخاً سريعاً إلى أن توقف الكلب عن
النباح وتمدد في الرواق. وقفت الفتاتان هناك كأنهما تحدقان بصمت في تسوكورو.
لم يختلف شكل كورو عن آخر مرة
رآها فيها؛ أي بعد ست عشرة سنة. لقد تغير وجهها الناعم الذي كان في سن المراهقة،
وقد امتلأ الآن بملامح جادة ومعبرة. كانت دائماً قوية وثابتة، لكن عيناها
المترددتان الصافيتان أصبحت الآن مبطنتين أكثر؛ لقد رأت تلكما العينان حتماً
الكثير من الأشياء خلال السنوات التي انقضت؛ أشياء قد بقيت في قلبها. شفتاها قد
شدتا، جبهتها وخداها قد اغمق لونهم وبدوا أكثر صحة. لقد أنزلت شعرها الغزير
باستقامة على كتفيها، غرتها معقودة بمشبك، صدرها ممتلئ أكثر من السابق، كانت ترتدي
فستاناً قطنياً عادياً أزرق اللون، وشالاً قد ثُبّت حول كتفيها، وحذاء تنس أبيض.
استدارت كورو إلى زوجها ليقدم
لها توضيحاً، لكن إدوارد لم يقل شيئاً. وبالكاد هز رأسه قليلاً، فعادت لتنظر إلى
تسوكورو، وعضت شفتها عضة خفيفة.
الذي يراه تسوكورو أمامه الآن
جسد صحي لامرأة سارت طريقاً مختلفاً تماماً في الحياة عن الطريق الذي اختاره.
رؤيته لها الآن، الوزن الصحيح للسنوات الست عشرة قد فاجأه. هناك بعض الأشياء -هذا
ما استنتجه- لا يُعبّر عنها إلا بهيئة امرأة.
كان وجه كورو عندما نظرت إليه
متوتراً قليلاً، كانت شفتاها ترتجفان، كأن هناك موجات قد كبرت بينهما، توردت جهة
واحدة من فمها، ظهرت غمازة صغيرة في خدها الأيمن. من الناحية العملية لم تكن غمازة
لكنْ كآبة ضحلة قد ظهرت عندما امتلأ وجهها بالمرارة البهيجة. تذكر تسوكورو هذا
الانفعال جيداً، التعبير الذي ظهر على وجهها قبل أن تنطق بملاحظتها الساخرة، لكنها
الآن لن تقول شيئاً ساخراً، هي فقط تحاول أن ترسم ببساطة فرضية بعيدة بالقرب منه.
"تسوكورو"، قالت.
وأخيراً أعطت للفرضية اسماً.
أومأ تسوكورو.
أول شيء قامت به هو أن سحبت
ابنتها إليها كأنها تحاول حمايتها من بعض التهديد. الفتاة الصغيرة التي ما زال وجهها
يرنو إلى تسوكورو التصقت بساق سارة، وبلطف ربتت على شعرها، كان شعر الفتاة أشقر
داكن، الفتاة الصغرى كان شعرها أسود.
بقي خمستهم على حالهم لفترة
دون أن ينطقوا بكلمة، ربت إدوارد على شعر الفتاة الشقراء، وبقيت ذراع كورو مطوقة
كتف ابنتها ذات الشعر الأسود، بينما بقي تسوكورو وحيداً على الجانب الآخر من
الطاولة، كأنهم جميعاً بهذا الترتيب يقفون من أجل أن يرسموا بلوحة، والجزء الأبرز
في اللوحة هو كورو. هي (وبالأخص جسدها) هو مركز اللوحة المغلقة بذاك الإطار.
كانت كورو أول من تحرك، أفلتت
ابنتها الصغيرة، ثم أزالت النظارات الموضوعة على جبينها، ووضعتها على الطاولة.
أخذت الفنجان الذي استخدمه زوجها، وارتشفت ما بقي من القهوة الباردة، وعبست كأنها
ليست لديها أي فكرة عما شربته للتو.
"هل أصنع بعض
القهوة؟"، سألها زوجها باليابانية.
"أرجوك"، قالت كورو
دون أن تنظر إلى ناحيته، وجلست عند الطاولة.
ذهب إدوارد مرة أخرى إلى آلة
صنع القهوة وشغلها ليسخن القهوة. جلست الفتاتان اللتان تلاحقان خطى والدتهما بجانب
بعضهما على كرسي خشبي بجانب النافذة، ونظرتا إلى تسوكورو.
"هل أنت حقاً
تسوكورو؟"، سألت كورو بصوت منخفض.
"أنا هو بشحمه ولحمه"،
أجابها.
اضيقت عيناها ونظرت إليه
مباشرة.
"تبدين كأنك رأيت
شبحاً"، قال تسوكورو. قال ذلك بقصد المزاح، إلا أنها لم تفهمها كذلك.
"كل من لا يراني منذ زمن
يقول لي ذلك".
"إنك نحيل، لقد...كبرت
كثيراً".
"هذا ربما لأنني كبرت
فعلاً"، قال تسوكورو.
"أعتقد ذلك"، قالت
كورو.
"لكنك لم تتغيري
إطلاقاً".
هزت رأسها قليلاً لكنها لم
تجب.
أحضر زوجها القهوة ووضعها على
الطاولة. فنجان صغير مما صنعته بيدها. وضعت ملعقة سكر وأذابته، وأخذت بحذر رشفة من
القهوة الساخنة.
"سأصطحب الفتاتين إلى
المدينة"، قال إدوارد بابتهاج".
"نحتاج أغراضاً من
البقالة ويجب أن أملأ السيارة بالوقود".
نظرت كورو إليه وأومأت.
"حسناً، شكراً"، قالت.
"هل تريدين شيئاً؟"
سأل زوجته.
هزت رأسها بصمت.
وضع إدوارد محفظته في جيبه،
وأخذ المفاتيح المعلقة على الجدار، وقال شيئاً بالفنلندية لابنتيه. ابتسمت
الفتاتان ونهضتا من المقعد. التقط تسوكورو كلمة مثلجات، ربما وعد إدوارد الفتاتين
أن يشتري لهما المثلجات عندما يذهبوا للتسوق.
بقيت كورو وتسوكورو على
الشرفة ينظران إليهم إلى أن صعد إدوارد والفتاتين عربة الرينولت. فتح إدوارد
البابين الخلفيين، أطلق صافرة قصيرة وانطلق الكلب مسرعاً بفرح إلى الشاحنة البيضاء
خلف الأشجار. بقيت كورو وتسوكورو هناك. ينظران إلى البقعة الأخيرة التي كانت بها الشاحنة.
"هل قدت تلك الجولف؟"،
سألت كورو وأشارت إلى السيارة الصغيرة الزرقاء بلون البحر المتوقفة هناك.
"نعم، من هلسنكي".
"لماذا قطعت هذه المسافة
إلى هلسنكي؟".
"أتيت لرؤيتك".
اضيقت عينا كورو وحدقت به
كأنها تحاول فك شيفرة رسم بياني صعب.
"أتيت إلى فنلندا
لتراني؟".
"بهذا الحجم".
"بعد ست عشرة سنة دون
كلمة؟" سألت ويبدو عليها الاندهاش.
"في الحقيقة. صديقتي
المقربة هي من طلبت مني المجيء. لقد قالت إنّ رؤيتك مجدداً متعلقة بالزمن ".
عادت الانحناءة المعروفة على
شفتي كورو. بدت كأنها نصف ممازحة. "فهمت، أخبرتك صديقتك أن أمر مجيئك لتراني
متعلق بالزمن فقفزت في طائرة في ناريتا وسرت باتجاه فنلندا دون أن تتواصل معي،
ودون ضمان بأن أكون هنا حقاً!".
كان تسوكورو صامتاً. بقي
القارب يصطدم بالرصيف رغم عدم وجود رياح شديدة، وكانت مياه الأمواج تتراشق على
البحيرة.
"تخيلت أنه إذا راسلتك
قبل أن أصل ربما لن تريني".
"كيف تقول ذلك؟!"،
قالت كورو بتعجب. "نحن أصدقاء".
"كنا أصدقاء، لكني لم
أعد أعلم شيئاً".
نظرت إلى الأشجار على حافة
البحيرة، وتنهدت تنهديدة صامتة. "لقد بقي ساعتين على عودتهم من المدينة. دعنا
نستغل الوقت ونتحدث".
دخلا وجلسا قبالة بعضهما أمام
الطاولة . أزالت المشبك فنزل شعرها على جبينها. الآن بدت تشبه كورو التي يذكرها.
"هناك شيء واحد أرغب أن
تفعله"، قالت كورو. "لا تناديني كورو بعد الآن. أفضل أن تناديني إري.
ولا تستخدم كلمة يوزوكي لتعبر عن شيرو. لا أريدك أن تنادينا بهذه الأسماء مجدداً، إذا
كان هذا ممكناً".
"هل انتهت هذه
الأسماء؟".
أومأت.
"لكنك لا تمانعين
بمناداتي تسوكورو؟".
"أنت دائماً تسوكورو"،
قالت إري، وضحكت بهدوء. "لذلك لا أمانع. تسوكورو الذي يصنع أشياء، تسوكورو
تازاكي عديم اللون".
"لقد ذهبت في مايو إلى
ناغويا ورأيت أو وأكا، واحداً تلو الآخر، قال تسوكورو. هل يمكنني استخدام هذه
الأسماء؟".
"لا بأس. فقط أريد أن
تستخدم يوزو واسمي الحقيقي".
"لقد رأيتهم كل واحد على
حدا، وتحدثنا، لكن ليس كثيراً".
"هل هما بخير؟".
"يبدو أنهما كذلك"،
قال تسوكورو. "ويبدو أن عملهما يسير بشكل جيد أيضاً".
"أو مشغول ببيع سيارات
ليكزس واحدة تلو الأخرى في ناغويا القديمة الفاضلة، بينما أكا في شركة تأهيل
الموظفين ".
"هذا موجز عنهما".
"وماذا عنك؟ هل عملت بجد
حتى تسير الحياة؟".
"نعم لقد فعلت"،
قال تسوكورو. "أعمل في شركة سكك حديد في طوكيو وأبني المحطات".
"أتعلم، لقد حدث وسمعت
عن ذلك ليس من مدة طويلة، أن تسكورو تازاكي كان مشغولاً ببناء المحطات في
طوكيو"، قالت إري. "وأنه على علاقة بفتاة ذكية".
"منذ وقت طويل".
"إذاً، أنت الآن
أعزباً؟".
"نعم".
"أنت دائماً تفعل أشياء
لصالحك".
صمت تسوكورو.
"عن ماذا تحدثتم عندما
قابلتهما في ناغويا"، سألت إري.
"لقد تحدثتنا عما حصل
بيننا"، قال تسوكورو. "عما حدث قبل ست عشرة سنة، وعما حدث خلال الست
عشرة سنة.
"هل مقابلتهما أيضاً من
الأشياء التي طلبتهما منك صديقتك؟".
أومأ تسوكورو. "لقد قالت
إن هناك أشياء يجب علي حلها. يجب أن أزور الماضي مرة أخرى. رغم أنني لم أتحرر منه
أبداً".
"كانت تعتقد أن هناك
مواضيع يجب أن تتعامل معها".
"نعم".
"وظنت أن تلك المواضيع
تدمر علاقتكما".
"كثيراً من ذلك"،
قال تسوكورو.
أمسكت إري الفنجان بكلتا
يديها، تختبر مدى حرارته، ثم أخذت رشفة أخرى من القهوة.
"كم عمرها؟".
"تكبرني بسنتين".
أومأت إري. أرى أن أمورك تسير
بشكل جيد مع امرأة كبيرة".
"ربما هو كذلك".
قال تسوكورو.
بقيا صامتين لفترة.
"هناك العديد من الأشياء
التي يجب أن نتعامل معها في الحياة"، قالت إري أخيراً. "ويبدو أن هناك
دائماً شيئاً واحداً له صلة بالآخر. تحاول أن تحل مشكلة واحدة، لتجد مشكلة أخرى لم
تتوقعها قد ظهرت بدلاً منها، وليس من السهل تجاوزها. هذا حقيقي بالنسبة إليك
وبالنسبة إلي أيضاً".
"أنت محقة، ليس من السهل
تجاوزها، ولكن هذا لا يعني أن تبقيها معلقة، غير محلولة"، قال تسوكورو.
" تستطيع أن تخفي الذكريات،
لكنك لا تستطيع أن تخفي التاريخ. هذا ما قالته صديقتي".
وقفت إري، ذهبت إلى النافذة
وفتحتها، ثم عادت إلى الطاولة. جعل النسيم الستارة ترفرف، واصطدم القارب بالرصيف
في مرات متقطعة، مشطت شعرها الأسود بأصابعها، أرخت يديها على حافة الطاولة ونظرت
إلى تسوكورو، ثم نطقت. "قد تكون هناك أغطية حصلت على الكثير منها ولم تعد
تستطيع أن تنقب فيها".
"أنا لا أحاول أن أجبر
الأشياء أن تحصل. ليس هذا ما أحاول فعله. ولكن على الأقل أرغب أن أرى بعيني وحدي
ما نوع تلك الأغطية".
حدقت إري بيديها على الطاولة.
كانتا أكبر وممتلئتين أكثر مما يتذكرهما تسوكورو. أصابعها طويلة، وأظافرها قصيرة.
لقد أخذ يتخيل هاتين اليدين تلف عجلة الفخار.
"لقد قلت إنني أبدو
مختلفاً كثيراً"، قال تسوكورو. "وأنا أيضاً أعتقد أنني قد تغيرت. قبل ست
عشرة سنة، بعد أن طردتني من المجموعة، كل ما كنت أفكر به في الخمسة شهور هو الموت.
الموت ولا شيء آخر. لا أبالغ أو شيء، لكنني كنت أتأرجح على الحافة. واقفاً على
الحافة، ناظراً إلى الهاوية، غير قادر على إزاحة نظري عنها. لقد كنت قادراً بطريقة
ما على أن أعود إلى العالم الذي أتيت منه، لكن لن يكون الأمر مفاجئاً إذا مت بعد
ذلك. هناك شيء خاطئ لدي، أعني عقلياً. لا أعلم ماذا سيكون التشخيص الصحيح لحالة
القلق والاكتئاب لدي، شيء من هذا القبيل. لكن هناك بالتأكيد شيء غير طبيعي. ومع
ذلك، لم أكن بحالة ارتباك، كان عقلي صافياً جداً إلا أنه لا يزال غير ساكن على
الإطلاق. ظرف غريب جداً، أعدت التفكير به الآن".
نظر تسوكورو إلى يدي إري
الصامتتين وأكمل.
"لقد تغير وجهي وجسدي
أيضاً بعد أن انتهت الخمسة شهور تلك، لم تعد أي من ملابسي القديمة تناسبني، عندما
أنظر في المرآة أحس أنني وضعت في حيز ليس لي. لا أعلم، ربما حدثت حياتي لتصل بي
إلى هذه المرحلة، المرحلة التي فقدت بها -نوعاً ما- عقلي لفترة، حيث قد خضع شكلي
وجسدي للتحول. ولكن كان سبب هذا التغيير حقيقةَ أني فُصلت عن المجموعة، لقد غيرتني
هذه الحادثة للأبد.
كانت إري تسمع دون أن تنطق بكلمة.
أكمل تسوكورو. "كيف أعبر
عن ذلك؟ لقد شعرت وكأنني كنت على ظهر سفينة ليلاً وفجأة اندفعت إلى المحيط
وحيداً".
وبعد أن قال ذلك تذكر أن هذا هو
نفس الوصف الذي استخدمه أكا. توقف قليلاً ثم أكمل.
"لا أعلم ما إذا كان قد
دفعني أحد أم أنني أوقعت نفسي. على أية حال، أكملت السفينة طريقها وأنا في الماء
المظلم المتجمد أنظر إلى الأضواء التي كانت على ظهر السفينة كيف تلاشت مع المسافة.
لا أحد من المسافرين أو من طاقم السفينة علم أنني سقطت. لم يكن هناك ما أتشبث به.
لا زال ذلك الخوف يتملكني؛ أن يُنكر وجودي الكثير فجأة، على الرغم من أنني سأندفع
إلى البحر المظلم مرة أخرى. ربما لهذا السبب لم أكن قادراً على إنشاء علاقة قوية
مع الناس. دائماً ما أبقي مسافة بينهم".
أبعد يديه عن بعضهما على
الطاولة تاركاً مسافة حوالي اثني عشر إنشاً.
"ربما هذا جزء من
شخصيتي، شيء قد ولدت معه. ربما لدي ميل غريزي لترك مسافة متعادلة بيني والآخرين.
ولكن هناك شيء قد أدركته، أنني لم أفكر بهذا عندما كنت معكم في المدرسة الثانوية.
على الأقل هذا ما أذكره. مع أنه يبدو أنه قد مضى وقت طويل".
وضعت إري كفيها على خديها
وفركتهما ببطء كأنها تحمم جسدها. "تريد أن تعرف ما حصل قبل ست عشرة سنة؟
الحقيقة الكاملة؟".
"نعم". قال تسوكورو.
"لكن هناك شيء أريد أن أوضحه. لم أفعل أي شيء يؤذي شيرو إطلاقاً. أقصد
يوزو".
"أعلم ذلك"، قالت.
توقفت عن فرك وجهها. "لم تغتصب يوزو. هذا واضح".
"لكنك صدقتها، منذ
البداية، كما فعل أو وأكا".
هزت إري رأسها. "لا لم
أصدقها في البداية. لا أدري ما فكر به أو وأكا لكني لم أصدق ذلك. كيف أفعل ذلك؟
مستحيل أن تقوم بشيء كهذا".
"إذاً لماذا...؟".
"لماذا أخذت كلام يوزو على
محمل الجد وطردتك من المجموعة ؟ لماذا لم أقف وأدافع عنك؟هل هذا ما تسأل
عنه؟".
أومأ تسوكورو.
"لأنني يجب أن
أحميها"، قالت إري. "ولأفعل ذلك كان يجب أن أطردك. كان من المستحيل أن
أحميك وأحميها بذات الوقت. يجب أن أقبل واحداً بصورة كاملة وأرفض الآخر
تماماً".
"مشاكلها النفسية كانت
شديدة بذاك الحجم؟ هل هذا ما تعنيه؟".
"نعم بالطبع. في الحقيقة
كانت في الزاوية. كان يجب أن يحميها أحد، والوحيد الذي باستطاعته فعل ذلك هو
أنا".
"كان يجب أن توضحي لي ذلك".
هزت رأسها ببطء لعدة مرات.
"لم يكن هناك مجال لتوضيح الأمور. ماذا كان عليّ قوله؟ تسوكورو، هل تمانع
إن قلنا لبعض الوقت أنك اغتصبت يوزو؟ يجب أن نفعل ذلك الآن. حصل معها شيء خاطئ،
يجب أن نهتم بهذا الموقف. كن صبوراً. ستستقر الأمور فيما بعد. لا أعلم كم سيستغرق
ذلك، ربما سنتين. لا يجب أن أقول شيئاً كذلك، أعلم أنه خاطئ، ولكن كان يجب أن
أجعلك تتعامل معه بنفسك. الأمور كانت بذلك التوتر. يجب أن تعلم أن يوزوز اغتصبت
حقاً".
نظر تسوكورو إليها مذهولاً.
"من قام بذلك؟".
هزت إري رأسها مرة أخرى.
"لا أعلم لكن شخصاً ما قد جبرها على فعل ذلك بخارج إرادتها. بالنهاية كانت
حامل. وقد أصرت أن تكون أنت من اغتصبها. وقد أعلنت ذلك؛ أن تسوكورو تازاكي هو
الفاعل. وصفت ما قد حصل بتفاصيل متعبة وواقعية. لذا فقد صدقناها، مع أننا من
الداخل كنا نعلم أنك لا تستطيع فعل ذلك بها".
"كانت حامل؟".
"مممم. ليس هناك مجال
للشك. لقد ذهبت معها إلى الطبيبة النسائية. لقد ذهبنا إلى طبيبة بعيدة ليس إلى
عيادة أبيها بكل تأكيد".
تنهد تسوكورو. "ثم ماذا؟".
" قد حصل كل شيء ،
وأجهضت مع نهاية الصيف. وهذا ما حصل. لم يكن حملاً متخيلاً. كانت حامل حقاً،
ولم تقم هي بالإجهاض بالتأكيد. أنا واثقة مما أقول".
"تعني أنها حين
أجهضت...".
"نعم لقد خططت أن تربي
طفلها بنفسها، لكنها لم تتخيل أن يحدث الإجهاض. لم تكن لتقتل أي كائن حي مهما كانت
الظروف، أنت تتذكرها أليس كذلك؟ دائماً ما كانت تنزعج من أن أباها يقوم بتلك
العمليات. دائماً ما كنا نتناقش في ذلك الأمر".
"هل هناك شخص آخر يعلم
أنها كانت حامل وأنها قد أجهضت؟".
"أنا وأخت يوزو الكبرى.
إنها ممن يحفظ الأسرار. لقد جمعت المال من أجل يوزو، لكن هذا ما حصل. ليس هناك
غيرنا. لم يعلم والداها بالأمر ولم يعلم أكا وأو أيضاً. هذا هو سرنا، فقط بيننا
نحن الثلاثة. وأعتقد أنه من الجيد إفشاءه، خاصة لك".
"وبقيت يوزو مصرة على
أنني أنا من جعلها تحمل؟".
"نعم لقد كانت مصرة على
ذلك.
ضيق تسوكورو عينيه، وحدق في
كوب القهوة الذي كانت تمسكه إري. "لكن لماذا؟ لماذا قالت إنني الفاعل؟ لا
أستطيع أن أفكر بسبب واحد.".
"لا أعلم في
الحقيقة"، قالت إري. أفكر بعدد من الاحتمالات، ليس أي منها مقنع. لا أعلم كيف
أوضح ذلك. السبب الوحيد المعقول الذي فكرت به هو بسبب أنني معجبة بك. يمكن أن يكون
هذا هو المسبب".
نظر إليه باستغراب. "أنت
معجبة بي؟".
"ألم تكن تعلم؟".
"كلا، إطلاقاً. ليس لدي
أي فكرة".
ابتسمت إري بامتعاض.
"أظن أنه من الجيد أن أخبرك الآن. لكنني دائماً ما أعجبت بك. لقد كنت حقاً
منجذبة إليك. في الحقيقة كنت أحبك. لقد احتفظت بذلك لنفسي ولم أخبر به أحداً. لا أعتقد
أن أو أو أكا على علم بذلك، أما يوزو فبالطبع. الفتيات لا يستطعن إخفاء أي شيء عن
بعضهن.
"لم أعرف"، قال
تسوكورو.
"هذا لأنكم بليدون. قالت
إري، ووضعت سبباتها على صدغها. "لقد كنا سوياً كل تلك الفترة، وقد كنت أحاول
إرسال إشارات. إذا كنت بنصف عقل لكنت التقطتها".
دقق تسوكورو بتلك الإشارات،
ولكنه لم ينتهِ إلى شيء.
"هل تذكر كيف كنت تدرسني
الرياضيات بعد المدرسة؟" قال إري. "كان ذلك يسعدني". لم تفهمي
مبادئ التفاضل والتكامل"، قال تسوكورو. تذكر فجأة كيف كان خد إري يحمر
أحياناً. "إنك محق تماماً أنا بطيئة في الاستيعاب قليلاً".
ابتسمت إري ابتسامة صغيرة.
أنت بطيء في استيعاب مثل هذه الأمور، وإلى جانب ذلك أنت منجذب ليوزو".
كان سيقول تسوكورو شيئاً، لكن
إري قاطعته. "لا حاجة للشرح. أنت لست الوحيد. الجميع كان منجذباً لها. وكيف
لا؟ لقد كانت حيوية وجميلة جداً. كبياض الثلج في ديزني. أما أنا بينما أكون معها، أكون
دائماً لاعبة صغيرة كالأقزام السبعة ولكن ذلك لا مفر منه. لقد كنا أنا ويوزو
صديقتين مقربتين من السنة الأولى في الثانوية. كان علي فقط أن أتكيف مع هذا
الدور".
"هل تحاولين أن تقولي إن
يوزو كانت غيورة؟ لأنك كنت معجبة بي؟".
هزت إري رأسها. "كل ما
أقوله أنه ربما كان سبباً مستتراً. أنا لست عالمة نفس. على كل حال لقد أصرت يوزو
على النهاية السيئة أنك سرقت عذريتها بشقتك في طوكيو. بالنسبة إليها هذه هي النسخة
الحتمية من الحقيقة ولم تتردد. حتى الآن لم أفهم من أين أتى هذا الوهم ولماذا
تعلقت بتلك النسخة المشوهة من الحقيقة. لا أعتقد أن هناك من يستطيع تفسير ذلك. ولكني
أعتقد أنه أحياناً تكون بعض أنواع الأحلام أقوى من الحقيقة. وربما كان هذا الحلم
من هذا النوع. أرجوك تفهم، لقد شعرت بالسوء تجاهك".
"هل حدث وأن كانت يوزو
منجذبة إلي؟".
"لا لم تكن"، قالت
إري باقتضاب. "لم تكن يوزو مهتمة بأي أحد من الجنس الآخر".
عبس تسوكورو. "كانت
سحاقية؟".
هزت إري رأسها مرة أخرى.
"لا، ليس الأمر كذلك. "لم تكن لديها مثل هذه الميول. أنا إيجابية. أما يوزو
فلقد كان لديها دائماً كره قوي لأي شيء يتعلق بالجنس. خوف من الجنس، تستطيع أن
تقول هذا. لا أعلم من أين جاءت بهذه المشاعر. لقد كنا منفتحتين على كل شيء
تقريباً، ولكننا نادراً ما كنا نتحدث عن الجنس. لقد كنت صريحة عن الأمور المتعلقة
بالجنس، ولكن عندما يأتي موضوع عنه تغير يوزو الموضوع فوراً".
"ماذا حصل معها بعد
الإجهاض؟" سأل تسوكورو.
"لقد غابت عن الكلية.
بحالتها تلك مستحيل أن تكون بجوار الناس. لقد أخبرتهم أن لديها مشاكل صحية، وبقيت
ملازمة للبيت لا تخرج أبداً. كانت تتقياً تقريباً كل ما تأكل، وتأخذ حقناً شرجية
لتتخلص من الباقي. إذا استمرت على هذا النهج لا أتوقع أنه ستبقى على قيد الحياة.
ساعدتها على رؤية المستشار الصحي وبطريقة ما أصبحت قادرة على أن تتوازن في الأكل.
لقد استغرق ذلك نصف سنة. من ناحية ما كان من السيء جداً أن وزنها نزل إلى تسعين
باوند، وبدت كالشبح. لكنها رضخت للأمر ووصلت إلى النقطة حيث تستطيع أن تتشبث
بالحياة. كنت أذهب لرؤيتها كل يوم تقريباً، أتحدث معها، أشجعها، أفعل ما أستطيع
لأبقيها مستمرة، فكرت بعد سنة من ابتعادها عن الكلية أن تعود".
"لماذا برأيك أصيبت باضطراب
غذائي؟".
"لسبب بسيط للغاية.
أرادت أن توقف الدورة الشهرية"، قالت إري. "فقدان الوزن الكبير يوقف
الدورة الشهرية. هذا ما كانت تأمله. لم تكن تريد أن تحمل مرة أخرى، وربما لا تريد
أن تصبح امرأة أبداً. أرادت أن تزيل الرحم إن كان ذلك ممكناً ".
"يبدو الأمر جدياً للغاية"،
قال تسوكورو.
"لقد كان جدياً جداً.
لهذا السبب كان عليّ أن أقطع علاقتي بك. شعرت بالأسف تجاهك، وصدقني أعلم كم كنت
قاسية في التعامل معك. بالنسبة لي، كان صعباً عليّ، خاصة أنا، أن لا أستطيع رؤيتك
مرة أخرى. هذا صحيح، لقد شعرت كأنني أتمزق. كما أخبرتك سابقاً، أنا كنت حقاً معجبة
بك".
توقفت إري عن الكلام محدقة
بيديها على الطاولة كأنها تستجمع أحاسيسها، ثم تابعت.
"لكن كان يجب أن أساعد
يوزو على التعافي. إنها أولى أولوياتي. كان لديها أمور تتعلق بتهديد حياتها تتعامل
معه واحتاجت مساعدتي. لذلك كان الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو أن أتركك تسبح
وحدك في البحر الليلي البارد. وقد كنت أعلم أنك تستطيع فعل ذلك. كنت قوياً بما فيه
الكفاية لفعل ذلك".
بقي الاثنان صامتين لبعض
الوقت. عصفت أوراق الأشجار مع هبوب الرياح.
كسر تسوكورو الصمت. "إذاً
تعافت يوزو وتخرجت من الكلية. ماذا حدث بعد ذلك؟".
"بقيت ترى المستشار الغذائي
مرة في الأسبوع وكانت قادرة على أن تصل إلى حياة طبيعية. على الأقل لم تعد تبدو
كالشبح. لكنها بعد ذلك لم تعد يوزو التي كنا نعرفها".
أخذت إري نفساً، وبدأت تختار
كلماتها.
"لقد تغيرت"،
أخيراً نطقت. "كأن كل شيء في قلبها قد جف، كأن أي شيء ممتع في العالم الخارجي
قد اختفى. لم تعد تهتم بالموسيقى. من المؤلم رؤية ذلك. ومع ذلك بقيت تستمتع في
تعليم الموسيقى للأولاد ، الشغف لم يتركهها، حتى إن كان ظرفها بكل ذلك السوء.
عندما تكون ضعيفة جداً وبالكاد تقف كانت تخطط أن تعمل مرة في الأسبوع في المدرسة
لتعليم البيانو لليافعين. لقد استمرت في هذه الأعمال التطوعية وحدها. أظن أن
الرغبة في الاستمرار بذلك المشروع هو ما ساعدها على التعافي. إذا لم يكن لديها ذلك
العمل ما كانت لتتعافى".
استدارت إري وحدقت عبر
النافذة بالسماء فوق الأشجار. عادت بنظرها ونظرت إلى تسوكورو مباشرة. ما زالت
السماء مغطاة بطبقة رقيقة من الغيوم.
"أما الآن فلم تعد يوزو
تملك ذلك الإحساس بالصداقة التي تتخطى الظروف تجاهي الذي كان لديها ونحن صغاراً. قالت
أنها شاكرة لي على كل شيء فعلته لها. وأعتقد أنها كانت كذلك فعلاً. ولكنها في ذات
الوقت لم يعد لديها أي اهتمام بي. كما قلت، فقدت يوزو الاهتمام بكل شيء
تقريباً. وقد كنتُ تقريباً جزءاً من هذا الكل شيء. من المؤلم الاعتراف بذلك.
كنا صديقتين مقربتين لفترة جداً طويلة، واعتنيت بها حقاً. ولكن الأمر مقدر له أن
يحدث، فبعد الآن لم أعد بالنسبة إليها تلك الصديقة التي لا غنى عنها".
حدقت إري لبعض الوقت في بقعة
متخيلة على الطاولة ثم قالت:
"لم تعد يوزو بياض
الثلج.أو ربما أصبحت مهترئة جداً لتكون بياض الثلج. وكنت متعبة قليلاً من أن أكون
الأقزام السبعة".
التقطت إري نصف واعية فنجان
قهوتها ثم أعادته إلى الطاولة.
"على كل حال لا تستطيع
مجموعتنا الرائعة -مجموعتنا المكونة من أربعة أشخاص ناقصة منك-أن تميز الطريق الذي
كان في الماضي. كلنا قد تخرجنا من المدرسة وكل مشغول بحياته الخاصة. من الواضح قول
ذلك، لكننا لم نعد أطفالاً في المدرسة الثانوية. ولا حاجة للقول إن قطع علاقتنا بك
خلّف ندوباً في قلوبنا جميعاً؛ ندوباً ليست سطحية. كان تسوكورو صامتاً، يصغي إلى
كلماتها باهتمام شديد.
"لقد ذهبت لكنك دائماً
هنا"، قالت إري.
صمت قصير مرة أخرى.
"إري، أريد أن أعرف
المزيد عنك"، قال تسوكورو. "ما الذي جعلك تأتين إلى هنا ؟ هذا أول ما
أود معرفته".
ضيقت إري عينيها وأمالت رأسها
قليلاً. "منذ آخر أيام في سن المراهقة إلى بدايات العشرينات كنت تحت سيطرة
يوزو. وفي يوم ما نظرت حولي وأدرت أنني أختفي. كنت أرغب أن أكون كاتبة. دائماً ما
كنت أستمتع في الكتابة. أردت أن أكتب الروايات، القصائد شيء من تلك الطبيعة. كنت
تعرف، أليس كذلك؟".
أومأ تسوكورو. كانت تحمل إري
دفتر ملاحظات سميك، أخذت تكتب فيه أفكاراً جديدة كما تفعل عادة عندما يصل الجدال
إلى هنا.
"لكني لم أستطع أن أدير
ذلك وأنا على مقاعد الدراسة. الاهتمام الكبير بيوزو هذا كل ما استطعت فعله وأنا
أهتم بالدراسة. كان لدي صديقين اثنين في الكلية ولأني كنت مشغولة جداً مع يوزو كان
ذلك يثنيني عن الخروج في أي موعد قريب. لا شيء قد نجح ما. إلى أن وقفت مرة وسألت
نفسي، ماذا تفعلين بحق العالم مع حياتك؟ لم يعد لدي أهداف، وصرت فقد أدير عجلتي، وأراقب
ثقتي بنفسي وهي تختفي. أعلم أن الأمور كانت صعبة على يوزو، ولكن عليك أن تعرف أنها
كانت صعبة علي أيضاً".
اضيقت عينا أوزو مرة أخرى.
كأنها تنظر إلى مشهد بعيد.
" طلب مني صديق من
الكلية أن أذهب إلى درس في صناعة الفخار وذهبت كنوع من المزاح. وهناك اكتشفت ما
أبحث عنه بعد هذا الوقت الطويل. إدارة عجلة الصلصال، استطعت أن أصدق مع نفسي
تماماً. التركيز على صنع شيء يساعدني على نسيان أي شيء آخر. منذ ذلك اليوم وأنا
أصب كل اهتمامي على صناعة الفخار. كانت في الكلية مجرد هواية ولكن بعد ذلك أردت أن
يكون ذلك عملي. لقد تخرجت من الكلية وعملت في أعمال في دوام جزئي أثناء دراستي، ثم
دخلت مرة أخرى المدرسة وهذه المرة في قسم الحرف اليدوية. وداعاً يا روايات أهلاً
بك يا فخار. وبينما كنت أعمل بالفخار التقيت بإدوارد؛ إذ كان في اليابان كطالب في
نظام الدراسة التبادلي، وتزوجنا في نهاية المطاف، وانتقلنا إلى هنا. الحياة
تفاجئنا في كل شيء أحياناً. إذا لم يدعني صديقي إلى درس صناعة الفخار لكنت الآن في
حياة مختلفة تماماً ".
"أنت حقاً لديك
الموهبة"، قال تسوكورو وهو يشير إلى الفخار على الرفوف. "لا أعلم الكثير
عن الفخار لكن أتاني شعور رائع عندما نظرت وعندما أمسكت القطع التي صنعتها ".
ابتسمت إري. "لا أعلم
الكثير عن الموهبة. لكني أبيع مما أصنع بشكل جيد. لا يجلب الكثير من النقود لكني
سعيدة جداً بأن الآخرين يحتاجونه".
"أعرف ما تقصدين"،
قال تسوكورو. "ذلك بأني أصنع أشياء بنفسي مع أنها مختلفة كثيرة عما
تصنعين".
"كاختلاف المحطات عن الأطباق".
"نحتاج إلى كليهما في
حياتنا".
"بالطبع"، قالت
إري. لقد فكرت في شيء. وبالتدريج اختفت ابتسامتها من شفتيها. "أحب المكان
هنا. أتخيل أنني سأبقى هنا حتى نهاية الحياة".
"ألن تعودي إلى
اليابان؟".
"لقد حصلت على الهوية
الفنلندية، ولقد تحسن حديثي بهذه اللغة. من الصعب تحمل الشتاء هنا، أعترف بذلك
لكنه يعطيني وقتاً أكثر لأقرأ. ربما سأجدني أطلب الكتابة مجدداً. اعتادت الطفلتان
على العيش في فنلندا، ولديهم أصدقاء هنا. وإدوارد رجل طيب. وعائلته تعاملنا بشكل
جيد أيضاً، وعملني يتحسن".
"إنهم يتحتاجونك
هنا".
رفعت إري رأسها وركزت نظرها
بتسوكورو.
"كان ذلك عندما سمعت أن
يوزو قد قتلت، فقررت أن أبقى هنا لبقية حياتي. اتصل أو وأخبرني. كنت حبلى بابنتي
الكبرى لذا لم أستطع حضور الجنازة. كان ذلك سيئاً بالنسبة إلي. لقد شعرت أن صدري
سينشق إلى نصفين. أن تعرف أن يوزو قد قتلت بتلك الطريقة بمكان غير معروف وأن جسدها
قد أحرق ولم يبق إلا الرماد. أن تعرف
بأنك لن أراها مجدداً. لقد فكرت، وقررت حينها إذا أتتني فتاة سأسميها يوزو. وأنني
لن أعود إلى اليابان.
"إذاً طفلتك اسمها
يوزو؟".
"يوزو كورونو
هاتينين"، قالت. "جزء من يوزو يعيش بهذا الاسم على الأقل".
"لكن لماذا ذهبت يوزو
إلى هماماتسو؟".
"ذهبت إلى هناك منذ مدة
قريبة بعد أن انتقلت إلى فنلندا. لا أعلم لماذا. كنا نتراسل بانتظام لكنها لم
تطلعني على أسباب انتقالها. قالت بببساطة بسبب العمل. لكن هناك العديد من الأعمال
التي بإمكانها أن تحصل عليها في ناغويا، وبالنسبة إليها الانتقال إلى مكان لم تزره
وتعيش به وحدها أشبه بارتكاب جريمة".
لقد وجدت يوزو داخل شقتها في
همامتسو، مخنوقة حتى الموت بواسطة حزام. لقد قرأ تسوكورو التفاصيل بصحف ومجلات قديمة. لقد بحث على النت أيضاً ليبحث
أكثر عن الحادث.
لم تكن سرقة، فمحفظتها قد
وجدت قريبة ولا زال بداخلها النقود. ولا وجود لإشارة أن يكون قد هاجمها أحد. لا
شيء مربك في شقتها، وليس هناك إشارة على مشاجرة. لم يسمع سكان الطابق نفسه أي
أصوات غريبة. هناك سجائر من المنثول قد وضعت في المنفضة، ولكن اتضح أنهما ليوزو.
عبس تسوكورو. هل يوزو تدخن؟ الوقت المقدر لموتها هو بين الساعة العاشرة مساء
ومنتصف الليل. الليلة التي بقي فيها الشتاء يهطل، مطر بارد في ليلة من شهرمايو.
اكتشف جسدها في المساء بعد ثلاثة أيام. لقد كانت ممددة هناك لثلاثة أيام على بلاط مطبخها.
لم يكتشفوا هدف القتل. أحدهم
قد قدم متأخراً في الليل، تعارك معها دون أن يصدر صوتاً، لم يسرق ولم يحدث فوضى،
ثم غادر. أغلق الباب مباشرة. لم يكن واضحاً إذاما فتحت هي الباب من الداخل أم أن
القاتل لديه نسخة أخرى عن المفتاح. كانت تعيش بمفردها في الشقة. قال زملاء العمل
والجيران أنها لم يكن واضحاً أن لديها صديق مقرب. باستثناء أختها الكبرى ووالدتها
التي تزورها من ناغويا من حين لآخر، ودون ذلك تبقى وحيدة. كانت ترتدي ثياباً بسيطة،
وكانت تجذب أي شخص إليها بوداعة وهدوء، كانت متحمسة بعملها ومحبوبة جداً من قبل
طلابها، ولكن خارج العمل لم يبدُ أن لديها أصدقاء.
لا يعلم أحد أي فكرة عن الأمر
الذي آل لقتلها، ما سبب موتها خنقاً. تلاشت تحقيقات الشرطة دون أي اشتباه بأحد.
وانتشرت المقالات عن الحالة بصورة صغيرة وثابتة. واختفى كل ذلك في النهاية. لقد
كانت حالة حزينة ومؤلمة. كمطر بارد يهطل بثبات حتى الفجر.
"لقد مس الشر
روحها"، قالت إري بلطف، كأنها تبوح بسر. "أمسك بها، أخرج أنفاسه الباردة
على عنقها، وببطء قادها إلى الزاوية. إنه الشيء الوحيد الذي يفسر كا ما حدث لها،
وما حدث معك، اضطراب أكلها، وما حدث في همامتسو. لا أريد حقاً أن أقول ذلك، ولكن
إن فعلت فسأقول إنه يشبه أن يكون ذلك حقيقي. لذا احتفظت بذلك لنفسي كل هذا الوقت.
لقد قررت أن لا أتحدث بها الأمر أبداً إلى أن أموت. ولكني لم أمانع أن أخبرك عنه
الآن، لأننا قد لا نرى بعضنا مجدداً. ولأنك تحتاج أن تعرف ذلك. لقد كانت روحاً
شريرة أو شيئاً من هذا القبيل. وفي النهاية لم تنج يوزو".
تنهدت إري بعمق ونظرت إلى
يديها الموضوعتين على الطاولة. كانتا ترتجفان بشكل مرئي أو بالأحرى بشدة. أبعد
تسوكورو نظره ونظر إلى النافذة وارتعشت الستارة. كان الصمت المستقر في الغرفة
مستبداً ومليئاً بالحزن. هناك مشاعر غير محكية وثقيلة ووحيدة، كأنها كتلة جليدية
قديمة خارجة من بحيرة عميقة.
"هل تذكرين موسيقى ليست
((years of
pilgrimage ؟ كانت
يوزو تعزف واحدة من مقطوعاته كثيراً"، قال تسوكورو بعد فترة ليقطع الصمت.
"Le
mal du pays"،
أذكرها جيداً"، قال إري. "أسمعها أحياناً. هل ترغب في سماعها؟".
أومأ تسوكورو.
وقفت إري وذهبت إلى مسجل صغير
موضوع على الخزانة، اختارت واحداً من مجموعة الأقراص، ووضعته في المسجل. خرجت
"Le mal du pays" من السماعات، لحن الافتتاحية البسيط، تعزف برقة بيد واحدة.
جلست إري قبالته واستمع كلاهما إلى الموسيقى بصمت.
الاستماع إلى الموسيقى هنا بجوار
بحيرة في فنلندا له نوع من السحر مختلف عن المرة التي سمعها في شقته بطوكيو. ولكن بغض النظر أين سمعها، وبغض
النظر إذا كان سمعها من القرص أو من مسجل قديم، تبقى الموسيقى هي ذاتها جذابة
تماماً وجميلة. تخيل تسوكورو يوزو وهي جالسة على البيانو في صالونها تعزف المقطوعة،
تضغط بقوة على المفاتيح، عيناها مغلقتان وشفتاها متباعدتان قليلاً تبحث عن كلمات
لا تصدر صوتاً. لقد كانت مفصولة عن نفسها حينها في مكان آخر.
انتهت المقطوعة، كانت هناك
وقفة، ثم بدأت المقطوعة التالية. (The Bells of Geneva)، ضغت إري على الريموت وأخفضت
الصوت.
لقد أثرت بي بطريقة مختلفة عن
المرات التي كنت أستمع إليها في بيتي"، قال تسوكورو.
"ما اسم عازف البيانو
الذي تستمع إليه؟".
"لازار بيرمان".
هزت إري رأسها. "لم
أسمعها بعزفه".
"إنها أكثر أناقة بقليل
من هذه. أحببت هذا الأداء، إنه رائع ، لكن أسلوب هذه النسخة جعلتها تبدو أقرب لسوناتة
بيتهوفن منها لليست".
ابتسمت إري. "هذا قد
يكون لأنه ألفريد بيرنديل. قد تكون ليست أنيقة كثيراً، ولكنني أحبها بنسخها كلها.
أعتقد أنني اعتدت على هذه النسخة؛ ذلك لأنها الوحيدة التي اعتدت على الاستماع
إليها".
"عزفت يوزو هذه المقطوعة
بشكل جميل جداً. لقد وضعت مشاعر كثيرة فيها".
"لقد فعلت ذلت حقاً. لقد
كانت جيدة جداً في هذه المقطوعات من هذا الطول. بينما تفقد في المقطوعات الطويلة
نصف طاقتها. لكن لكل شخص إمكانياته الخاصة. دائماً ما أحسست بأن يوزو تكمل حياتها
بهذه الموسيقى. إنها نابضة بالحياة ومضيئة".
كان تسوكورو ويوزو يلعبان كرة
القدم مع الأولاد في الساحة الصغيرة في الخارج عندما كانت يوزو تدرس الأطفال في
المدرسة. كانوا مقسمين إلى فرقين وكانوا يحاولون رمي الطابة في الهدف المعاكس الذي
يكون في العادة مبني من مجموعة صناديق من الورق المقوى. وعندما كان يمرر تسوكورو
الكرة كان يسمع القليل من أصوات الأطفال وقد ترشحت من النافذة وهم يرددون السلم
الموسيقي.
أصبح الماضي سيخاً طويلاً
حاداً كموس الحلاقة قد طعنه في قلبه مباشرة. طلقة فضية صامتة وموجعة دخلت في جسده،
وحولت عموده الفقري إلى عمود من الثلج. بقي الألم غير منقطع. مسك أنفاسه، أغلق
عينيه بشدة، معانياً من الألم. تواصل عزف ألفريد بريندل. وانتقل القرص إلى الوجه
الآخر. (Second Year:Italy).
وبتلك اللحظة، أصبح قادراً
على تقبل كل هذا. في أعمق تجويف من روحه، لقد أدرك تسوكورو تازاكي الأمر. قلب وحيد
غير موصول بالآخر بتناغم. ولكنهما بدلاً من ذلك كانا مرتبطين بشكل عميق بجروحهما.
وصل الألم بالألم، والهشاشة بالهشاشة. ليس هناك صمت بلا صرخة حزن، ولا عفو بلا
نزيف، ولا قبول بلا ممر يفضي إلى فقدان شديد. هذا ما يثقل جذور التناغم.
"هذا صحيح تسوكورو، لقد
واصلت حياتها بطرق كثيرة مختلفة"، كان صوت إري من الجهة الأخرى من الطاولة
أجش كأن أحداً قد أجبرها على النطق. "أستطيع أن أشعر بذلك. في كل صدى صوت يحطيط
بنا، في الضوء، في الأشكال، في كل...".
غطت إري وجهها بيديها. لم
تأتِ أية كلمة أخرى. لم يكن تسوكورو متأكداً إذا كانت تبكي أو لا. إذا كانت كذلك
فهي تبكي بصمت كبير".
بينما كان أو وتسوكورو يلعبان
الكرة، كانت إري وأكا يفعلان كل ما بوسعهما ليمنعوا الأطفال من مقاطعة يوزو وهي
تعطي دروس الموسيقى. لقد فعلوا ما يقدرون عليه ليستوعبوا الأطفال، كانوا يقرؤون
الكتب، يلعبون بالألعاب، يذهبون إلى الخارج، ويغنون. ولكن دائماً ما كانت هذه
المحاولات تفشل. لم يتوقف الأطفال إطلاقاً عن إيقاف دروس الموسيقى. لقد كانوا
يجدون في ذلك متعة تفوق أي شيء آخر. كان صراع إري وأكا غير المثمر لإلهائهم شيئاً مسلياً
لمشاهدته.
وقف تسوكورو بلا تردد وسار
إلى الاتجاه المقابل من الطاولة. ودون أن يقول شيئاً وضع يده على كتف إري. ما يزال
وجهها تحت يديها. وحين لمسها شعر بارتجافها، ارتجاف لا تستطيع العين مجاراته.
"تسوكورو"، تسرب
صوت إري من بين أصابعها. "هل تستطيع فعل شيء لي؟".
"بالطبع". قال
تسوكورو.
"هل تستطيع أن
تعانقني؟".
طلب منها أن تقف، ثم ضمها
إليه. التصق صدرها الممتلئ المشدود بصدره، كأنه شهادة على أمر ما. كانت يداها التي
طوقتا ظهره دافئتين، وجنتيها ناعمتين ورطبتين إذ التصقتا بعنقه.
"لا أظن أني سأعود إلى
اليابان مرة أخرى"، تمتمت إري. مس نفسها الدافئ الرطب برفق أذنه. "كل
شيء سأراه سيذكرني بيوزو. وب...".
لم يقل تسوكورو شيئاً، تابع
معانقتها بقوة فحسب.
سيظهر العناق عبر النافذة
المفتوحة. قد يمر أحد ويراهما. وقد يعود إدوارد والفتاتان بأي لحظة. ولكن هذا لا
يهم. لا يهمها ماذا سيفكر به الآخرون. عليه وعلى إري أن يتعانقا الآن بقدر ما
يرغبان. يجب أن يدعا بشرتهما تتلامسان، ليبعدا الظل الطويل المملوء بالأرواح
الشريرة. هذا بلا شك السبب الأهم لقدومه إلى هنا.
احتضنا بعضهما البعض لوقت
طويل، لوقت لم يستطع تقديره. واستمرت الستارة البيضاء على النافذة ترفرف مع مرور
النسيم القادم من البحيرة. بقيت وجنتا إري رطبتين، وواصل ألفريد بريندل عزف سوناتة
بيترارتش 47. The
Second Year:Italy’s suite. ثم سوناتة
بيترارتش 104. عرف تسوكورو كل النوتات. كان يستطيع دندنتها إذا أراد. لقد أدرك من
المرة الأولى كم كان يستمع إلى هذه الموسيقى بتركيز وكم كانت تعنيه.
لم يستطع أن ينطق. الكلمات
الآن ليست لديها قوة؛ كراقصين قد توقفا في منتصف الرقصة، لقد تعانقا ببساطة،
بهدوء، استسلما لتدفق الزمن. الزمن الذي ضم الماضي والحاضر وحتى جزءاً من المسقبل.
لا شيء قد مر بين جسديهما حين مست أنفاسها عنقه. أغلق تسوكورو عينيه وانجرف مع
الموسيقى بينما يسمع نبض إري. تزامنت ضربات قلبها مع اصطدام القارب بالرصيف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق