الأحد، 1 ديسمبر 2019

الفصل (15) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي



أتت مكالمة الإيقاظ الساعة السابعة، تنشطه من النوم. كان سينام مطولاً ويستغرق في النوم وجسده سيشعر بشلل ثقيل. استحم، حلق، نظف أسنانه، ولا يزال الشلل يصاحبه. السماء غائمة جزئياً مع وجود طبقة رفيعة من الغيوم، ولكن المطر بدا مستبعداً. ارتدى تسوكورو ملابسه، نزل إلى مطعم الفندق، وأخذ بوفيه الإفطار.
وصل إلى مكتب أولجا بعد التاسعة. كان مكتباً صغيراً دافئاً في المنتصف، وأبعد بقليل عن الميلان، يعمل معها شخص واحد فقط، رجل طويل بعينين جاحظتين كالسمكة. كان مع الرجل اتصال، ويشرح أمراً. كان الحائط مغطى بإعلانات ملونة عن نقاط التصوير في فنلندا. طبعت أولجا خرائط متعددة لتسوكورو. كان كوخ هاميلينا واقع في مدينة صغيرة في الطريق القصير أسفل البحيرة، الموقع الذي وضعت عليه علامة x. كقناة طويلة، شملت البحيرة الضيقة المتعرجة على أنهار جليدية، قبل عشرة آلاف سنة، بدت كأنها ستبقى للأبد.            
"يجب أن يكون الطريق سهل"، قالت أولجا. "فنلندا ليست كطوكيو أو نيويورك. الطريق ليست مزدحمة، يجب أن تصل إلى هناك إذا اتبعت الإشارات ولم تصطدم بظبي".
شكرها تسوكورو.
"لقد استلمت سيارة لك"، أكملت. "فولكس فاجن جولف وقد سارت ألفي كيلومتر فقط، كنت قادرة على أخذ خصم بنسبة قليلة".
"شكراً لك، هذا عظيم".
"أصلّي ليسير كل شيء على ما يرام. فبالنهاية لقد أتيت إلى هنا بعد أن قطعت كل تلك المسافة". ابتسمت أولجا برقة. "إذا واجهتك أية مشكلة لا تتردد بالاتصال بي".
"لن أتردد"، قال تسوكورو.
"تذكر أن تنتبه من الظباء. إنها حيوانات غبية. احرص على أن لا تقود بسرعة كبيرة".
صافحا بعضهما مرة أخرى وتودعا.

اختار من وكالة سيارات الأجرة الجولف الجديدة ذات اللون الأزرق البحري، وشرحت له المرأة هناك كيف يخرج من مركز هلسنكي إلى الطريق السريع. لم يكن الأمر بذاك التعقيد، لكن عليك أن تنتبه. وعندما تصل الطريق السريع، سيكون الأمر بعد ذلك سهلاً.
كان يستمع تسوكورو إلى موسيقى من محطة إف أم عندما قاد السيارة باتجاه الطريق السريع متجهاً إلى الغرب وقد كان ذلك في مئة كيلومتر في الساعة.  تجاوزته معظم السيارات، لكنه لم يهتم. لم يقد سيارة منذ وقت طويل، وهنا المقود كان بالاتجاه اليسار، عكس اليابان. كان يأمل أن يصل إلى منزل هاتيننز بعد أن ينتهوا من الغداء. ما زال لديه الكثير من الوقت، وليست هناك ضرورة للإسراع. كانت محطة الموسيقى الكلاسيكية تضع كونشيرتو مذهلة مرحة لآلة البوق.
كانت الغابات على كلا جانبي الطريق السريع. أخذ انطباعاً بأن الدولة بالكامل مغطاة من أولها لآخرها بالأخضر الوفير. معظم الأشجار كانت من خشب البتولا الأبيض، أشجار متباعدة من الصنوبر والراتينج والقيقب. أشجار الصنوبر حمراء، جذوعها طويلة ومستقيمة، بينما فروع الأشجار من خشب البتولا الأبيض وكانت منحنية للأسفل. لم يكن أي من ذلك التنوع في اليابان. كان في المنتصف مجموعة صغيرة من أشجار التبغ عريضة الأوراق. حلقت طيور بأجنحتها الكبيرة، بشكل دائري وببطء في الهواء، باحثة عن فريسة. سقف البيت الريفي أومض بالصدفة. كانت كل المزارع واسعة، وفيها ماشية تأكل العشب خلف الأسيجة المائلة، وتصدر رنيناً لطيفاً. والعشب قد جزّته الآلة، ولفته في حزمة كبيرة.  
وصل إلى هاميلينا قبل الظهر. صفّ تسوكورو سيارته في مصف السيارات وتمشى حول المدينة لخمس عشرة دقيقة، ثم ذهب إلى مقهى مواجه للمربع الرئيسي، شرب القهوة مع الكرواسون. كان الكرواسون حلواً لكن القهوة كانت قوية ولذيذة. كانت السماء في هاميلينا مشابهة لهلسنكي، تخفيها طبقة رقيقة من الغيوم، الشمس برتقالية، مغبشة، مظللة، مرتفعة، في منتصف السماء. الهواء الذي يعصف عبر مربع المدينة حار بعض الشيء، وكان هو قد تغطى بسترة رقيقة فوق قميص البولو.
كان من الصعب أن تجد سياحاً في هاميلينا، هناك فقط أناس يرتدون ملابسهم التقليدية، يحملون أكياس التسوق، يسيرون في الشارع. حتى أن معظم المتاجرفي الشارع الرئيسي لديها مؤن ونثريات، ذلك النوع من المتاجر الذي يقدم الطعام للسكان المحليين أو لمن يسكن في الأكواخ الصيفية. وهناك على الناحية الأخرى من المربع كنيسة واسعة، ببناء قصير وسقف أخضر دائري. رفرف سرب من الطيور السوداء بنشاط من وإلى سقف الكنيسة كأمواج في البحر، وتجولت على الحصى في المربع نوارس بيضاء، عيونها لا تضيّع شيئاً.
وعلى جانب المربع خط من العربات تبيع الخضراوات والفواكه، اشترى تسوكورو منها كيس كرز وجلس على المقعد وأخذ يأكل. وبينما يفعل ذلك مرت فتاتان صغيرتان بحدود العاشرة أو الحادية عشرة من عمرهما ونظرتا إليه من بعيد. ربما لا يزور المدينة الكثير من الآسيويين. كانت إحداهما طويلة وجسمها هزيل، بشرتها بيضاء شاحبة، الأخرى سمراء ومنمشة، وكلتاهما تربط شعرها بجديلة. ابتسم تسوكورو لهما.
كنوارس حذرة، باحتراس اقتربت الفتاتان.
"هل أنت صيني؟" سألت الفتاة الطويلة بالإنجليزية.
"أنا ياباني"، رد تسوكورو. "هي قريبة ولكنها مختلفة".
لم يبد على الفتاتان أنهما فهمتا قصده.
"هل أنتما روسيتان؟". سأل تسوكورو.
هزتا رأسهما بشدة.
"نحن من فنلندا"، قالت الفتاة المنمشة بتعبير جدي.
"إنه الشيء ذاته"، قال تسوكورو. "قريب ولكنه مختلف".
أومأت الفتاتان.
"ماذا تفعل هنا؟"، سألت الفتاة المنمشة، كأنها تجرب تركيب الجملة بالإنجليزية. ربما كانت تدرس الإنجليزية في المدرسة وأرادت أن تجربها مع أجنبي.
"أتيت إلى هنا لأقابل صديقاً". قال تسوكورو.
"كم ساعة استغرقت الرحلة إلى هنا من اليابان؟". سألت الفتاة الطويلة.
"حوالي إحدى عشرة ساعة بالطائرة". قال تسوكورو. "وخلال ذلك الوقت تناولت وجبتين وشاهدت فيلماً واحداً".
"ما هو الفيلم؟".
"داي هارد 12".
بدا أنه أقنعهما. اتجهتا ممسكتي يدي بعضهما البعض خارج المربع، تنورتاهما ترفرفان كأغصان صغيرة جافة تحركها الرياح، لا تترك خلفها أي انعكاسات أو نكات عن الحياة. اطمأن تسوكورو وعاد يأكل الكرز.

كانت الواحدة والنصف عندما وصل تسوكورو إلى كوخ هاميلينا الصيفي. تبين له أن الأمر ليس بتلك البساطة التي توقعتها أولجا. كان الطريق المؤدي إلى الكوخ بالكاد يسمى شارعاً. إذا لم يمر بجانبه رجل كبير في السن سيظل تسوكورو هائماً إلى الأبد.
أوقف سيارته على جانب الشارع وبيده خريطة جوجل، لم يكن واثقاً كيف سيكمل الطريق، وقف رجل عجوز، حجمه صغير، بدراجته ليقدم له المساعدة. كان الرجل يرتدي سترة طويلة وفيرة بالصوف، وحذاء طويل من المطاط. طلع من أذنيه شعر أبيض، وكانت عيناه محتقنتان بالدم. بدا كأنه ساخط من شيء. أظهر له تسوكورو الخريطة، وقال إنه يبحث عن كوخ هاتيننز.
"إنه قريب.سأريك إياه". تكلم الرجل أولاً بالألمانية ثم بالإنجليزية. ركن دراجته الثقيلة بجانب شجرة، ودون أن ينتظر رداً زرع نفسه في كرسي سيارة الجولف. أشار بأصابعه الصلبة -كبقايا غصن مكسور لشجرة قديمة- على الطريق الذي على تسوكورو أن يأخذه. ظهر بجانب البحيرة شارع غير مرصوف يتجه داخل الغابة. كان أثراً مرسوماً أكثر منه شارعاً، من عجلات الشاحنات.  نما عشب أخضر بوفرة بين الطريقين، وبعد مضي بعض الوقت أصبح هذا الطريق متفرعاً، وكانت هناك عند التقاطع لافتات مثبتة على الشجرة؛ اللافتة التي على اليمين تقول هاتنين.  
اتجها في الطريق الأيمن، وبالتدريج أصبح مسافة مفتوحة. كانت البحيرة مرأية عبر جذوع أخشاب البتول البيضاء. وكان هناك ميناء صغير وفيه قارب بلون الخردل، مربوط، ؛ قارب صيد صغير، وبجانبه كوخ دافئ من الخشب محاط بمجموعة أشجار، وتبرز من السقف مدخنة من القرميد، وبجانب الكوخ تركن سيارة رينوت بيضاء.
"إنه كوخ هايتينز"، قال الرجل العجوز بصوت رخيم ومهيب، كأحد ما يريد الخروج في عاصفة ثلجية ويتأكد من أن معطفه مغلق على جسده جيداً، ثم بصق كتلة من البلغم على الأرض، بلغم قاسٍ كالصخرة.
شكره تسوكورو. "دعني أرجعك إلى المكان الذي ركنت فيه دراجتك. أعلم كيف أصل إلى هنا الآن".
"لا، لا حاجة لذلك"، قال الرجل العجوز بصوت بدا عليه الغضب. على الأقل هذا ما تخيله تسوكورو يقول. لم يفهم الكلمات، لم يبدُ من صوتها أنها بالفنلندية. وقبل أن يسلم تسوكورو عليه خرج العجوز ومشى، كأنه جريم ريبر وقد أظهر لشخص ميت الطريق إلى هيدز دون أن يلتفت وراءه.
جلس تسوكورو في الجولف، صفّها على العشب بجانب الطريق وراقب العجوز وهو يمشي، ثم خرج من السيارة وأخذ نفساً عميقاً. كان الهواء أنقى مما هو في هلسنكي، كأنه قد صُنع للتو. هز نسيم لطيف أشجار البتولا البيضاء، وأحدث القارب صخباً عندما اصطدم بالرصيف، أصدرت الطيور صوتاً في مكان ما، بنداءات واضحة وموجزة.
حدّق تسوكورو بساعته. هل أنهوا غداءهم؟ تردد في الأمر، لكنه قرر مع عدم وجود شيء يفعله أنه الوقت لزيارة هايتينز. سار مباشرة باتجاه الكوخ، يدوس العشب الصيفي  كما يرغب. كان على الشرفة كلب وكان يغفو. وقف وحدّق به؛ كلب صغير بني، شعره طويل. نبح قليلاً. لم يكن مربوطاً، لكن النباح لم يكن مهدِّداً، لذا أكمل تسوكورو طريقه.
فتح رجل الباب، ربما من تنبيه الكلب، وطل قبل أن يصل تسوكورو. للرجل لحية مكتملة، شقراء غامقة، يبدو عليه أنه في منتصف الأربعينيات. طوله معتدل، ورقبته طويلة، وكتفاه بارزتان كثيراً كجلاّد عملاق. شعره بنفس لون لحيته؛ أشقر غامق ومتشابك، وأذناه بارزتان إلى الخارج، يرتدي قميصاً ذو أكمام قصيرة مرسوم عليه مربعات، ويرتدي الجينز. نظر إلى تسوكورو عندما وصل ويده اليسرى على المقبض. أشار إلى الكلب بإصبعه حتى يوقف النباح.     
 "مرحبا"، قال تسوكورو بالإنجليزية.
"كونيشتي وا"، رد الرجل باليابانية.
"كونيتشي وا"، رد تسوكورو باليابانية. "هل هذا منزل هاتينن؟".
"إنه كذلك، أنا هاتينن، إدوارد هاتينن"، رد الرجل بيابانية طلقة.
وصل إلى درج المدخل وأخرج يده. أخرج الرجل يده وتصافحا.
"اسمي تسوكورو تازاكي".
"هل هي تسوكورو التي تعني أن تصنع أشياء؟".
"نعم، هي نفسها".
ابتسم الرجل. "أنا أصنع أشياء أيضاً".
"هذا جيد"، رد تسوكورو. "أنا أفعل ذلك أيضاً".
جاء الكلب يركض، وحك رأسه بساق الرجل، ثم فعل ذات الأمر مع تسوكورو كأنه ليس هناك شيء ليخسره. إنها طريقة للترحيب بالناس بلا شك. لمس تسوكورو الكلب وملّس رأسه.
"ما نوع الأشياء التي تصنها سيد تازاكي؟".
"أصنع محطات قطار"، قال تسوكورو.
"فهمت. هل تعلم أن أول محطة قطار في فنلندا قد بدأت تعمل بين هلسنكي وهاميلينا؟ لهذا السبب يفتخر الناس هنا بمحطتهم. وزاد على فخرهم أنها المكان الذي ولد فيه جين سايبلياس. لقد أتيت إلى المكان الصحيح".
"حقاً؟ لم أكن أعلم بذلك. ماذا تصنع يا إدوارد؟".
"الفخار"، رد إدوارد. "مجال صغير جداً مقارنة بمحطات القطار. لماذا لا تدخل سيد تازاكي؟".
"ألا أزعجك؟".
"أبداً"، قال إدوارد. وفتح ذراعيه باتساع. "نحن نرحب بأي أحد هنا. الأشخاص الذين يصنعون الأشياء كلهم زملائي. هم أناس مرحب بهم".   
لم يكن أحد آخر في الكوخ. على الطاولة فنجان قهوة وكتاب جيب باللغة الفنلندية قد ترك مفتوحاً. يبدو أنه كان يستمتع بفنجان قهوة ما بعد الغداء ويقرأ. أخذ تسوكورو إلى المقعد وجلس مقابله. وضع المؤشر في كتابه، وأغلقه، ثم أزاحه جانباً.
هل ترغب ببعض القهوة؟".
"نعم أشكرك". قال تسوكورو.
ذهب إدوارد إلى آلة صنع القهوة، سكب قهوة مغلية إلى الكأس ودفعها أمام تسوكورو.
هل تريد السكر أم الكريمة؟".
"لا، إذا كانت سوداء فهذا جيد. قال تسوكورو.
كان الكوب الملون باللون الكريمي مصنوعاً يدوياً، كان شكله غريب؛ بيد مزخرفة لكنها سهلة الحمل، وبها شعور حميم مألوف، كدفء عائلة في مزحة.
"ابنتي الكبيرة من صنعت هذا الكوب"، قال إدوارد مبتسماً بفخر. "وأنا بالطبع من أشعله بالفرن".
كان لون عينيه رمادياً فاتحاً، متناسباً جداً مع شعره الأشقر ولحيته الشقراء ذو اللون الغامق. وشعر تسوكورو بميل فوري باتجاهه. بدا إدوارد أنه مناسب للغابة وحافة البحيرة أكثر من أن يعيش في المدينة.
"متأكد أنك جئت إلى هنا لأنك بحاجة لأن ترى إري"، قال تسوكورو. " هل هي هنا الآن؟". أومأ إدوارد. أخذت الفتاتين في نزهة بعد الغداء، ربما عند البحيرة. هناك طريق رائع. يضربهن الكلب في العادة ليعودن إلى البيت، لذلك سيعدن باكراً".
"لغتك اليابانية جيدة حقاً"، قال تسوكورو.
"لقد عشت في اليابان خمس سنوات. في جيفو وناغويا. أدرس صناعة الفخار الياباني، إذا لم تتعلم اليابانية فإنك لا تستطيع فعل شيء".
"وهناك التقيت بإري".
"ضحك إدوارد داخله" هذا صحيح، وقعت في حبها فوراً. لقد أقمنا حفل زفافنا قبل ثماني سنوات في ناغويا، ثم انتقلنا إلى فنلندا. أتفرغ لصناعة الفخار. عملت لفترة قصيرة قبل أن أعود إلى فنلندا في شركة عربية كمصمم أزياء، لكني حتماً أريد أن أعمل لصالحي، لذلك قررت قبل سنتين أن أقصد العمل الحر. أدرس أيضاً في كلية في هلسنكي، يومين في الأسبوع".
"هل تقضي كل أوقات الصيف هنا؟".
"نعم، نحن نعيش هنا منذ بداية جولاي إلى منتصف أغسطس. هناك ستوديو قريب، أتشارك به مع أصدقائي. أعمل هناك منذ الصباح الباكر، وأعود دائماً إلى هنا لتناول الغداء. وأغلب أوقات العصر أقضيه مع عائلتي، نتمشى، نقرأ، وفي بعض الأحيان نذهب للصيد".
"المكان جميل هنا".
ابتسم إدوارد بفرح. "شكراً لك. إنه هادئ جداً، وأستطيع أن أنجز فيه أعمالاً كثيرة. نحن نعيش حياة بسيطة. الفتاتان تحبانه أيضاً، تستمتعان في قضاء وقتهما في الخارج. هناك رف خشبي يمتد من الأرض إلى السقف، على طول أحد الجدران البيضاء المزخرفة، مصفوف عليه فخار، من الواضح أنه من صنعه بنفسه، وهو الديكور الوحيد  في الغرفة. وقد علقت على جدار آخر ساعة دائرية بسيطة، وسماعات مدمجة، ومجموعة من الأقراص المدمجة، وخزانة قديمة مصنوعة من الخشب القاسي.
"حوالي 30% من قطع الفخار الموضوعة على تلك الرفوف من صنع إري"، قال إدوارد. بدا عليه الفخر. "إن لديها موهبة طبيعية. شيء ما فطري، ويظهر في الفخار. تبيع ما تصنعه في بعض المتاجر في هلسنكي، وبعض الفخار الذي من صناعتها هو أكثر شهرة مما أصنعه".
كان تسوكورو متفاجئاً بعض الشيء. إنها المرة الأولى التي يسمع أن كورو مهتمة بصناعة الفخار. "لم أكن أعلم أنها مهتمة بصناعة الفخار"، قال.
"لقد اهتمت بهذا الأمر بعد أن أتمت العشرين من عمرها، وعادت إلى المدرسة بعد أن تخرجت من الكلية؛ كلية الفنون في قسم الفنون الصناعية".
"هل هذا صحيح؟ إنني أعرفها منذ كانت في سن المراهقة".
"أنت صديق من المدرسة الثانوية؟".
"نعم".
"تسوكورو تازاكي"، أعاد إدوارد الاسم ثم عبس باحثاً في ذاكرته.
"أتعلم؟ أتذكر إري وهي تتحدث عنك. لقد كنتما عضوين في المجموعة الجيدة تلك المكونة من خمسة أصدقاء. هل هذا صحيح؟".
"نعم، هذا صحيح". نحن منتميان إلى مجموعة".
"حضر ثلاثة من المجموعة حفل زفافنا في ناغويا؛ أكا، شيرو، وأو. أعتقد أن هذه هي أسماؤهم. أشخاص ملونون".      
"نعم، هذا صحيح". قال تسكورو. " لم أكن قادراً- من سوء حظي- على حضور الحفل"
"لكنا الآن قادرين على لقاء بعضنا البعض مثل هذه اللقاء". قال ذلك مع ابتسامة دافئة. ارتعشت لحيته الطويلة في ذقنه كاشتعال حميمي للّهب في مخيم كشفي.  "هل أتيت إلى فنلندا في رحلة سيد تازاكي؟".
"نعم"، رد تسوكورو. الإفصاح عن الحقيقة يتطلب وقتاً. قمت برحلة إلى هلسنكي ورأيت أن أذهب في رحلة جانبية وأرى إري. حيث إنني لم أرها منذ زمن بعيد. أعتذر، لم أستطع التواصل معها قبل وقت محدد. آمل أن لا أكون قد ضايقتك".
"لا أبداً. لقد قطعت كل هذه المسافة. ونحن سعداء بك. من حسن الحظ أنني بقيت في البيت. أعلم أن إري ستكون سعيدة جداً برؤيتك".
"آمل أن تكون محقاً. تحدث تسوكورو مع نفسه.
"هل تسمح لي أن أطلع على عملك؟"، قال تسوكورو وهو يشير إلى الفخار الموضوع على الرفوف.
"بالطبع، خذ حريتك في لمس أي منها. عملي وعملها مختلطين معاً. لكني على يقين بأنك ستميز أعمالي عن أعمالها دون أن أخبرك".   

سار تسوكورو باتجاه الرف المعلق على الجدار وتأمل الفخار قطعة قطعة. كان معظمه متعلق بالطعام؛ صحون وزبادي وفناجين. وهناك أيضاً مجموعة من الفازات والجرار.
كما قال إدوارد، استطاع تسوكورو التفريق بين أعماله وأعمال إري من النظرة. الأشياء التي بملمس ناعم وبألوان بلاستية هي لإدوارد. الألوان هنا وهناك على السطح كانت أكثر انطفاء أو أكثر إضاءة، هناك ظل باهت كهبوب الريح أو تدفق الماء. ليس لأي قطعة أي تصميم مضاف. التغيير في الألوان وحده هو الأسلوب، مع أن تسوكورو مبتدئ تماماً فيما يتعلق بالفخار لكنه كان سيقول أن ألواناً مثل هذه تتطلب درجة عالية من المهارة التقنية. في القطع غياب متعمد لأي ديكور خارجي، ولأي إحساس لبق ورقيق. وبالأساس تكشف البساطة عند سكان أوروبا الشمالية التأثر الواضح بصناعة الفخار اليابانية. للقطع أيضاً وبصورة غير متوقعة من الرقة ما يكفي لجعله يمسكه، ويحس أنه طبيعي وصحيح بيديه. يولي إدوارد عناية شديدة بالتفاصيل وهذا النوع من العمل الذي يستطيع الحرفي البارع وحده إنجازه. لم يكن يستطيع أن يظهر هذا النوع من المواهب في عمله في شركة كبيرة تتعامل مع منتجات واسعة.
بالمقارنة مع أسلوب إدوارد، فإن قطع إري كانت أكثر بساطة، ويصعب أن تجاري الإتقان النهائي الدقيق لابتكارات زوجها.  إلا أن هناك إحساساً دهنياً وخصباً تجاه قطعها .الحواف ملتوية جداً وتفتقد لأي جمال مركز ودقيق. لكن لديها دفء غير طبيعي يفضي إحساساً بالارتياح والسكينة. تضيف التناقضات الخفيفة والملمس القاسي إحساساً كبيراً بالهدوء، كشعورك وأنت تلمس قطعة من الطبيعة، أو كأن تجلس على شرفة تتأمل الغيوم وهي تتحرك.
على عكس أعمال زوجها. يتميز الفخار الذي تصنعه إري بالتنوع، كالأوراق وهي تتساقط مع هبوب الرياح. وفي بعض الحالات يتبعثر التصميم فوق الخزف، وفي أخرى يجتمع في بقعة واحدة، وحسب كيفية بناء التصميم تكون القطع حزينة أو ذكية أو حتى صارخة. تذكّر التصاميم المتقنة  تسوكورو بنماذج أنيقة على كيمونو القديمة. حدق بكل قطعة محاولاً حل شيفرة كل تصميم لكنه لم يعرف ما ترمز إليه الصور. إنها أشكال غريبة لامثيل لها. من مسافة بسيطة أعاقت طريقه؛ كما تفعل الأوراق حين تتناثر على أرض الغابة. تسحق الأوراق بواسطة حيوانات مجهولة، حيوانات مخيفة جداً، تسير في طريقها بين الأخشاب.
في قطع إري- على خلاف قطع زوجها- اللون هو ببساطة ستار خلفي، وظيفته هي إظهار التصميم، إعطائه الحياة. تقوم الألوان بلطف وصمت مؤثر بدور خلفية للتصميم ذاته.
التقط تسوكورو قطعة من صنع إدوارد وبعده قطعة من صنع أري ثم قارنهما. يجب أن يعيش هذا الثنائي في توازن جميل في الحياة أيضاً. التناقض السار في ابتكاراتهما الفنية توحي بذلك. أسلوبهما مختلف، لكن يبدو عليهما أنهما يتقبلان طبيعة بعضهما البعض المميزة.
"بما أنني زوجها فليس لي الحق أن أمدح عملها بدرجة كبيرة"، قال إدوارد، وهو ينظر إلى انفعال تسوكورو. "ماذا تقول عنه في اليابانية؟ تحيز؟ هل هي الكلمة الصحيحة؟".
ابتسم تسوكورو، لكنه لم يقل شيئاً.
"لا أقول ذلك لأننا متزوجان، لكنني حقاً أحب عمل إري. هناك الكثيرمن الناس في العالم من يستطيع صنع فخار أفضل وأجمل. لكن الفخار الذي تصنعه ليس ضيقاً في أي طريقة. إنك تشعر بسخاء مليء بالعاطفة. أتمنى أن أستطيع توضيح ذلك بشكل أفضل".
"أفهم بالضبط ما تريد قوله"، قال تسوكورو.
"أظن أن شيئاً مثل هذا يأتي من الجنة"، قال إدوارد مشيراً إلى السقف. "إنها موهبة. ولا أشك أنها تزداد مهارة مع الوقت. لا زال لإري متسع كبير لتكبر".
توقف الكلب في الخارج توقفاً مميزاً ومحبباً.
"لقد عادت إري والفتاتان"، قال إدوارد، وهو ينظر إلى ذلك الاتجاه. وقف، ثم سار باتجاه البوابة.
أعاد تسوكورو بحذر الفخارة التي صنعتها إري إلى الرف هناك، منتظراً إياها أن تصل. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق