السبت، 18 يوليو 2020

الفصل (17) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه- هاروكي موراكامي





جلسا قبالة بعضهما على الطاولة، وأخذ كل منهما دوره في التعبير عما في قلبه، أمور لم تصغ منذ سنين في كلمات، أمور كانا يحتفظان بها بأرواحهما. استمعا بهدوء؛ مزيلان الأغطية عن قلبيهما، مقتلعين أبواب الذاكرة، كاشفين المشاعر الصادقة، كالآخرين.
تحدثت إري أولاً.
 "قاطعت يوزو في نهاية الأمر. كان علي أن أبتعد عنها. أردت أن أبتعد بقدر ما أستطيع عن أي شيء قد يزعجها. لذلك اتجهت إلى صناعة الفخار، وتزوجت من إدوارد وانتقلت إلى فنلندا. لم أخطط لذلك بالتأكيد بل آل بي الأمر إلى ذلك. كان لدي إحساس نوعاً ما أن عدم اهتمامي بيوزو مجدداً كان مقصوداً.   لقد أحببتها أكثر من أي شخص آخر، لقد كانت بمثابة نفسي الأخرى، لذلك كنت أريد أن أساعدها بقدر ما أستطيع، لكني كنت مجهدة. الاعتناء بها كل تلك المدة قد أرهقني، بغض النظر عن مقدار محاولتي لمساعدتها لم أكن أقدر أن أوقفها عن معناتها من الواقع. كان ذلك سيئاً بالنسبة لي. أعتقد بأنني إن بقيت في ناغويا سيذهب عقلي أيضاً. لا أعلم. ربما أضع مبررات؟".
"إنك تخبرين بما شعرت فحسب. هذا مختلف عن خلق مبررات".
عضت إري شفتها. "لكن تبقى حقيقة أنني هجرتها. ذهبت يوزو وحدها إلى هامامتسو وقُتلت. كان لديها أكثرعنق ناعمة ومحببة. هل تذكرها؟ كطائر جميل، ذلك النوع من الأعناق التي تُنهش بسهولة. لو كنت باليابان ربما لم يحدث لها ذلك. وكنت لم أدعها تذهب إلى بلدة لا تعرفها. لوحدها".
"ربما. ولكن إن لم يحدث ذلك وقتها فربما سيحدث ذات الشيء لاحقاً في مكان آخر. لا تستطيعين مراقبتها كل ثانية وكل يوم. لديك حياتك الخاصة. لقد فعلت ما تستطيعين فحسب".
هزت إري رأسها. "لقد حدثت نفسي بذلك، لا أعلم كم مرة. لكن ذلك لم يفي بالغرض. جزء مني أراد أن يبتعد عنها لأحمي نفسي، لا أنكر ذلك. مقسومة من تساؤل هل حميتها أم لا، كان علي أن أتعامل مع صراعي، وأثناء ذلك أضعتك أنت أيضاً. عليّ في إعطاء الأفضلية في مشكلة يوزو أن أهجر تسوكورو تازاكي الذي لم يفعل شيئاً خاطئاً، لقد جرحتك بعمق، كل ذلك لأنه كان مناسباً للموقف، وبعيداً عن ذلك لقد أحببتك كثيراً...".
لم يتفوه تسوكورو بشيء.
"لكن تلك ليست كامل القصة"، قالت إري.
"لا؟".
"في الحقيقة، لم أهجرك بسبب يوزو فقط. ذلك مبرر مختلق. لقد فعلت ذلك لأنني جبانة. لم يكن لدي أدنى ثقة بنفسي كامرأة. كنت متأكدة أنه مهما أحببتك لن تبادلني ذلك الحب، كنت واثقة بأنك تحب يوزو. لهذا السبب كنت قادرة على قطع علاقتي بك بتلك القسوة. لقد قمت بذلك لأحافظ على مشاعري تجاهك.
لو كان لدي القليل فقط من الثقة بالنفس والشجاعة وعدم الاعتزاز بالنفس الغبي لما هجرتك بمثل تلك الطريقة بغض النظر عن الظروف. ولكن حدث شيء خاطئ معي حينها. أعلم بأني فعلت شيئاً سيئاً للغاية، أنا أعتذر عن ذلك حقاً".
حل الصمت عليهما.
"كان يجب أن أعتذر لك منذ وقت طويل"، قالت إري أخيراً. "أعلم ذلك جيداً، لكني لم أستطع. لقد كنت أخجل من نفسي كثيراً".
"لا داع أن تقلقي بشأني بعد الآن"، قال تسوكورو. "لقد نجوت من الأزمات. سبحت في البحر الليلي وحدي. كل منا قد فعل ما كان يجب أن يفعل لينجو. جاءني إحساس بأنه حتى لو قمنا بقرارات مختلفة، حتى لو اخترنا أن نقوم بالأفعال بطريقة مختلفة فقد ننتهي إلى ما نحن عليه الآن أيضاً".
عضت إري شفتها وفكرت في ذلك. "هل تخبرني بشيء؟"، قالت بعد بعض الوقت.
"ما الأمر؟".
"لو جئت إليك في ذلك الوقت وأخبرتك بأنني أحبك، هل كنت ستخرج معي؟".
"حتى لو أخبرتني بذلك بوجهي مباشرة ما كنت لأصدق"، قال تسوكورو.
"لم لا؟".
"لا أستطيع تخيل إحداهن تخبرني بأنها تحبني، أو تنتظر أن تكون حبيبتي".
"لكنك كنت ودوداً، لطيفاً، وهادئاً، وقد عرفت طريقك في الحياة. بالإضافة إلى أنك حسن المنظر".
هز تسوكورو رأسه. "لدي وجه ممل حقاً. لا أحب شكلي".
ابتسمت إري. ربما أنت محق. ربما لديك وجه ممل للغاية وحصل شيء سيء معي. ولكن على الأقل بالنسبة لفتاة سخيفة عمرها ست عشرة سنة فقد كنت وسيماً بما فيه الكفاية. لقد حلمت كم هو عظيم أن يكون لدي حبيب مثلك".
"لا أستطيع أن أدعي بأن لدي شخصية أيضاً".
"كل شخص حي لديه شخصية. لكنها تكون واضحة عند أناس أكثر من غيرهم". اضيقت عينا إري ونظرت إليه مباشرة. " أخبرني إذاً كيف سترد؟ هل ستسمح أن أكون حبيبتك؟".
"بالطبع نعم"، قال تسوكورو. "لقد كنت معجباً بك حقاً. وكنت منجذباً إليك حقاً بطريقة تختلف عن إعجابي بيوزو. لو أخبرتني بما تشعرين بالطبع كنت أود أن تصبحي حبيبتي. وأظن أننا سنكون سعيدين سوياً".
سيكونان زوجين مقربين وحياتهما مليئة بالحب، فكر تسوكورو. وسيكون هناك الكثير ليتشاركا به. تبدو شخصيتهما في السطح مختلفة؛ تسوكورو انطوائي وكتوم، وإري اجتماعية وكثيرة الكلام، أما الآن فلقد تشاركا الرغبة في بناء الأشياء بأيديهما الخاصة، أشياء لها معنى.مع أن تسوكورو كان لديه إحساس بأن هذا القرب سيكون لفترة قصيرة. شق لا سبيل لاجتنابه سيكبر بين ما يريد هو وإري في حياتهما. كانا في سن المراهقة في ذلك الوقت ولا يزالان يكتشفان طريقهما، وفي النهاية سيصلان إلى مفترق طرق وسيذهب كل واحد في اتجاه. دون قتال ودون إيذاء بعضهما، بشكل طبيعي وبهدوء. وسيتغير الطريق أليس كذلك؟ فكر تسوكورو. بالنسبة إليه سيذهب إلى طوكيو ويبني المحطات، وبالنسبة إلى إري فستتزوج من إدوارد وتنتقل إلى فنلندا.
لم تكن الأمور غريبة إذا حدثت بتلك الطريقة، إنها ممكنة للغاية. ولن تكون التجربة سلبية بالنسبة لهما. حتى إن لم يعودا حبيبين فسيبقيان صديقين جيدين. في الواقع لم يحدث أي شيء من هذا قط. في الواقع لقد حصل شيء مختلف تماماً. وتلك الحقيقة مهمة الآن أكثر من أي شيء آخر. 
"حتى لو لم تخبريني الحقيقة، سأكون سعيدة إن قلت لي ذلك"، قالت إري.
"أنا أيضاً أقول الحقيقة"، قال تسوكورو. "لا أمزح في أمور مثل هذه. أعتقد بأننا سنقضي وقتاً رائعاً سوياً. وأعتذر لأن ذلك لم يحدث. أنا أعتذر حقاً".
ابتسمت إري. بلا أثر للسخرية.
تذكر تسوكورو الحلم المثير الذي كان بين الفتاتين. كيف كل الوقت كانتا مع بعضهما ولكن كيف كانت يوزو دائماً من يدخل بها. ولا مرة قذف داخل إري. لم يكن متأكداً من الأهمية لكنه لا يستطيع إخبار إري بذلك. مهما كنت صادقاً مع شخص ما تبقى أشياء لا تستطيع الإفصاح عنها.
عندما فكر بتلك الأحلام وبإصرار يوزو على أنه قد اغتصبها، وإصرارها بأنها حامل وجد بأنه لا يستطيع رفض القصة كلياً وكأنها مختلقة، ولا يستطيع أن يقول بأنه ليست لديه فكرة عما تتحدث عنه. ربما كل ذلك حلم ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن ينجو من ذلك الشعور بأنه بطريقة ما مسؤول عن ذلك. ليس بشأن الاغتصاب فحسب ولكن بشأن قتلها. بتلك الليلة الماطرة من ليالي مايو شيء ما داخله لا يعرفه انزلق إلى هامامتسو وخنق تلك العنق الرفيعة الجميلة الهشة.  
كان يستطيع أن يرى نفسه يطرق باب شقتها." هلا أدخلتني؟"، قال بهذه الرؤيا. "لدي ما أريد قوله"، يرتدي معطفاً أسود مبللاً، رائحة ليلة مطرية طويلة تحوم حوله.
"تسوكورو؟"، سألت يوزو.
"لدي شيء أريد أن أتحدث بشأنه"، يقول. "إنه مهم للغاية، لهذا جئت إلى هامامتسو. لن يستغرق ذلك كثيراً. افتحي الباب أرجوكِ"، يبقى يتوسل الباب المغلق. "أعتذر عن القدوم بهذه الطريقة دون اتصال. ولكن إن اتصلت بك قبل ذلك قد لا ترينني".
ترددت يوزو ثم بهدوء أرخت قفل الباب. شد بيده اليمنى الحزام الذي كان داخل جيبه.
كشر تسوكورو. لمَ عليه أن يتخيل ذلك المشهد المخيف؟ ولمَ عليه أن يكون الشخص الذي شنقها؟
ليس هناك أسباب ليكون هو الفاعل إطلاقاً. لم يكن تسوكورو ليقتل أي شخص إطلاقاً لكنه ربما حاول قتل يوزو بطريقة رمزية مجردة. لم يكن تسوكورو نفسه يعلم ما الظلمة العميقة التي تختبئ في قلبه. الذي يعرفه هو أن داخل يوزو أيضاً تختبئ ظلمة داخلية عميقة وظلمتها وظلمته بمكان ما وبدرجة سرية قد اتصلتا. وربما كان شنقها هو ما تريده يوزو بالضبط. وربما بظلمتهما الممتزجة شعر بتلك الرغبة.
"أنت تفكر بيوزو؟".  سألت إري.
"أنا دائماً ما أحسب نفسي الضحية"، قال تسوكورو. "مجبر دون أي سبب أن أعاني بقسوة، أجرح عاطفياً بعمق، لقد رُميت حياتي حتماً. في حقيقة الأمر، أحياناً أكرهكم الأربعة، أتساءل لم أنا الوحيد الذي عليه أن يخوض تلك التجارب السيئة. ولكن ربما ليست هذه هي القضية. ربما لم أكن الضحية، بل لقد آذيت من هم حولي أيضاً دون أن أدرك ذلك، وجرحت نفسي مجدداً بالمقابل".   
  حدقت إري دون أن تنطق كلمة.
"وربما قتلت يوزو"، قال تسوكورو بصدق. "ربما أنا هو الشخص الذي طرق بابها".
"بإحساس معين". قالت إري.
أومأ تسوكورو.
"لقد قتلت يوزو أنا أيضاً"، قالت إري. "بإحساس"، نظرت إلى ناحية واحدة. "ربما أنا من طرق بابها في تلك الليلة".
نظر تسوكورو إلى صورتها الجانبية المحمرة. دائماً ما كان يحب أنفها المرتفع قليلاً.
"يجب أن يتعايش كلانا مع ذلك الحمل". قالت إري.
سكتت الرياح للحظة وبقيت ستائر النافذة متدلية. توقف القارب عن الخشخشة عند ارتطامه بالرصيف. الشيء الوحيد الذي يستطيع سماعه هو نداء الطيور وغناؤها بلحن لم يسمعه من قبل.
استمعت إري إلى الطيور لبعض الوقت، التقطت مشبك الشعر وربطت شعرها إلى الخلف كذيل، وبلطف ضغطت بأطراف أصابعها على جبهتها. "ما رأيك بالعمل الذي يقوم به أكا؟". سألت. وكوزنٍ قد أزيل عنها وتدفق تيار الزمن ببطء.
"لا أعلم"، قال تسوكورو. "العالم الذي يعيش به بعيد تماماً عن عالمي، من الصعب علي قول ما إذا كان جيداً أم لا".
"بالنسبة إليّ لا أحب ما يفعله، ولكن هذا لا يعني أنني أستطيع قطع علاقتي به. فلقد كان واحداً من أعز أصدقائي. وإلى الآن لا زلت أعتبره صديقاً جيداً. مع أنني لم أره منذ سبع إلى ثماني سنين".
وضعت يدها على شعرها مرة أخرى. "يخصص أكا كل سنة مبلغاً كبيراً من المال للمصنع الكاثوليكي الذي يدعم المدرسة التي تطوع بها. الناس هناك شاكرين حقاً لما يقوم به. بالكاد تدير المدرسة الأمور المالية. ولكن لا أحد يعلم أنه يتبرع. إنه يصر أن يبقي ذلك سرياً. ربما أكون الشخص الوحيد بالإضافة إلى الأشخاص الذين يعملون بالمدرسة الذين نعرف أنه يتبرع كثيراً. لقد اكتشفت ذلك بالصدفة. تعلم يا تسوكورو أنه ليس شخصاً سيئاً. أريدك أن تعي ذلك. إنه فقط يدعي بأنه سيء. هذا كل ما في الأمر. لا أعلم لماذا. ربما يجب أن يفعل ذلك".
أومأ تسوكورو.
"ونفس المأخذ على أو"، قالت إري. "يكفي أن لديه قلب نقي جداً. وهذا الأمر يجعل نجاته من العالم الحقيقي صعباً. كلاهما كان ناجحاً أكثر من الباقين باختصاصاتهما المختلفة. لقد وضعا مجهوداً كبيراً وصادقاً في العمل. ما أحاول قوله هو أنه لم يكن خسارة لنا أن نكون نحن بالطريقة التي نحن معاً فيها كمجموعة. أنا حقاً أؤمن بذلك حتى لو كان ذلك لبعض السنوات القصيرة".
حبست إري وجهها بيديها مرة أخرى. صمتت لبعض الوقت ثم نظرت إلى أعلى وتابعت.
"لقد نجونا. أنت وأنا. ومن ينجو تكون لديه مهمة، ومهمتنا أن نفعل ما نستطيع لنبقى أحياء حتى لو كانت حيواتنا غير مثالية".
"أقصى ما أستطيع فعله هو الاستمرار في بناء محطات القطار".
"هذا جيد. هذا ما يجب أن تستمر في فعله. أنا متأكدة من أنك تبني سكك حديد رائعة وآمنة ويستمتع الناس في استخدامها".
"آمل ذلك". قال تسوكورو. "ليس مطلوب منا أن نفعل ذلك ولكن عندما أشرف على البناء في قسم واحد من المحطة أكتب اسمي فيها دائماً، أكتبه بإسمنت رطب وإبرة. تسوكورو تازاكي. لن ترينه من الخارج".
ضحكت إري. إذاً حتى إن ذهبت ستبقى محطاتك الرائعة. مثلما أفعل، فأنا أضع الحروف الأولى من اسمي على ظهر الأطباق".
ـــــــــــ
رفع تسوكورو رأسه ونظر إلى إري. "لا يوجد هناك مشكلة إن تحدثت عن حبيبتي. أليس كذلك؟".
"كلا بالطبع"، قالت إري. ظهرت ابتسامة جذابة على شفتيها. "أرغب في معرفة كل شيء عن          حبيبتك التي تكبرك سناً".
أخبرها تسوكورو عن سارة. كيف رآها جذابة بطريقة غريبة من أول مرة رآها فيها. وكيف أقاما علاقة في موعدهما الثالث. عندما أرادت أن تعرف كل شيء عن المجموعة التي تعرف عليها في ناغويا. وكيف عندما رآها للمرة الأخيرة قد أصبح عاجزاً. أخبر تسوكورو إري بكل ذلك ولم يخفِ شيئاً. وكيف أرغمته سارة على زيارة أصدقائه السابقين في ناغويا وأن يسافر إلى فنلندا. أخبرته أنه إذا لم يفعل ذلك فلن يسيطر على ثقل المشاعر التي ما زال يحملها. أحس تسوكورو بأنه يحب سارة. وفكر أنه يرغب الزواج بها. قد تكون هذه هي المرة الأولى التي أحس بمشاعر قوية مثل هذه تجاه أحد. ولكنها تبدو أن لديها حبيب يكبرها سناً. عندما رآها تسير معه في الشارع كانت تبدو سعيدة جداً ومرتاحة جداً ولم يكن متأكداً أنه سيجعلها سعيدة بهذا القدر.
استمعت إري له بإصغاء ولم تقاطعه. وأخيراً تحدثت.
"أتعلم يا تسوكورو، عليك أن تستمر معها. بغض النظر عن أي شيء. أنا على يقين من ذلك. إذا جعلتها تذهب الآن فقد لا تجد أحداً آخر في حياتك".
"ولكن ليس لدي ثقة".
"لم لا؟".
"لأنني ليس لدي إحساس بذاتي. ليس لدي شخصية ولا لوناً مشرقاً. ليس لدي ما أعرضه. هذه كانت مشكلتي دائماً. أشعر بأني مزهرية فارغة. لدي شكل على ما أظن كصندوق ولكن ليس هناك شيء في الداخل. لا أرى نفسي الشخص المناسب لها. أعتقد أنه كلما مر الوقت وكلما عرفت أكثر عني سأخيّب ظنها أكثر وستختار أن تبتعد عني".
"عليك أن تحظى بالشجاعة وأن تكون واثقاً من نفسك. أعني، أنا قد أحببتك صحيح؟ في وقت ما كنت سأعطيك نفسي. كنت سأفعل ما تريد مني أن أفعل. امرأة حقيقية ذات دم حار أحست بذلك الإحساس القوي تجاهك مرة. هذا يوضح كم أنت ثمين. أنت لست فارغاً على الإطلاق".    
"أقدر ما قلت"، قال تسوكورو. "أقدر ذلك. ولكن كان ذلك حينها. ماذا عن الآن؟ عمري ست وثلاثين سنة، ولكن عندما أفكر من أنا أكون متوتراً كما أو أكثر مما قد توترت يوماً. لا أستطيع أن أحدد ما علي فعله. لم أشعر بذلك الشعور القوي تجاه أحد من قبل".
"دعنا نقول إنك مزهرية فارغة. وإن يكن. ما الأمر السيء في ذلك؟ قالت إري. "تبقى مزهرية رائعة وجذابة. وصدقاً هل من أحد يعرف من هو؟ إذاً لم لا تكون مزهرية جميلة بكل معنى الكلمة؟ يكنّ الناس اللطفاء بإحساس جيد تجاهها، ويريد الناس اللطفاء أن يكونوا مسؤولين عن المحتويات الثمينة".   
فهم تسوكورو ما تريد أن تصل إليه. ولكن سواء انطبق عليه أم لا يبقى هناك سؤال آخر.
"عندما تعود إلى طوكيو"، قالت إري. "أخبرها بكل شيء، أن تكون منفتحاً وصادقاً هي الطريقة الأفضل دائماً لتستمر. ولكن لا تخبرها بأنك رأيتها مع رجل آخر. احتفظ بذلك لنفسك. هناك أشياء لا تريد المرأة أن يراها الآخرون. بالإضافة إلى ذلك، أخبرها بكل ما تشعر".
"إري أنا خائف. أخاف إن فعلت شيئاً خاطئاً أو قلت شيئاً خاطئاً أن تدمر كل شيء  وتزول علاقتنا للأبد".
هزت إري رأسها ببطء. "لا يختلف عن بنائك المحطات. إذا كان هناك شخص مهم بما فيه الكفاية فخطأ صغير لن يتلف كل ذلك، أو يدعه يزول. قد لا يكون تاماً ولكن الخطوة الأولى في الواقع هي بناء المحطات أليس كذلك؟ وإلا فلن تقف القطارات فيها. ولن تقابل الشخص الذي يعني لك الكثير. إن وجدت خللاً فإنك تستطيع أن تسويه لاحقاً بقدر الحاجة. الأشياء الأولى أولاً. ابنِ المحطة. محطة مميزة لها فقط. ذلك النوع من المحطات التي تتوقف فيه القطارات حتى لو لم يكن هناك سبب لذلك. تخيل ذاك النوع من المحطات وأعطه لوناً وشكلاً حقيقيين. اكتب اسمك على البناء بإبرة واستنشق الحياة بداخله. أعلم أن لديك القوة لفعل ذلك. لا تنسَ أنك أنت من سبح في البحر المتمجد ليلاً".

طلبت إري منه أن يبقى للغداء.
"لقد التقطوا سمك سلمون مرقط كبيراً طازجاً. لقد قمنا بقليه مع عشب بمقلاة، لكن مذاقه رائع. نود أن تبقى وتأكل معنا".
"شكراً، ولكن من الأفضل أن أعود. أريد أن أصل إلى هلنسنكي ولا تزال الشمس مضيئة".   
ضحكت إري. "ولا تزال الشمس مضيئة؟" إنه الصيف في فنلندا. إنها تبقى تقريباً كل الليل".
"أعلم ولكن علي أن أذهب". جزم تسوكورو بالجواب.
أدركت إري كيف يشعر.
"أشكرك لأنك قطعت كل هذه المسافة لتراني"، قالت. "لا أستطيع أن أخبرك كم أنا سعيدة لأننا تحدثنا مثل ذلك. لقد أحسست حقاً كأن عبئاً كبيراً قد انزاح، شيئاً قد أثقلني للأبد. لا أقول أن ذلك حل كل شيء ولكن هناك راحة هائلة".
"أشعر بنفس الطريقة"، قال تسوكورو. "الحديث معك قد ساعد كثيراً. وأنا سعيد بأنني قابلت زوجك وطفلتيك ورأيت نوع الحياة التي تعيشين بها. هذا وحده جعل الرحلة تستحق الجهد".
غادرا الكوخ ومشيا حتى وصلا المكان الذي ركن به سيارته الجولف فولكزفاجن. وببطء كأنهما يزنان أهمية كل خطوة تعانقا مرة أخرى، وهذه المرة لم تبكِ. أحس بابتسامتها الرقيقة على عنقه، وشد صدرها الممتلئ على صدره، وأصبح ممتلئاً بالحيوية للبقاء على قيد الحياة. كانت أصابعها على ظهره قوية وحقيقية.
تذكر تسوكورو فجأة الهدايا التي جلبها لها وللفتاتين من اليابان. أخرجهما من حقيبة ظهره في السيارة وأعطاها لها، مشبك شعر من خشب البقس لإري، وكتب مصورة يابانية للطفلتين.
"شكراً لك تسوكورو"، قالت إري. "لم تتغير قط. أنت دائماً لطيف جداً".
"هذا لا شيء"، قال تسوكورو. تذكر في المساء عندما اشترى الهدايا ورأى سارة تسير إلى أوموتيساندو مع ذلك الرجل. إن لم يفكر في شراء الهدايا لم يكن ليرى ذلك المشهد. إنه شيء غريب.
"وداعاً تسوكورو تازاكي. رحلة آمنة إلى الوطن"، قالت إري كأنهما يتودعان. "لا تدع القزم السيء يهزمك".
"القزم السيء؟".
اضيقت عينا إري، ولوت شفتيها بشكل مؤذ، كالأيام القديمة. "إنه مثل نستخدمه كثيراً هنا. لا تدع القزم السيء يهزمك. الكثير من المخلوقات قد عاشت في هذه الغابات منذ الزمن الغابر".
"فهمت"، ضحك تسوكورو. "سأبقي عيني متيقظة له".
"إن حصلت فرصة"، قالت إري، "أخبر أو وأكا أنني على ما يرام هنا".
"سأفعل".
"أعتقد أنك لا بد أن تراهما في وقت ما. أو تجتمعوا ثلاثتكم. من أجلك ومن أجلهم".
"أتفق معك. قد تكون هذه فكرة جيدة"، قال تسوكورو.
"سيكون هذا جيد بالنسبة لي أيضاً"، قالت إري. "مع أنه لا أستطيع أن أكون معكم".
أومأ تسوكورو. " عندما تستقر الأمور سأحرص على أن أفعل ذلك. لأجلك أيضاً".
"لكن هذا غريب. أليس كذلك؟"، قالت إري.
"ما هو الغريب؟".
"ذلك الوقت المذهل من حيواتنا قد ذهب ولن يعود. كل الاحتمالات الجميلة التي كانت لدينا قد ابتلعها تدفق الزمن".
أومأ تسوكورو بصمت. فكر أنه يجب أن يقول شيئاً لكن لم تأت أية كلمة.
"الشتاء هنا طويل جداً"، قالت إري، وهي تنظر إلى البحيرة، بدت كأنها تعرّف بنفسها من بعيد. "الليالي أيضاً طويلة جداً وتبدو أنها لا تنتهي. كل شيء يتجمد كأن الربيع لن يأتي. كل أنواع الأفكار المظلمة تأتيني. مع محاولاتي الكثيرة لتجنبها".
لم تأت أية كلمة بعد. لحق تسوكورو بصمت نظرتها إلى سطح البحيرة. وقد حصل ذلك متأخراً؛         بعد أن صعد الطائرة التي تأخذ الطريق المباشر إلى ناريتا ووضع حزام الأمان، أن أتت الكلمات، الكلمات التي كان يجب أن يقولها. يبدو أنّ الكلمات الصحيحة دائماً ما تأتي متأخرة.
أدار المفتاح وشغل المحرك. استيقظ المحرك ذو الأربع أسطوانات لسيارة الجولف من نومه القصير، وببطء التقط قافيته.
"وداعاً"، قالت إري، "كن بخير واحرص على أن تمضي مع سارة، أنت بحاجة إليها فعلاً".
"سأحاول".
"تسوكورو، هناك شيء واحد أريدك أن تتذكره. أنت لست عديم اللون. تلك أسماء فقط. أعلم أننا اعتدنا أن نضايقك به، لكن هذه نكتة غبية فقط. تسوكورو تازاكي شخص رائع وله لون. شخص يبني محطات مذهلة. مواطن بصحة جيدة ذو ست وثلاثين سنة، له صوت، ويدفع الضرائب، شخص يستطيع أن يسير كل تلك المسافة جواً فقط ليراني. أنت لا تفقد أي شيء أبداً. كن واثقاً من نفسك وكن جريئاً. هذا كل ما تحتاجه. لا تدع الخوف والكبرياء الغبي يجعلانك تخسر شخصاً عزيزاً عليك".
وضع السيارة في وضع القيادة ودعس على البنزين. رفع يده خارج النافذة المفتوحة ولوح بها، رفعت يدها عالياً.
اختفت داخل الأشجار أخيراً. كل ما يراه في المرآة الخلفية الآن اللون الأخضر الغامق لصيف فنلندا. بدت الرياح نشطة مجدداً واندفعت أمواج صغيرة على سطح البحيرة، وظهر رجل طويل في زورق جليدي في الماء، ببطء وصمت انزلق في الماء كمدومة ضخمة.
قد لا أعود هنا مرة أخرى، فكر تسوكورو، ولا أرى إري مجدداً. كلانا لديه طريق ليتبعه كل في موقعه. كما قال أو، ليس هناك عودة. اشتد الحزن حينها، بصمت كالماء داخله؛ حزن شفاف لا شكل له،        حزن يستطيع لمسه، الآن هو شيء بعيد أيضاً، بعيد المنال. أصابه ألم كأنه اقتلع صدره، وبالكاد يستطيع التنفس.
عندما وصل الطريق المعبّد، ركن السيارة جانباً، أطفأ المحرك، ارتخى على مقود السيارة وأغلق عينيه. كان قلبه ينبض بسرعة فأخذ أنفاساً عميقة وبطيئة. وكأنه قد تعافى، ولاحظ فجأة شيئاً بارداً وقاسياً بالقرب من مركز جسده كنواة أرض صلبة تبقى متجمدة طول العمر. كان هذا مصدر الألم في صدره وصعوبة التنفس. لم يعلم حتى هذه اللحظة أن هناك شيء موجود داخله.
هناك ذلك الألم الآن، وذلك الإحساس بالصدمة الذي يحتاجه. إنه بالضبط ما يجب أن يتعرف عليه وما يجب أن يواجهه. من الآن فصاعداً عليه أن يذيب تلك النواة الباردة شيئاً فشيئاً. قد يستغرق ذلك وقتاً ولكن هذا ما يجب أن يفعله. ولكن لم تكن حرارة جسده كافية لإذابة تلك التربة المتجمدة. إنه يحتاج دفء شخص آخر.
يجب عليه أولاً أن يعود إلى طوكيو. هذه هي الخطوة الأولى. أدار المفتاح وشغل المحرك مرة أخرى.
في الطريق إلى هلسنكي دعا تسوكورو أن لا يلتقط إري قزم الغابة السيء. كل ما يستطيع فعله في هذه المرحلة هو الدعاء.                  

هناك تعليقان (2):