الثلاثاء، 21 فبراير 2017

الفصل (3) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه - هاروكي موراكامي


        لقد خسر تسوكورو في منتصف العام خمسين باونداً وهو هائم على حافة الموت، هذا الشيء الوحيد الذي يمكن توقعه؛ إذ إنه بالكاد كان يتناول طعامه.
كان وجهه مليئاً في طفولته حتى إن حصل شيء، أما الآن فقد أصبح هزيلاً ونحيلاً، فشدُّ الحزام لم يكن كافياً، كان عليه أن يشتري بنطالاً أضيق. عندما يخلع ثيابه، كانت تظهر ضلوعه البارزة مثل قفص رخيص. وقد ساءت حالته بشكل واضح، وانحنت أكتافه إلى الأمام، وأصبحت رجلاه مع هذه الخسارة في وزنه طويلتان ورفيعتان مثل رجليّ طائر اللقلق. وبينما كان ينظر إلى نفسه في المرآة أتته فكرة صادمة، هذا جسد رجلٍ عجوز أو جسد رجل مقبل على الموت.
كان أثناء ذلك يحدّث نفسه، حتى لو كنتُ حقاً رجلاً مقبلاً على الموت فليس هناك الكثير لأفعله تجاه ذلك، ذلك لأنني على حافة الموت فعلاً. لقد نجوت...بالكاد نجوت، كنتُ أتشبث بالعالم مثل قشرة مهمَلة لحشرة متعلقة بفرع شجرة، وتتفتت إلى الأبد من هبوب العاصفة، ولكنّ حقيقة أنه يشبه رجلاً اقترب من الموت قد صدمته بقوة مرة أخرى. ثبّت نظره على صورة جسده العاري لوقت طويل مثل رجل يشاهد تقريراً على التلفاز عن زلزال ضخم أو فيضان قويّ في أرضٍ بعيدة.
فكرةٌ مفاجئةٌ قد صدمته؛ ربما قد متُّ بالفعل عندما رفضني أربعتهم، ربما الشاب الذي يدعى تسوكورو قد مات فعلاً، وبقيت صورته الخارجية فقط، ولكنها بالكاد تُرى، وبعدها على مدار السنة التالية حتى القشرة كانت قد تبدلت بسبب ما عاناه جسده وقلبه من التغير القاسي. الإحساسُ بالرياح، صوتُ تدفق المياه، لمسُ ضوء الشمس المتكسر في الغيوم، ألوانُ الزهور عند تبدل الفصول، كل شيء حوله قد تغير، وكأنه قد تمت إعادة صياغته من جديد. ربما الشخص الموجود هنا والذي رآه في المرآة كان ومضة شبيهة بتسوكورو تازاكي، ولكنها لم تكن هو في الحقيقة، لقد كانت -وعلى سبيل الراحة- صندوقاً مطبوعاً عليه اسمه ولكنّ محتوياته قد استبدلت بأخرى، إنه ينادى بهذا الاسم لأنه لا يملك اسماً آخر في الوقت الحالي.    

لقد جاءه حلم غريب في تلك الليلة وعذّبه ذلك الإحساس القويّ بالغيرة، لم يرَ من قبل حلماً قوياً ونابضاً مثل ذلك الحلم.
لم يفهم تسوكورو شعور الغيرة من قبل، ولكنه كان بالطبع يفهم فكرته، الشعور الذي تكنّه لشخص تمتلكه، أو تستطيع ببساطة أن تحصل عليه، الملكات أو المواهب، أو المكانة التي تشتهي أن تكون فيها. هو شعورك بأنك تحبّ امرأة حباً عميقاً، لتجدها بين أحضان رجل آخر. حقدٌ، غيظٌ، رفضٌ، خيبة أمل، وغضب، تلك المشاعر التي لا مخرج منها.
ولكنه لم يجربها على نحو شخصيّ، لم يتمنَّ أن تكون لديه تلك الملكات أو الهبات التي لا يمتلكها، لم يكن قد مرّ بحب عميق جداً، لم يحنّ إلى أحد ولم يحسد أحداً. لا نقول أنه لم تكن هناك أشياء غير راضٍ عنها، أو أشياء يفتقر إليها. فلو أراد تدوينها في قائمة لفَعَل، لن تكون كبيرة و ليست أسطر معدودة بالمقابل، ولكنّ هذه المشاعر بالإضافة إلى تلك التي كانت تنقصه قد بقيت داخله، ولم تكن من ذلك النوع الذي يحفّزه -على الأقل في ذلك الوقت- على الذهاب إلى مكان آخر باحثاً عن أجوبة.
لكن تلك المرأة التي في ذلك الحلم قد أثارت رغبته، لم يكن واضحاً من تكون، كانت هناك فحسب، وكانت لديها قدرة خاصة على التفريق بين جسدها وقلبها. سأعطيك أحدهما. أخبرت تسوكورو. جسدي أو قلبي. لا تستطيع أن تأخذ كليهما. عليك أن تختار الآن. أما الجزء الآخر فسأعطيه لغيرك. قالت. لكن تسوكورو كان يريد جميعَها. لم يكن يريد أن يتخلى عن نصفها لرجل آخر. لم يستوعب ذلك، إذا كان الأمر بهذه الكيفية فسيخبرها أنه لا يحتاج إلى أي جزء منها. لكنه لم يستطع، كان في وضع حرج، غير قادر على المضيّ وغير قادر على العودة.
لقد هاجمه ألم رهيب، مثل أن يكون باطن جسده قد انتُزع بأيدٍ ضخمة. نُهشت عضلاته، صرخت عظامه من الألم، وشعر بعطش شديد، كأن كل خلية في جسده قد جفت وسُحبت منها كل رطوبتها. اهتز جسده بغضب من فكرة إعطاء نصفها إلى شخص آخر، وصار هذا الغضب طيناً كثيفاً ليّناً يندفق من رئتيه، كانت رئتاه منفاخين هاجئين، بينما كان قلبه يتسارع مثل محرك التصقت دواسته بالأرض، دمٌ مظلمٌ ثائر ينبض في كل أطراف جسده.  
استيقظ وجسمه يهتز، ومر وقت طويل قبل أن يدرك أنه كان يحلم، مزّق ملابس نومه الغارقة بالعرق، وجفف نفسه بالمنشفة، لكن لا يهم كيف مسح عرقه، فهو لم يستطع أن يتخلص من ذلك الشعور الدبق. عاد إلى وعيه، أو ربما أحس بذلك بديهياً، إذاً، تلك كانت غيرةً. لقد انتُزع جسد أو قلب تلك المرأة التي أحبّها وربما كلاهما منه بواسطة شخص آخر.
الغيرة كما استطاع فهمها من ذلك الحلم، هي أكثر سجون العالم يأساً، لم تكن مكاناً أُجبر على الدخول فيه، لكنه السجن الذي يدخل إليه السجين طوعاً، يغلق الباب عليه ثم يرمي المفتاح بعيداً، ولا يوجد روحٌ أخرى يمكن أن تعرف أنه مقيّدٌ هناك، وإذا كان يريد النجاة بالتأكيد يستطيع... لقد أصبح السجن بعد كل ذلك قلبَه، لكنه لم يستطع أن يتخذ قراراً بعد، كان قلبه قاسياً مثل جدار معدني، وكان هذا أساسُ الغيرة. 
التقط تسوكورو صندوقاً من عصير البرتقال من الثلاجة، وشرب كؤوساً متلاحقة، كان حلقه جافاً جداً، ثم جلس على الطاولة يراقب الشمس من خلال النافذة وهي تطلع ببطء، وصمم أن يبقى هادئاً، هذا التدفق من شعوره الطاغي الذي صدمه وجعل قلبه وجسده يرتجفان. ولكن ما هذا الشيء الموجود في العالم والذي يمكن أن يعنيه ذلك الحلم؟ يتساءل. هل هو نبوءة؟ رسالة ترمز إلى شيء؟ هل كان يحاول أن  يخبره شيئاً؟ أم هي ذاته التي لا يعرفها حتى هذه اللحظة وقد خرجت من صدفته وصارت تعاني من أجل أن تظهر؟ مخلوقٌ قبيحٌ قد ظهر من داخل البيضة فاقداً الأمل في أن يصل إلى الهواء في الخارج!       
لقد أدرك تسوكورو ذلك لاحقاً، في تلك اللحظة التي توقف فيها عن انتظار الموت، وهو يتأمل صورته العارية في المرآة، فقد رأى شخصاً آخر، انعكست صورته هناك. في الليلة نفسها التي جرّب فيها (في ذلك الحلم) الغيرة أو ما قد أدركه منها ولأول مرة في حياته. مع قدوم الفجر، كان يضع تلك الأيام المظلمة من الأشهر الخمسة الماضية وراء ظهره ، الأيام التي قضاها مواجهاً للفَناء المطلق.
          لقد خمّن حدوث ذلك، كرياح شمالية قوية تبعثر الأكوام الكثيفة من الغيوم، مشاعر حارقة ونابضة عبرت روحه على شكل حلمٍ ألغى وأنكر الرغبة في الموت، الرغبة التي مدّت يدها ثم شدّت على عنقه.
كل ما بقي الآن هو استسلام هادئ، إحساس لا لون له، محايدٌ، وفارغ. كان يجلس تسوكورو وحيداً في بيت هائل قديم وفارغ، وكان ينصت، مثل ساعة جدّ هائلة تكّاتُها جوفاء وعقاربها تسير خارج الوقت. كان فمه مغلقاً، وعيناه مركّزتان على الساعة كما يراقب اليدين وهما تتحركان إلى الأمام. التفّت مشاعره وشكلّت طبقات من الغشاء الرقيق، وبقي قلبه خالياً كأنه قد كبُر ساعةً واحدةً في وقتٍ واحدٍ.

أصبح تسوكورو يأكل بالتدريج، اشترى وجبات مناسبة؛ أصنافاً من المأكولات الطازجة والمحضرة بشكل بسيط، واستعاد جزءاً قليلاً من وزنه الذي خسره؛ فخلال نصف سنة تقريباً كانت معدته قد تقلصت بشكل كبير، فإذا تناول الآن أكثر من المقدار المحدد سيتقيؤه. وعاد يسبح من جديد في مسبح الجامعة في ساعات الصباح، لقد فقد الكثير من عضلاته، وكانت تنقطع أنفاسه عندما يصعد الدرج ويحتاج إلى وقت كي يستعيد قواه، اشترى بنطالاً جديداً للسباحة ونظارات واقية وصار يسبح كل يوم سباحة سريعة من 1000 إلى 1500متر، وبعد ذلك يذهب إلى الصالة الرياضية ويستخدم الآلات بهدوء.
بعد بضع أشهر من المأكولات الجيدة والتمرينات اليومية تعافى تماماً، وحصل على العضلات التي كان يرغب بها مع أن عضلاته كانت مشدودة في السابق بطريقة مختلفة، لقد أصبحت حالته معتدلة الآن، ليس في رخاء ولكنها معتدلة، وعاد اللون لوجهه للمرة الأولى خلال المدة الطويلة تلك. ولكن وضعه كان يسوء من جديد كلما استيقظ من نومه في الصباح.
في ذلك الوقت، جاءت أمه في زيارة مفاجئة إلى طوكيو، ووجدت تسوكورو يتصرف ويتكلم بطريقة غريبة. قررت أن تطمئن عليه لأنه لم يزرهم في رأس السنة، وعندها لاحظت مقدار التغير الذي حصل له خلال أشهر، وأصبحت عاجزة عن الكلام. لكن تسوكورو برّر ذلك، "إنها تغييرات طبيعية كنت قد مررتِ بها وأنت في مثل عمري".  فأيدت أمه تفسيره ذلك بشكل تام. الذي يحتاجه الآن في الواقع هو ملابس تناسبه. لقد كبُر مع أخته، لذلك أصبح بعد زواجها يعرف كيف يربي أطفالها الإناث، وبالمقابل لم تكن لديه أية معرفة عن كيفية تربية الأطفال الذكور. أقنع تسوكورو أمه بأن هذه التغييرات تطورات طبيعية... فاصطحبته بودّ إلى المتجر ليشتري ملابس جديدة، في الغالب كانت من (بروكس بروذرز) و(بولو)، الماركات التي يفضّلها ، وأما ملابسه القديمة فقد رُميت أو تم التبرع بها.
لقد تغير وجهه أيضاً، لم تعد المرآة تظهره ناعماً ولطيفاً، ولكنها أيضاً كانت تُظهر وجه طفلٍ مطمئن ومغبّش. الذي يحدق به الآن هو وجه شاب، عظام وجنتيه بارزة كأنّ المنشفة قد نحتتها. هناك ضوء جديد في عينيه، بريق لم يره من قبل، ضوء وحيد، مبعَد، بمدى محدود... نمت لحيته بكثافة بشكل مفاجئ، وكان عليه أن يحلقها كل صباح... لقد أطال شعره أيضاً.   
 لم يكن يحب تسوكورو التغييرات الجديدة في مظهره مبدئياً، ولم يكن يكرهها بالمقابل. كانت مجرد قناع مريح ومؤقت، ومع ذلك كان ممتناً، في الوقت الحالي، لأنه لم يكن يرتدي هذا الوجه في السابق.
على أية حال، الفتى الذي يدعى تسوكورو قد مات... في الظلام الموحش الذي أخذ آخر أنفاسه، ودُفن في الغابة، في أرض صغيرة لا أشجار فيها، بهدوء وسرية قبل حلول الفجر، الوقت الذي ينام فيه الجميع سريعاً حتى هذه اللحظة. لم تكن هناك علامة غامضة، الذي بقي الآن هو نفَسه؛ تسوكورو تازاكي الماركة الجديدة التي تغيرت محتوياتها بالكامل، لكنه الوحيد الذي يعرف ذلك، ولم ينوِ إخبار أحد.
ومثل السابق، رسم تسوكورو مجموعة من التصاميم لمحطات سكة الحديد. لم يغب عن أي محاضرة في الجامعة، كان يستحم عندما يستقظ، يمشط شعره، ينظف أسنانه دائماً بعد الأكل، يرتب سريره كل صباح، ويكوي قمصانه، كان يحاول أن يبقى مشغولاً دائماً. وفي الليل، يقرأ كتباً تاريخية أو سير ذاتية على الأغلب لساعتين أو أكثر، هواية وُجدت منذ وقت طويل، الهواية التي دفعت حياته إلى الأمام، ولذلك فهو لا يؤمن بالمجتمع المثالي، ولا يشعر بالدفء الآتي من الكيمياء بين الناس.
كان يقف كل صباح أمام المغسلة ويدرس وجهه في المرآة، ببطء كان يكبر ويعتاد على ذاته الجديدة مع كل التغييرات فيها، كان ذلك مثل اكتساب لغة جديدة وحفظ قواعدها.

ولكنه في النهاية تعرّف على صديق جديد، كان ذلك في شهر حزيران، أي بعد أن تركه أصدقاؤه في ناغويا بحوالي عام، كانا يذهبان إلى نفس الكلية وكان أصغر منه بسنتين... لقد قابل الرجلَ في مسبح الكلية. 

الأحد، 19 فبراير 2017

ما هو الأسلوب الحديث؟ مقال نشر في (ذي إيكونوميست-The Economist)

ما هو الأسلوب الحديث؟

لماذا يُتم الكثير من الفنانين أعمالهم الأكثر إثارة في سنواتهم الأخيرة؟

عندما يصبح الوقت ثميناً يتغلب الملحنون وكتاب المسرح على أنفسهم.

 تتلاشى، تتلاشى الشمعة! عندما تقترب الحياة من النهاية فإن الأفكار تتضح بصورة عاجلة، هذه الحقيقة ملموسة بين بعض الفنانين أكثر من غيرهم. الروائيون مثلاً يجدون طرقاً غير محدودة لإخفائها، ولكننا نرى بشكل واضح جداً أن (الأسلوب الحديث) قد أصبح مفهوماً مقبولاً وبالغ الأهمية في أوساط كتّاب المسرح، والملحنين، والفنانين التشكيليين، باعتبار أن أعمال هنريك إبسن الأخيرة قد هزّت قضبان البرجوازية بقوة. يهمل البعض في لحظةٍ التلميحَ الأخير من الباحثين المتخصصين في الدماغ بأن الفكرة التجريدية في أعمال وليم دي كوننغ الأخيرة تظهر بداية جنونه. وينظرون بدلاً منها في أعمال فينسنت فان غوخ و فرانسيسكو غويا.


 انظروا إلى (زحل يلتهم ابنه) من (اللوحات السوداء) الأكثر شهرة لـ(غويا)، لن تجدوا فيها انحداراً في براعتة التقنية، ولكن الإنسانية التي يعرضها فظيعة على نحو خياليّ. انظروا إلى اللوحات التي رسمها فان غوخ خلال أيام لجوئه إلى سان ريمي (أشجار الزيتون) 1889. لقد أفسحت الفكرة التجريدية الطريق للتبسيط الاحتفالي مثل أن تُظهر الدوائر التي تصنعها ضربات الفرشاة أنماطاً كثيرة من الغيوم، الأشجار، الأزهار وسنابل القمح الضخمة. بالنسبة لهؤلاء الفنانين فقد كان يعنون ب(الأسلوب الحديث) المواجهة بين الأسلوب المريع والآخر المبهج الواقعي جداً.   


 وقد صاغ الفيلسوف الألماني الماركسي ثيودور أدورنو مصطلح (الأسلوب الحديث)، كطابع لرأيه المتزمت ببيتهوفن، بالنسبة إليه كانت أعمال بيتهوفن الأخيرة تعبيراً غالباً عن الرفض القاطع لحل صراعات الحياة بشكل إيقاعيّ. هذا الرأي الذي أيده مؤخراً الكاتب والأكاديمي الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، والذي صرّح في مادة قد نشرت بعد وفاته في مجلة (لندن ريفيو أوف بوكس) أن هذه السلبية في تأخر بتهوفن هي قوة، "هذا البطء شيء من حقه"، أضاف سعيد موافقاً " ليس هاجساً أو محواً لشيء آخر".

 والآن يخوض الموسيقيون في جدال حول البطء. لقد عزف أندراس شيف آخر سوناتات موسيقية لهايدن وبتهوفن وشوبرت في مجموعة حفلات في قاعة (ويجمور) في لندن العام الماضي. كان الخيط الرابط هو الإتقان الجمالي البالغ، في (الأسلوب الحديث) يقدم عازف البيانو الشاب جوناثان بيس في مجموعة من الحفلات في أمريكا وأوروبا خلال الربيع من هذه السنة موسيقى الحُجرة التي كتبها هؤلاء بالإضافة إلى كارلو جزوالدو، وروبرت شومان، وبنجامين بريتن، ويوهانس برامس.

 بالنسبة لهؤلاء كان المقصود ب(الأسلوب الحديث) شيئاً مختلفاً؛ قتل كيسولدو زوجته وحبيبته وقضى أيامه الأخيرة في العذاب، ونستطيع أن نلمس ذلك في أعماله الأخيرة المجنونة والمتضاربة، وقد أصبحت أيام شومان الأخيرة من دماره العاطفي ظاهرة في تراجعه الواضح في(Gesänge der Frühe) (أغاني الفجر). تُظهرر رباعية سلسلة بريتن التي اختارها بيس العازفَ مبتهجاً للغاية، وبالنسبة إليه، الاقتصاد في المشاعر شيء جديدد تماماً. تظهر الحركة المعتدلة والفوضوية في اختيار مستر ببيس لسوناتا شوبرت العازف الذي مات بمرض الزهري و ذهب أشلاء من غضبٍ ورعبٍ، أظهرت أعمال برامس الأخيرة رجلاً استنُزفت وجفت طاقته الشعورية، أما أعمال بيتهوفن فأظهرت العكس. وما يجمعهما حسب وجهة نظر بيس هو "أن هناك شيء ما قد حصل  معهما ليتغير أسلوبهما تماماً".  

 ما هو ذلك الشيء؟ يبدو أنه مزيج من الظروف بالإضافة إلى السايكولوجيا، ولا أحد يستنتج بوضوح ذلك أكثر من بيتهوفن، لقد أعطى الصمم في عالم الصوت الخالص هذا الحريةَ له لصنع أصوات جديدة لا أحد يحلم بها لتصل إلى يومنا هذا، والتي قد زادت من طموحه الواثب ليخاطب الأجيال القادمة.  

 من ناحية أخرى، كانت أعماله الأخيرة رمزية جداً، وأحياناً تبدو كأنها داخل خيال فنيّ مطلق، ليجعل الوقت -كما كان يريد- يتجمد في مكانه وتطول حياته. أشار عالم الموسيقى الأمريكي ماينرد سولومون في كتابه (بيتهوفن الراحل) 2003 إلى التردد، والذي يُرى بوضوح في سوناتا (Hammerklavier ) والسيمفونية التاسعة مع مجموعة من الموضوعات التي تمت تجربتها، وتم رفضها رفضاً قاطعاً قبل أن تنجح المقطوعة الصحيحة اعتماداً على إطلاق الأخيرة. يشبّه سولومون هذه العملية بالبحث عن خيطٍ في متاهة، وبالهزل المفتوح في البغاتيلة التي تشير إلى أن بتهوفين قد وجد بالفعل ذلك الخيط.  

 كما تُبين فيونا مادوكس في (الموسيقى من أجل الحياة) مجموعة أنيقة من المقالات القصيرة التي نشرت العام الماضي، أن الناس قد صبوا عواطفهم في الأعمال الأخيرة أكثر، وهناك بعض الحقائق حول هذا الأمر. هناك الكثير من الفنانين الكبار قد جربوا خطوة التغيير السايكولوجي والفنّي في الحياة أخيراً، وبالنسبة إليهم تتوهج شمعة الحياة أكثر عندما يحين وقت انطفائها.  

ظهرت هذه المادة في قسم (الكتب والفنون) من النسخة المطبوعة تحت العنوان الرئيسي (عندما يصبح الوقت ثميناً).


الأربعاء، 15 فبراير 2017

الفصل (2) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه -هاروكي موراكامي



كان قد حصل هذا التغير القاسي خلال عطلته الصيفية، بين الفصل الأول والثاني من سنته الثانية في الجامعة، بعدها تغيرت حياة تسوكورو تازاكي إلى الأبد، مثل قمة جبل كبيرة قسّمت الحياة النباتية الأصلية إلى منطقتين.

وكالعادة، عندما بدأت إجازة تسوكورو تازاكي بدأ يجمع أغراضه –مع أنها ليست كثيرة للغاية ليبدأ بجمعها- ثم ركب القطار السريع ليعود إلى مسكنه، وبعد أن نهى الزيارة القصيرة مع عائلته في ناغويا اتصل بأصدقائه دون أن يجيبه أحد منهم، و تم إخباره أن الأربعة جميعاً في الخارج.... فتوقع أنهم خرجوا سوياً إلى مكان ما. ترك لهم رسالة مع أحد أفراد عائلاتهم ثم ذهب إلى مركز المدينة، إلى قاعة السينما الواقعة في السوق ليشاهد فيلماً، وليقتل الوقت، وإن لم يكن يريد هذا الفيلم تحديداً، وعندما رجع إلى البيت تناول الغداء مع عائلته، ثم أعاد الاتصال بأصدقائه، ولكن لا أحد قد أجاب على اتصالاته.
في صباح اليوم التالي، عاود الاتصال وكانت النتيجة نفسها (كانوا في الخارج)، ترك لهم رسالة أخرى "أرجوكم، دعوهم يتصلون بي حالما يرجعون"، ووعدوه بأن يوصلوا الرسالة، ولكن شيئاً ما في صوتهم قد أزعجه، لم يلاحظه في المرة الأولى، أما هذه المرة فقد أحس بشيء مختلفٍ تماماً؛ كأنهم لسبب ما يحاولون إبقاءه بعيداً، ويريدون أن تنتهي المكالمة معه بأسرع وقت. كانت أخت شيرو الكبرى خاصة جافة وفظة، لكنه كان يبقى معها طويلاً، كانت أكبر من شيرو بسنتين، ورغم أنها ليست فانتة مثل شيرو لكنها تعتبر امرأة جميلة، كانت تقول له نكاتاً عندما يتصل، وحتى إن لم تتبادل النكات معه فإنها تحييه بود، أما الآن فإنها تنهي المكالمة سريعاً كأنها تنتظر بفارغ الصبر أن ينتهي الكلام. بعد أن اتصل تسوكورو بهم جميعاً أحس بأنه منبوذ وكأنه يحمل بعض الفيروسات الخبيثة ليبدأ الجميع بتجنبه.
حتماً هناك شيء ما قد حصل، شيء قد حدث بينما كان بعيداً عنهم ليضعوا تلك المسافة، شيء غير مناسب، شيء مهين. ولكن ما هو؟ ماذا يمكن أن يكون؟ لم يكن لديه أية فكرة.
أصبح يشعر بغصة من شيء لم يكن يجب عليه أن يبتلعه، لم يستطع أن يبصقه أو حتى يستوعبه. بقي ذلك اليوم حبيس شقته منتظراً أن يرن الهاتف، كان رأسه مشوشاً ولم يكن قادراً على التركيز، وقد توقف عن إرسال رسائل إلى عائلاتهم تخبرهم أنه في ناغويا، إنهم في العادة يعاودون الاتصال به ويرحبون به، ولكن ليس كهذه المرة التي أصر الهاتف فيها أن يبقى صامتاً.
فكر تسوكور أن يتصل بهم مجدداً في المساء، ولكن قرر أن لا يفعل ذلك، ربما الجميع في منازلهم ولا يريدون أن يجيبوا على اتصالاتي وبدلاً من ذلك يدّعون أنهم في الخارج، وربما أوصوا عائلاتهم. " إذا اتصل تسوكورو تازاكي أخبروه أنني لست هنا"، وهذا ما يوضح لماذا تبدو أصواتهم مضطربة.


ولكن لماذا؟
لم يستطع أن يتصور أي سبب، كانت آخر مرة يجتمعون الخمسة فيها سوياً في بداية مايو في عطلة (الأسبوع الذهبي)، عندما عاد تسوكورو بالقطار إلى طوكيو وجاؤوا جميعاً إلى المحطة ليودعوه، كانوا يلوحون له بأيديهم بحماس وبمودة عندما ابتعد القطار، وكان ينظر إليهم من خلال النافذة مثل جندي يبحر إلى نهاية الأرض. 
كتب تسوكورو بعد ذلك مجموعة رسائل إلى أو، فقد كانت شيرو ميئوس منها في استخدامها للكمبيوتر لذلك كانت ترد برسائل ورقية، وكان أو الشخص الذي يمكن التواصل معه بينهم، لذلك كان تسوكو دائماً يوجه الرسالة إلى أو ويضمن أنه سيمررها لهم جميعاً، لهذا السبب لم يكن يرسل لكل واحد منهم رسالة منفردة بل رسالة واحدة للجميع، كان يكتب في الغالب عن حياته في طوكيو، ماذا رأى هناك، الخبرات التي اكتسبها،  المشاعر التي أحس بها، ولكنه دائماً وبغض النظر عما يراه أو يفعله كان يدرك أنه سيقضي وقتاً أجمل إذا كان أربعتهم معه يشاركوه تلك التجارب، هذا ما أحس به بالفعل، ولم يكن يكتب شيئاً كثيراً بخلاف ذلك.
وقد كتبوا رسائل له ووقّع عليها أربعتهم، ولكن لم يجد بها شيئاً سلبياً ، لقد أخبروه بها وبالتفصيل ماذا ينوون القيام به في ناغويا فحسب. لقد ولد وكبُر جميعهم هناك، ويبدو عليهم أنهم مستمتعون بحياتهم في الكليّة، لقد أخبره أو أنه اشترى سيارة هوندا أكورد مستعملة مع بقعة على المقعد الخلفي كأن كلباً قد تبول هناك، هذا النوع من السيارات الذي يتسع لخمسة ركاب بسهولة بشرط أن لا يكون أحد منهم سميناً، وقد تكدّس الجميع فيها وذهبوا في رحلة إلى (بحيرة بيوا). "من السيء جداً يا تسوكورو أنك لم تستطع الذهاب معنا". كتبوا. وأضافوا "ننتظر أن نراك في الصيف". بالنسبة لتسوكورو بدا أنهم كانوا يعنون ذلك. 

أصيب تسوكورو في تلك الليلة بالأرق بعد عدم سماعه شيئاً من أصدقائه، شعر بالقلق، كما كانت تدور في رأسه أفكار عشوائية لا معنى لها،  و كانت كل تلك الأفكار هي تعدد لموضوع واحد، تظل تنصبّ في نقطة واحدة، مثل رجل فقد الإحساس بالاتجاهات. ومع الوقت أصبح تسوكورو مدرك لما يفعله دماغه، ووجد نفسه عائداً إلى حيث بدأ، وأخيراً انتهى سير تفكيره إلى مأزقٍ، كأن طيّات دماغه مسمارٌ مكسورٌ.
بقي متسيقظاً حتى الساعة الرابعة فجراً وبعدها استغرق في النوم، استفاق قليلاً بعد الساعة السادسة، لم تكن شهيته جيدة على الأكل، فشرب كأساً من عصير البرتقال، ولكن هذا أشعره بالغثيان أيضاً. أقلق فقدانه للشهية عائلته ولكنه أنكر أن يكون هناك شيء، وبرر ذلك بأن معدته تؤلمه قليلاً.

بقي ذلك اليوم أيضاً في البيت، استلقى بجانب الهاتف يقرأ كتاباً أو على الأقل يحاول أن يقرأه، في العصر اتصل مرة أخرى بمنازل أصدقائه، لم يكن يعجبه هذا ولكنه لم يستطع أن يبقى بإحساسه الحائر والقلق دون أن يفعل شيئاً، و يصلي من أجل أن يرن الهاتف.
وكانت النتيجة نفسها، أفراد عائلاتهم هم الذين أجابوا على الهاتف، كانوا يخبروه بفظاظة أحياناً، أو معتذرين منه، أو بحيادية شديدة أنهم ليسوا في المنزل. وكان تسوكورو يشكرهم بأدب وباقتضاب ثم يغلق السماعة، هذه المرة لم يترك لهم أية رسالة، ربما قد تعبوا من التظاهر بأنهم خارج المنزل مثلما تعب تسوكورو من محاولة الاتصال بهم.  وافترض بأن أفراد عائلاتهم التي تستلم مكالماته قد استسلموا في النهاية، فإن أعاد الاتصال بعدها سوف تكون لهم ردة فعل، وقد حصل ذلك فعلاً بعد الساعة الثامنة من تلك الليلة، لقد جاء اتصال من أو أخيراً.

"أعتذر، ولكن يجب أن أخبرك أن لا تتصل بأي أحد منا إلى الأبد" قال أو ذلك فجأة وبدون مقدمات. دون أن يقول "مرحبا، كيف حالك؟" أو "هذا سيكون لفترة قصيرة".  أعتذر هذا التنازل الوحيد الذي قدّمه لي من المجاملات الاجتماعية.
أخذ نفساً، وأعاد بصمت كلمات أو وقلّبها سريعاً في عقله، محاولاً أن يقرأ مشاعره خلفها، ولكنها كانت مثل خطاب رسمي، لا مجال لوجود أية مشاعر.
" إذا طلب مني أحد أن لا أتصل به فلن أتصل" أجاب تسوكورو. خرجت الكلمات تلقائياً من فمه ، حاول أن يتكلم بهدوء وبشكل طبيعي لكن صوته بدا كأنه صوتٌ لشخص غريب يعيش في مدينة بعيدة، لا أحد قد قابله من قبل أو يمكن أن يقابله. 
" إذاً لا تفعل"، قال أو.
" لا أنوي فعل شيء لا يريد الناس مني أن أفعله " قال تسوكورو.
أخرج أو صوتاً، لم يكن تنهداً أو تأوهاً يعني الموافقة.
" ولكن أريد أن أعرف السبب إن كان ذلك ممكناً" قال تسوكورو.
" لا يوجد سبب أستطيع إخبارك به". رد أو.
"إذن من يستطيع ذلك؟".
جدار صخري سميك قد ارتفع، وساد صمتٌ في الناحية الأخرى.
استطاع تسوكورو أن يسمع صوتاً خفيفاً من أو وهو يتنفس من أنفه الذي كان يتخيله؛ مسطّحاً وضخماً.
"فكر بالأمر وستعرف" قال أو ذلك أخيراً.
كان تسوكورو عاجزاً عن الكلام. عن ماذا يتحدث؟  فكر بالأمر. أفكر بماذا؟ إذا فكرت أكثر بشيء ما فلن أعرف بعدئذ من أكون.
"من السيء أن ينتهي الأمر إلى هذا الحد". قال أو.
"كلكم تشعرون بذات الشيء تجاهي؟".
"نعم الجميع لديه شعور سيء".
"أخبرني ماذا حصل؟" سأل تسوكورو.
"من الأفضل أن تسأل نفسك هذا السؤال". قال أو. اكتشف تسوكورو ارتجافة حزن وغضب بصوته لم تتعدى اللحظة، وقبل أن يفكر برد مناسب أغلق أو السماعة.
ـــــ
"أهذا كل ما قاله لك؟" سألت سارة.
" كانت محادثة قصيرة ببساطة، وهذا كل ما استطعت تحقيقه".
كانا يجلسان على طاولة في البار أمام بعضهما.
"وبعدها هل حاولت التحدث معه أو مع الثلاثة الآخرين؟".
هز رأسه "لا لم أتحدث مع أي منهم منذ ذلك الحين".
اضيقت عينا سارة كأنها تحدّق به، كأنها تدقق في مشهد اعتداء على قانون الفيزياء. "لا أحد؟".
"لم أرَ أحداً منهم مرة ثانية ولم نتحدث مطلقاً".
"ولكن ألا تريد أن تعرف لماذا أخرجوك من المجموعة فجأة ؟".
"لا أعرف كيف أعبر عن هذا...ولكن في اللحظة ذاتها لا شيء بدا مهماً. لقد أُغلق الباب بوجهي، ولم يسمحوا لي أن أعود إليهم ولم يخبرونني لماذا، ولكن إن كان هذا ما يريدونه أستطيع أن أقول أنه ليس هناك ما يمكن فعله".
"لم أفهم". قالت سارة، كأنها لم تفهم ذلك حقاً. "ربما هناك سوء فهم، أعني ألا تستطيع أن تجد أي سبب يبرر ما قد حصل؟ ألا تجد أن الأمر كله بائس؟ ربما فعلت خطأ أحمق جعلك تخسر بسببه أصدقاءك، لكن لماذا لم تحاول أن توضح لهم سوء الفهم الذي قد حصل وبسهولة سيستقيم الأمر؟"
كانت كأسه الموخيتو فارغة فأشارت سارة إلى النادل ليحضر القائمة وبعد تشاور بينهما اختارت كأس نابا كابرنيه. كان تسوكورو قد شرب نصف كأسه، وقد ذاب الثلج مشكلاً قطرات تظهر على الكأس من الخارج، وكانت الورقة الموضوعة تحت الكأس رطبة ومنتفخة.
"هذه كانت المرة الأولى في حياتي التي يرفضني فيها أحد رفضاً تاماً" قال تسوكورو. " المرة الأولى التي يرفضني أكثر من وثقت بهم، أفضل أربعة أصدقاء لي في العالم. كنت قريباً منهم وكانوا أشبه بامتداد لجسدي. فإيجاد سببٍ، أو تصحيح فهمهم لي خارجان عن إرادتي. ببساطة كنت مصدوماً بذلك تماماً لدرجة أنني اعتقدت أنني لن أتعافى، وشعرت أيضاً أن شيئاً بداخلي قد قُطع".
أعاد النادل ملء الكأس وملء وعاء المكسرات أيضاً، وبعد أن ابتعد النادل عنهما عادت سارة إلى تسوكورو.
 "لم أجرب ذلك، لكني أستطيع أن أتخيلك وأنت مذهول، وأنا أتفهم أنك لا تُشفى بسرعة. ولكن بعد مرور الوقت وبعد أن صارت صدمتك قديمة، ألم يكن يجب أن تفعل شيئاً؟ أعني هذا ليس عدلاً. لماذا لم تعارض ذلك؟ لا أعرف كيف تحملت ذلك".
هز تسوكورو رأسه قليلاً "لقد اختلقت عذراً لعائلتي وعدتُ بالقطار السريع إلى طوكيو، لم أستطع أن أتحمل البقاء في ناغوريا يوماً آخر، جل ما كنت أفكر به أن أبتعد عن ذلك المكان".
"لو كنت مكانك لما ابتعدت، ولبقيت حتى أصل إلى القاع" قالت سارة.
"لم أكن بتلك القوة لأفعل ذلك" قال تسوكورو.
"ألم تكن ترغب في اكتشاف الحقيقة؟"
حدق تسوكورو بيديه الموضوعتين على الطاولة، وبحذر اختار كلماته "أعتقد أنني خائف من المتابعة، ومن الحقائق التي ربما ستتكشف، خائف من أن تأتي أمام وجهي. وأياً كانت فإنها لن تنقذني، لا أعلم لماذا بالتحديد، ولكني واثق من ذلك".
"ماذا عن الآن؟ هل أنت واثق؟"
"لا أعلم" قال تسوكورو. "ولكني كنت واثقاً في ذلك الوقت".
"فعدتَ إلى طوكيو واختبأتَ في شقة، عيناك مغلقتان وأذناك مسدودتان".
"نعم، تستطيعين قول ذلك".
مدت سارة يديها وأرختهما على يديه "تسوكورو المسكين" قالت. لمستها اللطيفة تسربت إلى داخله، وبعد لحظة سحبتهما، وأبقت الكأس على فمها.
"ذهبت بعد ذلك إلى ناغويا ونادراً ما كنت أتمكن من ذلك"، قال تسوكورو "وعندما رجعت حاولت ألا أغادر منزلي، وإذا انتهيت مما كان يجب علي فعله كنت أعود إلى طوكيو بأقصى سرعة. عندها قلقت علي أمي وأخواتي الكبريات وسألنني إذا كان شيء قد حصل، ولكنني لم أقل شيئاً، مستحيل أن أخبرهنّ".
"هل تعرف أين هم الآن وماذا يفعلون؟".
"لا أعرف، لم يخبرني أحد ولا أريد أن أعرف".
أدارت كأس النبيذ بيديها وحدقت بالتموجات التي صنعتها كأنها تقرأ الحظ لأحدٍ ما.
"وجدت ذلك غريباً" قالت. "واضح أن تلك الحادثة كانت صدمة كبيرة لك، لقد غيرت حياتك أليس كذلك؟".
أومأ تسوكورو إيماءة خفيفة. "لقد كنت شخصاً مختلفاً في نواحٍ كثيرة".
"وكيف ذلك؟".
"شعرت في كثير من الأحيان كم أنا ممل وحقير بالنسبة إلى الآخرين وبالنسبة إليّ أيضاً!"
نظرت سارة في عينيه للحظات وبصوت حاسم "لا أظن أنك ممل أو حقير".
"أقدر لك هذا" قال تسوكورو. وضغط بأصابع يده بلطف على صدغها. "ولكن يجب أن أكتشف هذه القضية بنفسي".
"لا زلت لا أدرك ذلك" قالت سارة "لا زال الألم من تلك الحادثة في عقلك أو في قلبك أو ربما  في كليهما. ولكنني أعتقد أنها واضحة جداً فيهما. والآن وبعد خمسين أو ستين سنة لم تحاول أن تتقصى السبب الذي جعلك تعاني هذه المعاناة".
"لا أقول أني لم أكن أود معرفة الحقيقة ولكن أعتقد أنه بعد كل هذه السنين من الأفضل أن أنسى ما يتعلق بها. لقد مضى وقت طويل، وكل ما فات قد غرق في الماضي".
انطبقت شفتا سارة الرفيعتان. ثم قالت. " أعتقد أن هذا خطير".
"خطير؟ كيف؟".
"تستطيع أن تخفي الذكريات أو تكتمها لكنك لا تستطيع أن تمحو التاريخ الذي صنعهم. نظرت إلى عينيه مباشرة "إذا لم يكن هناك شيء فعليك تذكر هذا؛ لا تستطيع أن تمحو التاريخ أو تغيره. هذا يشبه أن تحطم ذاتك!".
"لماذا نتحدث بهذا الموضوع؟". قال لها تسوكورو محدّثاً نفسه أيضاً وبصوت جعله يبدو مبتهجاً.   " لم أتحدث بهذا الموضوع مع أحد من قبل ولم أنوِ ذلك". 
ابتسمت سارة ابتسامة بسيطة "ربما كنت بحاجة إلى أن تتحدث مع أحد أكثر مما كنت تتصور".
عندما عاد تسوكورو في ذلك الصيف من ناغويا إلى طوكيو، ذلك الإحساس الغريب والذي كان قد أثر عليه جسدياً جعله ثابتاً في مكانه. الألوان التي كان يراها في السابق ظهرت مختلفة الآن تماماً كأنها قد غُطيت بفيلتر خاص، سمع أصواتاً لم يسمعها من قبل، وفي المقابل لم يعد ينتبه إلى الأصوات الأخرى المزعجة، لقد أصبحت مألوفة لديه. وعندما انتقل شعر بأنه إنسان غير مبالٍ بشيء، إنسان بلا مشاعر، كأن الجاذبية قد رحلت عنه. 
كان يعيش تسوكورو خلال الخمسة شهور بعد عودته إلى طوكيو على عتبة الموت، لقد أقام في منزل صغير جداً قد بناه بمفرده على شفا هاوية مظلمة، في منطقة خطيرة جداً كانت تتأرجح على الحافة، وإن حصل وتدحرج تسوكورو في نومه ربما سيهوي إلى العدم، لكنه لم يعد خائفاً الآن، وكل ما يفكر به  هو كم سيكون السقوط هيّناً!
كل ما هو حوله وما كان يستطيع أن يراه على مد بصره حالَ إلى أرض قاسية قد انتثرت فيها الصخور، بلا أية نقطة ماء ولا نتوءات عشب، لا لون، لا ضوء، لا شمس، لا قمر، لا نجوم، فقدانٌ تام بالإحساس بالاتجاهات. تبدل الشفق الغامض بظلام لا حدود له مجرد أن غابت الشمس، حد بعيد على أطراف اللاوعي، وفي ذات الوقت كان هناك فيضٌ غريب. أتت طيور ذو مناقير حادة وقت ظهور الشفق تنهش لحمه بلا هوادة. وحالما غطى الظلام الأرض حلقت الطيور إلى مكان ما، وكانت قد ملأت فجوات الأرض بلحمه وأشياء أخرى.... بعض المواد الغامضة.
لم يفهم تسوكورو تماماً فحوى تلك المواد، لم يقبلها ولم يرفضها أيضاً، لقد استقرت على جسده وحسب. كسربٍ ذي ظلال كثيفة، واضعاً كمية كبيرة من بيضه المليء بالظلال أيضاً. بعدها انسحب الظلام وعاد الشفق مرة أخرى حاملاً معه الطيور التي كانت نهشت جسده.
عاد كما كان بعد ذلك، وفي ذات الوقت لم يعد هو نفسه، عاد تسوكورو تازاكي وليس تسوكورو تازاكي. كان يبتعد عن جسده عندما لا يستطيع تحمل الألم، وعن تلك النقطة القريبة التي لا تتألم والتي تراقب تسوكورو تازاكي وهو ثابت في العذاب. إذا ركّز أكثر فلا شيء مستحيل.
إلى الآن يزداد هذا الشعور لديه، بأنه يغادر نفسه، بأنه يراقب وجعه وكأنه وجع شخص آخر.

دعا تسوكورو سارة على العشاء مرة أخرى بعد أن غادرا الحانة. هل يمكن أن أدعوك لتناول الطعام في أي مكان قريب؟ بيتزا مثلاً؟ لا زلت لا أشعر بالجوع. أجابته سارة. حسناً. قال تسوكورو. ماذا لو عدنا إلى بيتي؟
"أعتذر، لكن مزاجي سيء اليوم". قالت سارة بنبرة غير متحمسة ولكنها حازمة.
"لأني أغرقت في الحديث عن هذا الشيء الغبي؟ سأل تسوكورو. وتنهد تنهيدة قصيرة.
"لا، ليس الأمر كذلك. لكن عليّ أن أفكر بعدة أشياء. لذا أرغب حقاً أن أعود إلى البيت وحدي".
"بالتأكيد". قال تسوكورو. "تعلمين، لقد سررت برؤيتك مرة أخرى، والتحدث إليك، وأتمنى أن يكون لدينا مواضيع شيقة أكثر لنتحدث بها".
زمت شفتيها بإحكام للحظة ثم كأنها توصلت إلى قرار ما "هلا طلبت مني أن أخرج معك مرة أخرى؟ أعني إذا لم تمانع؟
"بالطبع. إذا كان يناسبك ذلك".
"نعم يناسبني ذلك".
"سررت بذلك". قال تسوكورو. "سأرسل لك إيميل".
تودعا عند مدخل الميترو، صعدت سارة بالدرج المتحرك إلى (خط يامانوتي) بينما هبط تسوكورو بالسلالم إلى (خط هيبيا) وعاد كل منهما إلى بيته ضائعاً في أفكاره. 

لم يكن تسوكورو يدرك ما يجول في ذهن سارة أبداً، ولكم يكن يريد أن يخبرها عما يجول في ذهنه، هناك أفكار معينة يجب أن تبقيها داخلك. وكانت أفكار تسوكورو من النوع الذي يبدأ يتزاحم في رأسه حالما يركب القطار عائداً إلى بيته.

تزامن



أغلقُ عينيّ. ينفتح بابٌ في الخارج
أحلمُ فتصفق الريحُ باب غرفتي.
***

يمشي الحمام على الإسفلت وينظر إليّ
أطير. جناحاي قلبي ولا أرى أحداً.
***

في الحديقة أمام الأرجوحة تكتب العجوز وصيتها وتبتسم
 وهناك يموت الطفل في بيته مذعوراً من أصوات القصف.
***

يرتجف سطح النهر إذا وقع عليه مطر لطيف
ونحن نحترق شوقاً في انتظار غيمة سوداء.
***

تغيب رائحة الورد وأنا أسقيه ماءً كثيراً
 يظل الرجل الوحيد يسقي ذاكرته.
***

تقطع الغزالة مسافة لتهرب من النمر ولكنه يجدها
نمدّ أيدينا لمساعدة الطغاة ثم لا نجد الأرض.
***

يرتدي قميصه الجديد وينظر في عينيه الحزينتين
تتعرّى الأشجار غير مكترثة بأحد.
***

يرمي الطفل حجراً
تتحطم رؤوسنا كلما تفتحت الأفكار.
***

يجمّل الإطارُ الصورة
وبملامحنا المشوّشة نركض في المدى.


في كل اتجاه-رالف آنجل





كأنك قد متَّ في ذلك الحلم
واستيقظتَ ميتاً...
تسقط ظلال الكروم المتشابكة
على السقف
وتجلس سحلية مرهفةٌ على كتفكَ
عيناها تومض في كل اتجاه.
عندما تنحني وتمد يديك إلى حوض الماء
تلمح وجهاً زجاجياً يعكس ما هناك
ليظهر تماماً مثل بيت تحت سقفه
يبدو غير طبيعي. ليس كتلك الطبيعة
التي تجبرنا جميعاً على لقاء الموسيقى...
و فعل أشياء أخرى معها
وعلى ما سنفعله غداً...ربما بشكل أفضل
نراقص الاندماج البطيء
 للخراب!
فصلٌ واحدٌ فقط سيصبح آخر
تسافر القارات في السماء، يتنفس العشب
وينطلق سكان المدن، الضحايا، والقتَلة...
ينبعث القش الذهبي... وأسلاك العالم المتشعبة
عبر الأخاديد...و الشوارع المنخفضة
إلى باب مكتبك
 أو داخل غرفة الاستقبال...
المنشفة دافئة... باردة.... ناعمة
ولكن يحدث هذا في حلم آخر
مع صريرٍ ينفتح باب المشهد، ويُغلق بقوة
تتأرجح أضواء السيارة في أنحاء الوادي
قد تكون السائق
تضع يديك على المقود
 وتصدر لحناً لم يسمعه أحد من قبل
أو ربما تكون المرأة...
على حافة الشرفة قد كبُرت على مهلها...
كبّرها الفرار...
 فصارت قاسيةً كالمسامير!

قراءة الوحيد

يسعى الإنسان دائمًا إلى إثبات وجوده في أحواله العامة في المجتمع، حيث يتلهف إلى العمل وإلى جعل أكبر عدد من الوجوه تراه وهو مجهَد أو مستغرق في شيء ما اجتثه من الوقت. يسعى الإنسان في الضوضاء والفوضى المجتمعية إلى توطيد أناه حتى لو بتخريبها في النهاية في كل طريق ومنبر.
الإنسان الاجتماعي يفعل كثيرًا من هذا حتى يرضي أناه بالدرجة الأولى بغض النظر عن الهدف الأسمى وهو طلب الرزق، نراه يتعمد مسح العرق عن جبينه أمام الحشد، أو المبالغة في الانهماك حتى يُدخل نفسه في شاشة الكمبيوتر مثلًا، ولا يحاول إخفاء احمرار عينيه في كثير من الأحيان أو التخلص من النظارات الطبية المثبتة على عينيه بكيفيتها المميزة، أو تعمد إظهار التعب على وجهه.
الوحيد يفعل ذات الشيء... الوحيد الذي لا يملك كلامًا في حلقه، أو عملًا على مرأى من الناس حيث اختار أنن يعمل في مجال لا يحتك فيه بكثير من الناس، يختاره ويحدده بحيث لا يواجه الآخر ويتفاعل مع عدد قليل منهم، عدد لا يتكلم معه إلا عندما ينجز عمله ويكون في الغالب طرف واحد هو مدير العمل. يشاغب بطريقة تحسسه وتشعره به، مثل أن يصدر ضجيجًا وهو يصنع الطعام أو يتعمد كثيرًا أن يسعل بصوت مرتفع أو يدندن ويغني بصوت مرتفع غير مكترث بشيء أو بأحد، أو يفتح قشرة الشوكولاتة بقسوة ويستمر في ثنيها، أو يتكلم مع الآخر الذي أتى إليه مؤخرًا بصوت مرتفع، بنبرة يحاول أن تكون أنيقة متوازنة، يضحك معه ضحكة مرتفعة مصطنعة يقوم بتأليفها في وحدته. حتى بذلك يُضجر الآخر من تصرفاته الغريبة التي دائمًا ما يعزيها إلى وجود الضعف لديه، الضعف الذي يفسره في عدم امتلاكه الحياة خارجًا (في المجتمع المأهول بالإنسان الاجتماعي)، التي يظن أنه يفتقدها، التي يظن الآخر أنها تكسر كل الثبات والعتمة داخله.
أن نلزم أنفسنا أحيانًا بالخروج، خارج عتمتنا المحببة والوحدة يسبب لنا فوضى في كل شيء، في تصرفاتنا، في داخلنا الذي لا يراه أحد، نرتبك من الآخر الذي جهلناه حتى كرهناه زمنًا، وننتظر الوقت كي نتركه، مع أنه صار أليفًا ومع أننا نتوق إلى الخروج منّا إليه، نتركه لأننا صببنا كل نقائض وحدتنا فيه، صرنا كائنات اجتماعية مؤقتة والهدف من ذلك هو فقط الهروب منا لبعض الوقت وليس كل الوقت؛ إذ حين نتركنا خارجنا كل الوقت نتسرب شيئًا فشيئًا إلى الضوء، ليصعب علينا في النهاية قراءتنا وفهمنا.
الوحيد حين يرجع إلى مأواه الذي لا يعرف هيأته، بسبب اعتياده عليه، حيث لا ينتبه مثل ما ينتبه إليه أحد آخر يأتي لزيارته، حيث يرى الأخير كثيرًا من التفاصيل التي تغبشت أو تلاشى معناها أمام الوحيد، مثل تغير مكان الطاولة المجاورة للسرير وابتعادها قليلًا عنه، أو تكوم الغبار على الكرسي، أو تجمع الغبش على المرآة وأشياء أخرى واضحة للآخر الآتي من الخارج المكتظ بالتفاصيل الكثيرة المتعِبة، ولا تتضح لهذا الذي تداخل مع هذه الأشياء.
من المرجح أن يصبح هذا الوحيد مع الزمن معالجًا نفسيًا لتكهناته ودراسته العميقة الانسيابية والتي التقطها بطريقة عفوية من عقل الإنسان وتصرفاته، برأيي سيصبح مرشدًا نفسيًا ممتازًا لو أراد، فهو أحيانًا في خلوته يخرج منه كليًا ويتخلل الآخر، ليصبح مادة معقدة مفصلة أمامه. وقد نجده يملك حقائق عن الحياة بأكملها أوسع من معرفة الآخر الذي يقضي وقته مأهولًا بالمجتمع الإنساني.
وفي أغلب الأحيان نجده حين يهمّ إلى الخروج من وحدته إلى العالم يثق بأول شخص يلتقيه، حيث بذلك يناقض نفسه، إذ رأى فيما قبل وهو سبب وحدته بلا شك أنه أنهى ثقته بغيره لكثرة ما خذله الآخر. يقول إرنستو ساباتو في كتابه "الممانعة": "ألا أشد ما تخفيه الأقنعة، من دموع! ولكم سيغدو القيام بحركة في اتجاه الآخرين، أمرًا سهلًا ويسيرًا، لو أننا نُقْدم على ذلك، ونحن نعترف في قرارة أنفسنا، بحاجة بعضنا البعض لتلك الخطوة، عوض تصنع القوة، وإظهار التماسك! ولكم من الشرور يمكننا تجنبها، إذا ما توقفنا عن تقديم أنفسنا كما لو كنا مكتفين بشخصنا بالذات، وتجرأنا على الاعتراف بأننا في حاجة حيوية إلى الآخر، كي نستمر في الحياة، تمامًا مثلما يكون العطشى في الصحراء، وهو بالفعل ما عليه حالنا!".
الوحيد في كثير من الأحيان يكون قد جرب ما لم يجربه الآخر، قد جرب وعرف حقيقة وجوهر الإنسان أكثر من ذلك الآخر، لقد مل الوحيد من الآخر إلى حد أن وجد الوحدة أفضل وأسهل، هو الذي يعلم ما سيقوله الآخر، وما سيظل يعيده، الوحيد يفكر بعمق أكثر عن الحياة في أغلب الأحيان بسبب عدم تأثير تصرفات الآخر وانفعالاته عليه، وأحيانًا نرى أن الآخر هو الوحيد، الآخر الذي تحيطه كائنات بشرية لا تفهمه وتعيقه في كثير من الأحيان فيجد نفسه وحيدًا جدًا. بذلك يكون مشابهًا للوحيد ولكن بفارق بسيط هو الحيّز والمكان الذي يختاره كل منهما، والنظرة التي تغلفهما أيضًا تختلف، ولكن أقول إن الوحيد في النهاية صار وحيدًا لأنه رأى أنّ عزلته مع نفسه أخفّ من الوحدة مع الآخرين حيث يكون الجهد بذلك أخفّ.

موقع ألترا صوت
قراءة الوحيد

غياب




في سريره المشرئبّ كأعمدة المشانق (يصفت) ذراعيه بين رجليه، وظهره الذي يزداد تقوساً كلما مرت سنة، يغطيه لحاف قد اهترأ من أشعة الشمس الهوجاء على غرفته، شعره المنكوش الذي يعتبره أصدقاؤه صفة جمالية لموسيقي سيشتهر من موهبة لربما ضعيفة؛ إذ لم يصقلها بحصة واحدة قد ذهبت مع حصص أخرى من مجرد غفوة تزيد كل يوم نصف ساعة عن مدة الحصة الفعلية، شعره يغطي وسادته كتلك الأوراق الكثيرة المسطرة بالنوتات التي غطت أرضية غرفته، وكريش ذلك الطائر التي اشتراه في الأمس من صديقه إذ خاف أن يرميه من النافذة بسبب صوته الجش الأشبه بزجاجٍ يحتك بحائط كما قال.

لم يكن أحد يشاركه البيت، وهذه الحجة التي دائماً ما يختارها حين يتأخر عن الدرس، ويقابل أصدقاؤه كلامه بالسخرية دائماً، حتى من يجاوره السكن أناس هادئون أو ربما ميتون. هادئة كل أوقاته و هذا الطائر الغريب الذي لا يعرف حتى اسمه ونوعه وموطنه، كأنه قد ملّ من كل أصناف البشر ومن الصباحات حين تمر بوجهه الجميل ذي الألوان الزاهية؛ لون الحقل النضر موشح بلون أزهار الأوركيد، منقاره مدبب وعيناه باسمتان. لا يشبه أحداً من سكان هذه الشقق المهترئة، حجمه بحجم قبضة يده، رأسه غائرٌ بين ريشه الكثيف، يشبه رأس ذلك الرجل الثري حين هطل عليه المطر بسخاءٍ فأنزل رأسه بين كتفيه فانمحت عنقه تماماً...

لكنّ هدوءه الشديد هذا بدأ يزعجه جداً، يغضبه لدرجة يود فيها أن يرمي به من النافذة...أحياناً كان يستفزه بشتائم، وأحياناً كان يهزّ قفصه الذهبي بشدة علّه يقول أي شيء! أي شيء! يستفزه أيضاً صديقه الأحمق الكاذب، وبدل أن يشتم هذا الطائر الصامت أخذ يصبّ كل غضبه على صديقه، يشتمه بكل ما أوتي من قوة.

أخذ كل اهتمامه وأصرّ أن يجد لصمته المزعج حلاً، فكر كثيراً لربما هذا الكائن الغبيّ يحبّ الغناء، فإذا بدأ يعزف سيظهر صوته المخنوق البشع. أخذ يضرب بأصابعه على البيانو بغضب، صار يصرخ بدل أن يغني وهو ينظر إلى الطائر أمامه، كان يقفز على الخشبة هنا وهناك، فيندلق الماء والطعام، ويطير ريشه على البيانو وأحياناً يضرب بمنقاره القفص، والقلق بادٍ في عينيه الصغيرتين...

اقترب منه، ألصق وجهه بقفصه وصرخ: لماذا لا تغني أيها الأحمق؟! تفوه بأي شيء...إني أكرهك...أكرهك!

خرج باتجاه صديقه ليعيده إليه، كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، في الظلام باغته حجرٌ فسقط أرضاً، قفز القفص من يده بعيداً والطائر صار يهتز ويتحرك بفزع... للحظة أشفق عليه، ركض نحوه وضمّه، تشبّث به جيداً، أحسّ بدفءٍ غريب.. يخفف من حدته ذلك القفص بينهما " أرجوك ساعدني...لا تزد عليّ همي وعزلتي...أريد صوتك! صوتك! حتى إن كان قبيحاً!"..وفي تلك اللحظة نفسها وهو عائد إلى بيته تذكر ما قاله صديقه أنه يحب الضوء...و صاحب ذوق عالٍ في الموسيقى؛ فهو لا يغني إلا إذا استمع إلى عزف جيّد...

بالفعل أصبح لا يفوّت أية حصة، وكل يوم يتدرب أكثر أمامه وينتظر منه نبرة غير احتكاك ريشه ومنقاره بالقفص، كان يسلّط عليه الضوء، وأحياناً يفتح له الباب ويمد يديه إلى جناحيه ويبدأ يراقصه، يغني له، يغلق الباب عليه ويرجع يعزف سريعاً وبطيئاً، ينظر إليه ويبتسم على مضض، ينير كل أضواء البيت، يخرج من الغرفة، يدخل من جديد ببذلة عازفٍ مثير..ينتظر صوته بشغف كما لو أنه ينتظر(سيلين ديون) أن تزيح بصرها إلى الجمهور بعد أن أنهى العازف بجانبها مقطوعته الأولى. هذا الطائر الساذج ذو الصوت المخنوق الذي لا يشبه أبداً صوت (سيلين) أدار رأسه الصغير إليه، وقف هادئاً ثابتاً بلا أي حراك، عيناه تنظران إليه...


 ابتسم العازف مشدوهاً وبدا واثقاً مستسلماً لوقفة هذا الطائر الثابتة، "سيغني..سيغني وأخيراً! هيا أيها الجميل هيا! " لكن فجأة انقطعت الكهرباء عن الحي...لبعض الوقت... كان أطول وقت يقضي فيه وحيداً!  


(مجلة أفكار)

هل حقاً نجوت؟






































وصلتُ هذه المرة مبكراً، على غير العادة، أي قبل ساعتين تقريباً. لم يكن ما يحدد وقتي هو ساعة انطلاقي من البيت، بل عدد السيارات التي تتجول في الشوارع. في العادة، حين أصل إلى المستشفى أدخل سريعاً لآخذ رقماً لي، أو كما اعتدنا على تسميته نحن –المرضى- (دَوراً)، يكون رقماً كئيباً لا يفضي إلى شيء ويختلف في كل مرة. هذه الأرقام التي ننساها؛ إذ لا تأخذ منا شعوراً تجاه أي شيء، تُنسى ما إن تنتهِ، ولكنها تكون أجمل من ملامح وجه الطبيب، وهو يصف حالتنا ذاتها، التي لم تتغير منذ سنين.

 كان الجو جميلاً جداً اليوم، حول المكان أشجارٌ كبيرة، والغيوم قد حلّت على السماء، في هذا الشهر الأول من المطر. عندما أرى الأشجار حولي دائماً أؤمن أنهم قصدوا إيواءنا هنا، كي يكبر الأمل فينا أكثر...الأخضر -كما تعلمون- يمدنا بالأمل والطاقة الجيدة. وبالفعل، كانت طاقتي قوية اليوم، سرت باتجاه الكافيتيريا، واشتريت كوباً من القهوة، ثم قررت أن أجلس خارج المستشفى، حيث كانت هناك مقاعد وطاولات كثيرة مهيأة لحشد كبير غير المرضى، المقاعد بيضاء لا تتسخ -ربما- لأنها تابعة للمستشفى، ورائحتها أيضاً نظيفة، ربما يخافون عليها دائماً من أجسادنا أن تنقل إليها خلية سرطانية، هذا ما كنت أقوله في الأيام السابقة، أما اليوم، فلم أفكر بهذا أبداً بل على العكس فقد أعجبتني هذه الرائحة، مع أنها تخللت كل جسدي وليس أنفي فحسب.

وضعتُ الكأس على الطاولة، ولمحتُ يدي، كانت عروقها بارزة وملمسها جافاً، لم أدرِ لمَ تجاهلتها! ربما لأن الجو جميل فعلاً، نظرت إلى السماء وألصقت يديّ المفتوحتين برأسي، هطل عليهما مطر كثير، ثم أنزلتهما، ولم أنتبه إليهما أيضاً. كان الطقس هادئاً، ولم أكن أرغب في أن أتكلم مع أحد، مع أني حين أعود إلى البيت لا أجد أحداً... أبقى طوال اليوم حتى منتصف الليل وحيدة إلى أن يأتي ابني (الأخير)، وحين أراه أقول له: صباح الخير، ثم نتكلم قليلاً عن أي موضوع سهل... أسأله الأسئلة نفسها كل يوم: عن العمل وهل تناول الطعام أم لا، ثم أرجع إلى نومي القصير، فأنا أحب أن أستيقظ في الصباح وأذهب إلى التسوق، أسأل البائع عن ثمن البضائع التي أريد شراءها، وهذا كل ما أقوله يومياً، كلمات قليلة جداً وضرورية، لكنّي اليوم أرغب فعلاً أن أبقى صامتة، حتى لو سألني الطبيب شيئاً سأجيبه بالإيماءات أو بكلمات مقتضبة، سيحسبني كئيبة، وسيتعاطف معي، وسيختصر الكلام ووصف حالتي التي لا أرغب في تذكرها اليوم أيضاً، وسينتهي الأمر.   
    
 جلستْ امرأة كبيرة في السن على الطاولة التي تقابلني، كانت تغطي عنقها بشال أسود، ترتدي تنورةً سوداء وسترةً مرسوماً عليها جلد النمر، لا أعلم لماذا دائماً تجذبني هذه الخطوط! على الأرجح لأنها تدل على الوحشية، ولطالما أحببت أن أرتدي مثلها، فأنا أشعر أن كل من يرتديها يصير مخيفاً وقاسياً، نعم، أحتاج أن أكون قاسية. ربما هذه المرأة هكذا... على الأرجح هي مخيفة، كما تظهر ملامحُ وجهها: حاجباها رفيعان، عيناها ضيقتان حادتان. تخيفني هذه المرأة كثيراً، لكن ليس الآن، فقد أحسست أنها تحتاج إلى مساعدة، لقد أنزلت رأسها، وأغمضت عينيها، وبدأت يداها ترتجفان، نهضتُ سريعاً، أمسكت جسدها، كان ساخناً جداً... حملتُها أتعكز على أبواب المكان، أوصلتها إلى الطبيب، حيث لم تكن تدرك ما تقوله؛ كان كلاماً مبهماً، خرجتُ وأغلقتُ الباب، ثم اخترتُ أن أبقى داخل القسم، فنحن نكون مخيفين في بعض الأحيان، ثم إنني وحيدة... سأجلس هنا، بجانب الكثير، وسأنتظر دوري بهدوء. 

يصبح الوقت طويلاً جداً حين نتمعن الوجوه التي بقربنا، الوجوه التي لا نعرفها ولا تهمّنا، كنتُ أتمنى أن يكون هناك مثل وجه تلك السيدة؛ فالوجوه هنا عادية ومريضة فعلاً، كلها شاحبة بطريقة متشابهة. مضى من الوقت نصف ساعة فقط، فقررت أن أتمشى في الممر الطويل المطفأ والفارغ تقريباً، لأن الوقت ما زال مبكراً.  ونحن نتمشى نتذكر آخر شيء حدث...لقد تذكرت كيف أوقفتْ الشرطيةُ السيرَ الذي كانت فيه حافلتنا، كانت الحافلة تقف في المقدمة، ثم رأينا إشارة من يدها بالتوقف، ثم أدارت ظهرها إلينا، هذه الحركة التي كنت أود كثيراً فعلها في مواقف كثيرة مررت بها، كنت أود أن أوقف بعض الأشخاص من المرور في ممر حياتي بحركة يدها تلك نفسها، ثم أدير لهم ظهري بتلك السهولة وتلك الثقة. لمَ لمْ أفعل ذلك؟!

أدرتُ وجهي إلى القسم الذي كنت أنتظر فيه، فرأيت المرأة تخرج من عند الطبيب شاحبة الوجه مثل كل الوجوه المنتظِرة، صارت تشبههم: وجهها متعرق، ضعيفة جداً كما يجب أن تكون عليه ما دامت تأخذ مكاناً هنا. وقفتُ أمامها بعد أن كانت في الصباح تمدنا بالقوة، والحدة التي تملأ ملامح وجهها، والآن، ماذا عليّ أن أفعل؟ (أنزلتُ) عينيّ في الأرض بضعف بالغ جداً، ثم انضممنا إلى غرفة الانتظار من جديد.

بدأت الأرقام تظهر على الشاشة أمامنا، كان رقمي (9)، رقم سهل للحفظ، بالإضافة إلى أنّ أحداثاً كثيرة أخذت الرقم (9) غير شهر ميلادي؛ فقد سُجن زوجي (9) أيام بتهمة اختلاس الأموال قبل أن يقودوه إلى السجن المركزي، حيث تحمل زنزاته رقم (9)، وتوفيت ابنتي البكر قبل (9) سنوات، وتطلقت ابنتي الأخرى من زوجها بتاريخ 9/9 من هذه السنة، وأستأجرُ شقة في مبنى رقم (9) في الحي، يطالب مالكها أن نتركها بعد (9) أيام بسبب عدم تأميننا النقود، وسيتخرج ابني الأصغر في الكلية العسكرية في التاسع من هذا الشهر...ربما هناك أحداث أخرى لم أتذكرها... آه، كم تدوخنا الأرقام! كم هي بغيضة حين تعني لنا شيئاً! ثم جاءني السؤال الشديد: "هل سأبقى في العراء بعد كل ذلك؟" لكنه انقطع بعد أن رأيت رقمي يظهر على الشاشة، فذهبت لأتم الإجراءات المملة التي نواجهها في أي مستشفى حكوميّ، لنتمكن من رؤية الطبيب.   

وقفتُ بانتظار أن أسمع اسمي، هناك ثلاثة أرقام لم يظهر أصحابها، وفجأة شعرت أن كل من حولي يحدقون بي... لا أعلم لماذا! نظرت إلى شاشة هاتفي، فظهر وجهي في عتمتها... أذكر أنني كنتُ أبتسم في الصباح...يا للعنة الأشياء! أين ذهبتُ بابتسامتي؟! لمَ ذابت عيناي هكذا، بهذه السذاجة؟! نعم إن وجهي يومئ بالضعف أكثر من كل المرضى حولي، حتى شَعري تحوّل إلى خيوط مسكونة بالحُمّى...مستقيمة ومنسابة في اتجاه واحد.

سمعتُ اسمي من الممرضة، كان وجهها مستبشراً كالزهور، واسمي بصوتها كلعنة، كان وجهها يقول لي شيئاً لم أفهمه، فتحتْ لي الباب كالعادة، وقادتني إلى الطبيب على غير العادة، دخلتْ معي عند الطبيب أيضاً، هناك شيء يحدث...وجهه يقول لي أشياء أكثر، نظرت إليهما نظرة تساؤل مريبة، أظنهما قد خافا منها... لكنهما لم يفعلا، وجهاهما يختلفان عن الوجوه في الخارج، الفرح كثير فيهما ويبعث على الأمل. عندما بدأ الطبيب يتحدث أمعنتُ كثيراً في كلامه، حرفاً حرفاً، كنت أخاف أن تفوتني كلمة ما لا أفهمها، ودون أن أدري، تسللتْ ابتسامتهما إلى وجهي، وشعرتُ أنني بانتظار مفاجأة عظيمة، لطالما انتظرتُها،  وقبل أن أسمعها باغتتني الممرضة بالعناق. نعم، لقد أدركتُ ذلك من دموعي الخفيفة التي "غسلت وجهي"، هكذا علّق عليها الطبيب. الدموع الحزينة تشوّه وجوهنا، دائماً أحسها كذلك، والشفاء من مرض سيء مثل هذا أشبه بالخطو نحو الجنة، يشبه كثيراً النجاة من الغرق (في البحر)، وهواء يدخل من النافذة بشراهة إلى غرفة مختنقة جداً. "لقد نجوتِ". قال لي الطبيب.

طال هذا المشهد كثيراً؛ ربما لأنه لم يزرني مثل هذا الفرح منذ زمن بعيد! لا أعلم كيف يشعر الجسد حين يصبح نقياً تماماً. ربما هو الآن يطير (في داخلي).

وقفتُ على قدميّ، واستطعتُ أن أغلق صورة وجهيهما الفرِحين، حين أدرتُ ظهري ومشيتُ، حينها لفحَ وجهي هواءٌ كثيفٌ من النوافذ التي فتحها المرضى في غرفة الانتظار، لم أشأ أن أفزعهم بابتسامتي، لذا بقيت أسير مسرعة. نعم ها هو جسدي يطير فعلاً...

عندما أغلقتُ باب المستشفى خارجةً اتسعت الأرضُ أمامي، وأنا أردد: "لقد نجوت...لقد نجوت..."،  كنتُ كلما خفّ صوتي أنعطفُ إلى الذكريات السيئة التي مازالت تغلّفني، وإلى الوجوه الحزينة التي تنتظرني، وأتساءل: هل حقاً نجوتُ؟!           

(مجلة الدوحة)