الأربعاء، 15 فبراير 2017

غياب




في سريره المشرئبّ كأعمدة المشانق (يصفت) ذراعيه بين رجليه، وظهره الذي يزداد تقوساً كلما مرت سنة، يغطيه لحاف قد اهترأ من أشعة الشمس الهوجاء على غرفته، شعره المنكوش الذي يعتبره أصدقاؤه صفة جمالية لموسيقي سيشتهر من موهبة لربما ضعيفة؛ إذ لم يصقلها بحصة واحدة قد ذهبت مع حصص أخرى من مجرد غفوة تزيد كل يوم نصف ساعة عن مدة الحصة الفعلية، شعره يغطي وسادته كتلك الأوراق الكثيرة المسطرة بالنوتات التي غطت أرضية غرفته، وكريش ذلك الطائر التي اشتراه في الأمس من صديقه إذ خاف أن يرميه من النافذة بسبب صوته الجش الأشبه بزجاجٍ يحتك بحائط كما قال.

لم يكن أحد يشاركه البيت، وهذه الحجة التي دائماً ما يختارها حين يتأخر عن الدرس، ويقابل أصدقاؤه كلامه بالسخرية دائماً، حتى من يجاوره السكن أناس هادئون أو ربما ميتون. هادئة كل أوقاته و هذا الطائر الغريب الذي لا يعرف حتى اسمه ونوعه وموطنه، كأنه قد ملّ من كل أصناف البشر ومن الصباحات حين تمر بوجهه الجميل ذي الألوان الزاهية؛ لون الحقل النضر موشح بلون أزهار الأوركيد، منقاره مدبب وعيناه باسمتان. لا يشبه أحداً من سكان هذه الشقق المهترئة، حجمه بحجم قبضة يده، رأسه غائرٌ بين ريشه الكثيف، يشبه رأس ذلك الرجل الثري حين هطل عليه المطر بسخاءٍ فأنزل رأسه بين كتفيه فانمحت عنقه تماماً...

لكنّ هدوءه الشديد هذا بدأ يزعجه جداً، يغضبه لدرجة يود فيها أن يرمي به من النافذة...أحياناً كان يستفزه بشتائم، وأحياناً كان يهزّ قفصه الذهبي بشدة علّه يقول أي شيء! أي شيء! يستفزه أيضاً صديقه الأحمق الكاذب، وبدل أن يشتم هذا الطائر الصامت أخذ يصبّ كل غضبه على صديقه، يشتمه بكل ما أوتي من قوة.

أخذ كل اهتمامه وأصرّ أن يجد لصمته المزعج حلاً، فكر كثيراً لربما هذا الكائن الغبيّ يحبّ الغناء، فإذا بدأ يعزف سيظهر صوته المخنوق البشع. أخذ يضرب بأصابعه على البيانو بغضب، صار يصرخ بدل أن يغني وهو ينظر إلى الطائر أمامه، كان يقفز على الخشبة هنا وهناك، فيندلق الماء والطعام، ويطير ريشه على البيانو وأحياناً يضرب بمنقاره القفص، والقلق بادٍ في عينيه الصغيرتين...

اقترب منه، ألصق وجهه بقفصه وصرخ: لماذا لا تغني أيها الأحمق؟! تفوه بأي شيء...إني أكرهك...أكرهك!

خرج باتجاه صديقه ليعيده إليه، كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، في الظلام باغته حجرٌ فسقط أرضاً، قفز القفص من يده بعيداً والطائر صار يهتز ويتحرك بفزع... للحظة أشفق عليه، ركض نحوه وضمّه، تشبّث به جيداً، أحسّ بدفءٍ غريب.. يخفف من حدته ذلك القفص بينهما " أرجوك ساعدني...لا تزد عليّ همي وعزلتي...أريد صوتك! صوتك! حتى إن كان قبيحاً!"..وفي تلك اللحظة نفسها وهو عائد إلى بيته تذكر ما قاله صديقه أنه يحب الضوء...و صاحب ذوق عالٍ في الموسيقى؛ فهو لا يغني إلا إذا استمع إلى عزف جيّد...

بالفعل أصبح لا يفوّت أية حصة، وكل يوم يتدرب أكثر أمامه وينتظر منه نبرة غير احتكاك ريشه ومنقاره بالقفص، كان يسلّط عليه الضوء، وأحياناً يفتح له الباب ويمد يديه إلى جناحيه ويبدأ يراقصه، يغني له، يغلق الباب عليه ويرجع يعزف سريعاً وبطيئاً، ينظر إليه ويبتسم على مضض، ينير كل أضواء البيت، يخرج من الغرفة، يدخل من جديد ببذلة عازفٍ مثير..ينتظر صوته بشغف كما لو أنه ينتظر(سيلين ديون) أن تزيح بصرها إلى الجمهور بعد أن أنهى العازف بجانبها مقطوعته الأولى. هذا الطائر الساذج ذو الصوت المخنوق الذي لا يشبه أبداً صوت (سيلين) أدار رأسه الصغير إليه، وقف هادئاً ثابتاً بلا أي حراك، عيناه تنظران إليه...


 ابتسم العازف مشدوهاً وبدا واثقاً مستسلماً لوقفة هذا الطائر الثابتة، "سيغني..سيغني وأخيراً! هيا أيها الجميل هيا! " لكن فجأة انقطعت الكهرباء عن الحي...لبعض الوقت... كان أطول وقت يقضي فيه وحيداً!  


(مجلة أفكار)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق