الأحد، 19 فبراير 2017

ما هو الأسلوب الحديث؟ مقال نشر في (ذي إيكونوميست-The Economist)

ما هو الأسلوب الحديث؟

لماذا يُتم الكثير من الفنانين أعمالهم الأكثر إثارة في سنواتهم الأخيرة؟

عندما يصبح الوقت ثميناً يتغلب الملحنون وكتاب المسرح على أنفسهم.

 تتلاشى، تتلاشى الشمعة! عندما تقترب الحياة من النهاية فإن الأفكار تتضح بصورة عاجلة، هذه الحقيقة ملموسة بين بعض الفنانين أكثر من غيرهم. الروائيون مثلاً يجدون طرقاً غير محدودة لإخفائها، ولكننا نرى بشكل واضح جداً أن (الأسلوب الحديث) قد أصبح مفهوماً مقبولاً وبالغ الأهمية في أوساط كتّاب المسرح، والملحنين، والفنانين التشكيليين، باعتبار أن أعمال هنريك إبسن الأخيرة قد هزّت قضبان البرجوازية بقوة. يهمل البعض في لحظةٍ التلميحَ الأخير من الباحثين المتخصصين في الدماغ بأن الفكرة التجريدية في أعمال وليم دي كوننغ الأخيرة تظهر بداية جنونه. وينظرون بدلاً منها في أعمال فينسنت فان غوخ و فرانسيسكو غويا.


 انظروا إلى (زحل يلتهم ابنه) من (اللوحات السوداء) الأكثر شهرة لـ(غويا)، لن تجدوا فيها انحداراً في براعتة التقنية، ولكن الإنسانية التي يعرضها فظيعة على نحو خياليّ. انظروا إلى اللوحات التي رسمها فان غوخ خلال أيام لجوئه إلى سان ريمي (أشجار الزيتون) 1889. لقد أفسحت الفكرة التجريدية الطريق للتبسيط الاحتفالي مثل أن تُظهر الدوائر التي تصنعها ضربات الفرشاة أنماطاً كثيرة من الغيوم، الأشجار، الأزهار وسنابل القمح الضخمة. بالنسبة لهؤلاء الفنانين فقد كان يعنون ب(الأسلوب الحديث) المواجهة بين الأسلوب المريع والآخر المبهج الواقعي جداً.   


 وقد صاغ الفيلسوف الألماني الماركسي ثيودور أدورنو مصطلح (الأسلوب الحديث)، كطابع لرأيه المتزمت ببيتهوفن، بالنسبة إليه كانت أعمال بيتهوفن الأخيرة تعبيراً غالباً عن الرفض القاطع لحل صراعات الحياة بشكل إيقاعيّ. هذا الرأي الذي أيده مؤخراً الكاتب والأكاديمي الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، والذي صرّح في مادة قد نشرت بعد وفاته في مجلة (لندن ريفيو أوف بوكس) أن هذه السلبية في تأخر بتهوفن هي قوة، "هذا البطء شيء من حقه"، أضاف سعيد موافقاً " ليس هاجساً أو محواً لشيء آخر".

 والآن يخوض الموسيقيون في جدال حول البطء. لقد عزف أندراس شيف آخر سوناتات موسيقية لهايدن وبتهوفن وشوبرت في مجموعة حفلات في قاعة (ويجمور) في لندن العام الماضي. كان الخيط الرابط هو الإتقان الجمالي البالغ، في (الأسلوب الحديث) يقدم عازف البيانو الشاب جوناثان بيس في مجموعة من الحفلات في أمريكا وأوروبا خلال الربيع من هذه السنة موسيقى الحُجرة التي كتبها هؤلاء بالإضافة إلى كارلو جزوالدو، وروبرت شومان، وبنجامين بريتن، ويوهانس برامس.

 بالنسبة لهؤلاء كان المقصود ب(الأسلوب الحديث) شيئاً مختلفاً؛ قتل كيسولدو زوجته وحبيبته وقضى أيامه الأخيرة في العذاب، ونستطيع أن نلمس ذلك في أعماله الأخيرة المجنونة والمتضاربة، وقد أصبحت أيام شومان الأخيرة من دماره العاطفي ظاهرة في تراجعه الواضح في(Gesänge der Frühe) (أغاني الفجر). تُظهرر رباعية سلسلة بريتن التي اختارها بيس العازفَ مبتهجاً للغاية، وبالنسبة إليه، الاقتصاد في المشاعر شيء جديدد تماماً. تظهر الحركة المعتدلة والفوضوية في اختيار مستر ببيس لسوناتا شوبرت العازف الذي مات بمرض الزهري و ذهب أشلاء من غضبٍ ورعبٍ، أظهرت أعمال برامس الأخيرة رجلاً استنُزفت وجفت طاقته الشعورية، أما أعمال بيتهوفن فأظهرت العكس. وما يجمعهما حسب وجهة نظر بيس هو "أن هناك شيء ما قد حصل  معهما ليتغير أسلوبهما تماماً".  

 ما هو ذلك الشيء؟ يبدو أنه مزيج من الظروف بالإضافة إلى السايكولوجيا، ولا أحد يستنتج بوضوح ذلك أكثر من بيتهوفن، لقد أعطى الصمم في عالم الصوت الخالص هذا الحريةَ له لصنع أصوات جديدة لا أحد يحلم بها لتصل إلى يومنا هذا، والتي قد زادت من طموحه الواثب ليخاطب الأجيال القادمة.  

 من ناحية أخرى، كانت أعماله الأخيرة رمزية جداً، وأحياناً تبدو كأنها داخل خيال فنيّ مطلق، ليجعل الوقت -كما كان يريد- يتجمد في مكانه وتطول حياته. أشار عالم الموسيقى الأمريكي ماينرد سولومون في كتابه (بيتهوفن الراحل) 2003 إلى التردد، والذي يُرى بوضوح في سوناتا (Hammerklavier ) والسيمفونية التاسعة مع مجموعة من الموضوعات التي تمت تجربتها، وتم رفضها رفضاً قاطعاً قبل أن تنجح المقطوعة الصحيحة اعتماداً على إطلاق الأخيرة. يشبّه سولومون هذه العملية بالبحث عن خيطٍ في متاهة، وبالهزل المفتوح في البغاتيلة التي تشير إلى أن بتهوفين قد وجد بالفعل ذلك الخيط.  

 كما تُبين فيونا مادوكس في (الموسيقى من أجل الحياة) مجموعة أنيقة من المقالات القصيرة التي نشرت العام الماضي، أن الناس قد صبوا عواطفهم في الأعمال الأخيرة أكثر، وهناك بعض الحقائق حول هذا الأمر. هناك الكثير من الفنانين الكبار قد جربوا خطوة التغيير السايكولوجي والفنّي في الحياة أخيراً، وبالنسبة إليهم تتوهج شمعة الحياة أكثر عندما يحين وقت انطفائها.  

ظهرت هذه المادة في قسم (الكتب والفنون) من النسخة المطبوعة تحت العنوان الرئيسي (عندما يصبح الوقت ثميناً).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق