الأحد، 17 سبتمبر 2017

حين تحقق حلمهم

"مع الزمن صار هذا الشيء- الذي أسموه هواية، والذي وضعوني داخله كأنه مأواي الوحيد، الصندوق الذهبيّ الذي غلّفني من كل الجهات ورفعني إلى السماء- صار متداولاً إلى حد لا يطاق، حيث انتشر كثيرٌ من الذين لم تغلفهم البتة الصناديق الذهبية في حدود العالم الواسعة و صاروا قديسين" هذا ما قالته صديقتي الكاتبة التي لم تصدر مثلي كتاباً إلى الآن.

أذكر حين حملتُ نسختين من قصصي القصيرة إلى وزارة الثقافة لأتقدم بطلب دعمها، وقبلها إلى دائرة المكتبة الوطنية لأحصل على رقم إيداع، كان لدي إيمان كبير بأنني أحمل إليهم شيئاً ثميناً أخرجته معي من صندوقي الذهبيّ، خفتُ على ذلك المخطوط من الغبار ومن أن ينتبه إلى عنوانه أحد المارين ويختاره لكتابه الذي سيلي كتابي بأشهُرٍ قليلة.

 كنتُ أخبئ المخطوط في ال3 مرات التي كان أولها رواية عرضتها أولاً على دار للنشر، انتهيت من كتابتها في السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة، أذكر الضوء الهائل في عينيّ آنذاك؛ ضوء البدايات الشهية، أو الشغف الخالص الذي يرافقه أحلامٌ بلا خيبات... لم تكن الرواية مبهرة وشهيّة جداً لأن أقرأها الآن. تذكرت هذا الضوء عندما عملتُ في نفس دار النشر لفترة، حين جاءت صبية صغيرة لا يتجاوز عمرها ال16 عاماً بنصوص تود نشرها، ذكرني الضوء في عينيها والبريق بي رغم اختلافٍ لا تفقهه دور النشر، ولكنها فعلتْ ما لم أفعله فقد تم نشر كتابها رغم حذف كثير من نصوصه. "البدايات جميلة حتى لو كانت بسيطة" هذا ما قالته لي كاتبة و قاصة قد نشرت كتابها الأول في سن ال18.

ولآمالي وشغفي الكبير في ذلك الوقت ولسذاجتي التي كانت، حملتُ المخطوط لوزارة الثقافة وعبأت طلب الدعم وأتاني الرد بعد 3 شهور تقريباً بعدم القبول، أذكر أني بعد هذه الحادثة لم أيأس أيضاً فبعدها ب4 سنوات أي قبل مدة بسيطة من الآن، بعد أن نصحني ناقد أردنيّ: "اجعلي كتابك الأول يكون مجموعة قصص قصيرة ليس شيئاً آخر"،  ذهبت مرة أخرى بذلك المخطوط لقصصي القصيرة لأقدمه للدعم من وزارة الثقافة ووثقت عنواناً مناسباً له: "نوافذ ووجهي". أقول إني إلى الآن أملك رقم إيداع لكتاب لم أعد أرغب بنشره، والنوافذ قد عصفت غباراً عليه وعلى وجهي.
صديقي الكاتب ذو ال30 عاماً، والذي ظننته قد أعرض مثلي عن هذه الفكرة، لأني أجد مزاجه قريباً من مزاجي، ها هو اليوم يخبر جميع أصدقائه ومتابعيه على الفيس بوك أنه قرر أن ينشر كتابه (البكر) بعد إلحاح متابعيه على ذلك. جهلته كثيراً رغم انفعاله الطبيعي. فرحت أيضاً لصديقي الشاعر ذو ال27 عاماً حين سألته وقد غاب عني زمناً طويلاً بعد زيارته الأخيرة لدار النشر التي كنت أعمل بها، إذ علمت منه أن لديه النية لنشر ديوانه الشعري، الآن أسأله: "لقد كنت بصدد تجهيز كتابك للنشر؟" فيقول: "وأجهّزه من جديد الآن". بالمقابل ما يزال لدي صديق، يحب الأضواء الخافتة وفيروز ليلاً، كلما قرأتْ صديقتُه نصاً نشره على الفيس بوك تسأله: "متى ستنشر نصوصك في كتاب؟" فيجيب: "لست بصدد ذلك على الإطلاق". وبالمقابل أيضاً نجد كثيراً ممن لا نسألهم شيئاً يفاجئوننا بكتبهم التي تتوالى في مدة قليلة. فرحت لصديقيّ وبقيت وحدي أتساءل: "كيف لا يسأم أصحاب دور النشر من التساوم في كل شيء حتى في (القَفلة)؟!"

في الحقيقة كانت أحلامي كلها تنصبّ على أن أجهّز حفلة توقيع لائقة، يشغلها عازف ناي أوعود، كنت أحب أن أطيل تخيل هذا المشهد أكثر من أن يلاقي كتابي استحساناً من النقاد وكبار الكتّاب، أما الآن فبتّ من كثرة تكرار مشهدها أمامي أجدها عادية جداً، وصار هدفي هو قراءتي، سواء أكانت نصوصي في كتاب، أو موزعة على صحف ومجلات، أو مكتوبة الكترونياً.

صارت المكتبات تعجّ بكتب كثيرة محتواها وأسماؤها غريبة، يضعها أصحاب المكتبات بعناية حتى تغطي ما أحتاج قراءته فعلاً، لوحة الغلاف هي الأهم بالإضافة إلى صورة مدروسة للكاتب تكون مطفأة قليلاً توحي بغموضه، وصارت القنوات التلفزيونية تتلهف لأن ترى كاتباً شاباً قد نشر كتابه (البكر) كما يسمونه عادة لتجري معه حواراً يكشف غموضه الذي وجدته على الغلاف. "أنا لست محمود درويش أو مظفر النواب...لأصعد على المنبر وأقرأ قصائدي، أنا بسيط" هذا ما قاله صديقي الذي يتابعه الكثير من الكتّاب المهمّين على الفيس بوك.

أصرّح أنه لا يعلمني الكثير لأني لم أضع (صورتي الغامضة) حتى الآن على كتاب، ولكن رغم ذلك فقد وجدتُ الخيال الذي رسمته مطولاً وأنا جالسة أنتظر القراء لأوقع كتبهم، الخيال الذي ألغيت فيه جميع مراحل النشر الطويلة والمملة، والحوار الطويل مع أصحاب دور النشر والمحررين الذي يقدر الكاتب في أحواله العادية (أي دون غرض نشر كتابه) أن يلغيه، قد صار مشهداً مكرراً بشكل كبير، وبعيداً...بعيداً جداً.


 المقال قبل سنتين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق