الأحد، 5 ديسمبر 2021

قصيدتان للشاعرة الأمريكية لويز غلوك

 أسطورة الإخلاص

 

عندما اختار هاديس أن يحب تلك الفتاة

بنى لها نسخة مطابقة عن الأرض

بقي كل شيء على حاله حتى المرج

ولكن مع سرير إضافيّ

 

كل شيء بقي على حاله حتى ضوء الشمس

لأنه سيكون صعباً على فتاة صغيرة

أن تنتقل بسرعة من ضوء ساطع إلى ظلام مطلق

 

ظن أنه بالتدريج سيقدّم الليلَ

بالبداية كظلال أوراقٍ ترتعش.

القمر ثم النجوم، ثم لا قمر ولا نجوم

لتعتاد بيريسفون على ذلك بشكل بطيء

وفي النهاية اعتقد أنها ستجد ذلك مسلياً

 

نسخة مطابقة عن الأرض

إلا أنه ثمة حب هنا

ألا يريد الجميع الحب؟

 

انتظر سنوات عديدة

بنى عالماً، يراقب بيرسيفون

التي تشم وتتذوق

ظن أنه إذا كان لدى أحد ما شهية واحدة

فسيحصل على جميعها.

 

ألا يريد الجميع أن يشعر ليلاً

بجسد الحبيب، بالبوصلة، بنجم القطب

ليسمع النفس الهادئ الذي يقول:

أنا على قيد الحياة لأنك تسمعني

أنت هنا معي. وعندما يستدير أحد

يستدير الآخر؟   

 

هذا ما شعر به إله الظلام

ينظر إلى العالم الذي بناه

لبيرسيفون. لم يخطر بباله أبداً

ألا يكون هناك المزيد من الروائح

وبالتأكيد المزيد من الطعام

 

ذنب، ذعر، خوف من الحب

هذه الأشياء التي لم يتخيلها

ولا يتخيلها مُحبّ

 

إنه يحلم، يتساءل ماذا يسمي هذا المكان

فكر بالبداية أن يسميه الجحيم الجديد (الحديقة)

وفي النهاية قرر أن يسميه

صِبا بيرسيفون

 

يطلع ضوء خافت فوق المرج الأفقي

خلف السرير. يأخذها بين ذراعيه

يرغب أن يقول لها أحبك، لا شيء يمكن أن يؤذيك

 

لكنه فكّر

هذه كذبة، لذلك في النهاية قال:

أنت ميتة، لا شيء سيؤذيك

بدا له ذلك بداية واعدة وصادقة أكثر    

 

 

 

 

الماضي

 

ضوء صغير في السماء قد ظهر

فجأة بين

غصني شجرة صنوبر، إبرهما الرقيقة

 

مطبوعة الآن على السطح المضيء

وتعلو ذلك

سماء عالية، مليئة بالريش

استنشق الهواء، إنها رائحة الصنوبر الأبيض

تصبح أقوى عندما تهب الرياح خلاله

والصوت الذي تصنعه غريبٌ بنفس الدرجة

كصوت الرياح في فيلم

 

الظلال تتحرك. الحبال

تصدر صوتها. وما تسمعه الآن

هو صوت العندليب، الحبليات،

وصوت الطائر وهو يغازل أنثاه

 

الحبال تتحرك. الأرجوحة

تتأرجح في الريح، مربوطة

بحزم بين شجرتي صنوبر

 

استنشق الهواء. إنها رائحة الصنوبر الأبيض

 

الصوت الذي سمعته هو صوت أمي

أو صوت الأشجار فحسب

عندما يمر عبرها الهواء

 

لأنّ الصوت الذي يصدر

يمر عبر لا شيء

الجمعة، 19 نوفمبر 2021

19/11/2021

يتغير موسم الشتاء كل عام، يأتي غريباً بالنسبة لي، بدأت هذه الغرابة منذ أربع سنوات، عندما يأتي أشعر بشيء في داخلي يتكسر، ضجيج في داخلي، انقباضات ووحدة قد تقودني إلى الجنون يوماً ما، غرابته مثل غرابة فنجان القهوة الليلي الذي يقودني إلى أن أجلس على طاولة المجلى وأتخيل سيجارة بطعم التوت بفمي مع أني لا أحب التدخين، وإلى تناول الكثير من الشيكولاتة. لا أخاف أن أسمن ولكن أخاف من هذه العادة الغريبة التي بدأت للتو، شيء ما يحدث! هل الغيمات تجلب لي معها عتمة كبيرة؟!

 

الشغف؟! أحاول أن أتمسك به كمن يتمسك بورقة فارغة (قريبة من القلب) وسط عاصفة قوية. حاولت وأحاول لكني تعبت...متأكدة من أنني أريد حباً غريباً مثل الشتاء يدفعني لأشياء غريبة. إذ ما جدوى الحب العاديّ في كومة الأحداث الرهيبة هذه؟! 


كلما اقترب مني شخص أخفيه بعصاي السحرية أو هو يختفي ولا يبقى منه أثر كأنه لم يوجد قط. أضع الحواجز بيننا وأبقي على شق صغير يسمح بمرور الضوء. أحاول إعادة الأشخاص القدماء، ثم ألغيهم، شيء غريب قد طالهم ربما سحر ما، أو عصا من غيري، لكنها أخفت أشياءهم الجميلة فصاروا يبدون مثل أكياس فارغة تطقطق مع الهواء. شيء صار يدفعني لترك أيديهم بسرعة والجري... الجري لمسافات طويلة. هل هذا شغف؟

 

هل عيناي تلمعان؟ أريد أن أسأل الجميع؟ إذا كانتا كذلك فعلاً فهذا شيء مبشر. هل أشبه أحداً ما؟ لأنني لا أرغب في ذلك. هل أنا غامضة؟ لا أرغب في ذلك أيضاً؟ هل أنا قريبة من أحد؟       

الاثنين، 26 أبريل 2021

ثلاث قصائد للناشطة والكاتبة الأمريكية كاري وليامز كليفورد-ترجمتي


حياة وموت

حياة

رأيت الشموع تحترق ببهاء في الغرفة
وقد ثُنيت أطراف الستارة بلباقة
النوافذ واضحة جداً
فوق الموقد القوي
طُرفة سريعة وضحكة وهمية
تلمعان وترقصان
تومضان وتتبخران
الموسيقى أضفت على المشهد المضيء ابتهاجاً
كان مشهداً لطيفاً
مليئاً بالحياة والحب والضوء!

موت
ولكن رأيت فجأة سحابة من الكآبة
تأخذ شكلاً في الغرفة
وضباباً أزرق مائلاً إلى السواد
أخفى زجاج النافذة
وملأ الصمتُ الشغب
ثم من الظلال أتى الشبح المفزع.
ورمشت الشمعة


معاً
تعال يا حبّ، دعنا نسير
في الطريق السفليّ للحياة معاً
قد تأتي العواصف، ولكن ماذا يهم
إن كان الطقس جميلاً أو رطباً
عندما تكون السماء فوقنا زرقاء
ستتبعنا رياح منعشة وعطرة
إلى قاع الوادي
أصداءٌ مسكونة بضحكاتنا
عندما تهبّ علينا أصوات الحياة
تسحقنا بغضب
وبعد أن ننتهي ستأتي
الأصداء الساخرة لضحكاتنا ترنّ
فنسير في طريق الحياة
أنا وأنت والحب معاً
عاصفة، أو شروق،
جميلٌ الطقس أو رطب
نحن سعداء


بحث
هدفي اجتاز النجم الأقصى
إلا أنه لا يزال محصوراً في أعماق روحي
أنا هدفي، بحثي لمعرفة نفسي
لرسم خريطة هذا البحر بعيدِ الغور وبلوغه
يجب أن تمسّ نفسي أعماق الكون اللامحدود
روحي تحوي الفكر كلّه، الغموض كلّه
حكمة العقل اللامتناهي العظيم كلّها
لتُكتشف. عليّ أن أقوم برحلة بعيدة
لأجدها أخيراً في قلبي النابض

الأحد، 7 فبراير 2021

حُلم-قصة قصيرة

 

بدأ الأمر عندما استيقظت من الحلم الغريب الذي كانت تدور به على أرض مزخرفة، كانت كل الوقت تدور ولا ترى شيئاً، واقع الحلم يشير إلى أنها كانت عمياء، لا صلاة تربطها بضوء، إنه ظلام دامس ولكنها كانت تدور، لم يأمرها أحد بالقيام بذلك ولم ينبهها أحد. حصل ذلك فحسب، وعندما استيقظت من الحلم بدا الأمر أشبه بولادتها من جديد، كأنها خرجت من نفق مظلم لترى الضوء ساطعاً في غرفتها، إنها الشمس. 

 

صنعت قهوتها وحدّقت بالساعة بعد ذلك، لم تفضل أن تكون الواحدة ظهراً، فقد كانت تخطط أن تستيقظ العاشرة صباحاً، لا بأس، إنه أول شيء تحدق به، بقيت تتمعن الساعة لوقت طويل، إذا مر أحد ونظر إليها سيحسبها تتمعن بلوحة. حركاتها غير منتظمة أبداً؛ فبعد أن انتهت وقفت سريعاً وفتحت الستارة بأكملها لا تنظر إلى شيء.

 

ذلك الحلم أرخى ظلاله على بقية يومها وربما أيامها القادمة، إنها ليست المرة الأولى التي يوجهها حلم. إنه ليس بالأمر الهيّن. صور وأمور قد حدثت ولكنها لم تحدث، سيتشوش دماغها بالتأكيد، إن ذلك يحتاج وقتاً، لتستفيق يأخذ الأمر معها مدة طويلة، وكيف إذا أرادت أن تستفيق مرتين. حدث مرة أن حلمت أن ضوءاً مخبأ في جرة أسفل النهر، ثم حال ذهبت إلى النهر انفجرت الجرة وتلاشى كل شيء، وعندما استفاقت لم تر أي نهر ولا أي شيء من ذلك، وإنما رأت قطتها الغافية على وسادة قديمة عند الباب.  الأحلام أحياناً توترنا خاصة عندما تكون بفقد إحدى الحواس.

 

دق منبه هاتفها يذكرها بسقاية النبات على شرفتها، فمع الانتقال إلى بيت جديد تضطرب الأشياء وتتراكم بلا تنظيم، وبعد أن انتهت عادت من الشرفة واستلقت على ظهرها على البلاط مباشرة وأخذت تحدق بالسقف لا تفكر بأي شيء، إن أقل شيء تفعله هو المبالغة في كل شيء.

-                     هل وجدتِ به ندوباً؟

-                     ماذا؟ لم أره..

-                     كيف هذا؟! إنك تنظرين إلى السقف منذ ساعة تقريباً.

-                     أفكر في شيء آخر.

-                     اليوم ستلتقي العائلة مساء، لن تتأخري أليس كذلك؟!

-                     لن أتأخر.

 

كل شيء في هذا البيت يحدث صريراً، حتى أنفاسها؛ فهي ثقيلة للغاية، دائماً ما نرى وجهها مرتبكاً أيضاً، عيناها خجولتان على الدوام، كأنها مذنبة، تنظر إلى الجميع بتلك النظرات حتى مع من تكرههم. لقد تركها الجميع حتى قبل أن تبكي، وإنها باستمرار حين تزيح الستارة تتفاجأ عندما ترى الشمس، وكأن كل شيء انزاح من مكانه، وكلما رأت أحداً يصير يتحدث إليها ويسألها أسألة بديهية إجابتها سهلة ومباشرة، لأنه قد حصل ونسيت موقفاً مهماً يتعلق بالحياة الواقعية كثيراً وليس بها بطريقة مباشرة فصارت كل حياتها تثبت أن ذاكرتها جيدة، مع أنها بذات الوقت لا تأبه بشيء، إنها ركام قلبها وأخف ما قد تحمله العاصفة. تهتم بالجميع ثم إنها دائما ما تدرك أنها إطار هذا المجتمع، الجميع داخل الإطار يتحرك، يقفز، يعبر إلى الجهة الأخرى، يصرخ، تسمعه ثم لا تفعل شيئاً، لقد وقفت في نقطة زمنية معينة لا تهتم بشيء، إنها قاسية كالمسمار الذي يعلق لوحة. بقي ساعة...لم تشعر بالوقت كيف مرّ. الجميع سيتصل بها بعد قليل ليذكرها بالموعد وهي ستثبت لهم أنها لم تنسَ الموعد.

 

ذهبت لتتجهز، اختارت الفستان، وضعت القليل من الماكياج، نظرت طويلاً إلى عينيها في المرآة وهي تضع الكحل وبعد أن انتهت أيضاً. وكما توقعت بدأت الاتصالات، "حسناً، أعلم، أنا جاهزة تقريباً، بعد قليل سأخرج باتجاهكم، مع السلامة".

 

قبل أن تغلق باب بيتها انتبهت إلى كثرة الألوان في غرفة الاستقبال؛ أزرق، بني، ذهبي، أخضر، ولم تعلم لمَ رأت أيضاً تموجات من الوردي على الحائط، "لا بأس سأهتم بذلك حين أعود".

الرصيف مبتل، ثم إنه يتقعر أكثر فأكثر، كل شيء تنظر إليه يتقعر، عمود الإنارة منزاح قليلاً إلى الشارع، الفتاة التي تتحدث عبر الهاتف عيناها حزينتان للغاية، لا بد أن الجميع حزين، فهناك سائق الدراجة أيضاً قد رفع القبعة عن رأسه وسريعاً مسح عينيه بيديه قبل أن تضيء الإشارة لونها الأخضر، نظرت إلى الساحة الفارغة هناك، على الصخرة جلست قبل يومين هي وصديقتها، ثم تخيلت نفسها تجلس عليها وحدها، استوقفها هذا الأمر؛ لا تعلم لم تتخيل نفسها وحيدة في الأماكن التي شغلها الآخرون معها من قبل، تذكرت أن هذا الأمر يخيفها كثيراً، لم تتخيل ذلك؟! الزاوية هناك التي بجانب بيت العائلة تنقصها شجرة، ستخبر أباها بذلك، دقت الجرس، لقد أصبح صوت الجرس رخيماً جداً وكأن للصوت صورة. دخلت الباب.

الشباك في غرفة الاستقبال عليه آثار يد واحدة، جبين الخادمة يقول: "السماء عابسة بوجهي دائماً"، لا! لقد أوقعت الصينية وانكسرت الكاسات، الكراسي قديمة لم لا يلاحظ ذلك غيري؟ هل يجدر بي أن أخبرهم بذلك؟! "ولكن لم لا يجلس الجميع على الطاولة؟!"، سألت الخادمة فأخبرتها أنهم فرغوا من العشاء وذهبوا ليجلسوا في الحديقة، بقيت تنظر إلى الخادمة مطولاً، إنها تضع ظلالاً على عينيها ولكن لونه باهت، لم تعلم أيضاً لم رأت الكراسي ترتجف، والشمعدان، الحائط قبالتها يلمع بطريقة مربكة، الساعة الجديدة ليست جميلة، طلبت من الخادمة أن تحضر لها فنجان قهوة إلى الحديقة، كانت تسير وفي رأسها أفكاراً كثيرة؛ صارت تفكر أنها ربما تكون التوأم الروحي للمثل الأمريكي آدم درايفر، لا تعلم عنه الكثير ولكنها تشعر بأنه يتشارك معها أشياء كثيرة. إنها تمقت الكثير من الأشياء، أشياء بها أيضاً، حتى إنها لا تحب نفسها في كثير من الأحيان وتحب من يؤذيها، وفجأة أدركت أنها لا تحب ذلك الشخص الذي قابلته لأربع سنوات في نفس الحديقة، لم قررت الارتباط به؟! لا تعلم، إن الأرض تحت قدميها ليست ثابتة. وإذا وقعت القهوة التي ستشربها بعد قليل على الأرض ستصنع منها لوحة، لون الضوء في الممر يساعد على ذلك (أصفر باهت). تذكرت حلماً آخر؛ إذ اندلقت القهوة من سقف محل بيع القهوة على رأسها وكتفيها، كان حلماً جميلاً لو أنه يتحقق، كان للحلم رائحة، أول مرة يحدث ذلك، إنّ الأحلام دائماً ما تكون أجمل وكذلك الخيال، إنها تحس بخدر بكل جسدها. إن قوة أخرى تحركها، تفعل كل شيء تحت ظل ذلك الخدر، لقد صارت عديمة المشاعر، فمع الزمن تتباطأ مشاعرنا وأحياناً تنتهي...إن فاصلاً واحداً يؤدي إلى ذلك. ما بين الحماس والتبلد مزاج، وأحياناً يتدمر ذلك المزاج، ونبقى مع قلوبنا التي توزع الدم في أجسادنا فحسب. نتشارك اليقين وأشياء سيئة، نتشارك سماع القصص السيئة التي حدثت مع أشخاص طيبين، تنظر مثلاً إلى الخادمة؛ الأسى مزروع فيها؛ تشربه وتقتات عليه، ليس عندها متسع من الوقت للتفكير بالمزاج أو المشاعر، بل اليقين فحسب... كل اليقين. كلما تنظر في أعين الناس تحسب السماء انزاحت وتركزت في أعينهم.

خرجت إلى الحديقة، وكانت تسمع خطوات الخادمة وراءها، تنظر إلى أخيها وتتخيل أشياء لم يقلها أحد؛ تتخيله يقول الحياة غربة، تنظر إلى الباقي فلا ترى شيئاً أبداً...لقد تركوا ملامحهم خلفهم على كراسيهم الفارغة. ركضت نحو أخيها. "أين ذهبوا؟!". وضعت الخادمة فنجان قهوتها على الطاولة أمامها وانسحبت. "لقد تأخرتِ يا عزيزتي. لم كل هذا التأخير؟!       

 

   

        

نشرت في مجلة ميريت الثقافية