بدأ الأمر عندما استيقظت من الحلم الغريب الذي كانت تدور به على أرض مزخرفة، كانت كل الوقت تدور ولا ترى شيئاً، واقع الحلم يشير إلى أنها كانت عمياء، لا صلاة تربطها بضوء، إنه ظلام دامس ولكنها كانت تدور، لم يأمرها أحد بالقيام بذلك ولم ينبهها أحد. حصل ذلك فحسب، وعندما استيقظت من الحلم بدا الأمر أشبه بولادتها من جديد، كأنها خرجت من نفق مظلم لترى الضوء ساطعاً في غرفتها، إنها الشمس.
صنعت
قهوتها وحدّقت بالساعة بعد ذلك، لم تفضل أن تكون الواحدة ظهراً، فقد كانت تخطط أن
تستيقظ العاشرة صباحاً، لا بأس، إنه أول شيء تحدق به، بقيت تتمعن الساعة لوقت
طويل، إذا مر أحد ونظر إليها سيحسبها تتمعن بلوحة. حركاتها غير منتظمة أبداً؛ فبعد
أن انتهت وقفت سريعاً وفتحت الستارة بأكملها لا تنظر إلى شيء.
ذلك
الحلم أرخى ظلاله على بقية يومها وربما أيامها القادمة، إنها ليست المرة الأولى التي
يوجهها حلم. إنه ليس بالأمر الهيّن. صور وأمور قد حدثت ولكنها لم تحدث، سيتشوش
دماغها بالتأكيد، إن ذلك يحتاج وقتاً، لتستفيق يأخذ الأمر معها مدة طويلة، وكيف
إذا أرادت أن تستفيق مرتين. حدث مرة أن حلمت أن ضوءاً مخبأ في جرة أسفل النهر، ثم
حال ذهبت إلى النهر انفجرت الجرة وتلاشى كل شيء، وعندما استفاقت لم تر أي نهر ولا
أي شيء من ذلك، وإنما رأت قطتها الغافية على وسادة قديمة عند الباب. الأحلام أحياناً توترنا خاصة عندما تكون بفقد
إحدى الحواس.
دق
منبه هاتفها يذكرها بسقاية النبات على شرفتها، فمع الانتقال إلى بيت جديد تضطرب
الأشياء وتتراكم بلا تنظيم، وبعد أن انتهت عادت من الشرفة واستلقت على ظهرها على
البلاط مباشرة وأخذت تحدق بالسقف لا تفكر بأي شيء، إن أقل شيء تفعله هو المبالغة
في كل شيء.
-
هل وجدتِ به ندوباً؟
-
ماذا؟ لم أره..
-
كيف هذا؟! إنك تنظرين إلى السقف منذ ساعة تقريباً.
-
أفكر في شيء آخر.
-
اليوم ستلتقي العائلة مساء، لن تتأخري أليس كذلك؟!
-
لن أتأخر.
كل شيء في هذا البيت يحدث صريراً، حتى أنفاسها؛ فهي
ثقيلة للغاية، دائماً ما نرى وجهها مرتبكاً أيضاً، عيناها خجولتان على الدوام،
كأنها مذنبة، تنظر إلى الجميع بتلك النظرات حتى مع من تكرههم. لقد تركها الجميع
حتى قبل أن تبكي، وإنها باستمرار حين تزيح الستارة تتفاجأ عندما ترى الشمس، وكأن
كل شيء انزاح من مكانه، وكلما رأت أحداً يصير يتحدث إليها ويسألها أسألة بديهية
إجابتها سهلة ومباشرة، لأنه قد حصل ونسيت موقفاً مهماً يتعلق بالحياة الواقعية
كثيراً وليس بها بطريقة مباشرة فصارت كل حياتها تثبت أن ذاكرتها جيدة، مع أنها
بذات الوقت لا تأبه بشيء، إنها ركام قلبها وأخف ما قد تحمله العاصفة. تهتم بالجميع
ثم إنها دائما ما تدرك أنها إطار هذا المجتمع، الجميع داخل الإطار يتحرك، يقفز،
يعبر إلى الجهة الأخرى، يصرخ، تسمعه ثم لا تفعل شيئاً، لقد وقفت في نقطة زمنية
معينة لا تهتم بشيء، إنها قاسية كالمسمار الذي يعلق لوحة. بقي ساعة...لم تشعر
بالوقت كيف مرّ. الجميع سيتصل بها بعد قليل ليذكرها بالموعد وهي ستثبت لهم أنها لم
تنسَ الموعد.
ذهبت لتتجهز، اختارت الفستان، وضعت القليل من الماكياج،
نظرت طويلاً إلى عينيها في المرآة وهي تضع الكحل وبعد أن انتهت أيضاً. وكما توقعت
بدأت الاتصالات، "حسناً، أعلم، أنا جاهزة تقريباً، بعد قليل سأخرج باتجاهكم،
مع السلامة".
قبل أن تغلق باب بيتها انتبهت إلى كثرة الألوان في غرفة
الاستقبال؛ أزرق، بني، ذهبي، أخضر، ولم تعلم لمَ رأت أيضاً تموجات من الوردي على
الحائط، "لا بأس سأهتم بذلك حين أعود".
الرصيف مبتل، ثم إنه يتقعر أكثر فأكثر، كل شيء تنظر إليه
يتقعر، عمود الإنارة منزاح قليلاً إلى الشارع، الفتاة التي تتحدث عبر الهاتف
عيناها حزينتان للغاية، لا بد أن الجميع حزين، فهناك سائق الدراجة أيضاً قد رفع
القبعة عن رأسه وسريعاً مسح عينيه بيديه قبل أن تضيء الإشارة لونها الأخضر، نظرت
إلى الساحة الفارغة هناك، على الصخرة جلست قبل يومين هي وصديقتها، ثم تخيلت نفسها
تجلس عليها وحدها، استوقفها هذا الأمر؛ لا تعلم لم تتخيل نفسها وحيدة في الأماكن
التي شغلها الآخرون معها من قبل، تذكرت أن هذا الأمر يخيفها كثيراً، لم تتخيل
ذلك؟! الزاوية هناك التي بجانب بيت العائلة تنقصها شجرة، ستخبر أباها بذلك، دقت
الجرس، لقد أصبح صوت الجرس رخيماً جداً وكأن للصوت صورة. دخلت الباب.
الشباك في غرفة الاستقبال عليه آثار يد واحدة، جبين
الخادمة يقول: "السماء عابسة بوجهي دائماً"، لا! لقد أوقعت الصينية
وانكسرت الكاسات، الكراسي قديمة لم لا يلاحظ ذلك غيري؟ هل يجدر بي أن أخبرهم
بذلك؟! "ولكن لم لا يجلس الجميع على الطاولة؟!"، سألت الخادمة فأخبرتها
أنهم فرغوا من العشاء وذهبوا ليجلسوا في الحديقة، بقيت تنظر إلى الخادمة مطولاً،
إنها تضع ظلالاً على عينيها ولكن لونه باهت، لم تعلم أيضاً لم رأت الكراسي ترتجف،
والشمعدان، الحائط قبالتها يلمع بطريقة مربكة، الساعة الجديدة ليست جميلة، طلبت من
الخادمة أن تحضر لها فنجان قهوة إلى الحديقة، كانت تسير وفي رأسها أفكاراً كثيرة؛
صارت تفكر أنها ربما تكون التوأم الروحي للمثل الأمريكي آدم درايفر، لا تعلم عنه
الكثير ولكنها تشعر بأنه يتشارك معها أشياء كثيرة. إنها تمقت الكثير من الأشياء،
أشياء بها أيضاً، حتى إنها لا تحب نفسها في كثير من الأحيان وتحب من يؤذيها، وفجأة
أدركت أنها لا تحب ذلك الشخص الذي قابلته لأربع سنوات في نفس الحديقة، لم قررت
الارتباط به؟! لا تعلم، إن الأرض تحت قدميها ليست ثابتة. وإذا وقعت القهوة التي
ستشربها بعد قليل على الأرض ستصنع منها لوحة، لون الضوء في الممر يساعد على ذلك
(أصفر باهت). تذكرت حلماً آخر؛ إذ اندلقت القهوة من سقف محل بيع القهوة على رأسها
وكتفيها، كان حلماً جميلاً لو أنه يتحقق، كان للحلم رائحة، أول مرة يحدث ذلك، إنّ
الأحلام دائماً ما تكون أجمل وكذلك الخيال، إنها تحس بخدر بكل جسدها. إن قوة أخرى
تحركها، تفعل كل شيء تحت ظل ذلك الخدر، لقد صارت عديمة المشاعر، فمع الزمن تتباطأ
مشاعرنا وأحياناً تنتهي...إن فاصلاً واحداً يؤدي إلى ذلك. ما بين الحماس والتبلد
مزاج، وأحياناً يتدمر ذلك المزاج، ونبقى مع قلوبنا التي توزع الدم في أجسادنا
فحسب. نتشارك اليقين وأشياء سيئة، نتشارك سماع القصص السيئة التي حدثت مع أشخاص
طيبين، تنظر مثلاً إلى الخادمة؛ الأسى مزروع فيها؛ تشربه وتقتات عليه، ليس عندها
متسع من الوقت للتفكير بالمزاج أو المشاعر، بل اليقين فحسب... كل اليقين. كلما
تنظر في أعين الناس تحسب السماء انزاحت وتركزت في أعينهم.
خرجت إلى الحديقة، وكانت تسمع خطوات الخادمة وراءها،
تنظر إلى أخيها وتتخيل أشياء لم يقلها أحد؛ تتخيله يقول الحياة غربة، تنظر إلى
الباقي فلا ترى شيئاً أبداً...لقد تركوا ملامحهم خلفهم على كراسيهم الفارغة. ركضت
نحو أخيها. "أين ذهبوا؟!". وضعت الخادمة فنجان قهوتها على الطاولة
أمامها وانسحبت. "لقد تأخرتِ يا عزيزتي. لم كل هذا التأخير؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق