محطة شينجوكو محطة ضخمة. يمر
بها كل يوم حوالي 3.5 مليون شخص، حيث صنّف كتاب جينيس للأرقام القياسية محطة جي آر
شينجوكو المحطة ذات الأعلى عدد مسافرين في العالم. ويمر من خلالها عدد من خطوط سكك
الحديد، أهمها خط تشو وخط سوبو وخط يامانوتو وخط سايكو وخط شانون-شينجوكو وخط
ناريتا، تتقاطع القضبان فيها وتتحد بطرق معقدة جداً، فهناك ستة عشر رصيفاً، إضافة
إلى أن هناك خطين خاصين لسكك الحديد كخط أوداكيو وخط كييو، وثلاثة خطوط مترو أنفاق
متصلة من الجانب، فهي متاهة كاملة، تتحول وقت الذروة إلى بحر بشري، بحر يخرج زبده
ويثور ويصبح صاخباً عندما يندفع إلى المداخل والمخارج. فترى تيارات الناس الذين
يتبادلون القطارات متشابكين فيصبحون خطرين يدورون بدوامات. لا نبي مهما كان صالحاً
يستطيع أن يشق ذلك البحر العنيف الهائج.
من الصعب أن نصدق أنه في كل
صباح ومساء وفي خمسة أيام في الأسبوع يتم التعامل بفاعلية مع هذا الحشد الساحق من البشر دون أية مشاكل كبيرة
من قبل موظفي المحطة الذين لن يتهمهم أحد من حيث كفاية عددهم لأداء المهمة. تعد
ساعة الذروة على وجه الخصوص معضلة. الجميع يهرول
ليحصلوا على المكان الذي يريدونه، ليصلوا في الوقت المناسب، ولا أحد يكون في مزاج
جيد. لا يزالون متعبين نصف نائمين، وركوبهم في انفجار القطارات المتشققة يستنزفهم
جسدياً وعاطفياً. المحظوظ جداً فقط من يجد مقعداً. يندهش تسوكورو دائماً من عدم
اندلاع الشغب، وعدم حدوث كوارث دموية مأساوية. إذا استهدفت جماعة متعصبة من
الإرهابيين إحدى هذه المحطات المزدحمة أو القطارات فسينجم عن ذلك الكثير من القتل
والخسائر الفادحة في الأرواح، وسيبقى هذا السيناريو لدى الأشخاص الذين يعملون في
خطوط سكك الحديد والشرطة والركاب طبعاً كابوساً لا يمكن تصوره. ولا يوجد طريقة
لمنع حدوثه حتى الآن بعد الكابوس الذي حدث فعلاً في طوكيو في ربيع
1995.
لا يكف موظفو المحطة عن إصدار
الإعلانات عبر مكبرات الصوت، بالإضافة إلى وجود صوت متكرر لتأشيرات مغادرة القطار،
صوت الماسح الآلي لبطاقات السكك الحديدية، وتذاكر السفر وعبور القطار. وتعلو أصوات
القطارات الطويلة حين وصولها ومغادرتها، وتبدو كأصوات حيوانات مزرعة عانت طويلاً،
مدربة تدريباً جيداً. أصوات زفير واستنشاق الناس تسمع بانتظام، وأصوات إغلاق
البوابات وانفتاحها واندفاع الناس نحو المحطة التالية، ترتفع حشود الناس صعوداً
ونزولاً على الدرج وإذا وضع شخص ما قدمه وراءك وأفقدت حذاءك فحظاً سعيداً في
استعادته، إذ يبتلع الحذاء في موجة الحركة القوية لساعة الذروة ويختفي للأبد.
والشخص الذي تعرض لهذا الموقف يبقى بفردة واحدة طوال اليوم.
في أوائل التسعينيات، قبل
انفجار فقاعة الاقتصاد في اليابان، نشرت جريدة رائدة في الولايات المتحدة صورة
كبيرة التقطت في صباح يوم شتوي لركاب متجهين إلى أسفل الدرج في ساعة الذروة في
محطة شينجوكو أو ربما محطة طوكيو. فالأمر ينطبق على كليهما. يحدق كل الركاب إلى أسفل
كما لو كان اتفاقاً. معالم وجوههم متوترة وغير سعيدة، ويبدون كأسماك هامدة معبأة
في علبة أكثر من كونهم أشخاصاً. وكتب في المقال: "قد تكون اليابان غنية، ولكن
يبدو معظم اليابانيين مكتئبون وغير سعداء". أصبحت الصورة مشهورة.
لم يكن تسوكورو على علم بأن معظم اليابانيين كما
أخبر المقال غير سعداء. ولكن السبب
الحقيقي وراء اكتئاب معظم المسافرين النازلين السلالم في محطة شينجوكو خلال الذروة
أكثر من أنهم غير سعداء، فقد كانوا قلقين بشأن موطئ أقدامهم، فكانت تومض في أذهانهم
في المحطة الضخمة في وقت الزحام أفكار مثل
لا تنزلق على الدرج، لا تضيّع حذاءك. لم يكن هناك تفسير لهذا، ولا تعليق على
الصورة. وبالتأكيد كان من الصعب رؤية هذه الكتلة من الناس سعداء وهم مرتدين
معاطفهم الداكنة، ومطأطئين رؤوسهم، ومنطقياً طبعاً أن ترى بلداً لا يمكن للناس أن
يتنقلوا فيه صباحا دون خوف من فقدان أحذيتهم مجتمعاً غير سعيد.
تـسـاءل تـسـوكـورو عـن مـقـدار الـوقـت الـذي يـقـضـيـه
الـنـاس للـذهـاب إلـى الـعـمـل كـل يــوم، وافـتــرض أن مــتــوســط الـتــنــقـل
لـلــمــرء قـد يـسـتــغــرق ســاعـة أو ســاعــة ونــصـف، بـدا لــه ذلـك
صـحــيـحًـا. فــإذا كـنــت عـامـل مــكـتـب مـثـالـي، تــعــمــل في طـوكـيـو،
مـتـزوج ولـديـك طـفـل أو اثـنـان، وتـريـد امـتـلاك مـنـزل، فـإن الـخيـار
الـوحـيـد لـديـك أن تـعـيـش في الـضـواحـي وتـقـضـي الـكـثـيـر مـن الـوقـت في
الـذهـاب إلـى الـعـمـل والــعــودة مــنــه، وهــذا يـجــعــلــك تــقـضــي مـن
ســاعــتـين إلــى ثــلاث ســاعـات يـومـيــا تتنقل من وإلى الـعـمـل، إذا كـنـت
مـحـظـوظًـا قـد تـتـمـكـن مـن قـراءة صـحـيـفـة أو كـتـاب جـيـب في الـقـطـار،
وربمـا يـكـنـك الاسـتـمـاع عـبـر جـهـاز iPod إلـى سـيـمـفـونـيـة
هـايـدن أو درس مـحـادثـة إسـبـانـي. وقد يغمض بـعـض الـنـاس أعـيـنـهـم ويضيعون في
تـفـكيـر تجريدي عـمـيـق، ومــع ذلـك يــبــدو مـن الــصـعـب أن نــدعـي أن هـاتـين
الـسـاعــتــين أو الـثــلاث سـاعـات وقـتًـا مـتـعًـا، كم من أناس أخذتهم حياتهم
منهم واختفت ببساطة نتيجة لهذا التنقل من النقطة أ إلى النقطة ب (على الأرجح). وكم
استنفدت من جهد الناس وأبلتهم؟!
ولـكـن لـم تـكـن هذه القـضـايـا
تـقـلـق تـسـوكـورو تـازاكـي مـوظـف شركـة الـسـكـك الـحديـديـة الموكل بمهمة تصميم
المحطات. ولـم تـكـن حـيـاتـه. دع الـنـاس يـعـيـشـون حـيـاتـهـم الـخاصـة، يجب أن
يقرر كـل شـخـص عن نفسه كيف سيكون المجتمع؛ سعيداً أم غير سعيد. كـان كـل مـا عـلـى
تـسـوكـورو الـتـفـكـيـر بـه هو الـبـحـث عـن الطـريـقـة الأكـثـر أمـانًـا والأكـثـر
فـعـالـيـة لـلـحـفـاظ عـلـى هـذا الـتـدفـق الـبـشـري الـهـائـل ومـسـاعدتـهـم في
تـنـقـلتـهـم، فـبـالـنـسـبـة لـوظـيـفـة كـوظـيـفـتـه لن يـكـون الـتـأمـل مـطـلـوبًـا
كـونـه يـتـطـلـب أفـضـل الـممـارسـات وأدقها وأن يكون قد تم اختبارها. لـم يـكـن مـفـكـرًا
ولا عـالًمـاً اجـتـمـاعـيًـا، بـل مـجـرد مهندس بسيط.
أحب تسوكورو تازاكي مشاهدة محطة
شينجوكو الصغرى.
عـنـدمـا ذهـب إلـى الـمحطـة اشـتـرى
تـذكـرة رصيف محطة القطار مـن الـجهـاز، وانـتـقـل إلـى الـطـابـق الـعـلـوي لـلـمـحـطـة
بـين الـمسـارات 9 و10، وهـو الـمكـان الـذي تـتـوقـف فـيـه الـقـطـارات السريعة على
خط تشو، والقطارات القاطعة لمسافات طويلة إلى أماكن مثل مـاتـسـومـوتـو وكـوفـو. بالمقارنة
بمـنـصـة الـركـاب، كـان عـدد الـركـاب أقـل بـكـثـيـر، وعـدد الـقـطـارات الـقـادمـة
والـمغـادرة أقـل، جـلـس عـلـى أحـد المـقـاعـد وراقـب عـلـى مـهـل مـا يحدث في المحطة.
يزور تـسـوكـورو مـحـطـات سكك
الحديد مـثـلـمـا يـسـتـمـتـع الآخـريـن بحضور الحفلات الـموسـيـقـيـة، ومـشـاهـدة
الأفلام، والـرقـص في الأنـديـة، ومـشـاهـدة الـريـاضـة، و مشاهدة البضائع عبر
النافذة قبل الشراء. وعـنـدمـا يحس أنه خاسر في النهاية، ولا يوجد شيء يفعله يـتـوجـه
إلـى الـمحطـة، وعـنـدمـا يـشـعـر بـالـقـلـق أو يـكـون بـحـاجـة إلـى الـتـفـكـيـر
تـحمـلـه قـدمـاه مـن تـلـقـاء نـفـسـهـا إلـى مـحـطـة ما .يـجـلـس بـهـدوء عـلـى مـقـعـد
في رصـيـف المحـطـة، يـحـتـسـي الـقـهـوة الـتـي اشـتـراهـا مـن أحـد الأكـشـاك، ويـتـحـقـق
مـن أوقـات وصـول ومغـادرة الـقـطـارات مــن جـدول الـجيــب الــزمــنـي الــذي يـحــمـلــه
دائــمًـا في حـقـيـبـتـه. عـنـدمـا كـان طـالـبًـا جـامـعـيًـا اعـتـاد عـلـى اختبار
تـصـمـيـم الـمحطـات، وحـركـة الـركـاب ومـوظـفـي الـمحطـة، ثـم كان يـكـتـب مـلاحـظـات
تـفـصـيـلـيـة في دفـتـر مـلاحـظـاتـه، لـكـنـه قد تجـاوز ذلك الآن.
يـتـبــاطــأ الــقـطــار السريع
عــنــد دنـوه مـن الــرصــيــف، تُـفـتــح الأبــواب ويــتــرجــل الــركـاب واحـدًا
تـلـو الآخـر. كان يشعر عندما يشاهد ذلك بـالـهـدوء والـرضـا، وعـنـدمـا تـصـل الـقـطـارات
وتـغـادرفي مـوعـدهـا الـمحدد كان يشعر بالفخر -كان شعوراً بسيطاً وهادئاً بالفخر-
حـتـى لـو لـم تـكـن تـلـك المحـطـة إحدى الـمحطـات الـتـي سـاعـدت شـركـتـه في بـنـائـهـا.
يـجـمـع فـريـق الـتـنـظـيـف عـلـى مـتن الـقـطـار الـقـمـامـةَ ويعيدون تـوجـيـه الـمقـاعـد الـدوارة إلـى الأمـام
بسرعة، ويـصـعـد عـلـى مـتن الـقـطـار طـاقـم عـمـل آخـر يرتدون القـبـعـات وزياً رسـمـياً،
ويـقـومـون بـمراجـعـة الـقـوائـم، يـسـتـبـدلـون لافتة الـوجـهـة بالرقـم الذي
يشير إلى الـقـطـار. كل شيء يسير في تـنـاغـم سـلـس وبـكـفـاءة عـالـيـة ودون مـواجـهـة
أيـة عـقـبـات دقيقة جداً. هذا هو عالم تسوكورو تازاكي.
فـعـل الـشـيء نـفـسـه في مـحـطـة
هـلـسـنـكـي المـركـزيـة، إذ حـصـل عـلـى جـدول بسيط لمـواعـيـد الـقـطـار، وجـلـس
عـلـى مـقـعـد يـشـرب الـقـهـوة الـسـاخـنـة مـن فـنـجـان ورقـي، يـشـاهـد الـقـطـارات
ذات المسارات الطويلة عندما تـصـل وعندما تـغـادر. فـحـص وجـهـاتـهـا عـلـى الخريـطـة،
و نـقاط انـطـلاقـهـا. لاحـظ الـركـاب وهـم يـغـادرون الـقـطـارات، وهم يشـاهـدون الآخـريـن
وهم يـنـدفـعـون نـحـو الأرصفة لـركـوب الـمزيـد
مــن الـقـطـارات، وتــتـبـع تـحركـات مـوظـفـي الـمحطـة وأطـقــم الـقــطـارات، وكــالـعـادة،
كان فــعــل هــذا يهدئه. مـر الــوقـت بــسـلاسـة وتجانس. وبـخـلاف عــدم قـدرتــه
عــلــى فــهـم إعـلانـات كل عام، لـم يــكـن وجـوده في مـحـطـة شـيـنـجـوكـو
أمراً مختلفاً، إذ إن بـروتـوكـول تـشـغـيـل مـحـطـة الـسـكـك الحديدية متشابه إلى
حد كبير في كل أنحاء العالم، حيث تعتمد العملية بـأكـمـلـهـا عـلـى الاحـتـراف الـدقـيـق
والمـهـارة، وقـد ولـّد هـذا اسـتـجـابـة طـبـيـعـيـة لـديـه، وشعوراً داخلياً يخبره
أنه كان في المكان الصحيح.
في أحد أيام الثلاثاء، أنهى
تسوكورو عـمـلـه الساعة الـثـامـنـة مـسـاءً، كان الوحيد في ذلك الوقت الذي بقي في
مكتبه. ولـم يـكـن الـعـمـل الـذي أخـره مهماً
لـتـلـك الـدرجـة ليتأخر حتى ينهيه، لـكـنه
سـيـقـابـل سارة مساء الأربعاء ويريد أن ينهي أية مهام متبقية قبل ذلك
الوقت.
قـرر أن يـتـوقـف عـنـد ذلك، أغـلـق
جـهـاز الـكـمـبـيـوتـر الـخاص بـه، ووضـع الأقــراص والـمـسـتــنــدات الـهـامــة
في الـدرج، وأطـفــأ الـضـوء، ثـم غــادر مــن خـلال المدخل الخلفي للشركة، وقال ليلة
سعيدة لحارس الأمن الذي يعرفه بالنظر.
"ليلة سعيدة يا سيدي". قال له الحارس.
فـكـر في تـنـاول الـعـشـاء في
مـكـان مـا لـكـنـه لـم يـكـن جـائـعًـا، وفي الوقت ذاته لـم يـكـن يـرغـب بـأن يـعـود
للبيت، لـذا تـوجـه إلـى مـحـطـة شـيـنـجـوكـو، وفي ذلـك الـمسـاء أيـضًـا اشـتـرى
الـقـهـوة مـن أحـد الأكـشـاك، كـانـت لـيـلـة صـيـفـيـة نـوذجـيـة رطبة وحارة في طـوكـيـو،
وكـان ظـهـره متعرق، لـكـنـه ما يـزال يـفـضـل الـقـهـوة الـسـوداء الـسـاخـنـة، ببـخـارهـا
المـتـصـاعـد، على أن يتناول مشروبًا باردًا، لقد كان الأمر مجرد عادة.
كـمـا هـو الحـال دائـمًـا، في
رصـيـف المحـطـة رقـم 9 كـان آخـر قـطـار لـتـلـك الـلـيـلـة متجه إلـى مـاتـسـومـوتـو
يـسـتـعـد لـلـمـغـادرة، مـشـى الـطـاقـم عـلـى طـول الـقـطـار، يـتـحـقـقـون بـأعـين
خبيرة ومـجـتـهـدة مـن أن كـل شـيء عـلـى مـا يـرام، لـم يـكـن الـقـطـار أنـيـقًـا
تـامًـا مـثـل قـطـار شـيـنـكـاشـي الـرصـاصـي، لـكـن تـسـوكـورو كـان يـحـب الـقـطـارات
الـواضـحـة الـتـي لا مـعـنـى لـهـا، مـوديـلات E257 الـألـوفـة، يـتـجـه الـقـطـار إلـى شـوجـيـري عـلـى
طـول خـط تـشـو، ثـم يـسـيـر عـلى خـط شـيـنـونـوي إلـى مـاتـسـومـوتـو، ويـصـل إلـى
مـاتـسـومـوتـو قـبـل مـنـتـصـف الـلـيـل بـخـمـس دقـائـق، حـتـى مـديـنـة هـاتـشـويـجـي
لا يـزال مـسـار الـقـطـار في مـنـطـقــة سـكـانـيـة وكــان عــلــيــه الـحد مـن صــوت
الــضـوضـاء، ولـكــن بـعــد ذلــك يـسير عـبـر الـجـبـال، حيث هناك الـعـديـد مــن
الــمنـحــنــيــات، الــتــي تمـنـعــه مـن أن يـمضــي بأقصى سرعة له، وبالنسبة للمسافة
المعنية، فإن الرحلة تستغرق وقتًا طويلاً.
كـان لا يـزال هـنـاك بـعـض الـوقـت
قـبـل أن يـفـتـح الـقـطـار أبـوابـه لـلـصـعـود، إلا أن الـركـاب اشـتـروا عـلـى عـجـل
بـعـض صـنـاديـق وجـبـات الـعـشـاء، والـوجـبـات الخـفـيـفـة وعـلـب الـبـيـرة والمجـلات
مـن الكشك. كـان بـعـضـهـم يضع سـمـاعـات iPod بـيـضـاء، مـسـتـغـرقًـا في عـالـمه الـصـغـيـر.
والبعض الآخر يحمل هاتفه الذكي، يـتـبـادلـون الـرسـائـل الـنـصـيـة، ويتحدث الآخـرون
مـكـالـمات هـاتـفـيـة بـأصـوات مرتفعة تـطـغـى عـلـى أصـوات الإعلانات السنوية
المدوية. رصـد تـسـوكـورو زوجـين شـابـين يـجـلـسـان معاً عـلـى أحـد الـمقـاعـد، ويـتـبـادلان
الأسـرار بفرح، ورصد أيضاً طـفـلين تـوأم بـأعـين نـاعـسـة في الـخامـسـة أو الـسـادسـة
من عمرهما، يـجـرهـمـا والـداهـمـا بـأيـديـهـمـا متحركين بخفة بـاتجـاه تـسـوكـورو، كان الطفلان
يمـسـكـان بـجـهـازي ألـعـاب. رصـد أيـضًـا شـابـين أجـنـبـيـين يـحـمـلان حـقـائـب
ظـهـر تبدو ثـقـيـلـة بينما كانت المـرأة الشـابـة تـسـحـب حـقـيـبـة تـشـيـلـو.
ومرت أيضاً امـرأة مـذهـلـة. كـان الـجمـيـع يـسـتـقـلـون قـطـارًا لـيـلـيًـا مـتـجـهـين
إلـى وجـهـة بـعـيـدة. كـان تـسـوكـورو يـحـسـدهـم، على الأقل كان لديهم مكان يحتاجون الذهاب إليه.
لم يكن لدى تسوكورو تازاكي أي
مكان يحتاج أن يذهب إليه.
أدرك أنـه لـم يـذهـب أبـدّا إلـى
مـاتـسـومـوتـو أو كـوفـو أو شـوجـيـري مـن قـبـل، ولا حـتـى إلـى أقـرب بـلـدة لـهـاشـيـوجـي.
لقد شـاهـد قـطـارات سريعة لا تـعـد تـغـادر هـذا الـرصـيـف باتجاه مـاتـسـومـوتـو،
لـكـنـه لـم يـفـكـر أبـدا مـن قـبـل أنـه يـمكـنـه أن يـسـتـقـل إحـداهـا، لـم يـفـكـر
أبـدا في ذلـك! تـسـاءل، لـاذا لـم أفـعـل ذلـك؟
تـخـيـل نـفـسـه صـاعـدًا ذلـك
الـقـطـار ومـتـجـهًـا إلـى مـاتـسـومـوتـو، لـم يـكـن الأمـر مـسـتـحـيـلاً تـامًـا،
ولـم تـبـدو فـكـرةً سـيـئـة. إلى أن وضع فـجـأة هذه الفكرة برأسه أخيراً؛ أن يـذهـب
إلـى فـنـلـنـدا، مـا الـذي يـمنـعـه مـن الذهاب إلـى مـاتـسـومـوتـو؟ بـدأ يـتـسـاءل
"أي نـوع مـن المدن هـي يـا تـرى؟ ومــا نــوع الحـيـاة الــتـي يــعــيـشــهــا
الـنــاس هــنـاك؟" لــكــنـه هــز رأســه ومسح هـذه الأفـكـار، فـفـي صـبـاح
الـغـد سـيـكـون مـن الـمسـتـحـيـل عـلـيـه أن يـعـود إلـى عمله في طـوكـيـو في الوقـت
المحدد، ولــقــد كــان يـعـلــم هـذا الأمــر دون أن يـحـتـاج مـراجـعــة الجــدول
الــزمـنــي لـرحـلة الـقـطـار، كـمـا أنـه سـيـقـابـل سـارة مـسـاء الـغـد، وهـو يـوم
مـهـم جـدًا لـه، ولـن يذهب إلى ماتسوموتو ليشبع هواه.
شرب ما تبقى من قهوته الفاترة،
وألقى بكوب الورق في صندوق قمامة قريب.
لـم يـكـن لـدى تـسـوكـورو تـازاكـي
أي مـكـان يجب أن يذهب إليه كـان هـذا الأمـر يمـثـل اخـتـصـار
قـصـة حـيـاتـه، إذ لا يـوجـد لـديـه مـكـان عليه أن يذهب إليه، ولا مـكـان يـعـود
إلـيـه، لم يعد في السابق ولم يعد الآن، فقد كان المكان الوحيد بالنسبة له هو المكان
الذي هو فيه الآن.
فكر. لا، هذا ليس صحيحًا تمامًا.
في مـرحـلـة مـا مـن حـيـاتـه،
كـان لـديـه مـكـان يـشـعـر أنـه يـحـتـاج لـلـذهـاب إلـيـه، فـفـي الـدرسـة الـثـانـويـة
كـان قـلـبـه مـتـعـلـقـا بالـذهـاب إلـى كـلـيـة الـهـنـدسـة في طـوكـيـو وأن
يتخصص في تـصـمـيـم مـحـطـات سـكـك الحديد، كـان ذلـك هـو المـكـان الـذي يـحـتـاج
الـذهـاب إلـيـه، وقـد درس الأمر بـجـد لـيـتـأكـد مـن أنـه يـمكـنـه القيام بذلك،
فـلـقـد حـذره مـسـتـشـاره الأكـاديـمي مـن أنه بتحصيله ذلك لن تكون لديه سـوى %20 مـن فـرصة الالـتـحـاق بـتـلـك
الـكـلـيـة، لـكـنـه بـذل قـصـارى جـهـده وتـغـلـب بـطـريـقـة مـا عـلـى تـلـك الـعـقـبـة،
لـم يـكـن يـدرس لـيـتـنـافـس مـع الآخـريـن لـلـحـصـول عـلـى درجـات أعـلـى، ولـكـنـه
كـان لديه هدف أمامه ليضـع قـلـبـه وروحـه فـيـه. لـقـد بـذل جهداً لـم يـكـن يتخيل
أنه قد يبذله يومًا، وكانت التجربة اكتشافاً جديداً وثميناً لقدراته.
ونـتـيـجـة لـذلـك، غـادر تـسـوكـورو
نـاغـويـا وانتهى الأمر لـيـعـيـش بـفـرده في طـوكـيـو، وفي طـوكـيو كـان يـتـوق لـلـعـودة
إلـى مـسـقـط رأسـه في أي وقـت مـمكـن، حـتـى وإن كـان لـوقـت قـصـيـر، لـيـرى أصـدقـاءه
مجدداً. وفي تـلـك الـفترة، كـانـت نـاغـويـا هـي الـمكـان الـذي يـحـتـاج أن يـعـود
إلـيـه. لـقـد ظـل يـتـنـقـل ذهـابًـا وإيـابًـا بـين مـكـانـين مـخـتـلـفـين لأكثر
من عام، ولكن بعد ذلك ودون سابق إنذار انكسرت تلك الدورة.
وبـعـد ذلـك، لـم يـعـد لـديـه
مـكـان يـذهـب إلـيـه، أو مـكـان يستطيع أن يـعـود إلـيـه. كـان مـنـزلـه لا يـزال
في نـاغـويـا، ولا تزال والـدتـه وأخـتـه الكبرى تـعـيـشـان هـنـاك، وغـرفـتـه مـا
زالـت كـمـا تـركـهـا، أخـتـه الـكـبـرى مـا تزال تـعـيـش في الـمديـنـة أيـضًـا، كـان
يلتزم بزيارتها مـرة أو مـرتـين في السنة وكـان دائـمًـا يُـسـتـقـبـل بـحـرارة، ولـكـن
لـم يـكـن لـديـه شـيء لـيـتـحـدث به مـع والـدتـه أو أخـتـه، ولـم يـعـد التواجد
معهما يعيد إليه مشاعر الحنين، يريدان مـنـه تسوكورو الـقـديم، الشـخـص الـذي
تـركـه ولـم يـعـد بـحـاجـة إلـيـه. ولإعادة هـذا الـشـخـص وتقديمه لـعـائـلـتـه، اسـتـلـزم
منه أن يـلـعـب دورًا لا يجعله مستـريـحاً. تبدو شـوارع نـاغـويـا الآن كئيبة
وبعيدة، لم يكن هناك ما يريده، لا شيء يعبأ به، ولا حتى تلميح بالدفء.
في تـلـك الأثـنـاء، كـانـت طـوكـيـو
تـمثـل لـه الـمكـان الـوحـيـد الـذي انـتـهـى بـه الأمر لـيـعـيـش به، كـانـت
الـمكـان الـذي قـد الـتـحـق فـيـه بـالجـامـعـة، والمـكـان الـذي يـعـمـل فـيـه، مـهـنـيًّـا
كـانـت المـكـان الـذي يـنـتـمـي إلـيـه، ولـكـن مـا عـدا ذلـك لـم تـكـن تـعـنـي لـه
المدينة شـيـئـاً. عـاش في طـوكـيـو حـيـاة هـادئـة، كـلاجـئ في أرض أجـنـبـيـة، لا
يـخـالـف أي قـانـون، ولا يـتـسـبـب بـأيـة مـتـاعـب، يـتـوخـى الحـذر حـتـى لا يُـلـغـى
تـصـريـح إقـامـتـه، لقد عـاش هـنـاك كـمـا لـو أنه لاجئ من حـيـاتـه، وكـانـت طـوكـيـو
المـكـان المثالي لشخص يسعى للحصول على حياة مجهولة.
لـم يـكـن لـديـه يستطيع أن
يطلق عليه صـديـقاً مـقـرباً، دخـلـت بـعـض الفتيات حـيـاتـه لـكـنـهـن لـم
يـبـقـين طـويـلاً. كـانـت عـلاقـات
سـلـمـيـة تليها انفصالات ودية، ولـم تـدخـل واحـدة مـنـهـن قـلـبـه فعلاً، لـم يـكـن
يـبـحـث عـن هـذا الـنـوع مـن الـعـلاقـات، وفي الغالب أن الـنـسـاء اللاتي خرجن معه
أيضاً لم يرغبن فيه كثيراً، فكانوا متعادلين.
يـبـدو وكـأن حـيـاتـي قد تـوقـفـت
عند سـن الـعـشـريـن، فكر تسوكورو. كان جـالـساً عـلـى مـقـعـد في مـحـطـة شـيـنـجـوكـو،
لم تكن للأيـام الـتـي تـلـت ذلـك وزن حقيقي وجوهر. مـرت الـسـنـوات بـهـدوء مـثـل
نـسـيـم لـطـيـف، لـم تـتـرك أي نـدوب ولم تترك حـزناً أو أي ذكريات تذكر. والآن قد
أصـبـح في مـنـتـصـف الـعـمـر، لا، مـا زال أمـامـه بـضـع سـنـوات قـبـل ذلـك. ولكنه
لم يعد شابًا، هذا صحيح.
بـعـنـى مـا، كـانـت إري لاجـئـة
في الحـيـاة أيـضًـا، فـهـي تـحمـل بـداخـلـهـا الـكـثـيـر مـن الـنـدوب الـعـاطـفـيـة
الـتـي جعلتها تتـرك كـل شـيء وراءهـا وتتخلى عـن بـلـدهـا، لـقـد اخـتـارت عـالًمـا
جـديـدًا بنفسها، هو فـنـلـنـدا، ولديها الآن زوج وابـنـتـان، إضـافـة إلـى أنـهـا
غـمـرت نـفـسـهـا تمـامًـا في عـمـلـهـا في صـنـاعـة الـفـخـار، لـديـهـا كـوخ صـيـفـي
بـجـانـب الـبـحـيـرة، وكـلـب مرح صـغـيـر الحـجـم، تـعـلـمـت الـفـنـلـنـديـة، وبـدأت
تـبـنـي عـالـهـا الـصـغـيـر بثبات، هذا ما يجعها مختلفة عني، فكر تسوكورو.
ألـقـى نـظـرة عـلـى سـاعـة هـويـر
في مـعـصـمـه الأيـسـر، كـانـت تـشـيـر إلـى الـثـامـنـة وخمـسـين دقـيـقـة، بـدأ الـركـاب
بـالـصـعـود إلـى الـقـطـار السريع، واحـدًا تـلـو الآخـر، سـحـب الـنـاس أمـتـعـتـهـم
ووضـعـوهـا في أمـاكـنـهـا، غطسوا في مـقـاعـدهـم المحددة، وضـعـوا حـقـائـبـهـم في
الـرفـوف الـعـلـويـة، اسـتـقـروا في السيارات الـمكـيّـفـة، يـحـتـسـون الـمشـروبـات
الباردة. كـان يستطيع أن يـراهـم مـن خـلال نـوافـذ الـقـطـار.
ورث سـاعـتـه مـن والـده، كـانـت
واحـدة مـن الأشـيـاء الـقـلـيـلـة الملموسة الـتـي تـلـقـاهـا، كـانت تـحفـة فـنـيـة
جـمـيـلـة تـعـود لوائـل عـام1960 ،إذا لـم تُـلـبـس لـثـلاثـة أيـام، سـتـتـوقـف عـقـاربـهـا،
أمـر مـزعـج لـكـن هذا ما كان تـسـوكـورو يحبه فيها، كانت جهازاً ميكانيكياً بحت، قطعة
صنعت ببراعة، لا يوجد بها كوارتز أو رقاقة داخـلـيـة صغيرة، كـل عـمـلـهـا يـدار بـالـتـروس
والـزنـبـرك، ظـلـت تـعـمـل بأمانة دون توقف لنصف قرن، ومازالت دقيقة بشكل مدهش
حتى الآن.
لـم يـشـتـرِ تـسـوكـورو ولا
مرة في حياته سـاعـة لـنـفـسـه إطلاقاً، عـندمـا كـان صـغـيـرا، أعـطـاه شـخـص مـا
حتماً سـاعـة رخـيـصـة وقد اسـتـخـدمـهـا دون كـثـيـر من تـفـكـيـر، فـطـالـما أنـهـا
تدل على الـوقـت الصحيح، لـم يـهـتـم بمـا يـرتـديـه، كـانـت تـلـك مـشـاعـره تـجاه
الـسـاعـات، سـاعة كـاسـيـو رقـمـيـة بـسـيـطـة تـفـي بـالـغـرض، وبـالـتـالـي عـنـدمـا
تـوفي والـده، وحـصـل عـلـى سـاعـة الـيـد الـبـاهـظـة الـثـمـن تـذكـارًا، لـم تـثـر
-بطريقة ما أو بأخرى- أيـة مـشـاعـر خـاصـة لديـه، كـان عـلـيـه أن يـرتـديـهـا بـانـتـظـام
لـئـلا تـتـوقـف، ولـكـن بمجـرد أن اعـتـاد عـلـيـهـا، وجـد أنـه مـولـع بها
بطريقة عظيمة. وجد نفسه يتحقق من الوقت أكثر من السابق، وفي كل مرة كان يفعـل ذلك،
يمر من أمامه طيف والده.
والـحق يـقـال، إنـه لم يـتـذكـر
والـده جـيـدًا، كـمـا أنـه لم يـحـتـفـظ بـذكـريـات خاصة دافـئـة عـنـه، ولم يـتـذكـر
أنـه قد ذهـب مـع والـده إلى مكان مـنـذ أن كـان صغيراً وحـتـى بـعـد أن كـبـر، ولم
يـتـذكـر حتى أنـهما قد تحدثا أي حـديـث ودي هما الاثنان فقط. لــقــد كــان والــده
شــخــصًـا غــيـر اجــتـمــاعــي (على الأقـل، كـان نـادرًا مــا يـتـحـدث في الـنـزل)،
وإلـى جـانـب ذلـك، أبـقـاه عـمـلـه مـشـغـولًا لـدرجـة أنـه نـادراً مـا يتواجد مع
عائلته. فكر تسوكورو الآن فقط أنه ربما كان لدى والده عشيقة، في مكان ما.
كـان تـسـوكـورو يـشـعـر أنـه
لا يـشـبـه والـده الـحقـيـقـي، وأنه لا يـعرفـه أكـثـر مـن مـعـرفـتـه لأحـد أقـربـائـه
الـذيـن اعـتـاد عـلـى زيـارتـهـم، فقد نـشـأ تـسـوكـورو أساساً عـلى يـد والـدتـه
وشـقـيـقـتـيـه اللتين تكبرانه، لـم يـكـن يـعـرف شـيـئًـا عـن الحـيـاة الـتـي عـاشـهـا
والـده وعـن أفـكـاره وقـيـمـه ومـا الـذي
كـان يـفـعـلـه يـومـيًـا، مـا كان يعـرفـه أن والـده وُلـد في جـيـفـو، وأنـه فـقـد
والـديـه وهو لايزال فـتـىً، ثـم أخـذه عـم أبـيـه الـذي كـان كـاهـنًـا بـوذيًـا،
وبـعـد أن تـخـرج في الـمدرسـة الـثـانـويـة بـدأ شـركـة مـن الـصـفـر، وحـقـق نـجاحًـا
هــائــلا، وصنع ثــروة ضـخـمـة في النهاية. وعـلــى عـكـس مـعـظـم الأشـخـاص الـذيـن
كـافـحـوا في الـحيـاة، فـضـل ألا يـمعن النظر في الـتـجـارب الـتـي قد مـر بـهـا،
لا يتمنى أن يعيش مرة أخرى أوقاتاً صعبة ربمـا. وعـلـى أية حـال، كـان مـن الـواضـح
أن لدى والـده موهبة اسـتـثـنـائـية في الـعـمـل الـتـجـاري، مـوهـبـة الحـصـول عـلـى
مـا يـحـتـاج إلـيـه حالاً، والـتـخـلـي عـن كـل مـا لا يـحـتـاج إلـيـه، وكـانـت أخـتـه
الـكـبـرى قـد ورثـت -جـزئـيًـا- شـيـئًـا مـن مـوهـبـة الـعـمـل هـذه، بينما ورثت
شــقــيـقــتـه الــصــغــرى جزئياً أيضاً من والدتها حــب الاختلاط، إلا أنّ تسوكورو
لم يحظَ بأي من هذه المهارات.
كـان والـده يـدخـن أكـثـر مـن
خـمـسـين سـيـجـارة في الـيـوم، وقد توفي بسبب سـرطـان الـرئـة، عـنـدمـا ذهـب تـسـوكـورو
لزيـارتـه في الـسـتـشـفـى في نـاغـويـا، لـم يـكـن قـادرًا عـلـى الحـديـث، بـدا أنـه
يـريـد أن يـخـبـر تـسـوكـورو بشـيء مـا، لـكـنـه لـم يـسـتـطـع. وبـعـد شـهـر، تـوفي
في سـريـر المـسـتـشـفـى، وتـرك لـه الـشـقـة المـكـونـة مـن غـرفــة نــوم واحـدة
في جـيــوغــوكـا، وحـســاباً مــصــرفياً باسمه بـمبــلــغ لا بـأس، وساعة هوير اليدوية
هذه.
ليس هذا فحسب، بل كـان
هـنـاك شـيء آخـر تـركـه لـه والـده؛ اسـمـه، تـسـوكـورو تازاكي.
عـنـدمـا أعـلـن تـسـوكـورو عـن
رغـبـتـه في الـدراسـة في كـلـيـة الـهـنـدسـة في طـوكـيـو، شـعـر والـده بـخـيـبـة
أمـل شـديـدة لأن ابـنـه الـوحـيـد لـن يـكـمـل مـسـيرتـه في تـولـي أعـمـال الـعـقـارات
الـتـي اجتهد في بـنـائـهـا، لـكـنـه مـع ذلـك دعم رغبة تـسـوكـورو في أن يصـبـح مـهـنـدسًـا.
أخبره: "إذا كـان هـذا هـو مـا تـريـده، فـاذهـب إلـى تـلـك الـكـلـيـة في طـوكـيـو،
وسـأكـون سـعـيـدًا بـأن أدفـع لـك تـكـالـيـف دراسـتـك فـيـهـا، إنّ تـعـلـم مـهـارة
فـنـيـة وبـنـاء أشـيـاء حـقـيـقـيـة أمـرٌ جـيـد، ويـسـهـم في بـنـاء المجـتـمـع،
ادرس جديداً، وابـنِ قـدر مـا تـشـاء مـن الـمحطـات".
قال له. بـدا والـده مـسـروراً مـن أن الاسـم
الـذي اخـتـاره -تـسـوكـورو- اتـضـح أنـه كـان مـنـاسـبًـا جـدًا لـه. ربـما كـانـت
تلك هـي الـمرة الأولـى والأخـيـرة الــتـي جـعـل فـيـهـا تـسـوكـورو والــده ســعــيــدًا،
وبـالــتـأكـيـد كانت المرة الوحيدة التي رأى فيها والده سعيدًا بشكل واضح.
في تـمام الـتـاسـعـة مـسـاءً،
غادر الـقـطـارُ السريع الرصيفَ باتجاه مـاتـسـومـوتـو كما هو مـجـدول لـه. كـان تـسـوكـورو
وهو جالس على المقعد يـتـتـبـع بـعـيـنـيـه أضواءه وهـي تتلاشى في الطريق عندما
زاد القطار من سرعته واخـتـفـى في ظـلام الـلـيـلـة الـصـيـفـيـة، وعندها لم تعد
السيارة الأخيرة مرئية وبدا كل شيء حوله مهجوراً على نحو مفاجئ، حتى أنّ أضـواء المـديـنـة
بدأت تـتـلاشـى تـمامًـا مـثـلـمـا يـحـدث عـنـدمـا تـنـتـهـي الـمسـرحـيـة وتـنـطـفـئ
الأنـوار بـعـد آخـر عـرض. نـهـض مـن مـقـعـده وشق طريقه ببطء نحو أسفل الدرج.
غـادر مـحـطـة شـيـنـجـوك، وذهـب
إلـى مـطـعـم قـريـب، جـلـس على المـنـضـدة، وطـلـب قـطـعـة لـحم وسـلـطـة بطاطا، وبـالـكـاد
أنـهـى نـصـف طـلـبـه، ليس لأن مذاق الـطـعـام سـيـئ، فهذا المطعم مشهور بـلـحـومـه
الشهية، لـكـنـه لـم تـكـن لـديـه شـهـيـة لـلأكـل فحسب، ومثلما يفعل دائماً أنهى نصف
البيرة.
ركـب الـقــطــار وعـاد إلى المـنــزل،
اســتــحــمّ وبحرص غــطـى كــامـل جـسـده بـالـصـابـون، ثم ارتـدى رداء حـمـام ذو
لـون أخـضـر زيـتـونـي (كـان هـديـة مـن إحـدى صـديـقـاتـه في عـيـد مـيـلاده الـثـلاثـين)،
وجـلـس عـلـى كـرسـي في الـشـرفـة، سمح لنـسـيـم الـلـيـل أن يهب نحوه بينما يـصـغـي
إلـى صـوت ضجيج المدينة المكتوم، كانت حوالي الـحادية عشرة مساء، لكنه لم يكن متعباً.
تـذكـر تـسـوكـورو تـلـك الأيـام
في الـكـلـيـة عـندمـا كـان الموت هو كل ما يفكر فيه ذلك الـوقت، لـقـد مـر سـتـة عـشـر
عـامًـا عـلـى ذلـك، وحينها كـان مـقـتـنـعًـا أنـه إذا مـا ركـزعـلـى مـا يـجـري بـداخـلـه
فـإن قـلـبـه سـيـتـوقـف أخـيـرًا مـن تـلـقـاء نـفـسـه، وإذا مـا ركـز مشاعره
بشدة عـلـى نـقـطـة واحـدة ثـابـتـة، مـثـلـمـا تتركز العدسة على الورقة فـتـشـتـعـل
فـيـهـا الـنـيـران، فـإنّ قـلـبـه سـيـتـعـرض لـضـربـة قـاتـلـة، كـان يـأمـل في حـدوث
ذلك أكـثــر مـن أي شــيء آخــر، لـكـن مرت الـشـهـور، وعـلـى عـكـس تـوقـعـاتـه، لم
يـتـوقـف قـلـبـه، على ما يبدو أن قـلـبه لا يتوقف بهذه السهولة.
سـمـع صـوتًـا بعيداً لمـروحـيـة،
بـدأ الـصـوت يـقـتـرب ويـصبح أعلى، نـظـر إلـى الـسـمـاء مـحـاولاً أن يأخذ لمحة
عنها، شـعـر كـأنـهـا رسـول يـحـمـل خـبـرًا مـهـمًّـا، لكنه لـم يـسـتـطـع الـتـقـاطـهـا،
وبدأ صوت المروحة يتلاشى، ثم اختفى تمامًا إلى جهة الغرب، تاركاً وراءها همهمة
غامضة ورقيقة للمدينة ليلاً.
ربمـا في ذلـك الـوقـت كـانـت
شـيـرو تـأمـل في أن تـفـرق مـجـمـوعـتـهـم، صدمه هذا الاحتمال فجأة، وهـو جـالـس عـلـى
كـرسـيـه في الـشـرفـة، وأشبع ببطء هذه الفرضية.
كـانـت مـجـمـوعـتـهـم في المـدرسـة
الـثـانـويـة قـريـبـة جـدًا ومـحـدودة جداً، قـبـلَ بـعـضـهـم الآخـر كـمـا هـم، وفـهـم
بـعـضـهـم الآخـر، ووجـد كـل واحـد مـنـهـم رضـىً عـمـيـقًـا وسـعـادة في علاقتهم
مع بعضهم، في مجموعتهم الصغيرة، لـكـن الهناء لـن يدوم إلـى الأبـد، فـفـي مـرحـلـة
معينة سـتـضـيـع الـجنـة، سـيـنـضـج كـل مـنـهـم بـشـكـل مـخـتـلـف، وسـيـتـخـذ مـسـاراً
مـخـتـلـفـاً في الحـيـاة، ومـع مـرور الـوقـت، سـيـتـطـور بـيـنـهـم إحـسـاس لا
يقاوم مـن عـدم الارتـيـاح، وسيتحول خط رقيق من الذنب بلا شك إلى شيء أقل من رقيق.
ربـما لـم تـكـن أعـصـاب شـيـرو
قـادرة عـلـى استيعاب ضغط ما سـيـحـدث؛ صـدمـة الـنـهـايـة الـحتـمـيـة لـهـذه
الـمجمـوعـة المترابطة مـن الأصـدقـاء. ربـما شـعـرت أنـه ينبغي أن تفكك تـلـك الـروابـط
الـعـاطـفـيـة لـلـمـجـمـوعـة بـنـفـسـهـا قـبـل أن تـنـهـار وتـخـتـفـي كـشـخـص منبوذ
امتصته الهاوية بعد أن راح في دوامة سفينة غارقة.
تمكن تسوكورو إلى حد ما أن يفهم
ذلك الشعور، الآن تمكن من ذلك. بدأ توتر المشاعـر الجنسية الـمكـبـوتـة يـأخـذ
بـداخـلـه أهـمـيـة أكـبـر ممـا كـان تسوكورو يـتـخـيـل، ربما كـانـت الأحـلام
الجنسية النابضة التي أتته لاحقاً امـتـدادًا لذلك الـتـوتـر، ولا بد لذلك الـتـوتـر
أن يـكـون لـه بعض التأثير -الذي لا يدري ما هو بالضبط- على الأربعة الآخرين أيضًا.
كـانـت شـيـرو تـريـد الـهـروب
مـن هـذا الـوضـع، ربـا لـم تـعـد قـادرة عـلـى استيعاب هـذا الـنـوع مـن الـعـلاقـات،
الـعـلاقـات الـوثـيـقـة الـتـي تـتـطـلـب صيانة مـسـتـمـرة لمشـاعـر كل واحد منهم.
كـانـت شـيـرو بـلا شـك الـشـخـصـيـة الأكـثـر حـسـاسـيـة مـن بـين الـخمـسـة، لـذا
فـقـد تـكـون قـد فـكـرت بـهـذا الخلاف قـبـل الآخـريـن، لـكـنـهـا لـم تـسـتـطـع أن
تفر بنفسها على الأقل خـارج تـلـك الـدائـرة. لـم تـكـن لديها تـلـك الـقـوة لـفـعـل
هـذا، فدعت تـسـوكـورو بخائن العهد، وحينها كان تسوكورو (الحلقة الأضعف في
المجموعة) أول عضو يغادر المجموعة. بـتـعـبـيـرٍ
آخـر، كــان يــسـتـحـق الــعــقــاب، لـذلـك عـنــدمـا اغـتــصـبـهـا شـخـص مـا، سـيـبقى
(من قام بهذا، والظروف خلف اغتصابها، وحملها الذي تبع ذلك) أسـراراً أبـديـة، وفي
أثناء تواجدها في خـضـم الارتباك الهـسـتـيـري والذي كان ناجماً عن الصدمة تــخــلــصـت
مــن الحلقة الأضــعــف، مــثــلـمـا يُـنــتــزع حــبـل الطوارئ لإيقاف القطار.
بـالـنـظـر إلى الأمر بـهـذه الـطـريـقـة،
وُضِـعـت الـنـقـاط عـلـى الحروف، في ذلـك الـوقـت، اتــبــعــت شــيـرو غــرائـزهــا
واخـتـارت تــســوكــورو ليكون حجر الانطلاق، وسيلة لتخرج خـارج أسـوار مجموعتهم، لا
بـد مـن أنه كـان لـدى شيرو ذلك الـشـعـور؛ بـأن تـسـوكـورو -حـتـى لـو وضـع في هـذا
الـوقـف الـفـظـيـع- سـيـكـون قـادرًا عـلـى الـبقاء على قيد الحياة، كالنتيجة
نفسها التي وصلت إليها إري بالضبط.
تـســوكــورو تـازاكــي هــادئ
ورابــط الــجأش دائــمـاً، ويتجاوز الأمور دائماً على طريقته الخاصة.
نـهـض تـسـوكـورو مـن كـرسـيـه
في الـشـرفـة ودخـل إلـى شـقـتـه، تـنـاول زجـاجـة شـاي كـيـتـي سـارك مـن الرف وسـكـب
مـنـهـا في كـأس ثـم عـاد إلـى الـشـرفـة، جلس مرة أخرى، وضغط برهةً بأصابع يده اليمنى
على صدغه.
فـكـر قـائـلاً: لا، أنـا لـسـت
هـادئًـا ورابـط الـجأش، ولا أتجـاوز الأمـور بـطـريـقـتـي الخـاصـة، إنـهـا مـسـألـة
تـوازن فحسب، أنـا جـيـد في نـقـل الـوزن الـذي أحـمـلـه بـداخـلي مــن جـانـب لـنـقــطـة
الارتـكـاز إلـى جـانـب آخــر وتــوزيـعـه، ربـما هـذا يـجـعـل الآخـريـن يـظـنـون
أنـنـي هـادئ، لـكـنـهـا لـيـسـت عـمـلـيـة سـهـلـة، إذ تـسـتـغـرق وقـتـا أكـثـر مـما
يـبـدو، وحــتـى لــو وجــدت الــتــوازن الـصــحــيـح، فــإن هــذا لا يــقــلــل
مــن الــوزن الــكــلـي جــرامًــا واحدًا.
ومـع ذلـك كـان قـادراً عـلـى
مـسـامـحـة شـيـرو، أو يـوزو، فـقـد حـمـلـت بـداخـلـهـا جــرحًـا عــمـيـقًـا وكانت
تحـاول يـائـسـة حــمـايــة نـفـسـهـا، لــقـد كـانــت شــخــصًــا ضـعـيـفًـا، شـخـصاً
يـفـتـقـر إلـى ملامح القوة والـقـسـوة التي تحميها، كـان ذلـك كل مـا تستطيع أن تفـعـلـه
لـتـعـثـر عـلـى مـلـجـأ آمـن عـنـدمـا يجيء الخطر، ولـم تـكـن قـادرة عـلـى الـتـفـكـيـر
بالأساليب، مـن يمـكـنـه لـومـهـا عـلـى ذلـك؟ لـكـن في الـنـهـايـة -بـغـض الـنـظـر
عـن المسافة التي قـطـعـتـها-لـم تـسـتـطـع الـهـرب، وبـقي الـظـل الـمظـلـم لـلـعـنـف
يـتـبـعـهـا بـلا هـوادة، الذي تصفه إري بالروح
شـريـرة. قد طـرق بـابـهـا في لـيـلـة هـادئـة بـاردة مـاطـر مـن لـيـالـي مـايـو،
وخـنـق حـنـجـرتـهـا الجميلة الـرقـيـقـة ، في مـكـان وزمان قد تقررا من قبل في
الغالب.
عـاد تـسـوكـورو إلـى الـداخـل،
رفـع الـهـاتـف، وبـدون تـفـكـيـر مطول في مـا كـان يـفـعـلـه، ضـغـط عـلـى رقـم الـوصـول
الـسـريـع لـسـارة، رن الـهـاتـف ثـلاث مـرات قـبـل أن يـفـكـر في ذلك جـيـدًا ويـغـلـق
الـهـاتـف، كـان الـوقـت مـتـأخـرًا، كـمـا أنـه سـيـراهـا غـدًا، سـيـراهـا
ويـتـحـدث مـعـهـا شـخـصـيـا، لا يـنـبـغـي لـه أن يـنـهـي الأمـر قـبـل أن يـراهـا،
كان يعلم بذلك، ومـع ذلـك، كان يريد أن يـسـمـع صـوت سارة، الآن، وقـد فـجـر ذلـك الـشـعـور
بـداخـلـه رغبة لا يمكنه كبحها.
وضـع الـتـسـجـيـل الـخاص بـلزار
بـيـرمـان لمـعـزوفـة سـنـواتُ الحـج عـلـى الـقـرص الـدوار وأخـفـض الإبـرة،
ركز اهتمامه على الـموسـيـقـى، عـاد مـشـهـد الـبـحـيـرة في هـامـيـنـلـيـنـا، سـتـارة
الـدانـتـيـل الأبـيـض ترفرف مع النسيم، صـوت الـقـارب الـصـغـيـر تـهـزه الأمـواج
وتضربه بالرصيف، طـيـور الـغـابـة وهـي تـعـلـم صـغـارهـا بـصـبـر كـيـفـيـة الـتـغـريـد،
رائـحـة شـامـبـو الـلـيـمـون الـبـاقـيـة عـلـى شـعـر إري، الوزن الشديد لضغط
الحياة، رغـبـة الـبـقـاء عـلـى قـيـد الـحيـاة داخل نعومة ثدييها الوافرة، الـبـلـغـم
القاسي الـذي بـصـقـه الـرجـل الـعـجـوز الصارم الذي دله على الطريق في السيجارة، الـكـلـب
وهو يهز ذيـلـه بـحـمـاس عـنـدمـا قـفـز في المقعد الخـلـفـي لـسـيـارة الـريـنـو،
وحـيـنـمـا تـتـبـع ذكـريـات هـذه الـمشـاهـد، عـاد الألـم الـذي شعر به في صدره مرة
أخرى.
شـرب تــسـوكـورو كـيــتـي ســارك
وغـرق في تــذوق شذاه، أحس بدفء في مـعـدتـه على نحو ضعيف، فـمـنـذ صـيـف عـامـه الـثـانـي
في الـكـلـيـة وحـتـى الـشـتـاء الـذي تـلاه -عـنـدمـا كـان يفكر بالموت ولا شيء
غيره- ظـل يـحـتـسـي في الـلـيـالـي الـشـبـيـهـة بليلته هذه كأس ويسكي صغير، وكان
لا يتمكن من النوم بدونه.
رن الهاتف فجأة، قام عن الريكة
ورفع الإبرة بـرفق، وقف أمام الهاتف، تـوقـع أن تكـون سـارة، فـلـن يـتـصـل بـه أحـد
في هـذا الـوقـت مـن الـلـيـل غـيـرهـا، لقد علمت أنـه اتـصـل بـهـا فأعادت الاتـصـال،
رن الـهـاتـف عـشـرات الـمرات دون أن يـجـيـب، تردد تسوكورو، ولم يكن متأكداً إذا
كان يجب أن يجيب. عض شفته بـشـدة، حـبـس أنـفـاسـه، وحـدق بـاهـتـمـام إلـى الـهـاتـف
كـشـخـص يـقـف بـعـيـدًا مـحـاولًا حـل صـيـغـة ريـاضـيـة صـعـبـة عـلـى الـسـبـورة،
دون أن يـتـمـكـن مـن إيجاد حل، تـوقـف الـهـاتف عن الرنين، وتلى ذلك صمت؛ صمت عميق
مثير للعواطف.
ولـملء الـصـمـت، أعـاد تـسـوكـورو
الإبـرة إلـى مـكـانـهـا، عـاد إلـى الأريـكـة، وأخذ يصـغي إلـى المـوسـيـقـى، حـاول
هـذه المـرة بـكـل جـهـده ألا يـفـكـر في أي شـيء عـلـى وجـه الـخصـوص، ركـز فقط عـلـى
الـموسـيـقـى بعينين مغلقتين وبذهن صافٍ، ومـأخـوذًا بالـلـحـن بـدأت تـومـض الـصـور
خـلـف جـفـنـيـه واحـدة تـلـو الأخـرى، تـظـهـر ثـم تـخـتـفـي، سـلـسـلـة مـن الـصـور
دون شـكـل محدد أو مـعـنـى يطلع مـن هـوامـش الـوعـي المـظـلـمـة، وتـعـبـر بصمت المملكة
المـرئـية، لتـعـود فقط إلـى الهوامش على الجـانــب الآخــر، ثم تـخــتـفــي مـرة أخـرى.
كــالــخطــوط الــعــريـضــة الـغــامـضــة للكائنات الحية الدقيقة السابحة في المجال
الدائري لبصيرة المجهر.
بـعـد خـمـس عـشـرة دقـيـقـة رن
الـهـاتـف مـرة أخـرى، وهـذه الـمرة لـم يـرد أيـضًـا، ظـل هذه المرة جـالـسًـا يـسـتـمـع
إلـى الـموسـيـقـى ويـحـدق في الـهـاتـف الأسـود، لـم يـحـسـب عـدد المرات التي رن
فيها، وفي النهاية توقف الرنين وكل ما يستطيع سماعه هو الموسيقى.
فكّر، ســارة، أريـد أن أســمــع
صــوتــك، أريـد أن أســمــعــه أكــثــر مـن أي شـيء آخر، لكن لا أستطيع أن أتكلم
الآن.
قـد تـخـتـار سـارة غداً ذلـك الـرجـل
الآخـر، ولـن تـخـتـارنـي، فكر تسوكورو وهـو مـسـتـلـقٍ عـلـى الأريـكـة ومـغـمـضًـا
عـيـنـيـه، إنـه أمـر ممـكـن حقاً، وقـد يـكـون الـخيـار الصحيح لها.
أي نــوع مـن الأشــخـاص هو ذلـك
الــرجـل الآخــر؟ مـا نــوع الــعـلاقـة الــتــي تـربـطـهـم؟ ومـنـذ مـتـى يتقابلان؟
كل ذلك كان من المستحيل أن يعرفه تسوكورو، وحتى أنه لا يود أن يعرفه، كـان شيء
واحد يستطيع أن يقوله في هذا الوقت: لقد كان يملك القليل للغاية ليقدمه لها، محدود
في كـمـيـتـه ونوعه، المـحـتـويـات تافهة ، فـهـل يـريـد أي شـخـص حـقًـا أن يأخذ هذا
القليل الذي لديه؟
"قـالـت سـارة إنـهـا تـكـن له مشاعر، ليس لديه أي سبب يدعوه
للشك في ذلك، ولـكـن هـنـاك أشـيـاء لا تعد في الـعـالـم لا يـكـفـيـهـا شـعـور كـهـذا
فـقـط، فـالـحيـاة طـويـلـة وقـاسـيـة أحـيـانًـا، في بـعـض الأحـيان هـنـاك حـاجـة
لـلـضـحـايـا، شـخـص مـا عـلـيـه تـولـي ذلك الـدور، الأجسام البشرية هشة ويسهل تحطيمها،
اقطعها وستنزف.
إذا لـم تـخـتـرنـي سـارة غـداً،
فـقـد أمـوت، أمـوت حقاً. أموت في الواقع أو أموت مـجـازيًـا ، لا يوجد فـرق
كبير بـين الحالتين، إلا أن هـذه الـمرة سـألـفـظ أنـفـاسـي الأخـيـرة بـالـتـأكـيـد،
سـيـفـقـد تـسـوكـورو تـازاكـي عـديم الـلـون كل التلميحات الأخيرة للـون وسـيـخـرج
بـهـدوء مـن هـذا الـعـالـم، كل شيء سيصبح ملغياً، الشيء الوحيد الذي سيبقى هو كتلة
متجمدة وقاسية من الوحل.
هذا لا يـهـم، فـقـد حـدث الـشـيء
نـفـسـه تـقـريـبًـا عـدة مـرات في السابق، ولـن يـكـون غـريـبـاً إذا حـدث مـرة أخـرى، إنها مـجـرد ظـاهـرة جـسـديـة لا
أكـثـر، سـيـثـبـت الـزنــبــرك في سـاعــتــي أكـثــر، ســيـزداد عــزم الــدوران
فـيــهــا ويـقــتــرب مـن الــصــفـر حــتــى تـتـوقـف الـتـروس تـامًـا، سـتـتـوقـف
عـقـاربـهـا، ويـحـل الـصـمـت. أليس هذا كل شيء؟
انـزلـق إلـى الـسـريـر قـبـل
أن يتغير التـاريـخ بـقـلـيـل، أطـفـأ مـصـبـاح الـسـريـر، فـكـر تسكورو كم سيكون جميل
أن يرى سـارة في حـلـمـه، حـلـم مـثـيـر، أو لا بـأس إن لـم يـكـن كـذلـك، وإن كان
ممكناً أن لا يكون حلماً حزيناً جداً. أكثر ما يرجوه أن يكون حلماً يستطيع فيه أن
يلمس جسدها. فهو مجرد حلم في النهاية.
كـان يـتـوق لـهـا أكـثـر مـما
يستطيع قوله، أمرٌ رائع أن تكون قادراً حقاً على أن ترغب في شخص ما بهذا القدر. كـان
الشعور حـقـيـقـيًـا جـدا، ولا يقاوم، لـم يـشـعـر بـشـيء كـهـذا مـنـذ مـدة طـويـلـة،
وربما لـم يـشـعـر بـشـيء كـهـذا مـن قـبـل قـط. لـم يـكـن كـل شـيء رائـعًـا، فلقد
تألم صدره، ووجـد صـعـوبـة في الـتـنـفـس، انتابه خـوف، وذبذبة معتمة. ولكن أصبح هـذا
الـنـوع مـن الألـم الآن جـزءًا مـهـمًـا ممـا يـشـعـر بـه، لـن يـتـرك هـذا الـشـعـور
يفلت مـن قبضته، فـإن فـقـده مرة فقد لا يــحـدث لــه هـذا الـدفء مـرة أخــرى، وإذا
مــا كـان عــلــيــه أن يــخــسـره، فــإنــه في الواقع سيخسر نفسه.
تـسـوكـورو إنـك بحاجة إلـى أن
تـتـمـسـك بـهـا مهما حدث، إن سمحت لها بالرحيل الآن، قد لا تحظى بأي شخص آخر في حياتك.
كـانـت إري مـحـقـة، مهما حدث،
عـلـيـه أن يـجعل سارة له، ولـكـن هـذا لـيـس أمـرًا يستطيع أن يـقـرره بـفـرده، إنـه
قـرار مـشـتـرك بـين شـخـصـين، بـين قـلـب وآخـر، شـيء مـا يـعـطـى، وآخـر يُـقـبـل،
كـل شـيء يعتمد على الغد. إذا اخـتـارتـنـي سـارة وقـبـلـتـنـي، فكر تسوكورو، سـأعـرض
الـزواج عـلـيـهـا عـلـى الـفـور، وسـأمـنـحـهـا كـل شـيء أقـدر عـلـيـه، كـل شــيء.
قــبــل أن أضيع في الغابة المظلمة. قبل أن يمسكني القزم السيء.
لا يـضـيـع كـل شـيء مـع تـدفـق
الـوقـت، هـذا مــا كـان عــلــى تـســوكــورو أن يـقــولـه
لإري عندما ودّعـها على ضـفـاف الـبـحـيـرة في فـنـلـنـدا، ولكنه في ذلك الوقت لم
يستطع أن يعبر عن ذلك.
إننا نؤمن بشيء ما في الماضي حقاً،
ونعلم أننا ذلك النوع من الأشخاص القادرين على الإيمان به بكل جوارحنا. وذلك النوع
من الأمل لن يختفي بسهولة.
هـدّأ نـفـسـه، أغـمـض عـيـنـيـه ونـام، بـدأ الـضـوء
الخـلـفـي لـوعـيـه يتلاشى شـيـئًـا فـشـيـئًـا، مثل آخـر قـطـار لـيـلـي سريع، يـتـسـارع
بالتدريج، ويـصـغـر إلى أن تمتصه أعـمـاق الـلـيـل أخيراً ويختفي. كـل مـا تـبـقـى
هو صـوت الـريـاح وهي تنسلّ من بين أغصان أشجار البتول البيضاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق