قضى تسوكورو اليومين المتبقيين من رحلته يتأمل شوارع هلسنكي. وقد أمطرت مطراً متقطعاً، رشاً خفيفاً لم يزعجه. وبينما كان يسير كان يفكر بأشياء كثيرة، لديه الكثير ليفكر فيه، وكان يريد أن يرتب أفكاره قبل أن يعود إلى طوكيو. وعندما تعب من السير ومن التفكير توقف بمقهى يشرب القهوة ويأكل شطيرة. لقد أضاع الطريق، ولا يعلم أين هو الآن، ولكن ذلك لم يزعجه. لم تكن هلسنكي مدينة كبيرة، كما أن الشوارع مليئة بالسيارات في كل مكان. بالنسبة له كان فقدانه لوجهته أمراً جيداً. ذهب في آخر ظهيرة له في المدينة إلى محطة هلسنكي المركزية، جلس على المقعد، يراقب القطارات وهي تأتي وتذهب.
ومن المحطة اتصل بأولجا
بهاتفه ليشكرها. لقد وجدت منزل عائلة هاتينين، أخبرها، وقد تفاجأت صديقتي برؤيتي
جداً. وهامينلينا بلدة جميلة. عظيم، ردت أولجا. رائع. بدت سعيدة حقاً لأجله. أود
أن نخرج لنتناول العشاء لأشكرك، قال. أقدر الدعوة، لكن اليوم عيد ميلاد أمي
وسأتناول العشاء مع عائلتي في البيت. لكن عدني أن توصل لسارة تحياتي قالت أولجا.
سأفعل، وشكراً على كل شيء. رد تسوكورو.
تناول في المساء الطعام
البحري ونصف كأس من النبيذ الفرنسي الأبيض في المطعم الذي أوصت به أولجا قرب
الميناء. وعندما جلس هناك تذكر عائلة هاتينين. الآن يجلس أربعتهم حول طاولتهم. هل
ما زالت الرياح تهب على البحيرة؟ وبماذا تفكر إري في هذه اللحظة؟ نفسها الدافئ
مازال يخدش أذنه.
عاد إلى طوكيو في صباح يوم
السبت. أفرغ حقيبته. أخذ حماماً على مهله، وقضى ما تبقى من اليوم مشغولاً بمهمات
عشوائية. وحالما عاد فكر بالاتصال بسارة، وقد التقط الهاتف فعلاً وطلب رقمها، لكنه
أغلق السماعة. إنه يحتاج وقتاً للتفكير. لقد كانت رحلة قصيرة لكن حدثت بها أشياء
كثيرة. أنه عاد إلى منتصف طوكيو مازال هذا الأمر وهمياً. كان يشعر بأنه قد مر وقت
قصير جداً كان فيه بجانب البحيرة في هامينلينا، يستمع إلى صوت الرياح الواضح. لا
يهم ما قال لسارة، عليه أن يختار كلماته بعناية.
قام بغسل ثيابه، وتصفح الصحف
المكدسة، وخرج ليشتري مستلزمات الطعام قبل المساء، بما أنه لم يتناول أي وجبة. ظل
يشعر بالنعاس الكبير إلى أن طلع النهار ربما بسبب إعياء السفر، إلى أن استلقى على
السرير في الثامنة والنصف ونام، ليستيقظ فجأة قبل منتصف الليل. حاول أن يقرأ كتاباً
كان قد بدأ به حسب الخطة لكن ذهنه ما زال مشوشاً، لذا نهض وأخذ ينظف الشقة. وقبل
الفجر عاد إلى السرير، وعندما استيقظ كان يوم الأحد ظهراً. كان يبدو أنه سيكون
يوماً حاراً. شغل مكيف الهواء، صنع القهوة، وشربها مع قطعة من التوست والجبنة
المذابة.
وبعد أن استحم، اتصل بمنزل
سارة. ثم انتقل إلى البريد الصوتي. اترك رسالة لو سمحت بعد سماع الصافرة،
قالت الرسالة. ارتبك، ثم أقفل السماعة دون أن يقول شيئاً. تظهر الساعة على الجدار
أنها بعد الواحدة. كان سيتصل بهاتفها النقال لكن فكر بالأمر كثيراً.
قد تكون تتناول الغداء في
إجازتها مع حبيبها. إن الوقت ما زال باكراً لهما ليمارسا الحب. تذكر تسوكورو الرجل
الذي رآه معها، يسيران إلى أوموتيساندو يمسكان يدي بعضهما البعض. لم يستطع أن يمسح
المشهد من عقله. استلقى على الأريكة ولمعت الصور في عقله، وفجأة أحس كأن إبرة حادة
تطعنه في ظهره. كان الألم في حده الأدنى ولم يكن هناك دم. ربما. ولكن لا يزال
يؤلم.
داس على دراجته الهوائية
باتجاه القاعة الرياضية، وسبح مسافته الاعتيادية في المسبح. لا يزال جسده مخدراً
بطريقة غريبة، وعندما سبح أحس كأنه غفا عدة مرات. بالطبع لا يستطيع أحد أن يسبح
وينام في ذات الوقت، لكن بدا الأمر كذلك وحسب. ومع ذلك كان جسده بينما كان يسبح في
وضع الطيران، وكان قادراً على الانتهاء دون أن تتخلل عقله أفكارٌ حول سارة أو حول
ذلك الرجل. وكان يحمد الله على ذلك.
عاد إلى البيت من المسبح وأخذ
قيلولة لمدة ثلاثين دقيقة. كان نوماً عميقاً بلا أحلام، فقد وعيه حين ضرب رأسُه
الوسادة. وبعد ذلك كوى بضع قمصان ومناديل، ثم حضّر العشاء. شوى سالمون مع العشب
بالفرن، عصر ليموناً فوقه، وتناوله مع سلطة البطاطا. وكان حساء التوفو وميسو
الكراث حول الوجبة. شرب نصف زجاجة بيرة باردة وشاهد الأخبار على التلفاز. ثم
استلقى على الأريكة وأخذ يقرأ.
كان الوقت في حدود التاسعة
مساء عندما اتصلت سارة.
"كيف كانت رحلتك الطويلة؟"،
سألت سارة.
"نظام النوم عندي قد
اختلف، ولكن رغم ذلك أشعر بأني بخير"، قال تسوكورو.
"هل تستطيع التحدث الآن
أم أنك تشعر بالنعاس؟".
"أشعر بالنعاس، ولكني
أستطيع أن أتحمل ساعة إضافية. لدي عمل غداً ولا أستطيع أخذ قيلولة بشكل جيد في المكتب".
"هذا جيد"، قالت
سارة. "لقد اتصل أحد ما ببيتي في حوالي الواحد ظهراً اليوم. هذا أنت أليس
كذلك؟ما زلت أنسى تفقد رسائلي الصوتية، وألاحظ وجود مكالمات فائتة فقط".
"هذا أنا".
"كنت في الخارج أتسوق في
الحي".
"اممم"، قال
تسوكورو.
"لكنك لم تترك
رسالة".
"لست جيداً في ترك الرسائل
الصوتية. أحس بارتباك ولا أعرف ماذا سأقول".
"تستطيع أن تقول اسمك
على الأقل".
"أنت محقة. كان يجب أن
أفعل ذلك على الأقل".
توقفت عن الكلام للحظة.
"كنت قلقلة جداً. تعرف ذلك. إن كانت الرحلة سارت على ما يرام. كان عليك أن
تترك رسالة قصيرة".
"أعتذر. أعلم أنه كان
يجب أن أفعل ذلك"، اعتذر تسوكورو. "بالمناسبة، ماذا فعلت اليوم؟".
"لقد قمت بغسيل الثياب
ثم ذهبت للتسوق، طبخت ونظفت المطبخ والحمام. أحتاج أحياناً لأخذ يوم
استراحة". شعرت بصمت لبعض الوقت. "إذاً هل استطعت تولي الأمور في
فنلندا؟".
"استطعت أن أرى
كورو"، قال تسوكورو. " لقد تحدث كلانا طويلاً. لقد ساعدتني أولجا
فعلاً".
"أسعدني ذلك، إنها فتاة
جميلة. أليس كذلك؟".
"نعم إنها كذلك".
أخبرها أنه قاد السيارة ساعة ونصف خارج هسنكي باتجاه بلدة تقع فيها البحيرة لرؤية
إري(أو كورو). وأنها تسكن في كوخ صيفي مع زوجها وفتاتيها الصغيرتين والكلب. و أنها
وزوجها يصنعان الفخار باستوديو صغير قريب.
"بدت سعيدة"، قال
تسوكورو. "تبدو الحياة بفنلندا متوافقة معها"، باستثناء بعض الليالي
خلال فصل الشتاء الطويل المظلم، ولكنه لم يقل ذلك.
"هل يستحق الأمر قطعك
هذه المسافة إلى فنلندا؟"، سألت سارة.
"أظن ذلك. هناك أمور لا
تستطيعين البوح بها إلا وجهاً لوجه. لقد اتضحت بعض الأمور بالنسبة لي. هذا لا يعني
أنني وجدت جواباً لكل الأسئلة، لكنها أمور جديرة بالاهتمام فعلاً. أعني من الناحية
العاطفية".
"هذا رائع. أنا سعيدة
لسماعي ذلك".
تبع ذلك صمت قصير. صمت مثير،
كقياس اتجاه الرياح. إلى أن تحدثت سارة.
"يبدو صوتك مختلفاً. أم
أنني أتخيل أشياء فحسب؟".
"لا أعلم. ربما لأنني
متعب. لم أركب الطائرة مثل هذه المدة الطويلة من قبل".
"ولكن ليس هناك أية
مشكلة صحيح؟".
"لا، ليست مشاكل حقيقية.
هناك الكثير لأخبرك به، ولكن أعلم أنه عندما أبدأ سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً. أرغب
في رؤيتك قريباً وإخبارك بكامل القصة من البداية حتى النهاية".
"جيد. دعنا نتقابل. أنا
سعيدة على أية حال بأن رحلتك إلى فنلندا لم تكن مضيعة للوقت".
"شكراً على مساعدتك في
كل شيء. حقاً أقدر لك ذلك".
"على الرحب
والسعة".
تبعه صمت قصير آخر. استمع
تسوكورو بعناية. إحساس بشيء لا يُنطق ما زال معلقاً في الهواء.
"هناك أمر أرغب في أن
أسألك عنه. "قال تسوكورو مقرراً أن يبدأ الغوص. "ربما من الأفضل أن لا
أفعل، ولكني أعتقد أنه يجب أن أذهب مع ما أشعر".
"بالتأكيد، تفضل".
قالت سارة. "الأفضل أن تذهب مع إحساسك. اسألني ما تشاء".
"لا أستطيع إيجاد
الكلمات المناسبة بالضبط ولكن لدي إحساس بأنك ترين شخصاً آخر معي. وهذا قد أزعجني
منذ مدة".
لم تجب سارة فوراً.
"جاءك هذا الإحساس؟" وأخيراً سألت. "هل تحاول أن تقول أنه لسبب ما
قد جاءك ذلك النوع من الإحساس؟".
"هذا صحيح. لسبب ما، حصل
معي ذلك". قال تسوكورو. "ولكن كما قلت سابقاً لست الشخص الأكثر حدساً في
العالم. خلق عقلي أساساً لصناعة أشياء، أشياء ملموسة، كما يلمح إليه اسمي. لدى
عقلي هيكل بسيط. تتجاوزني التفاصيل المعقدة لعقول الناس الآخرين، وحتى عقلي. عندما
يتعلق الأمر بالأشياء الرقيقة كهذه أكون مخطئاً في العادة، لذا أحاول تجنب التفكير
بأي شيء معقد جداً، ولكن هذا الأمر قد أثقلني منذ فترة. وفكرت أنه يجب أن أسألك
بدلاً من أن أطيل التفكير به بلا فائدة".
"فهمت". قالت سارة.
"إذاً، هل يوجد شخص
آخر؟".
بقيت صامتة.
"أرجوك افهمي"، قال
تسوكورو. "إن كان هناك شخص آخر لا أنتقدك. عليّ ربما أن أنتبه إلى عملي. ليس
عليك الاعتذار مني، وليس من حقي أن أطالبك بشيء. أنا أريد ببساطة أن أعرف إذا كان
ما أشعر به خاطئ أم لا".
تنهدت سارة. "من الأفضل
أن لا تستخدم كلمات مثل اعتذار وحقوق. تجعلك تبدو وكأنك تناقش الطبعة المنقحة من
الدستور أو شيئاً من هذا القبيل".
"حسناً"، قال
تسوكورو. "لم أستخدمها بشكل جيد. كما قلت أنا شخص بسيط جداً. ولا أعتقد أنني
أستطيع أن أسيطر على الأمور بينما أحس بذلك".
بقيت سارة صامتة للحظة. كان
بإمكانه تصورها؛ الهاتف في يدها وشفتاها مزمومتان.
كان صوتها رقيقاً عندما تحدثت
أخيراً. "أنت لست شخصاً بسيطاً. أنت تحاول أن تعتقد بأنك كذلك".
"ربما، ما دمتِ قلت ذلك.
أنا حقاً لا أعلم. لكن الحياة تناسبني أكثر، هذا ما أعرفه. الأمر هو أنني تأذيت من
علاقاتي مع الناس، تألمت بشكل عميق ولا أريد أن أخوض هذه التجربة مجدداً".
"أعلم"، قالت سارة.
"لقد كنت صادقاً معي، لذا سأكون صادقة معك. ولكن هل تمهلني بعض الوقت
لأرد؟".
"كم من الوقت
تريدين؟".
"ماذا عن ثلاثة أيام؟
اليوم هو الأحد، إذاً أعتقد أنني أستطيع التكلم معك يوم الأربعاء. أستطيع الإجابة عن
سؤالك حينها. هل أنت متفرغ ليلة الأربعاء؟".
"يوم الأربعاء
ملائم"، قال تسوكورو. لا داعي لأن يفحص جدول مواعيده. عندما يحل الليل نادراً
ما يكون لديه خطط.
" دعنا نتناول العشاء معاً. نستطيع أن نناقش
الأمور حينها. هل يبدو هذا جيداً؟ أخربني بصراحة".
"يبدو جيد"، قال
تسوكورو.
أنهيا المكالمة.
في تلك الليلة حلم تسوكورو
حلماً طويلاً غريباً. كان جالساً على البيانو يعزف سوناتا؛ بيانو كبير وحديث
وفاخر، المفاتيح البيضاء بيضاء تماماً، والمفاتيح السوداء سوداء تماماً. وضعت علامات بعدد كبير وفتحت على الحامل
الموسيقي. وكانت تقف بجانبه امرأة ترتدي فستاناً ضيقاً أسود خافتاً، تقلب له
الصفحات بسرعة بأصابعها الطويلة الشاحبة. توقيتها كان بلا أي خطأ . شعرها الأسود
الفاحم مربوط حتى خصرها. يبدو كل شيء في المشهد من تدرجات الأبيض والأسود. ليس
هناك ألوان أخرى.
لم تكن لديه أية فكرة من ألف
المقطوعة. كانت قطعة طويلة مع نقاط سميكة كسمك دفتر الهاتف. كانت الصفحات مليئة
بالملاحظات، مغطاة حرفياً باللون الأسود. كانت إنتاجاً عسيراً بتركيب معقد ويتطلب
تقنية عالية. لم يرها من قبل. ومع ذلك فقد كان قادراً على قراءتها بالنظر، يفهم
فوراً العالم المعني هناك، وينقل هذا المشهد إلى صوت. تماماً مثل من يستطيع تصور
مخطط معقد بتقنية ثلاثية الأبعاد. كانت لديه هذه القدرة. كانت تتسابق أصابعه
العشرة الماهرة على لوحة المفاتيح كزوبعة.
وحلّ شيفرة هذا البحر الكبير من الرموز كان بدقة وبسرعة تفوق سرعة أي شخص
آخر، وإعطاء تلك الرموز شكلاً وجوهراً كانت تجربة باهرة ومنعشة.
كان جسده وهو مستغرق في العزف
قد ثقب بوميض من الإلهام، كصاعقة في وقت العصر بالصيف. اتخذت الموسيقى تركيباً مبدعاً
وبذات الوقت كانت مبطنة بطريقة جميلة. كانت معدة بصدق وبرقة، بطريقة ملموسة كلياً،
ما يعني أنها حية. جانب مصيريّ من العالم يعبّر عنه فقط من خلال محيط الموسيقى.
ارتعش عموده الفقري بفرح مطلق، وبفخرٍ لتأدية هذه الموسيقى بنفسه.
إلا أنه من المحزن أن الناس
الذين جلسوا قبله قد بدا عليهم عكس ذلك. كانوا يتململون في مقاعدهم شاعرين بالملل
ومنزعجين. كان يسمع حك الكراسي وسعال الناس. كانوا غافيلين عن قيمة الموسيقى.
كان يعزف في قاعة ملكية فخمة.
البلاط من الرخام، السقف محدب، وفي منتصفه كوة. من المفترض أن يكون عدد الحضور
خمسين، جالسين على مقاعد أنيقة بينما يستمعون إلى الموسيقى. لباسهم أنيق وفاخر،
وأشخاص مثقفين بلا شك، ولكن لسوء الحظ لم يكونوا قادرين أن يقدروا هذه الموسيقى
الرائعة.
ومع مرور الوقت زاد صخبهم
وصار أكثر صراحة. ليس هناك توقف الآن حتى إنها غلبت على صوت الموسيقى. من الآن فصاعداً
لم يعد يستطيع سماع الموسيقى التي يعزفها. صار ما يسمعه بدلاً من ذلك إزعاج بالغ
وعلى نحو بشع ومبالغ فيه، أصوات السعال وتأوهات الاستياء. ومع ذلك لا زالت عيناه
ملتصقتان بالعلامات، وتتسابق أصابعه على المفتايح كأنه ممسوس.
إلى أن أدرك فجأة أن المرأة
التي ترتدي الأسود وتقلب الصفحات لديها ستة أصابع. الإصبع السادس تقريباً بنفس حجم
إصبعها الصغير. شهق وأحس بقشعريرة وصلت إلى صدره. أراد أن يتفحص المرأة التي تقف
بجانبه. من هي؟ هل يعرفها؟ ولكنه لم يستطع أن يسترق النظر للحظة، إلى أن انتهت حركة النقاط، حتى لو لم يكن هناك شخص واحد
مازال يستمع إليه.
استفاق تسوكورو حينها. ظهرت
الأرقام الخضراء في الساعة التي بجانبه: 2:35. كان جسده مغطى بالعرق، وقلبه ما زال
ينبض خارج إيقاع الوقت المقضيّ. نهض، خلع بيجامته، نشف نفسه بمنشفة، وارتدى قميصاً
جديداً وبدّل ملابسه الداخلية، وجلس على الكنبة في غرفة المعيشة. فكر في الظلام
بسارة. تألم من كل كلمة قالها لسارة مؤخراً عبر الهاتف. لم يكن يجب أن يقول لها ما
قال.
أراد أن يتصل بها ويسترجع كل
ما قاله. ولكنه لا يستطيع أن يتصل بأحد في حوالي الثالثة صباحاً. أن يطلب منها نسيان
ما قاله لها للتو كان من أكثر الأشياء المستحيلة. فكّر، من الممكن أن أخسرها في
هذه المرحلة.
اتجهت أفكاره إلى إري. إري كورونو
هاتينن. الأم لفتاتين صغيرتين. تخيل البيحرة الزرقاء وراء أشجار البتولا البيضاء،
والقارب الصغير الذي يصطدم بالرصيف. الفخار بتصاميمه الجميلة، تغريد الطيور، نباح
الكلب. والأداء الفني بالغ الدقة لألفريد بريندل في سنوات الحج. نفسها الدافئ،
خداها الرطبين من الدموع. كل الاحتمالات الضائعة، الوقت كله الذي لن يعود.
عندما كانا جالسين قبالة
بعضهما على الطاولة في وقت معين كانا صامتين، لا يبحثان عن الكلمات حتى، كانت أذناهما
تصغيان إلى أصوات الطيور خارج النافذة. صنع صرخات الطيور لحناً غريباً، وذات اللحن
كان يثقب الغابة شيئاً فشئاً.
"يعلم آباء الطيور أطفالهم
كيف يغردون"، قالت إري. وابتسمت. "لم أكن أعلم أن على الطيور أن تتعلم
التغريد إلى أن أتيت إلى هنا".
إنّ حياتنا عبارة عن علامة
موسيقية معقدة، فكر تسوكورو. إنها مليئة بكل أنواع الكتابة الخفية، الملاحظات ذات
الست عشرة والثلاثين ثانية، وإشارات أخرى غريبة. يكاد يكون مستحيلاً أن تفسرها
بشكل صحيح، وحتى إن استطعت، حاول أن تحولها إلى أصوات صحيحة، ليس هناك ما يضمن أن
يفهمها الناس بشكل صحيح أو يقدروا معناها فيما بعد. ليس هناك ضمان أن تجعل الناس
سعداء. لمَ يجب أن تكون أعمال الناس في الحياة معقدة؟
احرص أن تتمسك بسارة، أخبرته
إري. أنت حقاً بحاجة إليها. لا ينقصك شيء. كن واثقاً وجريئاً. هاذا كل ما
تحتاجه. ولا تدع القزم السيء يمسكك.
فكر بسارة، تخيلها مستلقية وعارية
بين ذراعي شخص آخر. لا، ليس شخصاً آخر، ففي الحقيقة لقد رأى الرجل. بدت سارة
حينها سعيدة جداً، ظهرت أسنانها البيضاء الجميلة بابتسامة واسعة. أغلق عينيه في
الظلام وضغط بأطراف أصابعه على صدغه. قرر، لا يستطع أن يظل يستمر في مجاراة هذا
الشعور، حتى لو لثلاثة أيام إضافية.
التقط تسوكورو الهاتف وطلب
رقم سارة، كانت حوالي الرابعة. رن الهاتف مرات كثيرة قبل أن ترد سارة.
"أعتذر حقاً على الاتصال
بك في هذه الساعة"، قال تسوكورو. "لكن يجب أن أتحدث معك".
"في هذه الساعة؟ كم
الوقت الآن؟".
"الرابعة صباحاً تقريباً".
"يا إلهي، لقد نسيت وجود
مثل هذا الوقت"، قالت سارة. بدا صوتها أنها
نصف مستيقظة. "من مات إذاً؟".
"لم يمت أحد"، قال
تسوكورو. "لم يمت أحد بعد. ولكن لدي شيء يجب أن أخبرك عنه الليلة".
"ما هو هذا الشيء؟".
"أنا أحبك سارة، وأريدك
أكثر من أي شيء آخر".
سمع عبر الهاتف صوت حفيف
كأنها تبحث عن شيء. سعلت سعالاً خفيفاً، ثم أخرجت صوتاً مثل الزفير.
"هلا نتحدث عن ذلك
الآن؟".
"بالطبع"، قالت
سارة. "أقصد إنها ليست الرابعة بعد. يمكنك أن تقول أي شيء تريد. لا أحد يسمعك،
فالجميع نائمون".
"أنا حقاً أحبك.
وأريدك"، كرر تسوكورو.
"هذا ما تريد أن تخبرني
به الساعة الرابعة صباحاً؟".
"هذا صحيح".
"هل أنت سكران؟".
"لا، لم أشرب ولا
قطرة".
"فهمت"، قالت سارة.
"من الناحية العلمية، قد تكون شخصاً انفعالياً جداً".
"هذا تماماً مثل بناء
المحطات".
"كيف ذلك؟".
"ببساطة إذا لم يكن هناك
محطة لن يكون قطارات لتتوقف هناك. أول شيء أفعله هو تخيل وجود محطة في عقلي،
وأعطيها لوناً وقالباً حقيقيين. هذا أولاً. وحتى إن وجدت خللاً سيتصلح لاحقاً. لقد
اعتدت على هذا النوع من العمل".
"لأنك مهندس متفوق".
"أرغب أن أكون
كذلك".
"وأنت حتى الفجر تبني
المحطة المصنوعة بطريقة خاصة فقط لأجلي؟
"هذا صحيح"، قال
تسوكورو. "لأنني أحبك وأريدك".
"أنا أيضاً مغرمة بك
كثيراً. وأنجذب إليك في كل مرة نتلاقى فيها"، قالت سارة، ثم توقفت، كأنها
تترك فراغاً في صفحة. "لكنها الساعة الرابعة صباحاً الآن. حتى الطيور لم تستيقظ
بعد. إن الوقت باكر جداً لنفكر بشكل صحيح. لذا هلا انتظرت لثلاثة أيام؟".
"حسناً. فقط ثلاثة"،
قال تسوكورو. "أعتقد أن هذا هو حدّي. لهذا اتصلت بك في هذه الساعة".
"ثلاثة أيام مدة كبيرة
يا تسوكورو. سألتزم بموعد إتمام البناء، لا تقلق. سأراك يوم الأربعاء مساء".
"أعتذر على إيقاظك".
"لا بأس. يسعدني معرفة
أن الوقت ما زال يتدفق في الساعة الرابعة صباحاً. هل طلع الضوء؟".
"ليس بعد. ولكن بعد قليل.
وستبدأ الطيور تغرد".
"الطير الذي يأتي باكراً
يلتقط الدودة".
"نظرياً".
" ولكن لا أعتقد بأني
سأبقى مستيقظة لأرى ذلك".
"تصبحين على خير"،
قال.
"تسوكورو؟"، قالت
سارة.
"اممممم؟".
"تصبح على خير"،
قالت سارة. "اهدأ واسترخِ ".
عند ذلك أغلقت السماعة.

ترجمة رائعة! انا قرأت الرواية باللأنكيليزية، حقاً مبدعة!
ردحذفأشكرك
حذفقراءة ممتعة...