كنت أصعد السلالم، مرتبكاً
كأن أحداً خلفي يحمل المسدس عني، كنت أشبه لصاً بظل خفيف جداً إلى درجة أن من سيتبعني
سيمسك بي برمشة عين، رمشة عين! تذكرت كيف رمشت مغلقة عيناً واحدة، أتذكر أن عينها الأخرى
قد تأثرت بجلطة دماغية، كان ذلك بعد أن قلت لها كل شيء...كل شيء.
كنت أرتجف، حتى ثيابي
ترتجف، لا هذه ليست المرة الأولى التي أحمل فيها مسدساً، لقد كنت شرطياً، كنت شجاعاً
جداً، لا أخاف من أحد، كانت قبضتي على المسدس ثابتة، عيني تسير في مسار مستقيم، حين
أجلس على ساق واحدة أكون على أهبة أي شيء، وحين أطلق طلقة المسدس تكون موجهة إلى الهدف
تماماً، لا يوجد احتمال أن تنحو ولو قليلاً عن الهدف، ولو قلتم أني لست من أصدقاء الظلام
فهذا ليس صحيحاً على الإطلاق، أذكر أنه كانت لديّ سيارة وأنا طفل، تتحرك عبر جهاز التحكم،
وقد سهرت حينها على ضوء الشمعة حتى أصلحتها، من حينها عندما أرغب بشيء أجلس وحدي في
الظلام أو حتى على ضوء خفيف وأفكر في كل شيء حولي حتى في الأشياء الجميلة، وقد تكرر
قدوم أمي على غرفتي وأنا مطفئ الضوء وممعن بشيء ما، كما قلت لكم الظلام ليس مخيفاً
بالنسبة لي، كما أنني الآن رجل يعتمد عليه، لا يخشى شيئاً، هذا ما أراده أبي بالضبط
وما دربني عليه منذ الطفولة.
كانت حرارة الجو هائلة،
ظهري يتصبب عرقاً ويسيل عرق جبيني على عينيّ فلا أرى شيئاً، كلما صعدتً أومأ وجهها
أمامي، وجهها القديم بابتسامتها الرائقة التي تضيء كل المكان، عيناها اللتان لم أفهمهما
حتى آخر لحظة، بحزنهما الغامض، هناك شيء فيهما لم أفهمه، كأنهما كانتا تريدان أن تقولا
شيئاً ما يشبه: أنقذني!
قدمتُ إلى غرفتها، كانت
باردة جداً، كل شيء فيها مرتّب بطريقة مخيفة، لا شيء متحرك أو منزاح قليلاً عن مكانه،
نظافة المكان شديدة، كانت غرفة نهائية إن صح التعبير. لقد كان الوقت مناسباً جداً لأقول
لها ذلك.
كنتُ كلما نظرت إليها وتحدثتْ عن شيء عام -إذ كان
موضوعاً لذيذاً ومحفزاً في الغالب- تراجعتُ وأطبقتُ الكلام كأن لا شيء يدور في دماغي،
كأنّ دماغي قد فُرّغ بممسحة بيضاء ثم رُميت، كأن لم تعد لديّ كلمات بعد آخر حوار قد
تم، إذ -في الغالب- يكون مع أحد أصدقائي في العمل عن رحلة أسبوعية ضرورية للخروج من
جوّ العمل المقيت. لقد كانت تعلم ذلك، لذلك عادة ما تكون مواضيعها معي غير ذلك، فمثلاً
تحدثني عن محبتها لزراعة شجرة ورد غير مألوفة في الحديقة الخلفية...أو عن حوار جارتنا
العصبية المضحك مع ابنها، أشياء مثل هذه، وكان يعجبني ذلك.
كان الوقت مناسباً،
خاصة عندما لم أرها، ففي العادة تستقبلني عندما أصل، لم أدرك أن غيابها إشارة، أن عليّ
أن أتبعها، أبحث عنها، أجدها، أي شيء غير أن أقول لها ما تراكم على لساني طوال السنوات
الماضية معها، السنوات الجميلة بحقّ التي دائماً ما كنت أنتظرها. لقد انفلت لساني وحقق
ما أراده قلبي، إنّ الحُبّ لطالما كان وشيكاً...أعرف ذلك...
بعد أن رأيتها على تلك الحال عرفتُ بالضبط ما عليّ
فعله. وقع المسدس من يدي، وأحدث ضجيجاً هائلاً، أربكني وارتجفت ساقاي كثيراً، حتى ما
عدتُ أحس بالأرض، وما عدت أريد شيئاً غير ألا يسمع أحد من أصحاب العمارة الصوت الذي
وقع، غير أن صوت عقلي كان مرتفعاً أكثر، وصوتي كذلك، عندما أخبرتها بالأمر، حتى إنني
قد انزعجتُ منه أيضاً، التقطته بسرعة، كان عليّ أن أصعد الدرجة الأخيرة، كنت أنظر إلى
قدميّ، كنت أحس بثقل كبير، كأني تكثفتُ أكثر على حيز قليل، لقد أحسست بي كلي أكثر من
أي وقت مضى، لقد أحسست أن الدرَج خفيف وسيسقط بي، ثم سأهوي قربها وأراها تتألم، وتكرهني
في الآن نفسه. استجمعتُ قواي وأخذتُ أطول نفس ممكن، ثم رفعت قدمي، فوصلتُ، فتحت باب
السطح على عتمة كبيرة قد لا أرى منها أضواء غرف البنايات المجاورة المبعثرة، بجسدي
البارد، الذي يتساقط عرقاً، بعينيّ المشوشتين، ويدي التي تشد على المسدس، وثيابي غير
المهمة، وصلت إلى المهمة الأكثر سرية، التي ستنهي حماقتي للأبد، كنت سأوجه المسدس إلى
رأسي، ما إن رأيتُني (جميعي) بوضوح تام، في مرآة قد ظهرت أمامي مباشرة، لا أعرف من
وضعها، فصرختُ صرخة مدوية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق