وصل تسوكورو إلى شقته في
طوكيو الساعة السابعة مساء. في اليوم الذي قابل به أكا. أفرغ حقيبته ورمى ملابسه
التي تحتاج إلى غسيل في الغسالة، أخذ دشاً ثم اتصل بسارة. وصل إلى البريد الصوتي
فترك لها رسالة يخبرها أنه عاد للتو إلى ناغويا ويريد أن يراها عندما تستطيع.
انتظر إلى ما بعد الحادية
عشرة ولم تتصل. وعندما اتصلت به في اليوم التالي، الثلاثاء، كان تسوكورو في
كفيتيريا العمل يتناول غداءه.
"هل سار كل شيء على ما
يرام بناغويا؟". سألت سارة.
وقف، وسار إلى الممر حيث كان
أكثر هدوءاً. اختصر مقابلتيه مع أو وأكا في قاعة عرض ليكزس ومكتب أكا يوم الأحد
والاثنين على التوالي وعما تحدثوا.
"أنا سعيد لأنني تحدثت
معهما. استطعت أن أفهم أكثر ما حصل". قال تسوكورو.
"هذا جيد". قالت
سارة. "إذاً لم يكن ذلك عبثاً".
"هلا نتقابل في مكان ما؟
أريد أن أخبرك بكل الحوار الذي تم".
"أمهلني دقيقة، دعني
أتفحص برنامجي".
مرت خمس عشرة ثانية من الصمت.
وبينما ينتظر أخذ تسوكورو ينظر خارج النافذة إلى طرقات شينجوكو. غطت سحب كثيفة
السماء، وبدت أنها ستمطر.
"لدي فراغ بعد غد في
المساء. هل هذا مناسب؟". سألت سارة.
"يبدو جيداً. لنتناول
العشاء". قال تسوكورو. لم يكن بحاجة إلى أن يتفقد جدوله. لديه فراغ في كل
ليلة غالباً.
اتفقا على المكان وأنهيا
الاتصال. بعد أن أغلق الهاتف أحس إحساساً جسدياً بعدم الراحة، كأن شيئاً أكله لم
يهضم جيداً. لم يشعر به قبل أن يتحدث مع سارة. هذا مؤكد. ولكن ماذا كان يعني؟ أو
أنه لم يكن يعني شيئاً أبداً؟ لا يعرف.
حاول أن يعيد الحوار معها
بدقة بقدر ما يتذكر. ماذا تحدثا، نغمة صوتها، الطريقة التي توقفت فيها عن الكلام.
لم يكن شيء مختلف عن الاعتيادي. وضع هاتفه النقال في جيبه ورجع إلى الكافيتيريا
لينهي طعامه. لكن لم تعد لديه شهية للأكل.
___
كان يرافق تسوكورو ذلك المساء وكل اليوم موظفاً جديداً كمساعد له، فحصا محطات متعددة تحتاج إلى مصاعد جديدة. تفحص تسوكورو المخططات واحدة واحدة، برفقة الموظف الجديد الذي ساعده في القياس، حيث بقيا في المكتب استعداداً للمخططات الحقيقية في المواقع. وجد عدداً من الأخطاء غير المتوقعة والتعارض بين المخططات والمواقع الفعلية. قد يكون هناك أسباب مختلفة لذلك، ولكن الأهم هنا أن ترسم مخططات صحيحة وموثوقاً بها قبل أن يبدأ البناء. إذا اكتشفت الأخطاء بعد بدء البناء سيكون ذلك متأخراً، كوحدة عسكرية اعتمدت للنزول في جزيرة غريبة على خريطة تحتوي على أخطاء.
كان يرافق تسوكورو ذلك المساء وكل اليوم موظفاً جديداً كمساعد له، فحصا محطات متعددة تحتاج إلى مصاعد جديدة. تفحص تسوكورو المخططات واحدة واحدة، برفقة الموظف الجديد الذي ساعده في القياس، حيث بقيا في المكتب استعداداً للمخططات الحقيقية في المواقع. وجد عدداً من الأخطاء غير المتوقعة والتعارض بين المخططات والمواقع الفعلية. قد يكون هناك أسباب مختلفة لذلك، ولكن الأهم هنا أن ترسم مخططات صحيحة وموثوقاً بها قبل أن يبدأ البناء. إذا اكتشفت الأخطاء بعد بدء البناء سيكون ذلك متأخراً، كوحدة عسكرية اعتمدت للنزول في جزيرة غريبة على خريطة تحتوي على أخطاء.
بعد أن انتهيا من القياسات
ذهبا للتحدث مع مدير الموقع عن المشاكل الخطيرة التي قد تسببها إعادة البناء. إعادة
تحديدة موقع المصاعد قد يغير ترتيب المحطة الداخلية. التي بدورها ستؤثر على تدفق
المسافرين. ويجب أن يتأكدا أنهما يستطيعان توحيد تلك التغييرات في البناء. سلامة
المسافرين دائماً من أهم الأولويات، لكنهما يجب أن يتأكدا أيضاً من أن فريق عمل
المحطة سيؤدون واجباتهم بناءً على المخطط الجديد. عمل تسوكورو هو تركيب كل تلك
الأجزاء، ابتكار خطة إعادة البناء ووضعها ضمن مخطط فعلي. إنها عملية شديدة الدقة
لكنها حساسها، لأن سلامة الناس ركيزة. يدير تسوكورو كل ذلك بتأنٍ. ذلك هو نوع من
العمليات التي هي موطنه بالضبط؛ توضيح أي مشكلة، صنع قائمة، والتأكد بحذر من أن كل
نقطة قد عولجت بطريقة صحيحة. وبنفس الوقت إنها تعطي فرصة رائعة للموظف الصغير الذي
ليست لديه خبرة أن يتعلم التفاصيل في الموقع. تخرَّج الموظف الذي يدعى ساكاماتو
حديثاً من قسم الهندسة والعلوم في جامعة واسيدا. كان شاباً قليل الكلام، ذو وجه
طويل وغير ضاحك، لكنه كان يتعلم سريعاً ويتبع التعليمات. كان ماهراً في أخذ
القياسات أيضاً. ربما ينجح هذا الشاب، فكر تسوكورو.
استغرقا ساعة في تدقيق أمور
المحطة مع المدبر، واستعراض تفاصيل مشروع إعادة البناء. لقد كان وقت الطعام، فطلبوا
بينتوس وتناولوا معاً في مكتب مدير المحطة. وبعدها تحدثوا وهم يشربون الشاي. كان المدير
لطيفاً وممتلئ الجسم، في منتصف العمر، وقد أخبرهما قصصاً مثيرة عن أشياء حصلت معه
في عمله. أحب تسوكورو أن يذهب إلى المواقع ويسمع ذلك النوع من القصص. تغيّر
الموضوع. خاصة بما يتعلق بالعدد الكبير من المواد التي فقدت ووجدت وتركوها خلفهم
في القطارات والمحطات، والمواد غير العادية والغريبة بينها؛ رماد الجثث المحروقة،
البواريك، الأرجل الصناعية، مخطوطة رواية قرأ منها مدير المحطة القليل ووجدها
مملة، قميص ملطخ بالدم قد صفط بعناية في العلبة، أفعى حفر سامة وحية، أربعون صورة
ملونة لمهبل نساء، جرس خشبي طويل، من النوع الذي يضرب به الكهنة البوذيين عندما
يرتلون تعاليمهم الدينية...
"أحياناً تكون غير واثق
تماماً بما تفعله مع هذه الأشياء". قال المدير. "بلغ صديقي الذي شغّل
محطة أخرى مرة عن حقيبة بوسطن في داخلها جنيناً ميتاً. لحسن الحظ، لم يحصل معي مثل
ذلك. لكن مرة عندما كنت مدير محطة أخرى، أعطاني أحدهم إصبعين محفوظين في
الفورمالديهايد".
"هذا غريب بعض
الشيء"، قال تسوكورو.
"نعم بالطبع كان غريباً.
أصبعان صغيران يطفوان في سائل، محفوظين بشيء يشبه علبة المايونيز، كل شيء داخل
حقيبة قماش جميلة. تبدو أنها أصابع طفل وقد قطعت من أساسها. وكردة فعل طبيعية
اتصلنا بالشرطة عندما اعتقدنا أن ذلك ربما متصل بجريمة. أتت الشرطة في الحال وأخذت
العلبة".
ارتشف المدير شاياً.
"بعد أسبوع زارنا نفس
الشرطي الذي أخذ الإصبعين. سأل موظف المحطة الذي وجد العلبة في الاستراحة مرة
أخرى. كنت حاضراً أثناء الأسئلة، حسب ما قال الضابط لم يكن الإصبعان لطفل. قرر
المختبر الشرعي أنها لشخص بالغ. وسبب صغر حجمهما أنهما كانا أصبعين سادسين لا
وظيفيين. قال الضابط أنه أحياناً يكون لدى البعض أصابع إضافية. وغالباً ما يتخلص
الوالدان من التشويه، لذلك فإنهما يبترانها عندما يكون مولوداً صغيراً، لكن هناك
من هم بالغين وما يزال لديهم ستة أصابع. ما وجدناه كان مثالاً؛ إصبعان لبالغ قد أزالهما
جراحياً ثم حفظهما في الفورمالديهايد. قدّر المختبر أن يكون هذان الإصبعان لرجل في
منتصف العشرينات إلى منتصف الثلاثينيات، ولم يستطع معرفة منذ متى قد بتر الإصبعان.
لا أستطيع أن أتخيل كيف نُسيت، أو قد رميت في استراحة المحطة. لكن لا يبدو الأمر
أنهما متعلقان بجريمة. احتفظت الشرطة بهما في النهاية ولم يأت أحد ليسأل عنهما. حسبما
أعرف أنها ربما لا يزالان في مكان ما في مستودع الشرطة".
"إنها قصة غريبة"،
قال تسوكورو. "لماذا يحتفظ بتلكما الأصبعين حتى يصبح بالغاً ثم يقرر فجأة أن
يبترهما؟".
"إنها غامضة. لقد جعلتني
مهتماً بالظواهر، لذلك بدأت أقرأ فيها. المصطلح الاختصاصي هو عَنَش، وعند الكثير من
المشاهير ذلك. ليس واضحاً إن كان صحيحاً
أم لا ولكن هناك بعض الأدلة أن هيده-يوشي تويوتومي القائد المشهور في فترة السينغوكو
كان لديه إصبعان إبهام. هناك الكثير من الأمثلة الأخرى. هناك عازف بيانو مشهور
وهناك روائي وفنان ولا عب بيسبول لديهم الحالة. وعلمياً هانيبال ليكتر صاحب the
Silence of the Lambs لديه ستة أصابع. إنه ليس بتلك الغرابة، وجينياً هي صفة سائدة. هناك
تغييرات عبر الأعراق المختلفة، ولكن بشكل عام، واحد من خمسة ملايين من الناس ممن
يولد بستة أصابع. كما قلت، الأغلبية الساحقة من آبائهم يبترون أصابعهم الإضافية
قبل يوم الميلاد الأول لأطفالهم، عندما يبدأ الأطفال بتطوير المهارات الحركية
اللطيفة. لذلك من الصعب أن تصادف شخصاً ما معه هذه الحالة. إن الأمر ذاته قد حدث
معي، لم أكن قد سمعت بهذا الشيء حتى وجدت العلبة في المحطة".
"إنه غريب مع ذلك".
قال تسوكورو. "إذا كانت الأصابع الست صفة سائدة، إذاً لماذا لا نرى أناس أكثر
معهم؟".
أمال مدير المحطة رأسه.
"لا أعلم، ذلك النوع من الأشياء المعقدة ليس من ضمن اهتماماتي".
ساكاموتو، الذي تناول الطعام
معهما، فتح فمه لأول مرة، بتردد، كأنّ حجراً عملاقاً يغلق فم الكهف قد انزاح.
"أتساءل إن لم تمانعا أن أقدم رأيي؟".
"بالطبع". قال
تسوكورو، متفاجئاً. لم يكن ساكاموتو من نوع الشباب الذين يدلون بآراءهم أمام
الآخرين. "قل".
"يميل الناس إلى عدم فهم
معنى كلمة "سائدة"، قال ساكاموتو. "حتى لو هناك نزعة معينة سائدة
هذا لا يعني أن تصبح منتشرة بشكل واسع عبر الناس. هناك اختلالات قليلة نادرة،
جينياً هناك جين سائد، لكن تلك الحالات لا تصبح معروفة كنتيجة. لحسن الحظ، في معظم
الحالات تلاحق رقماً ثابتاً، وتبقى اختلالات نادرة. الجينات السائدة ليست إلا
واحدة من بين عدة عوامل في توزيع النزعة. العوامل الأخرى قد تتضمن بقاء الخيار
السليم والطبيعي وهكذا. هذا حدس شخصي ، لكني أعتقد أن الأصابع الستة كثيرة على
الإنسان. بما تفعله اليد، الأصابع الخمسة كلها كافية، وخمسة هو العدد الأكثر
فاعلية، لذلك حتى لو كان الحصول على ست أصابع جيناً سائداً فإنه يظهر في العالم الحقيقي
في أقلية قليلة فحسب. بمعنى آخر، قانون الاختيار يفوق الجين السائد".
بعد أن أبدى رأيه مطولاً، عاد
ساكاموتو إلى الصمت.
"هذا منطقي"، قال
تسوكورو. "لقد انتابني شعور أنه مرتبط بعملية كيف أن أنظمة الإحصاء في العالم
قد اتحدت على السائد، تنتقل من نظام الاثني عشر إلى النظام العشري".
"نعم، قد تكون هذه إجابة
الستة والخمسة أصابع، وما دون العشرة، لقد قلت ذلك الآن". قال ساكاموتو.
"كيف تعرف كثيراً عن
ذلك". سأل تسوكورو ساكاموتو.
"لقد أخذت مادة في علم
الوراثة في الكلية. بإمكانك أن تقول أن لدي اهتمام في ذلك". احمرت خدود
ساكاموتو عندما قال ذلك.
ضحك المدير ضحكة مرحة.
"إذاً أتتك مادة علم الوراثة في متناول يديك حتى بعد أن بدأت العمل في شركة
سكك الحديد. أعتقد أن التعليم ليس بذلك الأمر العظيم، أليس كذلك؟".
أدار تسوكورو وجهه إلى
المدير. "بالنسبة إلى عازف البيانو يبدو أن امتلاك ستة أصابع يمكن أن يكون
ملائماً إلى حد ما".
"ليس ملائماً، كما
يبدو". رد المدير. "قال أحد عازفي البيانو الذي يملك ستة أصابع أن
الأصابع الإضافية مزعجة. كما قال السيد ساكاموتو الآن، تحريك ستة أصابع بالتساوي
وبحرية قد يكون كثيراً على الإنسان. ربما خمسة هو الرقم الصحيح".
"هل هناك بعض الفوائد في
امتلاك ستة أصابع؟". سأل تسوكورو.
"حسب ما تعلمت"، رد
المدير، "خلال القرون الوسطى في أوروبا كانوا يعتقدون أن الناس الذي يولدون
ولديهم ستة أصابع هم سحرة أو ساحرات، وأنهم يحترقون على العمود. وفي إحدى الدول
خلال العصر الصليبي، كان أي أحد يملك ستة أصابع يُقتل. هل كانت هذه القصص حقيقية
أم لا. لا أعرف. في بورنيو يعامل الأطفال الذين يولدون في ستة أصابع تلقائياً كالشامان.
ربما هذه ليست ميزة مع ذلك".
"شامان؟". سأل
تسوكورو.
"فقط في بورنيو".
انتهى وقت الطعام، وكذلك
حوارهم. شكر تسوكورو المدير على الطعام وعاد وساكاموتو إلى مكتبهما.
وبينما يكتب تسوكورو ملاحظات
على المخطط، تذكر فجأة القصة التي قصها عليه هايدا، قبل سنة، عن والده. كيف وضع عازف
الجاز الذي بقي في الحانة عميقاً في جبال أويتا، قبل أن يبدأ العزف حقيبة من
القماش على البيانو. هل يمكن أن يكون داخل الحقيبة إصبعان سادسان لليد اليمنى
واليسرى محفوظين داخل علبة؟ ربما لسبب ما انتظر أن يصبح بالغاً ليبترهما وكان يحمل
العلبة معه دائماً. وقبل أن يؤدي المعزوفة يضعهما على البيانو كتعويذة.
بالطبع، كان ذلك مجرد حدس. ليس
هناك أساس لذلك. وتلك الحادثة قد وقعت-إن وقعت فعلاً-قبل أربعين سنة. ورغم ذلك،
كلما فكر فيها تسوكورو أكثر بدت أن قطعة الأحجية تناسب الفجوة في قصة هايدا. جلس
تسوكورو على طاولة الرسم، وظل حتى المساء، قلم الرصاص في اليد يتفكر بالفكرة.
قابل تسوكورو سارة في اليوم
التالي في هيرو. ذهبا إلى حانة صغيرة في منطقة معزولة من الحي، كانت سارة خبيرة في
الحانات المعزولة والصغيرة والمطاعم في طوكيو بأكملها. وقبل أن يأكلا، أخبرها
تسوكورو كيف رأى صديقيه السابقين في ناغويا، وعما تحدثوا بشأنه. لم يكن سهلاً عليه
أن يلخص ذلك، لذا كان إخبارها بكامل القصة يأخذ وقتاً. استمعت سارة بانتباه، وكانت
بين الحين والآخر توقفه لتطرح عليه سؤالاً.
"إذاً أخبرت شيرو
الباقين أنها عندما نزلت في شقتك في طوكيو قمت بتخديرها واغتصابها".
"هذا ما قالته".
"لقد وصفت ذلك بتفاصيل
كثيرة، وبواقعية، على الرغم أنها كانت انطوائية وتتجنب دائماً الحديث عن
الجنس".
"هذا ما قاله أو".
"وقالت أن لديك وجهين؟".
سألت سارة.
"قالت أنّ لدي جانب
آخر مظلم ومخفي، شيء منزوع ومفصول عن جانبي الذي يعرفه
الجميع".
عبست سارة وفكرت في ذلك لبعض
الوقت.
"ألا يذكرك هذا بشيء؟ ألم
تكن هناك لحظات خاصة وحميمية بينك وبين شيرو؟".
هز تسوكورو رأسه.
"أبداً. ولا مرة. كنت دائماً واعٍ ألا أسمح بأن يحصل شيء مثل هذا".
"واعٍ دائماً؟".
"حاولت أن لا أراها على
أنها من الجنس الآخر. وكنت أتجنب أن نبقى وحدنا بقدر ما أستطيع".
ضيقت سارة عينيها وأمالت
رأسها للحظة. "هل تعتقد أن الآخرين في المجموعة كانوا حريصين فقط؟ بمعنى آخر،
لم ينظر الذكور إلى الفتاتين على أنهما من الجنس الآخر في أعضاء المجموعة وهكذا؟".
"لا أعلم بماذا يفكر
الآخرون في أعماقهم. ولكن كما قلت لقد كان نوعاً من الموافقة غير المنطوقة بيننا
على أن لا نسمح أن تتشكل علاقة بين الذكور والإناث في المجموعة. كنا مصرين على ذلك
إلى حد ما". "ولكن أليس ذلك غير طبيعي؟ إذا اقترب الذكور والإناث بهذا
العمر من بعضهما وبقيا معاً طوال الوقت، فمن الطبيعي أن يبدؤوا بالاهتمام ببعضهم
البعض جنسياً".
"أردت أن يكون لدي حبيبة
وأن نخرج معاً في مواعيد غرامية فقط أنا وإياها. وبالتأكيد كنت مهتماً بالجنس، مثل
أي شخص آخر. ولا أحد أوقفني عن مصادقة فتاة من خارج المجموعة. ولكن في ذلك الوقت
كانت المجموعة الجزء الأهم من حياتي. كانت تراودني الفكرة بصعوبة أن أخرج وأكون مع
شخص آخر".
"لأنك وجدت تناغماً
رائعاً هناك؟".
أومأ تسوكورو. "عندما
كنت معهم شعرت كأني جزء ضروري للجميع. لقد كان إحساساً خاصاً بأني لا أستطيع
الذهاب إلى أي مكان آخر".
"لهذا السبب كنتم جميعاً
تتجاهلون أي اهتمام جنسي". قالت سارة. "لتحافظوا على التناغم بينكم
الخمسة. ولئلا تدمروا الدائرة المثالية".
"بالنظر إلى ذلك الآن،
أستطيع أن أرى فيه شيئاً غير طبيعي. ولكن في ذلك الوقت لم يكن هناك ما يبدو
طبيعياً أكثر من ذلك. لم نكن نزال في فترة المراهقة نجرب الأشياء لأول مرة. مستحيل
أن نكون موضوعيين في ذلك الموقف".
"بمعنى آخر، كنتم مغلقين
على أنفسكم داخل مثالية الدائرة. هل ترى ذلك بتلك الطريقة؟".
فكر تسوكورو بذلك. "ربما
ذلك صحيح، لكنا كنا سعداء لأننا مغلقين على أنفسنا داخلها. ولا أنكر ذلك، حتى
الآن".
"مثير للاهتمام".
قالت سارة.
كانت سارة أيضاً مهتمة جداً
بسماع ما حصل في زيارة أكا لشيرو في هاماماتسو قبل ستة أشهر من جريمة قتلها.
"إنه حدث مختلف،
بالطبع". قالت سارة، "ولكنه يذكرني بزميلتي في المدرسة الثانوية. كانت
جميلة، وقوامها جميل، من عائلة غنية، تربت بشكل جزئي في الخارج، وتتحدث الانجليزية
والفرنسية بطلاقة، وكانت دائماً في المرتبة الأولى في الصف. لاحظها الناس، بغض
النظر عما كانت تفعل، كانت موقرة من الجميع، محبوبة جميع الطلاب الشباب. ذهبنا إلى
مدرسة خاصة للإناث، فكان ذلك النوع من الإعجاب بها من الطلاب في سنتهم الأولى
قوي".
أومأ تسوكورو.
"التحقت بجامعة سيشين،
الجامعة الخاصة الأشهر للإناث، ودرست في الخارج، في فرنسا لسنتين. ولقد حظيت
برؤيتها بعد أن رجعت بعدة أعوام، وعندما رأيتها تفاجأت. لا أعرف كيف أقول ذلك ولكن
بدت شاحبة. كشخص تكشف تحت شمس قوية لمدة طويلة وبهت لونه. بقيت تشبه نفسها في
السابق. مازالت جميلة، وما زال قوامها جميلاً...ولكنها تبدو شاحبة، أقل إشراقاً
عما في السابق. جعلني هذا أشعر بأنني يجب أن أمسك ريموت التلفاز لأزيد كثافة
اللون. كانت تجربة سيئة. من الصعب أن تتخيل أن شخصاً ما قد استطاع خلال بضع سنوات
أن ينقص بشكل واضح هكذا".
أنهت سارة وجبتها وانتظرت
قائمة التحلية.
"لم نكن أنا وإياها بذلك
القرب، ولكن كان لدينا صديقات مشتركات، لذلك كنت أصادفها بشكل متكرر. وكل مرة أراها
فيها أجدها تنطفئ أكثر. في فترة ما كان واضح لدى الجميع أنها لم تعد جميلة، وأنها
لم تعد جذابة. ويبدو أنها قد أصبحت أقل ذكاء أيضاً. المواضيع التي تتحدث بها مملة،
آراؤها قديمة ومبتذلة. تزوجت في سن السابعة والعشرين وكان زوجها موظفاً حكومياً ذو
مرتبة عالية، رجل ضيق الأفق بشكل واضح، وممل. ولكن بالنسبة للمرأة فلا تستطيع أن
تدرك حقيقة أنها لم تعد جميلة، ولم تعد جذابة، ولم تعد من ذلك النوع من الأشخاص
الذي ينتبه إليه الناس. ما زالت تتصرف على أنها الملكة. إن مشاهدتها وهي كذلك كان
مثيراً للشفقة".
وصلت قائمة التحلية، وبدأت
سارة تتفحصها بدقة، وعندما قررت، أغلقت القائمة ووضعتها على الطاولة.
"توقفت صديقاتها عن
رؤيتها تدريجياً. إنه من المؤلم جداً مشاهدتها كذلك. ربما لم يكن الألم بالضبط ما
شعرن به عندما رأينها، ولكن كان خوفاً أكثر، ذلك النوع من الخوف الذي يلازم معظم
النساء. الخوف من أن ذروة جاذبيتك كامرأة قد قلت، ولا تدركي ذلك ولا ترفضي قبوله،
وتبقين تتصرفين بالطريقة التي اعتدت عليها، ثم يعاملك الناس بازدراء ويضحكون عليك
خلف ظهرك. بالنسبة لها جاءت الذروة في وقت مبكر قبل الآخرين. وهذا ما كان. كل
مواهبها الطبيعية قد اشتعلت وأزهرت وهي في فترة المراهقة، كحديقة في الربيع،
وعندما مرت تلك السنوات ذبلت سريعاً".
أتى النادل ذو الشعر الأبيض،
وطلبت سارة كعكة الليمون. دائماً ما كان تسوكورو منبهراً كيف أنها لا تتجاوز طبق
التحلية لتحافظ على قوامها الرشيق.
"أتصور أن كورو تستطيع
أن تخبرك بتفاصيل أكثر عن شيرو"، قالت سارة. "حتى لو كانت مجموعتكم
المكونة من خمسة أفراد مجموعة منسجمة ومثالية، يبقى هناك دائماً ما تناقشه
الفتاتان بين بعضهما. كما قال لك أو. وما يتحدثان به لا يخرج خارج عالم الإناث.
أحياناً تكون فقط ثرثرة، ولكن هناك أسرار معينة نحافظ عليها بشدة، خاصة وأن الذكور
لا يسمعون عنها".
نظرت إلى النادل، الذي كان
واقفاً بعيداً، كأنها قد ندمت على طلب كعكة الليمون. ثم بدت أنها غيرت رأيها ثم رجعت
تنظر إلى تسوكورو.
"هل كان لديكم أنتم
الذكور الثلاثة أحاديث خاصة كهذه؟". سألت.
"ليست كذلك كما
أتذكر". قال تسوكورو.
"إذاً عن ماذا
تتحدثون؟".
عن ماذا كنا نتحدث
وقتها؟ فكر تسوكورو بذلك، لكنه لم يكن يتذكر. لقد كان واثقاً أنهم كانوا يتحدثون
كثيراً بحماس، يفتحون قلوبهم لبعضهم البعض أما الآن، في حياته، لم يستطع أن يتذكر
شيئاً.
"أتعرفين، لا أستطيع أن
أتذكر شيئاً". قال تسوكورو.
"هذا غريب". قالت
سارة وابتسمت.
"يجب أن آخذ إجازة من
العمل الشهر القادم"، قال تسوكورو. "بما أنني وصلت إلى تلك المرحلة،
أفكر أن أذهب إلى فنلندا. وضحت ذلك لمديري، وليست لدي مشكلة أن آخذ إجازة".
"عندما تحدد المواعيد
أستطيع أن أرتب برنامج الرحلة لك. تذاكر الطيران، الحجز في الفندق، وما تحب".
"أقدر لك ذلك". قال
تسوكورو.
رفعت الكأس وارتشفت القليل من
الماء. مررت أصبعها على حافة الكأس.
"كيف كانت حياتك في
المدرسة الثانوية؟". سأل تسوكورو.
"لم أتحملها كثيراً. كنت
في فريق كرة اليد. لم أكن جميلة، وعلاماتي كانت مقبولة".
"هل أنت متأكدة أنك لا
تحاولين التواضع؟".
ضحكت وهزت رأسها.
"التواضع خلق حسن، لكنه لا يناسبني. هذا صحيح لا أظهره أبداً. لا أعتقد أنني اندمجت
مع نظام التعليم كله. لم أكن الحيوان المدلل لدى المعلمة، ولم أصادق أي من الطلاب ممن
يعتقدون أنني ظريفة. لم تكن هناك إشارة لوجود صديق، وكان لدي حب شباب. كان لدي كل
ما هو خاطئ! كل ما يمكن تخيله من الأقراص المضغوطة، وكنت أرتدي دائماً ملابس
داخلية بيضاء مملة كانت أمي قد أعتطني إياها. وكان لدي القليل من الأصدقاء
الجيدين. اثنتان. لم نكن بذلك القرب كما كنتم أنتم الخمسة في مجموعتكم، ولكننا كنا
جيدات ونخبر بعضنا أي شيء. لقد ساعددني في تخطي تلك السنوات السيئة من
المراهقة".
"هل ما زلت
ترينهم؟".
أومأت. "نعم ما زلنا
صديقات جيدات. لقد تزوجتا كليهما، ولديهما أطفالاً، لذلك لا نتقابل كثيراً، ولكننا
نذهب للعشاء كل فترة، ونبقى نتحدث بلا توقف لثلاث ساعات. نخبر بعضنا كل شيء".
جاء النادل وبيديه كعكة
الليمون وإسبريسو. بدأت سارة تلتهم الكعكة. إن كعكة الليمون كان الخيار الصحيح.
كان تسوكورو يحرك نظره بينه وبين سارة بينما تأكل، وينظر إلى البخار الصاعد من
الإسبريسو.
"هل لديك أصدقاء
الآن؟". سألت سارة.
"لا أحد أستطيع أن أسميه
صديقاً".
أصدقاؤه الأربعة في أيام
ناغويا فقط من يسميهم أصدقاء. وبعد ذلك، بعض وقت قليل، كان هايدا مقرباً منه بعض
الشيء. ولكن لا أحد غيره.
"هل تشعر بالوحدة دون
أصدقاء؟".
"لا أعلم"، قال
تسوكورو. "حتى لو كان لدي بعض الأصدقاء لا أعتقد أنه بإمكاني أن أفتح قلبي
إليهم وأشاركم أسراري".
ضحكت سارة. "النساء يجدن
ذلك ضرورياً. فمشاركة الأسرار هي الوظيفة الوحيدة للصديق".
"بالطبع".
"هل ترغب بقطعة من هذه
الكعكة؟ إنها لذيذة".
"لا، أكمليها".
أكلت سارة بحذر آخر قطعة من
الكعكة، ثم وضعت الشوكة جانباً، ربتت على شفتيها بمنديلها، وبدت ضائعة في التفكير.
وأخيراً رفعت رأسها ونظرت باتجاه الطاولة، مباشرة إلى تسوكورو.
"بعد ذلك هل يمكننا
الذهاب إلى شقتك؟".
"بالطبع"، قال
تسوكورو. أشار إلى النادل أن يحضر الحساب.
"فريق كرة اليد؟".
سأل تسوكورو.
"لا تسأل". قالت
سارة.
تعانقا في شقته. كان تسوكورو
سعيداً لأنه سيمارس معها الحب مرة أخرى، ولأنها أعطته فرصة ليفعل ذلك. تعانقا على
الكنبة ثم ذهبا إلى السرير. كانت ترتدي أسفل فستانها الأخضر الذي بلون النعناع
ملابس داخلية ضيقة سوداء بمشد.
"هل أمك اشترت لك هذا
أيضاً؟". سأل تسوكورو.
"غبي"، ضحكت سارة.
"لقد اشتريتها بنفسي. كما سألت".
"لا أرى أي حب
للشباب".
"ماذا تتوقع؟".
تقدمت إليه وأمسكت بعضوه.
ولكن بعد وقت قليل عندما كانت تدخله بها صار ليناً. إنها المرة الأولى في حياته
التي يحصل بها ذلك، وجعله هذا مرتبكاً ومحتاراً. أصبح كل شيء حوله صامتاً. صمت
كامل في أذنيه، فقط دقات قلبه التي تُسمع.
"لا تدع ذلك
يزعجك". قالت سارة وهي تداعب ظهره. "ابق ممسكاً بي فحسب. وهذا يكفي. لا
تهتم بأي شيء".
"لا أفهم"، قال
تسوكورو. "كل ما كنت أفكر به هذه الأيام هو ممارسة الحب معك".
"ربما انتظرتَ ذلك
كثيراً. على الرغم من ذلك، أنا سعيدة لأنك كنت تفكر بي هكذا".
تمددا على السرير عاريين
يداعبا بعضهما البعض على مهل، ولكن لا يزال تسوكورو غير قادر على الانتصاب بشكل
جيد. وأخيراً حان الوقت لتعود إلى بيتها. ارتديا ملابسهما بصمت ورافقها تسوكورو
إلى المحطة. وبينما هما يغادران بعضهما البعض اعتذر لأن تلك الأشياء لم تحصل.
"لا يهم أبداً. حقاً. لا
شيء تقلق بشأنه"، قالت له سارة بلطف. وأمسكت بيده. كانت يدها صغيرة ودافئة.
أحس تسوكورو أنه يريد أن يقول
شيئاً، لكن لا شيء قد خرج من لسانه، أكمل الإحساس بيديها فحسب.
"أشعر أن ما زال هناك ما
يضايقك". قالت سارة. "العودة إلى ناغويا، ورؤية أصدقائك القدامى لأول
مرة منذ سنين، التحدث معهم، معرفة كل شيء في آن واحد؛ هذا كله من شأنه أن يهزك
أكثر مما تتخيل".
لقد ارتبك بذلك القدر في
الواقع. الباب الذي قد أغلق لفترة طويلة قد فتح فجأة والحقيقة التي أعرض عنها حتى
الآن، الحقيقة غير المتوقعة قد أتت مندفعة إلى الداخل. وتلك الحقائق ما زالت تختلط
في عقله ولا تهدأ.
"ما زال هناك شيء ما
عالق داخلك"، قالت سارة. "شيء لا تستطيع قبوله. والتدفق الطبيعي لعواطفك
الذي يجب أن تمتلكه مسدود. لقد وصلني إحساسك".
فكر تسوكورو بما قالته.
"لم توضح كل أسئلتي في هذه الرحلة إلى ناغويا. هل هذا ما تعنينه؟".
"نعم، يشبه ذلك. أنا فقط
أقول". قالت سارة. انقلبت تعابير وجهها إلى الجدية، ثم أضافت، "لقد
توضحت تلك الأشياء المحددة لك الآن، قد تكون لها تأثير معاكس؛ جعل القطع المفقودة
مهمة أكثر".
تنهد تسوكورو. "أتساءل
إن كنت قد تطفلت وكشفت الغطاء الذي لا يجب أن ألمسه".
"ربما قد فعلت ذلك مؤقتاً".
قالت. "ربما لديك بعض الهزائم لفترة. ولكن على الأقل لقد اقتربت من حلها.
هذا هو المهم. تابع أكثروأنا متـأكدة من أنك ستكتشف القطع الصحيحة التي تملأ
الفجوات".
"ولكن ربما يأخذ هذا
وقتاً".
أمسكت سارة يده وشدت عليها،
قبضتها صارت قوية فجأة.
"لا داعي لتسرع. خذ وقتك
فحسب. ما أريد أن أعرفه أكثر من ذلك هو هل تأمل أن تبقي علاقتك معي على مدى طويل؟".
"بالطبع أريد، أريد أن
أبقى معك لوقت طويل".
"حقاً؟".
"هذا صحيح". قال
تسوكورو بصرامة.
"إذاً ليست لدي مشكلة.
مازال لدينا الوقت، وسأنتظر. في الوقت الحالي لدي أشياء كثيرة أريد أن أهتم
بها".
"تهتمين بها؟".
لم تجب سارة، وبدلاً من ذلك
ابتسمت له ابتسامة خفية.
"عندما تجد وقتاً أريدك
أن تذهب إلى فنلندا لترى كورو". قالت. "وأخبرها تماماً عما في قلبك. أنا
واثقة جداً أنها ستخبرك شيئاً مهماً. شيئاً مهماً جداً. لدي إحساس داخلي
بذلك".
بينما يعود وحيداً من المحطة
إلى الشقة، أمسك على أفكار عشوائية. انتابه إحساس غريب، كأن الوقت في مرحلة معينة قد
تفرع إلى فرعين. فكر في شيرو، في هايدا، وفي سارة. جرى الماضي والحاضر، الذاكرة
والعواطف كلها متوازية، وجنباً إلى جنب.
فكر، ربما هناك شيء بي شخصياً
حقاً، شيئاً عميقاً، ملتو ومشوه. ربما شيرو كانت على حق، أن في داخلي شيئاً
منزوعاً ومفصولاً. كالجانب البعيد للقمر المغطى في الظلام للأبد. ربما دون أن
يدرك ذلك، اغتصب شيرو حقاً ومزق قلبها إرباً، في مكان آخر وفي زمان آخر.
بقسوة ووحشية. وربما سيتجاوز ذلك الظلام، الجانب المخفي، في يوم ما الجانب الخارجي
ويتلفه تماماً. عبر تسوكورو الشارع باتجاه الضوء، ضغط سائق سيارة الأجرة على
المكابح بسرعة، وصرخ بكلام قذر.
في شقته، ارتدى ملابس النوم
وذهب إلى السرير قبل منتصف الليل. وحينها كأنه أخيراً تذكر، انتصب. كان انتصاباً
بطولياً مثالياً وصلباً. قاسياً جداً حتى أنه لم يصدقه. تحسرعميقاً في الظلام على
سخرية ذلك. نهض من السرير، أشعل الضوء، أخذ زجاجة كوتي سارك من الرف وصب القليل في
كأس صغيرة. فتح كتاباً، وبدأت بعد الواحدة بعد منتصف الليل تمطر فجأة، ثم هبت زوبعة
رملية. كانت عاصفة تقريباً، وكانت قطرات المطر تضرب النافذة بخط مائل.
فكر تسوكوو فجأة، ربما اغتصبتُ
شيرو في هذا السرير، خدرتها، وأوقفت حركتها، ومزقت ثيابها، وأجبرتها على ذلك. كانت
عذراء. لقد أحست بألم شديد، ونزفت. وبهذا كل شيء قد تغير. قبل ست عشرة سنة.
بينما يستمع إلى المطر الذي
يضرب النافذة، وإلى تلك الأفكار التي تدور في رأسه، بدأت الغرفة تظهر كأنها فضاء غريب.
كأن الغرفة نفسها وضّحت وصيتها. البقاء هنا ثابتاً يستنزف أي قدرة على التمييز بين
الحقيقي وغير الحقيقي. على مستوى واحد من الحقيقة لم يلمس حتى يد شيرو، وعلى المستوى
الآخر اغتصبها بوحشية. إلى أي حقيقة قد سار الآن؟ كلما فكر بهذا أكثر قل تركيزه.
كانت الثانية والنصف عندما
استغرق في النوم أخيراً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق