السبت، 18 نوفمبر 2017

19/11 2:21 AM

أشتاق إلى أشياء قديمة، أشياء أتذكرها وأخرى لا أتذكرها، أشياء تأخذني إليها، تجذنبي نحوها كأنني معدن عاديّ يشوبه القليل من الصدأ. أشتاق إليّ حين سمعت أغنية   Ne Me Quitte Pas بصوت Edith Piaf لأول مرة، وأنا أحاول إيجاد النهاية الأفضل لقصة قصيرة قديمة، وأنا أعرق، وعيناي تذهبان إلى مكان بعيد لوقت طويل جداً، وأبتسم، ثم أبكي لا من شيء، أشتاق إليّ وأنا أحاول أن أصدر صوتاً حتى لو كان حشرجة، قبل أن أصبح عديمة الصوت في منتصف الضجيج الذي لا يهدأ.

أشتاق إلى صديقاتي القديمات، إلى صورتهن التي ما تزال في المريول الأزرق، وحن نركض خلف بعضنا البعض في ساحة المدرسة الضيقة، إلى طوق شعري الأبيض ثم إلى ضحكاتنا البريئة على قصص بسيطة. أشتاق -كلما مرّ يوم- إلى الأمس، إلى الحالة التي كنت فيها أثناءه، إلى وجه إخوتي أيضاً عندما سقط الثلج لأول مرة في مدينتي القديمة، عندما كانت الحياة أبسط، حين لم أكن أتلهف لركوب المصعد بدلاً من الدرج، أشتاق إلى وجوهنا القديمة، إلى الأشياء التي أحبها كلها والتي تركتني أتذكرها، أشتاق إلى جدي وإلى الليالي التي كنا نقضيها معاً على سطح المنزل عندما كنت صغيرة، كان أغلب الوقت يحدق بالسماء ويخبرني عن قصص الأصدقاء والحطب والدفء في فلسطين، ثم أغط في النوم في حضنه، أشتاق إلى شغفه الذي لم يمت معه.

أنا سعيدة ومطمئنة، لكني غريبة، لا أدركني، ألاحقني دوماً ولا أصل إليّ، أحب تفاصيل كثيرة لكني غريبة، كنت أفكر دائماً أنه ما إن أصل إلى هذا الشعور؛ أن يعانقني شخص يحبني أكثر، أن أنتهي وحسب، أن ينتهي العالم بالغرابة نفسها التي بدأ فيها، أختفي وحسب، لا أموت، ولكن أختفي؛ لأن ذلك هو الخلاص، هو النشوة، هو التناقض، تسرب النفس إلى الخارج بالكامل حيث لا يعود هناك أي شيء يفصح عن وجود بسيط لك، الانتهاء، انتهاء كل شيء، والوصول إلى كل شيء، حتى إلى قراءة قصيدة كهذه:

"لا أحنّ إلى أي شيء
فلا أمس يمضي، ولا الغد يأتي
ولا حاضري يتقدم أو يتراجع
لا شيء يحدث لي!
ليتني حجرٌ-قلتُ-يا ليتني
حجرٌ ما ليصقلني الماءُ
أخضرُّ، أصفرُّ...أوضع في حُجْرة
مثل منحوتة، أو تمارين في النحت...
أو مادة لانبثاق الضروريّ
من عبث اللاضروريّ...
يا ليتني حجرٌ
كي أحنّ إلى أيّ شيء!".   
    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق