الجمعة، 29 سبتمبر 2017

29/9/2017 8:47 PM

 كل يوم يمر أزداد يقيناً أنني لا أريد شيئاً، أنني أريد أن أتخلى عن كل ما كنت أحب، أشبه إجابة أغوتا كريستوف عندما سئلت عن سبب بقائها حية ما دام كل شيء سيّان؛ "أستيقظ لأن البقاء في السرير أمر غير ممتع، المرء يشتهي فنجان قهوة. وهذا كل ما في الأمر". كل من مر بي أخذ شيئاً مني، وإنني أمضى الآن تحت مظلتي وحدي، أعبث بالأشعة فوقي كما أرغب، أزيح المظلة فوق رأسي تماماً، وأحياناً أسمح لبعض الشمس من المساس بوجهي.

لقد تغيرت بي أشياء كثيرة، لا أنكر ذلك، لكن جزءاً ما بي قد اختفى، اختفى بطريقة غريبة كأنه لم يكن في الأصل، ربما أستطيع تسميته القدرة على النجاة. إن الأمر ليس صعباً، ابق يوماً كاملاً وحيداً في المنزل وستحقق ذلك، ستنكفئ كأنك دلة قهوة يدها أثقل منها، ستسيل من ذاتك ببطء، وتفرغ.

أقول كل يوم أنّ هذا العالم لا يستحق ذلك العناء الذي تخيلته، إنه يسير كالبحر وأنا السفينة الخفيفة التي لا تريد أن تمضي، لكني أمضي مع ذلك كردة فعل طبيعية لشخص وحيد...وحيد رغم المشهد الصاخب حوله.
لا أعلم لماذا أحس بأنني كذلك، رغم كل من حولي، إنني أكرر قول ذلك كثيراً، ربما لأني أردت أن أكون ورقة شجر، ورقة أتجول كيفما أشاء وأموت في وقت قصير، لا أحب العمر الطويل، إنّ الأشياء حولنا تكتفي منا في وقت معين، تمل من وجودنا، وقتٌ قصير أريد أن أفعل به ما أحبّ، ما أريد وأنتهي، مثل ورقة الشجر بالضبط.
ولأنني أضطرب كلما مر وقت أطول، كلما أتذكر أنني مع أحد ما، أشاركه كل شيء، حتى الإعلانات التلفزيونية التي تمر أثناء الفيلم، وأنه ربما يفتقدني في لحظة معينة. إنّ شيئاً ما في فترة زمنية معينة قد سار باتجاه خاطئ ، لم أعد أذكر اللحظة بالضبط الذي قد حصل بها ذلك، ربما أحدهم قد وضع قماشة سوداء على عينيّ وقادني إلى ذلك الاتجاه، ثم قطع اتصالي بكل ما من شأنه أن يجذبني نحوه، بكل ما يتسارع وجوده متزامناً مع دقات قلبي، ما يذكرني بي وأنا أستمع إلى الأغاني الفرنسية كأنني حبل صوتيّ لإنريكو ماسياس، وأنا...وأنا أي شيء قديم وأصيل.

أحرك قدمي اليمنى لأرسم خطاً كأنه سهم بوصلة، خطاً من الشَّمال ثم لا أكمله وأنت واقفٌ تنظر نحوي كأنني (بوسايدن) تلاحقني نظراتك من كل الجهات، وكأنك تؤمن بي أكثر من الحقل الفارغ هناك.

 تتحرك مفاتيح البيانو الذي بجانبي على وقع أنفاسك وأنا آبهة بوجهك المتخيّل. أنت بعيد كخرافة وقادم نحوي كسلام لكنني لا أراك، حتى وأنا أركّب هذا المشهد يستعصي عليّ وجهك. كم تراكمت عليه أصدافٌ! وكم تدفقت الطحالب في عمقك! كم نَقَرك الزائرون كأنك تمثال من الرمل لا شأن لك بأحد! وأنا لا شأن لي إلا بالأمواج التي تتلاطم داخلي وتجعلني أشرَق.
قدمي موائمة مع العشب لأنها بلون الطين.
لكنها زرقاء في الأصل فلن أراها إذا دست في البحر.

قبّلني هناك حيث هواجسي متشابكة
لن أفعل بك شيئاً إلا أن أتفقد لون عينيك إذا ذاب داخلي.
 بعيدتان عيناك إذا دعاهما توجسي من الغياب.
 بعيدٌ وجهك الآن وأنا مبللة بالغيم،
 وأنا أليفة كنبتة فينيقية تستجدي غزالاً قليل التداعي.

   

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

"إسقاط نجمي" مؤلم-قصة قصيرة

أذكر أن ذلك لم يحصل بإرادتي، وقفتُ في الشارع فجأة، لم أكن أريد أن أستقل سيارة أجرة، كنت أريد أن أكمل السير إلى الجهة الأخرى ولكنني توقفت، لا أعلم لماذا، وصرت أنظر إلى حيّز قدميّ و أفكر في أشياء كثيرة وأشياء جديدة أقوم بها، مثل أن أزرع زهر الفلامنجو في حديقة بيتنا، وأن أعيد علاقتي بجارنا الكبير في السن كما كانت؛ فهو لم يؤذني في كلامه كما كنت أظن، أشياء بسيطة مثل هذه وأشياء أخرى أيضاً، ثم أدركت أنه يجب عليّ أن أعبر إلى الجهة المقابلة، مشيت نصف المسافة، أذكر أن أضواء السيارات كانت تقترب، أضاءت وجهي كله ولكنني لم أستطع إكمال السير حينها لأنني وقعت على الأرض.

أذكر السيارة جيداً قبل أن تمر إطاراتها على وجهي، سوداء وملمّعة بطريقة غريبة وكأن سائقها زائر عابر لحيّنا المليء بالحفر والأتربة والبنايات التي يتم تأسيسها، كان يسير ببطء وحذر، لذلك أقول إنه بدا عليه أنه قاصد دهسي، قبل أن أسقط لمحتُ وجهه من خلال الزجاج المعتم، كل شيء فيه معتم وغامض، سترته، نظاراته، حتى عندما نقلني إلى المستشفى قبل أن يخبرونه بموتي، كان صوته يوحي بعدم اضطرابه، عيناه تلمعان، وجهه واسع، ذقنه صغير وحاد، وأنفه بارز كالمنقار، ربطة عنقه زرقاء ومشدودة جداً على عنقه، شعره غامق، حاجباه كثيفان، ويداه عريضتان. لو أنني استيقظت لقلت لهم إنه خطط لقتلي لولا أنني أنا الذي وقعت أولاً فقد شاهدني صاحب البقالة وأدلى بشهادته أمام الضابط.

 لم أتدحرج مع أنني وقعت على شارع منحدرٍ. كان ذلك مؤلماً للغاية، تكسرت عظام قفصي الصدري على قلبي، تكسرت يداي، امتلأت ثيابي بالبنزين والزيوت والدخان. رأيتُ أفواه الناس المفتوحة، بدا عليهم أنهم يصرخون، وجوههم خائفة، كلهم متجمهرون حول جثتي، والسائق وصاحب البقالة يشرحان لوالديّ ما حدث، يمكن لأي حدث مهما كان صغيراً أن يضطرب الناس لأجله، كيف إذا رأوا جثتي بتلك الظروف الغامضة وبهذا الحادث الغريب! حضرت وجوه لم أرها منذ زمن بعيد، ها هم الآن يرون جثتي بعد زمن طويل، وأنا أراهم في غير مسرّة؛ بجسدي الذي لم يتدحرج أمامهم.

ركب أبي إلى جانبي بسيارة الإسعاف والسائق إلى جانبي الآخر، كان المسعف قد قاس نبضي وتأكد فعلاً من موتي، وكان أبي يبكي وينظر إلى السائق الهادئ ويكذّبه بنظراته التي أعرفها جيداً، لم أكن أعرف أنني سأبصر بتلك القوة بعد موتي، إلى الآن أنا خائف وغير واثق من ملامح السائق، وهو يكرّر قوله لأبي: "صدقني لم أره، لم أقصد ذلك!".

أنا أحاول تصديقه، وأريد أن أستيقظ من موتي وأخبر أبي أنه بريء، ولكنني مثل أبي ومثل أمي ومثل كل من تجمع حولي عندما أرى وجهه وعيناه لا أستطيع ذلك، ربما سأصدّقه إذا شهد صاحب البقالة أمامنا على براءته.

لكن أقول لكم هو ليس بريئاً بشكل قطعيّ، لأن ذاكرتي ما زالت قوية، كانت حركة سيارته بطيئة، كان يستطيع أن يراني لكن لا أعلم لمَ أكمل السير وكأنه لا يراني.

كان وجه أمي حزيناً أيضاً عندما تبعتنا إلى المستشفى، فيه كثير من الحسرة، كنت أريد أن أمسك يدها، وأخبرها أن الجميع حولي لهم نفس وجهها، وأن وجهي هو المميز بينهم، وجهي وجسدي أيضاً، حتى صمتي لا يشبه صمتهم، أود أن أبوح لهم بكل شيء، أتساءل، أصف لهم وجوههم الآن، قتامة المكان الذي فيه جسدي، القماش القميء الذي يغطونه به، صمتهم مرة أخرى، الحب الذي أراه في عيونهم، وجه السائق الغريب، بقع الدم الكثيرة التي ترسم على قميصي بِطريقاً وبحراً وأحياناً أراها على شكل امرأة ترتدي تنورة قصيرة ولها شعر طويل، كنت أرى نظراتهم حولي، يبدو أنني قد أثرت فضول الطبيب الشرعي و ضابط الشرطة، أو أنهما أيضاً لا يصدقان السائق.

كنت في الأيام الماضية أفكر بالانتحار كثيراً لا أخفي ذلك، لا لشيء ولكن لأنني فقدت ذلك الشيء الذي يسمونه شغفاً والذي يمكن أن يقودني في ممرات الحياة كلّها حتى وأنا مغمض العينين، مع هذه الحروب المنتشرة حولي وأمامي بنفس الوقت، تلك الحالات الإنسانية التي لا يبالي بها أحد وتستنكرها المنظمات الدولية أحياناً، وأستمر في رؤيتها جثثاً أمامي، أوجاعهم، وتلك الهوّات المتتالية في عملي وفي علاقاتي الاجتماعية كلها تدفعني للاستسلام. خسرت أشخاصاً أحبهم، أولئك الذين رأيتهم متجمهرين حولي جاهلين فحوى نظراتي وإيماءات جسدي، خسرتهم لأنني لم أرهم بذلك الوضوح الذي أراهم فيه اليوم بعد وفاتي. عندما توقفت على الرصيف قبل أن أقطع نصف مسافة العبور كنت أفكر أكثر بهذه الأشياء، وعندما رأيتُ وجهي أمامي يحدثهم بكل هذا وبصوتي الذي لم أكن أسمعه جيداً في الأيام الماضية، انطلقت بي طاقة عجيبة هائلة جداً، لم أعرف أنها ستتوقف في نصف الطريق فأهوي على الأرض.

عندما رأيت الطبيب أردتُ أن أخبره الطريقة في الانتحار التي كنت سأختارها ، أذكرها من صديقي الذي كان يدرس -بجانبي في السكن الجامعيّ- مادةً من مقررات كلية التمريض، كان يشرح لي بصوت مرتفع حتى لا ينسى شيئاً ولكنه لم يكن يعلم أنني مستمع جيدٌ وأنني إلى الآن أتذكر كل ما أخبرني به، كان يضع القلم على أذنه اليمنى ويشمّر عن ذراعيه ويحرك يديه الكبيرتين كثيراً أثناء ذلك، ثم يتحسس عنقي، الغرفة ذات إضاءة خافتة قليلاً وكان ذلك ما يؤلم عينيّ قليلاً عندما أذهب لأتفحص دروسي. " تضع إصبعين على الشريان السّباتي في عنقك من الجهتين وتضغط عليه لمدة دقيقتين إلى أربع دقائق وبعدها تذهب بسلام". ضحكتُ كثيراً في تلك الليلة وهو يشرح لي ذلك بنبرة أستاذه الجامعيّ... صنعت له كأساً من البابونج ليسترخي ويجعلني أنام بهدوء، ولم يكن علي بعدها سوى إطفاء النوّاسة والاستغراق في النوم، وبالفعل بعد أربع دقائق بالضبط بدأنا نحلم كلانا بعالم أفضل.   

كانت طريقة مثلى وهادئة لو أردتُ ذلك، لكنني أخاف من الموت ولستُ مهووساً به إلى حد كبير، ولا أملك الشجاعة لأقتل نفسي بأي طريقة حتى لو بأربع دقائق هادئة، أريد أن أخبر الجميع بهذا، بأنني بريء من قتلي، "أنا بريء الآن صدقوني!" ولكن لا يسمعني أحد، إضافة إلى ذلك فقد سمعتُ السائق يخبرهم أنه لم يرني فعلاً، أن جسدي لم يصبح مرئياً إلا بعد أن دهسني بسيارته، أحاول أن أكرر أنني بريء ثم أفكر فيما إذا كان كلامه صحيحاً، لقد كانت مجرد أفكار بالانتحار لا أعلم أنها ستجعلني أنتهي ويختفي بذلك جسدي... لا أصدّقه، إن هذا غير منطقيّ! ولكن وجوههم جميعاً الآن تشكّ بي، أنا الوحيد المتهم هنا، وقد أنكروا وجه السائق ذو الملامح المميزة. "أنا بريء صدقوني...إنني أراه!" أريد أن ألقي اللوم على السائق وحده، وأجعل الجميع يدقق في وجهي جيداً، وأطلب إجابة واضحة من أحد..أي أحد عن الوقت بالضبط الذي متُّ فيه!   

الأحد، 17 سبتمبر 2017

حين تحقق حلمهم

"مع الزمن صار هذا الشيء- الذي أسموه هواية، والذي وضعوني داخله كأنه مأواي الوحيد، الصندوق الذهبيّ الذي غلّفني من كل الجهات ورفعني إلى السماء- صار متداولاً إلى حد لا يطاق، حيث انتشر كثيرٌ من الذين لم تغلفهم البتة الصناديق الذهبية في حدود العالم الواسعة و صاروا قديسين" هذا ما قالته صديقتي الكاتبة التي لم تصدر مثلي كتاباً إلى الآن.

أذكر حين حملتُ نسختين من قصصي القصيرة إلى وزارة الثقافة لأتقدم بطلب دعمها، وقبلها إلى دائرة المكتبة الوطنية لأحصل على رقم إيداع، كان لدي إيمان كبير بأنني أحمل إليهم شيئاً ثميناً أخرجته معي من صندوقي الذهبيّ، خفتُ على ذلك المخطوط من الغبار ومن أن ينتبه إلى عنوانه أحد المارين ويختاره لكتابه الذي سيلي كتابي بأشهُرٍ قليلة.

 كنتُ أخبئ المخطوط في ال3 مرات التي كان أولها رواية عرضتها أولاً على دار للنشر، انتهيت من كتابتها في السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة، أذكر الضوء الهائل في عينيّ آنذاك؛ ضوء البدايات الشهية، أو الشغف الخالص الذي يرافقه أحلامٌ بلا خيبات... لم تكن الرواية مبهرة وشهيّة جداً لأن أقرأها الآن. تذكرت هذا الضوء عندما عملتُ في نفس دار النشر لفترة، حين جاءت صبية صغيرة لا يتجاوز عمرها ال16 عاماً بنصوص تود نشرها، ذكرني الضوء في عينيها والبريق بي رغم اختلافٍ لا تفقهه دور النشر، ولكنها فعلتْ ما لم أفعله فقد تم نشر كتابها رغم حذف كثير من نصوصه. "البدايات جميلة حتى لو كانت بسيطة" هذا ما قالته لي كاتبة و قاصة قد نشرت كتابها الأول في سن ال18.

ولآمالي وشغفي الكبير في ذلك الوقت ولسذاجتي التي كانت، حملتُ المخطوط لوزارة الثقافة وعبأت طلب الدعم وأتاني الرد بعد 3 شهور تقريباً بعدم القبول، أذكر أني بعد هذه الحادثة لم أيأس أيضاً فبعدها ب4 سنوات أي قبل مدة بسيطة من الآن، بعد أن نصحني ناقد أردنيّ: "اجعلي كتابك الأول يكون مجموعة قصص قصيرة ليس شيئاً آخر"،  ذهبت مرة أخرى بذلك المخطوط لقصصي القصيرة لأقدمه للدعم من وزارة الثقافة ووثقت عنواناً مناسباً له: "نوافذ ووجهي". أقول إني إلى الآن أملك رقم إيداع لكتاب لم أعد أرغب بنشره، والنوافذ قد عصفت غباراً عليه وعلى وجهي.
صديقي الكاتب ذو ال30 عاماً، والذي ظننته قد أعرض مثلي عن هذه الفكرة، لأني أجد مزاجه قريباً من مزاجي، ها هو اليوم يخبر جميع أصدقائه ومتابعيه على الفيس بوك أنه قرر أن ينشر كتابه (البكر) بعد إلحاح متابعيه على ذلك. جهلته كثيراً رغم انفعاله الطبيعي. فرحت أيضاً لصديقي الشاعر ذو ال27 عاماً حين سألته وقد غاب عني زمناً طويلاً بعد زيارته الأخيرة لدار النشر التي كنت أعمل بها، إذ علمت منه أن لديه النية لنشر ديوانه الشعري، الآن أسأله: "لقد كنت بصدد تجهيز كتابك للنشر؟" فيقول: "وأجهّزه من جديد الآن". بالمقابل ما يزال لدي صديق، يحب الأضواء الخافتة وفيروز ليلاً، كلما قرأتْ صديقتُه نصاً نشره على الفيس بوك تسأله: "متى ستنشر نصوصك في كتاب؟" فيجيب: "لست بصدد ذلك على الإطلاق". وبالمقابل أيضاً نجد كثيراً ممن لا نسألهم شيئاً يفاجئوننا بكتبهم التي تتوالى في مدة قليلة. فرحت لصديقيّ وبقيت وحدي أتساءل: "كيف لا يسأم أصحاب دور النشر من التساوم في كل شيء حتى في (القَفلة)؟!"

في الحقيقة كانت أحلامي كلها تنصبّ على أن أجهّز حفلة توقيع لائقة، يشغلها عازف ناي أوعود، كنت أحب أن أطيل تخيل هذا المشهد أكثر من أن يلاقي كتابي استحساناً من النقاد وكبار الكتّاب، أما الآن فبتّ من كثرة تكرار مشهدها أمامي أجدها عادية جداً، وصار هدفي هو قراءتي، سواء أكانت نصوصي في كتاب، أو موزعة على صحف ومجلات، أو مكتوبة الكترونياً.

صارت المكتبات تعجّ بكتب كثيرة محتواها وأسماؤها غريبة، يضعها أصحاب المكتبات بعناية حتى تغطي ما أحتاج قراءته فعلاً، لوحة الغلاف هي الأهم بالإضافة إلى صورة مدروسة للكاتب تكون مطفأة قليلاً توحي بغموضه، وصارت القنوات التلفزيونية تتلهف لأن ترى كاتباً شاباً قد نشر كتابه (البكر) كما يسمونه عادة لتجري معه حواراً يكشف غموضه الذي وجدته على الغلاف. "أنا لست محمود درويش أو مظفر النواب...لأصعد على المنبر وأقرأ قصائدي، أنا بسيط" هذا ما قاله صديقي الذي يتابعه الكثير من الكتّاب المهمّين على الفيس بوك.

أصرّح أنه لا يعلمني الكثير لأني لم أضع (صورتي الغامضة) حتى الآن على كتاب، ولكن رغم ذلك فقد وجدتُ الخيال الذي رسمته مطولاً وأنا جالسة أنتظر القراء لأوقع كتبهم، الخيال الذي ألغيت فيه جميع مراحل النشر الطويلة والمملة، والحوار الطويل مع أصحاب دور النشر والمحررين الذي يقدر الكاتب في أحواله العادية (أي دون غرض نشر كتابه) أن يلغيه، قد صار مشهداً مكرراً بشكل كبير، وبعيداً...بعيداً جداً.


 المقال قبل سنتين