الأحد، 12 مارس 2017

مقال نشر في موقع LSJ

صعوبات العيش في المجتمع كفرد مختلف، بطريقة ما، عن النمط السائد في المجتمع، أو كفرد منشقّ قليلاً عنه، هو موضوع لم يكتشف فقط في الأدب الحديث ولكن في الأدب في جميع عصوره. أبحث في هذه المقالة المشكلة التي لحقت بمعتقدات كاتبتين بسبب موقعهما في المجتمع كامرأتين، الكاتبتين هما سيلفيا بلاث وأليس ووكر.
 تعتقد سيلفيا بلاث وأليس ووكر أن القوانين المتشددة قد وضعها أسلافهما من الرجال وحتى النساء، في مجتمعهما، وتناقش معظم أعمالهما الصعوبة التي تواجههما لتفهم تلك القوانين، نتائج تلك القوانين عليهما، وفي بعض الأحيان محاولاتهما في التغلب عليها (وهذا نجده في أعمال أليس ووكر أكثر).

سيلفيا بلاث    
(1932-1963) كما هو معروف عنها وكما هو معروف عن موتها، خاصة في عملها الذي أمكن لنا المجادلة فيه. لقد حاولت الانتحار أول مرة في سن العشرين، وذلك بسبب الضغط الموضوع عليها، لتوافق على دورها كامرأة في المجتمع، وبالأخص كونها من طبقة متوسطة تحاول الارتقاء إلى طبقة المرأة المتعلمة، وأخذ ذلك جهداً كبيراً منها، وكانت تفقد القوة والشجاعة لتكمل محاربة تلك الأفكار التي ظلت تفرض عليها.
يمكن رؤية أسباب محاولة انتحارها واضحة في رواية سيرتها الذاتية (الناقوس الزجاجي). وصفت تيريزا دي لورينتس الرواية بأنها صراع البطلة مع نفسها ومع العالم، والذي هو جوهر شعر بلاث. لقد ظهرت البطلة ايسر جرين وود على أنها تمتلك كل أسباب السعادة وتكسب فرصة قضاء شهر في نيويروك لتعمل في المجلة، تحضر الحفلات، وتعيش حياة راقية، بشكل عام، أما الآن فلم تعد تشعر أنها تسيطر على شيء، بل تشعر أنها تفعل ذلك لأنها توقعت حدوثه، ولأن هذا ما قد تم تخطيطه لها منذ طفولتها، وليس ما تريد هي أن تفعله. يمكن وصف هذا الشعور بكلمات تشير إلى ظهور نوع من الحياة الآلية مبكراً في الرواية، مثل أن تصف نفسها بالزومبي أو بالترولي المخدَّر.          
تتمنى ايستر أن تكتشف نفسها، تكتشف ما تريد أن تفعله حقاً، لا أن توافق على الرغبات والطموحات التي فرضها المجتمع عليها. تكتب تريزا دي لورينتيس في ملاحظاتها:
 حرية إيستر تكمن في إتاحتها لها، وبرفض التعدد الطبقي، وباختلاف التطور. لا تستطيع إيستر قبول الأدوار المحددة ثقافياً، والتي يبدو أنها الخيارات الوحيدة التي توفرت لها. لم يكن ما تبحث عنه (تطوير ذاتها) ظاهراً بعد، ولكن ايستر، في نهاية الرواية، تعلّمت أن تواصل البحث.
حقيقة أن ايستر تنهار بسبب تتابع ضغوط الامتثال لتلك القوانين قُدمت كتعاقب ضروري للأحداث. وظهر رفضها لهذه الحياة بطرق رمزية، مثل حادثة الاغتصاب، عندها يقال عنها مومس، فترمي كل ثيابها الثمينة من النافذة، ولا تعود تحب حينئذ حليّها، وكل الزخارف التي تجعلها امرأة، وكل ما يطوّقها.
الضغوطات على المرأة لتوافق على القوانين ورغبات بلاث لتنجو من تلك الضغوط قد أشير إليها بقوة في معظم أشعارها، إلا أنها  كتبت في واحدة من (رسائل الوطن):

يجب أن أكون واحدة من بعض شاعرات العالم المبتهجات تماماً، لا أن أكون بحالة مريرة، ومحبطة، ومشوّهة كالرجل التقليدي، أتلف معظم الأشياء في النهاية. أنا امرأة وأفتخر بذلك، وستكون أغنياتي عن الخصوبة والأرض.
ويبدو أن هذا يجب أن يُكتب بحالة من التفاؤل غير المعهود، كما تعبّر كثيرٌ من أشعارها عن إحساسها بأنها مسجونة، وتعبّرعن رغبتها في كسب الحرية، وفي الموت في معظم الأحيان. هذا المقتطف من الرسالة تنبوئيّ ساخر نوعاً ما، ذلك لأنها تشعر بالمرارة، ولأنها محبطة، ومشوهة، وهذا ما سبب في تلفها في النهاية. عظّمت إريكا جونج شعرَ بلاث كونها أول من قام بدراسة غضب المرأة، بشكل كامل، وكانت أيضاً بعيدة كل البعد عن الهدف التي وضحته في رسالتها.
تتعامل قصائد كثيرة لبلاث مع إحساس المرأة، أنها تعامل كشيء، وكسلعة، ولا يسمح لها أن تكون شخصاً مستقلاً، وأكبر مثال على ذلك، (مقدم الطلب)، وفيها تبقى المرأة في الخزانة وتباع معها كأنها قطعة من الثياب، وتوصف طوال ذلك ب"الضمير الذي يستخدم لغير العاقل"، بالإضافة إلى اختلال البنية، إذ يتم تقديمها للمشتري المحتمَل على أنها شيء.

مستعدة...
لإحضار أكواب الشاي ولإبعاد الصداع
وللقيام بما تقوله لها.

كما أنها:
تستطيع الخياطة والطهي.

ووُصفت للبائع أيضاً أنها "الحل الأخير". هناك صور أخرى للمرأة، منها من لا تقدم المساعدة، وحتى أنها بالكاد تبدو كشيء، ولا تستطيع الدفاع عن نفسها. توصف المرأة في (البردة) أنها سيئة السمعة، وفي (المرأة العقيم) أنها عاج، وفي (معسكران في بلد الغيم) تشتكي المتحدثة قائلة:
أميل إليك، كأحفورة مشلولة، قل لي أني هنا.  
وفي (شد الوجه)، تكون المتحدثة مخدَّرة... شكلٌ آخر من اليأس، وفي (الراقص المحترف) تشتكي المرأة من كونها مجرد ساعة جيب، وفي (المظهر) تُفتح المرأة وتُغلق كساعة سويسرية. تلك الأنواع من النساء لا تمتلك ميزات شخصية أبداً، إنهن محض أشياء.
ومن ناحية أخرى هناك أمثلة من القصائد تحتفظ فيها المتحدثة بكيانها كشخص عاقل (وإن كان غير محدد)، وتحس بأنها لا تستطيع التنقل، موضحة مرة أخرى الحدود التي أحست بلاث أنها أعرافٌ فرضها عليها المجتمع. والأمثلة على ذلك في (لاصقة ومشلولة). في (لاصقة) تشعر المرأة (غير الظاهرة) بأنها محاصرة من قبل الغلاف الخارجي لها، وهي المقدمة التي يجب أن تقدمها لتناسب قوانين المجتمع. تبدأ القصيدة بـ:     
لا يجب أن أتخلص من هذا... توجد اثنتان مني هنا
واحدة بيضاء حتماً والقديمة صفراء
الصفراء هي نفسها الحقيقية، أما البيضاء فهي المزيفة. تصف كيف أنها كرهت البيضاء في البداية.  مقدمة مزيفة ولكنها رأت لاحقاً أن لها مميزات، فقد بدأت تقبل الزيف، لتصبح في النهاية أسلوب حياة، ونسيت ما كانت حقيقتها. تكتب:
لم أكن سأتخلى عنها بأي موقف
لقد دعمتني مدة طويلة عندما كنت أعرجُ كثيراً
حتى إني نسيت كيف أسير وكيف أجلس                   

وانتهت القصيدة بأمل أنها ستتحكم بنفسها يوماً ما، دون البيضاء وستقبل ذاتها كما هي. قصيدةٌ نرى فيها بوضوح كره بلاث الشديد لقوانين مجتمعها التي فرضت عليها كامرأة.
في (اللاصقة) تصف نفسها بأنها جماد تام يحاول أن يبقى حياً  بل إنها تبقى كذلك، بمساعدة قوى خارجية كـ(بيضة ميتة). في (الساحرة تحترق) تكتب:
إذا لم أتنقل، لن أطرق أي شيء أبداً.
يبدو في القصيدة أنها تتمنى أن لا يكون لها تأثير على العالم الخارجي، على أمل أن لا يتمنى العالم الخارجي التأثير بها. أشارت إلى هذه الفكرة في المقطع الشعري الأخير في (لاصقة).
مخلبُ
شجرة المغنوليا
سكران من روائحها
لا يسأل عن شيء في الحياة
تشير هذه السطور إلى أن حياة الناسك أسهل لتتعامل معها من حياتها.
ترغب في قصائد أخرى النسيان وحتى الموت بسبب الاضطهاد الذي واجهته بشكل كبير. تكتب في نهاية (فقدان الذاكرة):
 أيتها الأخت، الأم، الزوجة
نهر نسيان جميل هي حياتي
أنا لن لن لن أعود إلى البيت

تعني هذه السطور أنها تكره تلك القوانين التي يجب أن ترضخ لها، وتنساها بكامل راحتها. تكتب في (يسبوس) عن اليأس من وجودها القاتم كمربية بيت عادية. تبدأ القصيدة بتعبير بسيط:    
إثم في المطبخ
ويطغى على كامل القصيدة جو الخوف من الأماكن المغلقة. وُصف المطبخ ب"النوافذ"، ما يعني أن المطبخ المزعج والمتسخ هو بداية ونهاية عالم المرأة... هي مسجونة. ووصفت الطفلة ب"الدمية"، وهذا يعني ربما أن هذه الطفلة ستكبر لتصبح دمية تعمل على أهواء الآخرين، مثل أمها. أما في (لوريلي) فإنها تتوق إلى النسيان، من هذا النوع من الحياة، طالبة الغرق:
أيتها الحجارة، أيتها الحجارة
خذيني خذيني إلى الأسفل

وفي (أنا عامودية) كانت تقصد أنها تشعر، كونها امرأة، بأنها ميتة أكثر من أنها حية، تنتهي القصيدة بـ:
ستكون لي فائدة عندما أستلقي أخيراً
عندها ستلمسني الأشجار لمرة، وسيكون للأزهار وقت لي

تعني هذه السطور أنها لا تحس بأنها أخذت الاهتمام الذي تستحقه. وفي (كل العزيزات الأموات)، تعرّف النساء الأموات في حالة المتحف:
السيدة التي هنا ليس لها أقارب
لا أقارب لي، الأقارب الآن هي

تكرر في هذه القصيدة اعتقادها أن القالب قد وضع لها، الدور الذي يجب أن يناسبها، وحتى الآن  تشير إلى أن هذا الدور كان قد وضعه لها أجدادها بدل أن يضعه المجتمع المعاصر. وتؤكد حقيقة أنّ الزجاج مدعم بالزئبق على أنها ترى نفسها والمرأة الميتة امرأة واحدة، وكلاهما متشابهتان.
من الزجاج المدعم بالزئبق
الأم، الجدة، الجدة العظيمة
تمسك أيدي الشيطان وتسحبني

وتتابع ذات النوع من الأفكار كما في (أنا عامودية) في (الحافة) والتي كانت آخر قصائدها، تكتب أن المرأة تصل إلى الكمال عندما تموت، وتوضح أن هذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع إنجازه فعلاً.

المرأة اكتملت
جسدها الميت يرتدي ابتسامة الإنجاز

وكما في الأدلة، فإن أعمال سيلفيا بلاث قد تعاملت مع السجن الذي شعرت بأنها آلت إليه من مكانتها كامرأة، سواء بشكل محدد كما في (أبي) إذ شبهت والدها بالنازي، وشبهت نفسها باليهودية، أو بشكل عام كما في كثير من قصائدها، كأن تشعر أن دورها كامرأة فرض عليها من المجتمع بشكل عام. ويبدو أنها تراه مؤامرة، والطريقة الوحيدة للنجاة منه إما النسيان أو الموت.  

أليس ووكر
أليس ووكر(1944-    ): كاتبةٌ شعرت أن المرأة، والمرأة السوداء خاصة متفردة، وتواجه كثيراً من الظروف. لكن مع هذا فنظرة ووكر لحالتها أكثر إيجابية من نظرة بلاث، فأعمالها لا تناقش مشكلة المرأة السوداء وتقف عند هذا الحد بل تناقش إمكانية التغيير والتقدم، حتى إن كانت عملية التغيير بطيئة. تجسّد قصيدة (على لحاء الشجرة التي تتعرى مني) من مجموعتها (ليلة سعيدة ويليلي سأراك في الصباح) أفكارها إلى حد ما:
وجدتُ
ذاتي الصغيرة
ذاتٌ واقفة
مقابل العالم
تساوٍ في الرغبات
في النهاية فهمت

تؤمن ووكر أنه لإحداث التغيير المجتمعي يجب أولاً أن يغير الأشخاص طريقتهم في التفكير.
تتحدث رواية (ميريديان) عن فتاة سوداء تحاول أن تغير مكانة المرأة السوداء في المجتمع ولكنها تحاول ذلك في داخلها غالباً (سعيها لتحقيق "الكمال"). ومع أنها كانت جزءاً من اللحظة، لكنها لاقت انتقاداً من أصدقائها عندما قالت أنها لن تقتل من أجل ذلك، لأنها ترى أن ذلك تدمير لشيء حاولت أن توجده، ألا وهو السلام.
ومن المواضيع المهمة التي تناولتها الرواية أنه ينظر إلى المرأة السوداء عادة على أنها آلات لصنع الأطفال. وتحاول (ميريديان) أن تكسر ذلك القالب بالتخلي عن طفلها والذهاب إلى الجامعة. تكتب باربرا كريستين:
من حيث المبدأ يضع المجتمع الأمومة أساساً، بينما في الواقع يرفض الأمهات المتفردات أن يعاملهن كإنسان له احتياجاته ورغباته، يجب على الأمهات، في ذات الوقت، أن يرغبن بدورهن الذي عوقبن بسببه. و هذه المعضلة ذات الحدين قد تعاظمت لدى المرأة السوداء، لأن مجتمعها لا يقدر أطفالها، وهذا أمر صحيح بالنسبة لجميع الأمهات. في حين تم الثناء عليهن كونهن أمهات ولكنهم في ذات الوقت يكرهونهن كونهن آلات تصنع الأطفال، تبصق مكوناتها بشكل عشوائي على المجتمع.

على الرغم من أن (ميريديان) تعتبر فرداً قوياً إلا أنها توصف بضحية العنصرية. كانت لقاءاتها الجنسية الأولى مهينة ودنيئة، وكانت ترى ما هو متوقع، "التنازل" بدلاً من الحب المتبادل أو العاطفة، وكانت تعرف ذلك إلى حد ما؛ بأن قيمتها وشخصيتها قد تمت رؤيتهما من قبل الآخرين بدلاً منها. "أنثى جداً". و تنغمس في ذلك مع أنها ترفض تماماً هذه النهاية، وبعد أن يتم الإجهاض تشد الأنابيب، لتعزز فكرة أنها لن تستسلم لـ"مفهوم" أمومة المرأة السوداء المشكوك فيها.
لا تتحدث الرواية عن المشاكل التي تواجهها المرأة السوداء فقط بل تعترف الكاتبة أيضاً بأن المرأة البيضاء لها دورٌ أيضاً ليس أفضل حال من السوداء، وبنفس درجة الصعوبة في كسره. تكتب:
من سيحلم في تقبيل امرأة بيضاء في وطنها؟...إنهن يظهرن بعد المدرسة وهن يتسكعن ضاحكات إلى أن تصبح أعمارهن ست عشرة سنة أو سبع عشرة سنة، ليتزوجن، وتظهر صورهن في عامود المجتمع، تراهنّ يحملن مرات عديدة ثم لا تعود تعترف بأنهن قد كنا فتيات كما عرفتهن. ويغرقن في نسيان مستمر. ولا تسمع أن واحدة منهن قد فعلت شيئاً ممتعاً.
تناقش الكاتبة حقيقة أنه من الصعب أن تختلط المرأة البيضاء مع المرأة السوداء، لأن كلاً منهما لها دور محدد ومختلف. تسمح لين أن يغتصبها تومي بسبب الذنب الذي تحس به كونها امرأة بيضاء، أو بسبب ما قاله تومي لزوجها: "لقد كان تكفيراً لذنوبها".
ويمكن أن يكون موت كامرون أيضاً (الطفل الأسمر المائل إلى الصفرة) رمزاً لحقيقة أن النساء ذوات البشرة السوداء والنساء ذوات البشرة البيضاء لن تكون لديهن القدرة على العيش بتساوٍ وانسجام بطبيعة الحال.
وفي حوار مع كلوديا تايت، تحدثت أليس ووكر عن نهاية الرواية. قائلة:
أرى أن النهاية المتوقعة لهذا النوع من الصراع موتُه.
ومع ذلك لم تمت ميريدين في نهاية الرواية ولم تتزوج (كما اعتقدت الكاتبة أنها النهاية التي توقعها الجمهور). وبدلاً من ذلك مررت صراعها إلى ترومان، لذلك بقي الأمل في التغيير موجوداً هناك (مع أنه ربما كان أمراً مهماً أن تمرر صراعها لرجل).   
يكشف عمل ووكر الظروف التي وضعها المجتمع للمرأة وللأفراد ذوو البشرة السوداء بشكل عام. وعلى الرغم من ذلك فقد ظل عمل ووكر أكثر إيجابية من عمل بلاث، ذلك لأن ووكر تبحث في إمكانية التغيير. تبتعد ميريديان عن القوانين التي فرضت عليها وتجد بهذه الطريقة الكمال، بينما تتحطم بلاث من مطالب مجتمعها التي تتسبب في اعترافها بأن الانتحار، كما ترى، هو الحل الوحيد للتحرر من قوانين المجتمع التي قيدها بها (ليس مثل هيدا جابلر). ترى الكاتبتان أن هذا المجتمع في الماضي والحاضر مؤامرة ضد المرأة، وكل واحدة منهما ناقشت ذلك بأسلوب مختلف.    


كاثرين كوبر 2001  



            

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق