الأحد، 1 ديسمبر 2019

الفصل (15) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي



أتت مكالمة الإيقاظ الساعة السابعة، تنشطه من النوم. كان سينام مطولاً ويستغرق في النوم وجسده سيشعر بشلل ثقيل. استحم، حلق، نظف أسنانه، ولا يزال الشلل يصاحبه. السماء غائمة جزئياً مع وجود طبقة رفيعة من الغيوم، ولكن المطر بدا مستبعداً. ارتدى تسوكورو ملابسه، نزل إلى مطعم الفندق، وأخذ بوفيه الإفطار.
وصل إلى مكتب أولجا بعد التاسعة. كان مكتباً صغيراً دافئاً في المنتصف، وأبعد بقليل عن الميلان، يعمل معها شخص واحد فقط، رجل طويل بعينين جاحظتين كالسمكة. كان مع الرجل اتصال، ويشرح أمراً. كان الحائط مغطى بإعلانات ملونة عن نقاط التصوير في فنلندا. طبعت أولجا خرائط متعددة لتسوكورو. كان كوخ هاميلينا واقع في مدينة صغيرة في الطريق القصير أسفل البحيرة، الموقع الذي وضعت عليه علامة x. كقناة طويلة، شملت البحيرة الضيقة المتعرجة على أنهار جليدية، قبل عشرة آلاف سنة، بدت كأنها ستبقى للأبد.            
"يجب أن يكون الطريق سهل"، قالت أولجا. "فنلندا ليست كطوكيو أو نيويورك. الطريق ليست مزدحمة، يجب أن تصل إلى هناك إذا اتبعت الإشارات ولم تصطدم بظبي".
شكرها تسوكورو.
"لقد استلمت سيارة لك"، أكملت. "فولكس فاجن جولف وقد سارت ألفي كيلومتر فقط، كنت قادرة على أخذ خصم بنسبة قليلة".
"شكراً لك، هذا عظيم".
"أصلّي ليسير كل شيء على ما يرام. فبالنهاية لقد أتيت إلى هنا بعد أن قطعت كل تلك المسافة". ابتسمت أولجا برقة. "إذا واجهتك أية مشكلة لا تتردد بالاتصال بي".
"لن أتردد"، قال تسوكورو.
"تذكر أن تنتبه من الظباء. إنها حيوانات غبية. احرص على أن لا تقود بسرعة كبيرة".
صافحا بعضهما مرة أخرى وتودعا.

اختار من وكالة سيارات الأجرة الجولف الجديدة ذات اللون الأزرق البحري، وشرحت له المرأة هناك كيف يخرج من مركز هلسنكي إلى الطريق السريع. لم يكن الأمر بذاك التعقيد، لكن عليك أن تنتبه. وعندما تصل الطريق السريع، سيكون الأمر بعد ذلك سهلاً.
كان يستمع تسوكورو إلى موسيقى من محطة إف أم عندما قاد السيارة باتجاه الطريق السريع متجهاً إلى الغرب وقد كان ذلك في مئة كيلومتر في الساعة.  تجاوزته معظم السيارات، لكنه لم يهتم. لم يقد سيارة منذ وقت طويل، وهنا المقود كان بالاتجاه اليسار، عكس اليابان. كان يأمل أن يصل إلى منزل هاتيننز بعد أن ينتهوا من الغداء. ما زال لديه الكثير من الوقت، وليست هناك ضرورة للإسراع. كانت محطة الموسيقى الكلاسيكية تضع كونشيرتو مذهلة مرحة لآلة البوق.
كانت الغابات على كلا جانبي الطريق السريع. أخذ انطباعاً بأن الدولة بالكامل مغطاة من أولها لآخرها بالأخضر الوفير. معظم الأشجار كانت من خشب البتولا الأبيض، أشجار متباعدة من الصنوبر والراتينج والقيقب. أشجار الصنوبر حمراء، جذوعها طويلة ومستقيمة، بينما فروع الأشجار من خشب البتولا الأبيض وكانت منحنية للأسفل. لم يكن أي من ذلك التنوع في اليابان. كان في المنتصف مجموعة صغيرة من أشجار التبغ عريضة الأوراق. حلقت طيور بأجنحتها الكبيرة، بشكل دائري وببطء في الهواء، باحثة عن فريسة. سقف البيت الريفي أومض بالصدفة. كانت كل المزارع واسعة، وفيها ماشية تأكل العشب خلف الأسيجة المائلة، وتصدر رنيناً لطيفاً. والعشب قد جزّته الآلة، ولفته في حزمة كبيرة.  
وصل إلى هاميلينا قبل الظهر. صفّ تسوكورو سيارته في مصف السيارات وتمشى حول المدينة لخمس عشرة دقيقة، ثم ذهب إلى مقهى مواجه للمربع الرئيسي، شرب القهوة مع الكرواسون. كان الكرواسون حلواً لكن القهوة كانت قوية ولذيذة. كانت السماء في هاميلينا مشابهة لهلسنكي، تخفيها طبقة رقيقة من الغيوم، الشمس برتقالية، مغبشة، مظللة، مرتفعة، في منتصف السماء. الهواء الذي يعصف عبر مربع المدينة حار بعض الشيء، وكان هو قد تغطى بسترة رقيقة فوق قميص البولو.
كان من الصعب أن تجد سياحاً في هاميلينا، هناك فقط أناس يرتدون ملابسهم التقليدية، يحملون أكياس التسوق، يسيرون في الشارع. حتى أن معظم المتاجرفي الشارع الرئيسي لديها مؤن ونثريات، ذلك النوع من المتاجر الذي يقدم الطعام للسكان المحليين أو لمن يسكن في الأكواخ الصيفية. وهناك على الناحية الأخرى من المربع كنيسة واسعة، ببناء قصير وسقف أخضر دائري. رفرف سرب من الطيور السوداء بنشاط من وإلى سقف الكنيسة كأمواج في البحر، وتجولت على الحصى في المربع نوارس بيضاء، عيونها لا تضيّع شيئاً.
وعلى جانب المربع خط من العربات تبيع الخضراوات والفواكه، اشترى تسوكورو منها كيس كرز وجلس على المقعد وأخذ يأكل. وبينما يفعل ذلك مرت فتاتان صغيرتان بحدود العاشرة أو الحادية عشرة من عمرهما ونظرتا إليه من بعيد. ربما لا يزور المدينة الكثير من الآسيويين. كانت إحداهما طويلة وجسمها هزيل، بشرتها بيضاء شاحبة، الأخرى سمراء ومنمشة، وكلتاهما تربط شعرها بجديلة. ابتسم تسوكورو لهما.
كنوارس حذرة، باحتراس اقتربت الفتاتان.
"هل أنت صيني؟" سألت الفتاة الطويلة بالإنجليزية.
"أنا ياباني"، رد تسوكورو. "هي قريبة ولكنها مختلفة".
لم يبد على الفتاتان أنهما فهمتا قصده.
"هل أنتما روسيتان؟". سأل تسوكورو.
هزتا رأسهما بشدة.
"نحن من فنلندا"، قالت الفتاة المنمشة بتعبير جدي.
"إنه الشيء ذاته"، قال تسوكورو. "قريب ولكنه مختلف".
أومأت الفتاتان.
"ماذا تفعل هنا؟"، سألت الفتاة المنمشة، كأنها تجرب تركيب الجملة بالإنجليزية. ربما كانت تدرس الإنجليزية في المدرسة وأرادت أن تجربها مع أجنبي.
"أتيت إلى هنا لأقابل صديقاً". قال تسوكورو.
"كم ساعة استغرقت الرحلة إلى هنا من اليابان؟". سألت الفتاة الطويلة.
"حوالي إحدى عشرة ساعة بالطائرة". قال تسوكورو. "وخلال ذلك الوقت تناولت وجبتين وشاهدت فيلماً واحداً".
"ما هو الفيلم؟".
"داي هارد 12".
بدا أنه أقنعهما. اتجهتا ممسكتي يدي بعضهما البعض خارج المربع، تنورتاهما ترفرفان كأغصان صغيرة جافة تحركها الرياح، لا تترك خلفها أي انعكاسات أو نكات عن الحياة. اطمأن تسوكورو وعاد يأكل الكرز.

كانت الواحدة والنصف عندما وصل تسوكورو إلى كوخ هاميلينا الصيفي. تبين له أن الأمر ليس بتلك البساطة التي توقعتها أولجا. كان الطريق المؤدي إلى الكوخ بالكاد يسمى شارعاً. إذا لم يمر بجانبه رجل كبير في السن سيظل تسوكورو هائماً إلى الأبد.
أوقف سيارته على جانب الشارع وبيده خريطة جوجل، لم يكن واثقاً كيف سيكمل الطريق، وقف رجل عجوز، حجمه صغير، بدراجته ليقدم له المساعدة. كان الرجل يرتدي سترة طويلة وفيرة بالصوف، وحذاء طويل من المطاط. طلع من أذنيه شعر أبيض، وكانت عيناه محتقنتان بالدم. بدا كأنه ساخط من شيء. أظهر له تسوكورو الخريطة، وقال إنه يبحث عن كوخ هاتيننز.
"إنه قريب.سأريك إياه". تكلم الرجل أولاً بالألمانية ثم بالإنجليزية. ركن دراجته الثقيلة بجانب شجرة، ودون أن ينتظر رداً زرع نفسه في كرسي سيارة الجولف. أشار بأصابعه الصلبة -كبقايا غصن مكسور لشجرة قديمة- على الطريق الذي على تسوكورو أن يأخذه. ظهر بجانب البحيرة شارع غير مرصوف يتجه داخل الغابة. كان أثراً مرسوماً أكثر منه شارعاً، من عجلات الشاحنات.  نما عشب أخضر بوفرة بين الطريقين، وبعد مضي بعض الوقت أصبح هذا الطريق متفرعاً، وكانت هناك عند التقاطع لافتات مثبتة على الشجرة؛ اللافتة التي على اليمين تقول هاتنين.  
اتجها في الطريق الأيمن، وبالتدريج أصبح مسافة مفتوحة. كانت البحيرة مرأية عبر جذوع أخشاب البتول البيضاء. وكان هناك ميناء صغير وفيه قارب بلون الخردل، مربوط، ؛ قارب صيد صغير، وبجانبه كوخ دافئ من الخشب محاط بمجموعة أشجار، وتبرز من السقف مدخنة من القرميد، وبجانب الكوخ تركن سيارة رينوت بيضاء.
"إنه كوخ هايتينز"، قال الرجل العجوز بصوت رخيم ومهيب، كأحد ما يريد الخروج في عاصفة ثلجية ويتأكد من أن معطفه مغلق على جسده جيداً، ثم بصق كتلة من البلغم على الأرض، بلغم قاسٍ كالصخرة.
شكره تسوكورو. "دعني أرجعك إلى المكان الذي ركنت فيه دراجتك. أعلم كيف أصل إلى هنا الآن".
"لا، لا حاجة لذلك"، قال الرجل العجوز بصوت بدا عليه الغضب. على الأقل هذا ما تخيله تسوكورو يقول. لم يفهم الكلمات، لم يبدُ من صوتها أنها بالفنلندية. وقبل أن يسلم تسوكورو عليه خرج العجوز ومشى، كأنه جريم ريبر وقد أظهر لشخص ميت الطريق إلى هيدز دون أن يلتفت وراءه.
جلس تسوكورو في الجولف، صفّها على العشب بجانب الطريق وراقب العجوز وهو يمشي، ثم خرج من السيارة وأخذ نفساً عميقاً. كان الهواء أنقى مما هو في هلسنكي، كأنه قد صُنع للتو. هز نسيم لطيف أشجار البتولا البيضاء، وأحدث القارب صخباً عندما اصطدم بالرصيف، أصدرت الطيور صوتاً في مكان ما، بنداءات واضحة وموجزة.
حدّق تسوكورو بساعته. هل أنهوا غداءهم؟ تردد في الأمر، لكنه قرر مع عدم وجود شيء يفعله أنه الوقت لزيارة هايتينز. سار مباشرة باتجاه الكوخ، يدوس العشب الصيفي  كما يرغب. كان على الشرفة كلب وكان يغفو. وقف وحدّق به؛ كلب صغير بني، شعره طويل. نبح قليلاً. لم يكن مربوطاً، لكن النباح لم يكن مهدِّداً، لذا أكمل تسوكورو طريقه.
فتح رجل الباب، ربما من تنبيه الكلب، وطل قبل أن يصل تسوكورو. للرجل لحية مكتملة، شقراء غامقة، يبدو عليه أنه في منتصف الأربعينيات. طوله معتدل، ورقبته طويلة، وكتفاه بارزتان كثيراً كجلاّد عملاق. شعره بنفس لون لحيته؛ أشقر غامق ومتشابك، وأذناه بارزتان إلى الخارج، يرتدي قميصاً ذو أكمام قصيرة مرسوم عليه مربعات، ويرتدي الجينز. نظر إلى تسوكورو عندما وصل ويده اليسرى على المقبض. أشار إلى الكلب بإصبعه حتى يوقف النباح.     
 "مرحبا"، قال تسوكورو بالإنجليزية.
"كونيشتي وا"، رد الرجل باليابانية.
"كونيتشي وا"، رد تسوكورو باليابانية. "هل هذا منزل هاتينن؟".
"إنه كذلك، أنا هاتينن، إدوارد هاتينن"، رد الرجل بيابانية طلقة.
وصل إلى درج المدخل وأخرج يده. أخرج الرجل يده وتصافحا.
"اسمي تسوكورو تازاكي".
"هل هي تسوكورو التي تعني أن تصنع أشياء؟".
"نعم، هي نفسها".
ابتسم الرجل. "أنا أصنع أشياء أيضاً".
"هذا جيد"، رد تسوكورو. "أنا أفعل ذلك أيضاً".
جاء الكلب يركض، وحك رأسه بساق الرجل، ثم فعل ذات الأمر مع تسوكورو كأنه ليس هناك شيء ليخسره. إنها طريقة للترحيب بالناس بلا شك. لمس تسوكورو الكلب وملّس رأسه.
"ما نوع الأشياء التي تصنها سيد تازاكي؟".
"أصنع محطات قطار"، قال تسوكورو.
"فهمت. هل تعلم أن أول محطة قطار في فنلندا قد بدأت تعمل بين هلسنكي وهاميلينا؟ لهذا السبب يفتخر الناس هنا بمحطتهم. وزاد على فخرهم أنها المكان الذي ولد فيه جين سايبلياس. لقد أتيت إلى المكان الصحيح".
"حقاً؟ لم أكن أعلم بذلك. ماذا تصنع يا إدوارد؟".
"الفخار"، رد إدوارد. "مجال صغير جداً مقارنة بمحطات القطار. لماذا لا تدخل سيد تازاكي؟".
"ألا أزعجك؟".
"أبداً"، قال إدوارد. وفتح ذراعيه باتساع. "نحن نرحب بأي أحد هنا. الأشخاص الذين يصنعون الأشياء كلهم زملائي. هم أناس مرحب بهم".   
لم يكن أحد آخر في الكوخ. على الطاولة فنجان قهوة وكتاب جيب باللغة الفنلندية قد ترك مفتوحاً. يبدو أنه كان يستمتع بفنجان قهوة ما بعد الغداء ويقرأ. أخذ تسوكورو إلى المقعد وجلس مقابله. وضع المؤشر في كتابه، وأغلقه، ثم أزاحه جانباً.
هل ترغب ببعض القهوة؟".
"نعم أشكرك". قال تسوكورو.
ذهب إدوارد إلى آلة صنع القهوة، سكب قهوة مغلية إلى الكأس ودفعها أمام تسوكورو.
هل تريد السكر أم الكريمة؟".
"لا، إذا كانت سوداء فهذا جيد. قال تسوكورو.
كان الكوب الملون باللون الكريمي مصنوعاً يدوياً، كان شكله غريب؛ بيد مزخرفة لكنها سهلة الحمل، وبها شعور حميم مألوف، كدفء عائلة في مزحة.
"ابنتي الكبيرة من صنعت هذا الكوب"، قال إدوارد مبتسماً بفخر. "وأنا بالطبع من أشعله بالفرن".
كان لون عينيه رمادياً فاتحاً، متناسباً جداً مع شعره الأشقر ولحيته الشقراء ذو اللون الغامق. وشعر تسوكورو بميل فوري باتجاهه. بدا إدوارد أنه مناسب للغابة وحافة البحيرة أكثر من أن يعيش في المدينة.
"متأكد أنك جئت إلى هنا لأنك بحاجة لأن ترى إري"، قال تسوكورو. " هل هي هنا الآن؟". أومأ إدوارد. أخذت الفتاتين في نزهة بعد الغداء، ربما عند البحيرة. هناك طريق رائع. يضربهن الكلب في العادة ليعودن إلى البيت، لذلك سيعدن باكراً".
"لغتك اليابانية جيدة حقاً"، قال تسوكورو.
"لقد عشت في اليابان خمس سنوات. في جيفو وناغويا. أدرس صناعة الفخار الياباني، إذا لم تتعلم اليابانية فإنك لا تستطيع فعل شيء".
"وهناك التقيت بإري".
"ضحك إدوارد داخله" هذا صحيح، وقعت في حبها فوراً. لقد أقمنا حفل زفافنا قبل ثماني سنوات في ناغويا، ثم انتقلنا إلى فنلندا. أتفرغ لصناعة الفخار. عملت لفترة قصيرة قبل أن أعود إلى فنلندا في شركة عربية كمصمم أزياء، لكني حتماً أريد أن أعمل لصالحي، لذلك قررت قبل سنتين أن أقصد العمل الحر. أدرس أيضاً في كلية في هلسنكي، يومين في الأسبوع".
"هل تقضي كل أوقات الصيف هنا؟".
"نعم، نحن نعيش هنا منذ بداية جولاي إلى منتصف أغسطس. هناك ستوديو قريب، أتشارك به مع أصدقائي. أعمل هناك منذ الصباح الباكر، وأعود دائماً إلى هنا لتناول الغداء. وأغلب أوقات العصر أقضيه مع عائلتي، نتمشى، نقرأ، وفي بعض الأحيان نذهب للصيد".
"المكان جميل هنا".
ابتسم إدوارد بفرح. "شكراً لك. إنه هادئ جداً، وأستطيع أن أنجز فيه أعمالاً كثيرة. نحن نعيش حياة بسيطة. الفتاتان تحبانه أيضاً، تستمتعان في قضاء وقتهما في الخارج. هناك رف خشبي يمتد من الأرض إلى السقف، على طول أحد الجدران البيضاء المزخرفة، مصفوف عليه فخار، من الواضح أنه من صنعه بنفسه، وهو الديكور الوحيد  في الغرفة. وقد علقت على جدار آخر ساعة دائرية بسيطة، وسماعات مدمجة، ومجموعة من الأقراص المدمجة، وخزانة قديمة مصنوعة من الخشب القاسي.
"حوالي 30% من قطع الفخار الموضوعة على تلك الرفوف من صنع إري"، قال إدوارد. بدا عليه الفخر. "إن لديها موهبة طبيعية. شيء ما فطري، ويظهر في الفخار. تبيع ما تصنعه في بعض المتاجر في هلسنكي، وبعض الفخار الذي من صناعتها هو أكثر شهرة مما أصنعه".
كان تسوكورو متفاجئاً بعض الشيء. إنها المرة الأولى التي يسمع أن كورو مهتمة بصناعة الفخار. "لم أكن أعلم أنها مهتمة بصناعة الفخار"، قال.
"لقد اهتمت بهذا الأمر بعد أن أتمت العشرين من عمرها، وعادت إلى المدرسة بعد أن تخرجت من الكلية؛ كلية الفنون في قسم الفنون الصناعية".
"هل هذا صحيح؟ إنني أعرفها منذ كانت في سن المراهقة".
"أنت صديق من المدرسة الثانوية؟".
"نعم".
"تسوكورو تازاكي"، أعاد إدوارد الاسم ثم عبس باحثاً في ذاكرته.
"أتعلم؟ أتذكر إري وهي تتحدث عنك. لقد كنتما عضوين في المجموعة الجيدة تلك المكونة من خمسة أصدقاء. هل هذا صحيح؟".
"نعم، هذا صحيح". نحن منتميان إلى مجموعة".
"حضر ثلاثة من المجموعة حفل زفافنا في ناغويا؛ أكا، شيرو، وأو. أعتقد أن هذه هي أسماؤهم. أشخاص ملونون".      
"نعم، هذا صحيح". قال تسكورو. " لم أكن قادراً- من سوء حظي- على حضور الحفل"
"لكنا الآن قادرين على لقاء بعضنا البعض مثل هذه اللقاء". قال ذلك مع ابتسامة دافئة. ارتعشت لحيته الطويلة في ذقنه كاشتعال حميمي للّهب في مخيم كشفي.  "هل أتيت إلى فنلندا في رحلة سيد تازاكي؟".
"نعم"، رد تسوكورو. الإفصاح عن الحقيقة يتطلب وقتاً. قمت برحلة إلى هلسنكي ورأيت أن أذهب في رحلة جانبية وأرى إري. حيث إنني لم أرها منذ زمن بعيد. أعتذر، لم أستطع التواصل معها قبل وقت محدد. آمل أن لا أكون قد ضايقتك".
"لا أبداً. لقد قطعت كل هذه المسافة. ونحن سعداء بك. من حسن الحظ أنني بقيت في البيت. أعلم أن إري ستكون سعيدة جداً برؤيتك".
"آمل أن تكون محقاً. تحدث تسوكورو مع نفسه.
"هل تسمح لي أن أطلع على عملك؟"، قال تسوكورو وهو يشير إلى الفخار الموضوع على الرفوف.
"بالطبع، خذ حريتك في لمس أي منها. عملي وعملها مختلطين معاً. لكني على يقين بأنك ستميز أعمالي عن أعمالها دون أن أخبرك".   

سار تسوكورو باتجاه الرف المعلق على الجدار وتأمل الفخار قطعة قطعة. كان معظمه متعلق بالطعام؛ صحون وزبادي وفناجين. وهناك أيضاً مجموعة من الفازات والجرار.
كما قال إدوارد، استطاع تسوكورو التفريق بين أعماله وأعمال إري من النظرة. الأشياء التي بملمس ناعم وبألوان بلاستية هي لإدوارد. الألوان هنا وهناك على السطح كانت أكثر انطفاء أو أكثر إضاءة، هناك ظل باهت كهبوب الريح أو تدفق الماء. ليس لأي قطعة أي تصميم مضاف. التغيير في الألوان وحده هو الأسلوب، مع أن تسوكورو مبتدئ تماماً فيما يتعلق بالفخار لكنه كان سيقول أن ألواناً مثل هذه تتطلب درجة عالية من المهارة التقنية. في القطع غياب متعمد لأي ديكور خارجي، ولأي إحساس لبق ورقيق. وبالأساس تكشف البساطة عند سكان أوروبا الشمالية التأثر الواضح بصناعة الفخار اليابانية. للقطع أيضاً وبصورة غير متوقعة من الرقة ما يكفي لجعله يمسكه، ويحس أنه طبيعي وصحيح بيديه. يولي إدوارد عناية شديدة بالتفاصيل وهذا النوع من العمل الذي يستطيع الحرفي البارع وحده إنجازه. لم يكن يستطيع أن يظهر هذا النوع من المواهب في عمله في شركة كبيرة تتعامل مع منتجات واسعة.
بالمقارنة مع أسلوب إدوارد، فإن قطع إري كانت أكثر بساطة، ويصعب أن تجاري الإتقان النهائي الدقيق لابتكارات زوجها.  إلا أن هناك إحساساً دهنياً وخصباً تجاه قطعها .الحواف ملتوية جداً وتفتقد لأي جمال مركز ودقيق. لكن لديها دفء غير طبيعي يفضي إحساساً بالارتياح والسكينة. تضيف التناقضات الخفيفة والملمس القاسي إحساساً كبيراً بالهدوء، كشعورك وأنت تلمس قطعة من الطبيعة، أو كأن تجلس على شرفة تتأمل الغيوم وهي تتحرك.
على عكس أعمال زوجها. يتميز الفخار الذي تصنعه إري بالتنوع، كالأوراق وهي تتساقط مع هبوب الرياح. وفي بعض الحالات يتبعثر التصميم فوق الخزف، وفي أخرى يجتمع في بقعة واحدة، وحسب كيفية بناء التصميم تكون القطع حزينة أو ذكية أو حتى صارخة. تذكّر التصاميم المتقنة  تسوكورو بنماذج أنيقة على كيمونو القديمة. حدق بكل قطعة محاولاً حل شيفرة كل تصميم لكنه لم يعرف ما ترمز إليه الصور. إنها أشكال غريبة لامثيل لها. من مسافة بسيطة أعاقت طريقه؛ كما تفعل الأوراق حين تتناثر على أرض الغابة. تسحق الأوراق بواسطة حيوانات مجهولة، حيوانات مخيفة جداً، تسير في طريقها بين الأخشاب.
في قطع إري- على خلاف قطع زوجها- اللون هو ببساطة ستار خلفي، وظيفته هي إظهار التصميم، إعطائه الحياة. تقوم الألوان بلطف وصمت مؤثر بدور خلفية للتصميم ذاته.
التقط تسوكورو قطعة من صنع إدوارد وبعده قطعة من صنع أري ثم قارنهما. يجب أن يعيش هذا الثنائي في توازن جميل في الحياة أيضاً. التناقض السار في ابتكاراتهما الفنية توحي بذلك. أسلوبهما مختلف، لكن يبدو عليهما أنهما يتقبلان طبيعة بعضهما البعض المميزة.
"بما أنني زوجها فليس لي الحق أن أمدح عملها بدرجة كبيرة"، قال إدوارد، وهو ينظر إلى انفعال تسوكورو. "ماذا تقول عنه في اليابانية؟ تحيز؟ هل هي الكلمة الصحيحة؟".
ابتسم تسوكورو، لكنه لم يقل شيئاً.
"لا أقول ذلك لأننا متزوجان، لكنني حقاً أحب عمل إري. هناك الكثيرمن الناس في العالم من يستطيع صنع فخار أفضل وأجمل. لكن الفخار الذي تصنعه ليس ضيقاً في أي طريقة. إنك تشعر بسخاء مليء بالعاطفة. أتمنى أن أستطيع توضيح ذلك بشكل أفضل".
"أفهم بالضبط ما تريد قوله"، قال تسوكورو.
"أظن أن شيئاً مثل هذا يأتي من الجنة"، قال إدوارد مشيراً إلى السقف. "إنها موهبة. ولا أشك أنها تزداد مهارة مع الوقت. لا زال لإري متسع كبير لتكبر".
توقف الكلب في الخارج توقفاً مميزاً ومحبباً.
"لقد عادت إري والفتاتان"، قال إدوارد، وهو ينظر إلى ذلك الاتجاه. وقف، ثم سار باتجاه البوابة.
أعاد تسوكورو بحذر الفخارة التي صنعتها إري إلى الرف هناك، منتظراً إياها أن تصل. 

الأحد، 31 مارس 2019

الفصل (14) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي


حوّل تسوكورو عملة الين إلى اليورو حال وصل إلى مطار هيلسينكي، بحث عن متجر هواتف خلوية، واشترى أكثر الهواتف التي لديه ما يفي بالغرض وما هو مدفوع مسبقاً، وعندما انتهى، سار خارج المحطة، كان قد علق الحقيبة على كتفيه، وسار باتجاه موقف سيارات الأجرة. استقل سيارة مرسيدس بنز قديمة، وأخبر السائق عن اسم الفندق الذي يقيم فيه في المدينة.
غادرا المطار وسارا في الطريق السريع. على الرغم من أنها الرحلة الأولى لتسوكورو خارج البلاد إلا أن الغابات الخضراء العميقة التي تجاوزاها واللوحات الإعلانات المكتوبة باللغة الفنلندية  لم تجعل لديه ذلك الإحساس الذي يأتي لأول مرة تجاه بلد أجنبي. كان واضحاً أن الطريق إلى هنا قد احتاجت وقتاً أطول من الطريق إلى ناغويا، ولكنه لم يشعر باختلاف عندما عاد إلى موطنه. العملة في محفظته فقط هي ما اختلف. ارتدى ملابسه الاعتيادية؛ قميص بولو أسود مصنوع من قطن الشينو، حذاء رياضي وجاكيت قطني  بني فاتح. كان قد اشترى أقل ما يمكن أن يقال من الملابس الإضافية، إذا أراد شيئاً آخر فدائماً يستطيع شراءه.
"من أين أنت؟". سأله سائق سيارة الأجرة في الإنجليزية مع نظرة خاطفة في المرآة الخلفية. كان رجلاً في منتصف العمر ولديه لحية مكتملة وكثيفة.
"من اليابان"، أجاب تسوكورو.
"إنها طريق طويلة مع حقيبة سفر صغيرة جداً!".
"لا أحب حقائب السفر الثقيلة".
ضحك السائق. "من يحب؟ ولكنك دون أن تدري محاط بها. إنها الحياة. This is life. ثم ضحك بابتهاج مجدداً.
ضحك تسوكورو معه مطولاً.
"ما طبيعة عملك؟" سأل السائق.
"أبني محطات سكك حديد".
"أنت مهندس؟".
"نعم"      
 "وأتيت إلى فنلندا لتبني محطة؟".
"لا، لقد أتيت في إجازة لزيارة صديق".
"هذا جيد"، قال السائق. "الإجازات والأصدقاء أفضل شيئين في الحياة".
هل يرغب كل الفنلنديين في قول نكات عن الحياة؟ أم وحده هذا السائق يفعل ذلك؟ يأمل تسوكورو أن يكون الأخير.
بعد ثلاثين دقيقة، بعد أن توقفت سيارة الأجرة أمام فندق في وسط مدينة هيلينسكي، كان تسوكورو متردداً ما إذا كان يجب أن يدفع له بقشيشاً أم لا. أدرك أنه لم يقرأ ذلك في الدليل (ولا أي شيء آخر عن فنلندا، في حقيقة الأمر). أضاف أقل من 10% من المبلغ الظاهر على العداد وأعطاه للسائق. نظر إليه السائق بابتهاج وأعطاه إيصالاً فارغاً، ربما كان ذلك هو القرار الصحيح. حتى لو لم يكن كذلك فكان يبدو بوضوح أن السائق لم يكن بائساً.
كان الفندق الذي اختارته له سارة ذو طراز قديم في مركز المدينة. رافقه خادم الفندق في مصعد قديم إلى غرفته في الطابق الرابع، كان أشقر ووسيماً. كان الأثاث قديماً، السرير كبير، الجدران مغطاة بورق جدران لونه باهت مرسوم عليه إبر صنوبر، وكان هناك حوض استحمام قديم، والنوافذ تفتح عامودياً. كانت الستائر سميكة ومعها شريط رفيع معلق فوق النافذة. للمكان عطر يشوبه الحنين بصورة ضعيفة. ومن النافذة كان يستطيع رؤية حافلات كهرائية خضراء تتجه إلى وسط جادة واسعة. على العموم إنها غرفة مريحة ووثيرة. لم يكن هناك آلة صنع القهوة أو تلفاز بشاشة LCD لكن تسوكورو لم يعترض. لم يكن ليستخدمهما على أية حال.
"شكراً لك. هذه الغرفة جيدة"، أخبر تسوكورو خادم الفندق وأعطاه قطعتين من فئة اليورو كبقشبش. ابتسم الخادم وبخفة خرج خلسة من الغرفة كقطة ذكية.     
                 
بعد مضي بعض الوقت استحم وغير ملابسه، كان قد حان وقت المغيب، ومع ذلك كان يبدوالمكان في الخارج مضيئاً كوقت الظهر. وكان نصف القمر معلقاً كقطعة صخرية اسفنجية منحدرة قد أسقطها شخص ما وظلت عالقة في السماء.
ذهب إلى مكتب الحارس في الرواق وأخذ من امرأة تعمل هناك ذات شعر أحمر خريطة مجانية للمدينة. أخبرها عنوان وكالة سفر سارة، وضعت المرأة علامة عليها بقلم الحبر على الخريطة، إنها تبعد أقل من ثلاثة مباني عن الفندق. اتبع نصيحة الحارس وأخذ إذن مرور جيد لحافلات المدينة وللأنفاق وللترام. وضحت له كيفية قيادتها وأعتطه خريطة الطرق. بدت المرأة في أواخر الأربعين، عيناها لونها أخضر فاتح، وكانت امرأة لطيفة. في كل مرة يتحدث فيها تسوكورو مع امرأة متقدمة في السن ينتابه شعور طبيعي وهادئ. بدا ذلك صحيحاً، لا يهم في أي مكان في العالم قد وجد نفسه.   
ذهب إلى مكان هادئ في الرواق واستخدم الهاتف. لقد اشتراه من المطار للاتصال بشقة كورو في المدينة. انتقل الخط إلى الرسائل الصوتية. تكلم صوت عميق بالفنلندية لعشرين ثانية ثم سمع صوت الصافرة،  بإمكانه الآن ترك رسالة، لكن تسوكورو أنهى الاتصال دون أن يقول شيئاً. انتظر لبعض الوقت ثم اتصل مرة أخرى مع ذات النتيجة. ربما كان الصوت على الرسائل صوت زوج كورو. لم يكن يعي تسوكورو ما قال بالطبع لكنه أخذ انطباعاً عنه أنه شخص سوي وإيجابي. صوت رجل صحي ويعيش حياة وثيرة ومريحة.
أنهى تسوكورو الاتصال وأرجع الهاتف إلى جيب بنطاله وأخذ نفساً عميقاً. لم يمتلك شعوراً جيداً تجاه ذلك. من المرجح أن كورو ليست في الشقة الآن. لديها زوج وطفلان صغيران. إنه جولاي وربما كما قدرت سارة أن العائلة رحلت فجأة في رحلة صيفية إلى ماجوركا.
إنها السادسة والنصف، وكالة السفر التي أخبرته سارة عنها بلا شك قد أغلقت، لكن لا ضرر في تجربة الاتصال بهم. أخذ الهاتف ومرة أخرى طلب رقم المكتب، وللمفاجأة كان لا يزال أحد هناك.
ردت امرأة بالفنلندية.
"اعذريني، هل أولجا هنا؟". سأل تسوكورو بالإنجليزية.
"أنا أولجا"، ردت المرأة بإنجليزية غير مختَصرة.
قدم تسوكورو نفسه ووضح لها أن سارة من اقترح أن يتصل.
"نعم سيد تازاكي، لقد أخبرتني سارة بذلك". قالت أولجا.
وضح تسوكورو الموقف، كيف قد أتى لرؤية صديقة وعندما اتصل بها كل ما حصل عليه هو تسجيل بالفنلندية.
"هل أنت بالفندق الآن؟".
"أنا بالفندق". قال تسوكورو.
"أنا على وشك إغلاق المكتب اليوم. سأكون هناك في نصف ساعة. هل نستطيع اللقاء في الرواق؟".

كانت أولجا شقراء، ترتدي بنطال جينز ضيق وقميصاً أبيض ذو أكمام طويلة. بدت في أواخر العشرينات، طولها خمسة أقدام وسبع إنشات، وجهها مستدير، ذو لون وردي. بدت أنها فتاة ولدت لعائلة ريفية غنية، كبرت مع مجموعة من الإوز الثرثار. شعرها مربوط إلى الخلف وحقيبة مطلية بالأسود متدلية من كتفها. وقفتها جيدة كساعي بريد لديه شيء مهم لتسليمه، وبدأت تخطو خطوات كبيرة حين وصلت الفندق.
تصافحا وجلسا بجانب بعضهما على كنبة في وسط البهو.
أتت سارة إلى هلنسكي عدة مرات، وكل مرة تأتي فيها كانت تعمل مع أوجا، لذا لم تكن أولجا مجرد شريكة في العمل ولكنها كانت صديقة.
"لم أرَ سارة منذ وقت طويل. كيف حالها؟". سألت أولجا.
"إنها في حال جيدة" رد تسوكورو. العمل يبقيها مشغولة وإنها تسافر باستمرار إلى مكان ما".
"عندما اتصلت بي قالت إنكما صديقان مقربان على نحو شخصي".
ابتسم تسوكورو " صديقان مقربان على نحو شخصي " أعادها مع نفسه.
"يسرني أن أقدم المساعدة بأي طريقة أستطيع. لا تتردد في السؤال. ابتسمت أولجا ونظرت مباشرة في عينيه.
"أشكرك". شعر أنها تخمن فيما إذا كان جيداً بما فيه الكفاية ليكون صديق سارة. كان يأمل أن يجتاز الاختبار.
"إذا لم تمانع دعني أسمع الرسالة" قالت أولجا.
أخرج تسكورو الهاتف وطلب رقم شقة كورو. في أثناء ذلك أخرجت أولجا مذكرة وقلماً ذهبياً رفيعاً من حقيبتها ووضعتهم على ركبتها، وحال سمعته يرن أمسكت الهاتف. استمعت أولجا إلى الرسالة، بملامح جدية على وجهها ودونت بسرعة المعلومات الضرورية، ثم أنهت الاتصال. بدت امرأة ذكية قادرة، كان تسوكورو يتخيل أنها ستكبر مع سارة جنباً إلى جنب.
" أعتقد أن الصوت كان لزوج المرأة"، قالت أولجا. غادرا الشقة الجمعة الماضية وذهبا إلى الكوخ الصيفي. لن يعودا حتى منتصف آب. وأعطتنا رقم هاتفها في الكوخ".    
"هل هو بعيد؟".
نظرت إلى رأسه. "لم تخبرنا أين يقع. ما عرفناه من الرسالة رقم الهاتف فقط وهو تابع لفنلندا. إذا اتصلت بالرقم ستكون قادراً على إيجاده".
"إذا فعلت ذلك لي سأقدر لك ذلك. ولكن لدي طلب واحد". قال تسوكورو. "لا أريدك أن تذكري اسمي على الهاتف. إذا كان ذلك ممكناً. أرغب في زيارتها دون أن تعرف أنني قادم".
بدت أولجا فضولية.
وضح تسوكورو. "إنها صديقة جيدة جداً لي من المدرسة الثانوية، لكني لم أرها منذ وقت طويل. لا أظن أن لديها أدنى فكرة أنني قادم لرؤيتها. آمل أن أفاجئها".
"مفاجأة"، قالت فاتحة يديها على ركبتيها، يبدو أن الأمر مسل جداً".
"آمل أن توافق".
"هل كانت حبيبتك؟". سألت أولجا.
هز تسوكورو رأسه." لا. لم يكن بيننا ذلك النوع من العلاقة. كنا ننتمي إلى نفس المجموعة. هذا كل ما في الأمر. لكنا كنا مقربين جداً."
أمالت رأسها قليلاً. " من الصعب أن تحصل على أصدقاء جيدين من المدرسة الثانوية".
أومأ تسوكورو.
"وقد تزوجت صديقتك من رجل فنلندي ورحلت إلى هنا. لم ترها منذ زمن طويل. هل هذا صحيح؟".
"لم أرها منذ ست عشرة سنة".
حكّت أولجا صدغها بإصبع السبابة عدة مرات. "أتفهم ذلك. سأحاول أن أحصل على عنوانها دون إخبارها عنك. أفكر في طريقة جيدة. هل يمكنك إخباري باسمها؟".
كتب تسوكورو اسم كورو على المذكرة.
"ما اسم المدينة التي تقع فيها مدرستكم الثانوية؟".
"ناغويا"، أخبرها تسوكورو.
أخذت أولجا هاتفه النقال مرة أخرى ووضعت الرقم التي أخذته من آلة الرد. رن الهاتف مرات قليلة ثم أجاب أحدهم. تحدثت أولجا إلى الشخص بالفنلندية مستخدمة نغمة لطيفة. وضحت شيئاً، سألها الشخص الآخر سؤالاً، ثم أعطته مرة أخرى توضيحاً مختصراً. قالت اسم إري عدة مرات. بعد بضع جولات من ذلك بدا الشخص الآخر مقتنعاً. التقطت أولجا قلمها الحبر الموضوع على رأسه كرة معدنية ودونت شيئاً.  شكرت الشخص بأدب ثم أنهت الاتصال.
"نجح الأمر".
"سعيد بذلك".
اسمهما الأخير هو هاتينن. اسم الزوج الأول إدوارد. يقضي الصيف في الكوخ قرب البحيرة خارج بلدة تدعى هاميىلينا شمال غرب هلسنكي. إري والأطفال بصحبته بالطبع".
"كيف توصلت إلى ذلك دون الإفصاح عن اسمي؟".
ابتسمت أولجا ابتسامة شريرة. "قلت كذبة صغيرة. ادعيت أنني شخص من مكتب اتصالات فيد إكس. قلت أن لدي حزمة رسائل مرسلة إلى إري من ناغويا، اليابان، وسألته عن الموقع الذي يجب أن أُرسله إليه. رد زوجها على الهاتف  ولم يتردد في إعطائي العنوان. وهذا ما حصل".
قدمت له ورقة من المذكرة، وقفت ثم ذهبت إلى مكتب الحارس ثم أخذت خريطة لجنوبي فنلندا. فتحت الخريطة ووضعت علامة على موقع هامينلينا.
"هنا تقع هامينلينا. لقد بحثت عن عنوان الكوخ الصيفي على جوجل. المكتب مغلق الآن. سأطبعه لك غداً وأعطيك إياه".
"كم تستغرق الرحلة إلى هناك؟".
"هي حوالي 100 كيلومتر. لذا سوف تستغرق بالسيارة حوالي ساعة ونصف. يوصلك الطريق السريع مباشرة إلى هناك. هناك قطارات أيضاً لكن حينها ستحتاج سيارة للوصول إلى منزلهما". "سأستأجر سيارة". "يوجد في هاميلينا قلعة جميلة بجانب البحيرة والمنزل الذي نشأ فيه سبيلياس. ولكن أعتقد أن لديك أمور أهم. لمَ لا تأت في الغد إلى المكتب حين تجد الوقت مناسباً؟ نفتح الساعة التاسعة. هناك مكان لاستئجار سيارة قريباً من المكتب. سأهتم بأمر اسئجار سيارة لك".
"لقد قدمت لي مساعدة كبيرة". قال تسوكورو شاكراً إياها.
"الصديق الجيد لسارة هو صديق لي" قالت أولجا ورمشت. "آمل أن تلتقي بإري وتتفاجأ".
"آمل ذلك. هذا ما جئت لأجله".
ترددت أولجا للحظة ثم قالت: "أعرف أن هذا ليس من شأني، لكن هناك شيء مهم جداً لتقطع كل هذه المسافة لتراها صحيح؟".
"ربما مهم بالنسبة إلي، لكن ليس بالنسبة إليها، جئت إلى هنا لأعرف ذلك".
"يبدو الأمر معقداً بعض الشيء".
"ربما معقد جداً بالنسبة إليّ أن أوضحه بالإنجليزية".
ضحكت أولجا. " هناك بعض الأشياء في الحياة معقدة جداً حتى إنه يصعب شرحها بأي لغة".
أومأ تسوكورو مستحضراً أقولاً ظريفة عن الحياة، يبدو أنه طابع يتقاسمه جميع الفنلنديين. لا بد أن يفعل شيئاً تجاه الشتاءات الطويلة، لكنها كانت محقة. لقد كانت مشكلة لا يمكن حلها بالدفء، على الأرجح.
نهضت عن الكنبة ونهض تسوكورو أيضاً ثم هزت رأسها.
"إذن. حتى صباح الغد"، قالت. "أعتقد أنك منهك، ومع طلوع الشمس المستمر لوقت طويل يشعر بعض الناس الذين لم يعتادوا عليها بمشاكل في النوم. فكرة جيدة أن تطلب اتصالاً ليوقظك".
"سأطلب ذلك"، قال تسوكورو. وضعت أولجا الحقيبة على كتفها وسارت في القبو خارج المدخل، لم تنظر خلفها.
طوى تسوكورو الورقة التي أعطته إياها، وضعها في محفظته، ودس الخريطة في جيب بنطاله، غادر الفندق وتجول في المدينة.
لقد عرف عنوان أري على الأقل. لقد كانت هناك، هي وزوجها وطفلين صغيرين، كل ما بقي هو هل ستراه أم لا. ربما قد طار حول نصف العالم لرؤيتها، ولكنها قد ترفض لقاءه. إنه احتمال كبير حسب ما قاله أو. كورو هي أول من وقفت إلى جانب شيرو في قضية الاغتصاب. أول من ضغط عليهم لقطع العلاقة مع تسوكورو. لم تكن تتخيل ما نوع الشعور الذي ولدته عنده بعد جريمة قتل شيرو وقطع العلاقة مع المجموعة. قد تكون قد شعرت شعوراً مختلفاً تماماً تجاهه. كل ما قد يفعله هو أن يذهب ليراها ويكتشف ذلك.
إنها الثامنة مساء، وكما قالت أولجا لم تُظهر الشمس أية إشارة للغروب. ما زال الكثير من المحال مفتوحة، ولا تزال الشوارع مشرقة كالنهار، مكتظة بالمشاة، الناس يملؤون المقاهي، يشربون البيرة والنبيذ، ويتحدثون. التقط تسوكورو بينما صار أسفل الشوارع المحددة بحجارة الرصيف الدائرية رائحة سمك مشوي، ذكره بسمك الإسقمري المشوي على قائمة غداء اليابانيين. تبع الرائحة عبر الزقاق إذ كان يشعر بالجوع، لكنه لم يستطع معرفة موقع مصدر الرائحة. عندما بحث في الشوارع زادت الرائحة بصورة خفيفة إلى أن اختفت.
كان هناك مشكلة كبيرة في البحث عن مكان تأكل فيه، لذلك ذهب إلى مطعم بيتزا قريب، جلس على طاولة خارجية وطلب شاياً مثلجاً وبيتزا بالخضار. كان يستطيع أن يسمع صوت سارة وهي تضحك عليه. لقد سرت كل تلك المسافة إلى فنلندا لتأكل البيتزا بالخضار؟! ستتفاجأ من ذلك حتماً، لكن البيتزا تحولت إلى طبق شهي أكثر مما توقع، لقد خبزوها في فرن على الفحم حقيقي، كانت رقيقة ومقرمشة وعلى وجهها آثار فحم فواحة.
كان مطعم البيتزا الذي وجده صدفة مليئاً تقريباً بالعائلات والأزواج الصغار. هناك مجموعة من الطلاب أيضاً. كان الجميع يشربون البيرة والنبيذ، والكثير ينقث دخان السجائر. كان الوحيد الذي يراه تسوكورو يجلس وحيداً يشرب الشاي المثلج هو تسوكورو ذاته. كان الآخرون يتحدثون بصوت مرتفع ومزعج والكلمات التي التقطها صدفة كانت كلها (كما توضح) فنلندية. يبدو أن المطعم يقدم الطعام للمحليين لا للسياح. انصدم في النهاية، إنه بعيد عن اليابان، في دولة أخرى. أينما يكون دائماً تقريباً يكون وحيداً، لذلك لم يزعجه ذلك الأمر بعينه، لكنه هنا لم يكن وحيداً ببساطة بل كان وحيداً بالمعنيين اللذين تحملهما الكلمة. إنه أجنبي أيضاً، والناس حوله يتحدثون بلغة لا يفهمها.
إنه معنى آخر للعزلة مختلف عما شعر به في اليابان. ليس بذاك الشعور السيء، قرّر. أن تكون وحيداً بالمعنيين اللذين تحملهما الكلمة هذا قد يشبه الإنكار المضاعف للعزلة. بمعنى آخر، لقد أثار تجاهه شعوراً جيداً كأجنبي أن يحس أنه معزول هنا، وليس ذلك شيئاً غريباً أبداً.  
رفع يده ليستدعي النادل ويطلب كأس نبيذ أحمر.
بعد أن حضرت كأس النبيذ بقليل أتى عازف أكورديون متقدم في السن، كان يرتدي سترة تحتية رثة وقبعة بنما، وكان يصطحب معه كلباً ذو أذنين دقيقتين، بيدين متدربتين -كربط حصان بعمود وعقده- ربط سلسلة الكلب بضوء الإنارة وبقي هناك، انحنى وبدأ يعزف لحناً شعبياً خاصاً بشمالي أوروبا. كان واضحاً أنه عازف شارع متمرس، أداؤه متقن ولا يبذل به مجهوداً. دندن بعض الزبائن الألحان، وأخذ طلبات كان من ضمنها نسخة فنلندية لإلفيس برسلي"Don’t Be Cruel". جلس كلبه الأسود النحيف هناك، لا يراقب أي شيء حوله، عيناه مركزتان على بقعة في الهواء كأنه مستغرق في ذكرياته. أذناه لا ترتعش ولا تتحرك أبداً.
هناك بعض الأشياء في الحياة معقدة جداً حتى إنه يصعب شرحها بأي لغة.         
كانت أولجا محقة حتماً، كان تسوكورو يفكر كلما رشف من النبيذ. ليس لتفسر ذلك للآخرين فقط بل لتفسر ذلك لنفسك. إجبار نفسك أن تفسر ذلك ثم تختلق كذبات. على أي حال كان يعلم أنه يجب أن يكون قادراً على استيعاب أشياء أكثر في الغد. عليه أن ينتظر وحسب. وإذا لم يتبين له شيء سيكون ذلك جيداً أيضاً. ليس هناك ما يستطيع فعله حيال ذلك. سيستمر تسوكورو تازاكي عديم اللون في حياته التي لا لون لها، لا يزعج أحداً.
لقد فكر في سارة، فستانها ذو اللون الأخضر بلون النعناع، ضحكتها المبهجة، والرجل الذي في منتصف العمر الذي كان يسير بجانبها ويدها بيده. لكن هذه الأفكار لم تقده إلى أي مكان. قلب الإنسان كطائر ليلي، بصمت ينتظر شيئاً، وعندما يحين الوقت يطير مباشرة صوبه.
أغلق عينيه وذهب بعيداً مع الألحان التي يصنعها عازف الأكورديون. مضى اللحن الرتيب في طريقه عبر الأصوات المزعجة إلى أن وصل إليه، كصفارة ضباب اختفى صوتها من تدافع الأمواج.
شرب نصف النبيذ، ترك بعض الأوراق النقدية والعملات في القبعة أمام عازف الأكوريون، متبعاً ما فعله الآخرون ربت على رأس الكلب. لم يستجب الكلب، كأنه تمثال. أخذ تسوكورو وقته عائداً إلى الفندق. توقف عند كشك في الطريق، واشترى ماء معدنياً وخريطة مفصلة أكثر لجنوبي فنلندا.
في موقف منتصف الجادة الرئيسة كان الناس قد اشتروا الشطرنج وكانوا يلعبون اللعبة في رقعة شطرنج مدمجة ومرتفعة. جميعهم رجال، معظمهم من كبار السن. وعلى عكس الناس في مطعم البيتزا كانوا هادئين تماماً. والناس الذين يراقبونهم كانوا كتومين أيضاً. التفكير العميق يتطلب صمتاً. معظم الناس الذين يمرون في الشارع لديهم كلاب. الكلاب أيضاً كتومة. استشق عندما خرج إلى الشارع رائحة بالصدفة من السمك المشوي والكباب. كانت حوالي التاسعة مساء، كانت محلات الزهور ما تزال مفتوحة؛ بصفوف فوق بعضها من زهور الصيف الملونة، كأنّ الليل قد نُسي.
طلب من المكتب الأمامي أن يوقظوه الساعة السابعة صباحاً. ثم صدمته فكرة مفاجئة. "هل هناك مسبح قريب؟" سأل.
عبست الموظفة قليلاً وفكرت في الأمر. ثم بتهذيب هزت رأسها، كأنها تعتذر عن عيب في تاريخ أمتها. "أنا آسفة جداً، أخشى أنه لا يوجد مسبح قريب".
عاد إلى غرفته، أخفض الستائر الثقيلة ليسد الضوء، تعرى، وتمدد في سريره. مازال هناك ضوء- كذاكرة قديمة يصعب محوها بسهولة- قد تلسل إلى غرفته. عندما حدق في السقف المعتم فكر كم غريب بالنسبة إليه أن يكون هنا في هلسنكي، ليس في ناغويا، لرؤية كورو. الليلة المضيئة على نحو فريد في شمالي أوروبا جعلت قلبه يخفق بصورة غريبة. كان جسده يحتاج إلى النوم، لكنه عقله كان يسعى -على الأقل لبعض الوقت- إلى السهر.
فكر في شيرو. لم يحلم بها منذ وقت طويل. فكر في تلك الأحلام المثيرة، حيث أتى بها بعنف. عندما استيقظ بعد ذلك وغسل ملابسه الداخلية من المني المتيبس في المغسلة كانت تصدمه دائماً مجموعة من العواطف المختلطة. اختلاط غريب من الذنب والحنين. انبعثت مشاعر خاصة فقط في زاوية معتمة غير معروفة للناس، حيث اختلطت الحقيقة باللاحقيقة خِفية. وبغرابة مطلقة افتقد تلك المشاعر. لم يكن مهتماً بنوع الحلم، ولا كيف أثّر به. كان يريد أن يرى شيرو مرة أخرى في أحلامه فحسب.
سيطر النوم أخيراً عليه، ولكن لم تأته أحلام.