الثلاثاء، 30 يناير 2018

الفصل (11) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي


زار تسوكورو صباح يوم الاثنين في الساعة العاشرة والنصف مكتب أكا. تبعد الشركة حوالي خمسة كيلومترات عن صالة عرض ليكزس، في مبنى تجاري زجاجي حديث يحتل نصف الطابق الثامن، أما النصف الآخر فهو لمكاتب شركة دوائية ألمانية معروفة. ارتدى تسوكورو ذات البدلة التي ارتداها في اليوم السابق، وربطة العنق الزرقاء التي أعطتها له سارة.
في المدخل هناك علامة دعائية ضخمة، قد صممت بطريقة ذكية تدل إلى الخلف. المكتب نظيف، شرح ومشرق، وقد علقت على الجدار خلف كرسي الاستقبال لوحة تجريدية كبيرة، قد رشت بألوان أولية. كان من المفترض أن تكون غير واضحة، لكنها ليست بذلك الغموض. ودون تلك اللوحة كان المكتب يخلو من الزينة، ليس هناك زهور ولا أصص. من الصعب عليك أن تعرف من المدخل ما العمل الذي تقوم به هذه الشركة.
استقبلته من كرسي الاستقبال امرأة صغيرة في أوائل العشرينات، وقد ثنت شعرها من نهايته بإتقان، ترتدي فستاناً أزرق فاتح ذو أكمام قصيرة، وبروش من اللؤلؤ، من ذلك النوع من الفتيات ذوات الصحة الجيدة واللواتي تربين بحب ورخاء، في عائلة تتسم بالتفاؤل. أخذت بطاقة عمل تسوكورو، أشرق وجهها كله بابتسام، ثم ضغطت رقماً فرعياً على هاتفها كأنها تضغط على أنف ناعم لكلب عملاق.
بعد وقت قصير، فُتح الباب الداخلي، ثم ظهرت امرأة في منتصف الأربعينات بملامح قوية، مرتدية بذلة غامقة بأكتاف عريضة، وحذاء ذو كعب عريض، مظهرها قاتم بطريقة غريبة، شعرها قصير، فكها متين، تبدو قديرة بشكل كبير. هناك نساء في منتصف العمر يبدو عليهن أنهن متفوقات في أي شيء يقمن به، وهذه امرأة واحدة منهن. إذا كانت ممثلة ستلعب دور مديرة متمرسة في التمريض، أو سيدة تعمل في خدمات الحماية الخاصة.
نظرت إلى بطاقة العمل التي قدمها تسوكورو، انتاب وجهها قليل من الحيرة، ما هو عمل ممثل بناء في قسم المعدات في مؤسسة طوكيو لسكك الحديد مع الرئيس التنفيذي للشركة المتخصصة في مؤتمرات العمل الإبداعي في ناغويا؟! علاوة على القدوم دون موعد! لكنها لم تسأله عن أسباب الزيارة.
" أعتذر ولكني أتساءل إن كنت تسمح لي أن أبقيك تنتظر هنا لبعض الوقت؟" قالت محاولة إظهار أدنى حد من الابتسامة.
أشارت إلى تسوكورو أن يجلس ثم اختفت خلال ذلك الباب، كان المقعد مصمماً تصميماً اسكندنافياً بسيطاً من الكروم والجلد الأبيض، جميلاً ونظيفاً، صامتاً بلا أي مقدار ولو قليل من الدفء، كمطر رقيق يسقط تحت شمس منتصف الليل. جلس تسوكورو وانتظر. المرأة الصغيرة على كرسي الاستقبال مشغولة ولديها بعض المهمات على الحاسوب المحمول، كانت تلقي نظرة من حين لآخر في اتجاهه، تظهر له ابتسامة مشجعة.
كانت كالمرأة في وكالة ليكزس، من النوع الذي يراه تسوكورو كثيراً في ناغويا. ملامح جميلة، ترتدي دائماً الملابس الصحيحة، ذلك النوع من النساء اللواتي تعطين انطباعاً جيداً، شعرهن مثني دائماً بطريقة جميلة، متخصصات بالأدب الفرنسي في كليات نسائية خاصة، وبعد أن يتخرجن يجدن عملاً كمستقبلات أو كسكرتيرات، يعملن لبضع سنين، يزرن باريس للتبضع مرة كل سنة مع صديقاتهن، ثم يلفتن أخيراً نظر أحد الشباب الواعدين في الشركة، أو ربما يتقدمن رسمياً لأحد وينهين العمل ليتزوجن، ثم يكرسن وقتهن ليلحقن أطفالهن بمدارس خاصة. أصبح تسوكورو وهو جالس يتأمل نوع الحياة التي انقادت إليها.
عادت السكرتيرة التي في المنتصف من عمرها خلال خمس دقائق، وقادته إلى مكتب أكا. أظهرت ابتسامتها ثغراً بين أسنانها. أن تُظهر لتسوكورو احتراماً خاصاً، كشخص مثله أتى دون موعد ويريد أن يرى مديرها، إنه لحدث نادر.
قادته إلى الرواق بخطوات واسعة وطقطقة كعب مرتفعة ودقيقة كالصوت الذي يصدره حدّاد مخلص في الصباح الباكر. وعلى طول الممر كانت هناك أبواب مختلفة ذات زجاج سميك وغير شفاف، لكن تسوكورو لم يكن يستطيع سماع أي نوع من الأصوات من الغرف المجاورة. بالمقارنة مع مكان عمله، وبالهواتف التي تظل ترن، والأبواب التي تضرب في الفتح والإغلاق، الناس يصرخون، إنه لعالم آخر مختلف تماماً.
مكتب أكا صغير بطريقة صادمة، ودافئ، وإذا نظرنا إلى قياس الشركة في الداخل فهناك مكتب ذو تصميم اسكندنافي أيضاً، كنبة صغيرة، وخزانة خشبية. على المكتب تحفة فنية من الاستانليس ستيل، وحاسوب محمول من نوع ماك، وجهاز صوتي من نوع B&O موضوع على الخزانة، ولوحة تجريدية أخرى كبيرة عُلّقت على الحائط من ألوان أولية زاخرة، تبدو أنها للرسام نفسه، نافذة المكتب كبيرة طويلة تطل على الشارع الرئيسي، لكن لا تتخلل أي من الأصوات الخارجية إلى الداخل. يسقط ضوء شمس بداية الصيف على السجادة ذات اللون الموحد على الأرض. ضوء لطيف خافت.
الغرفة بسيطة بتصميم موحد، بلا أي شيء غريب، كل قطع الأثاث والمعدات ذات جودة عالية بصورة واضحة. بعكس صالة عرض ليكزس -التي أوضحت عن طريقة لعرض الرفاهية- فإن هذا المكان قد صمم ليكون قاتماً وغير ملفت.
وقف أكا من خلف مكتبه، لقد تغير كثيراً عما كان وهو في العشرينات، لم يزل قصيراً، حوالي خمس أقدام وثلاثة إنشات، لكن شعره قد تساقط كثيراً، لقد كان يملك دائماً الشعر قليل الكثافة، أما الآن فقد أصبح ضئيلاً، جبهته بارزة تظهر شكل رأسه، وكتعويض عن خسارة شعره كانت لحيته سوداء غامقة، هذا التناقض ملفت للنظر إلى حد ما، إطار نظارته المعدني كان ضيقاً وعريضاً، تبدو جميلة على وجهه الطويل والبيضوي، جسده نحيل كما في السابق بلا أي أونصة زائدة، كان يرتدي قميصاً أبيض مقلماً تقليمات ضيقة، بربطة عنق بنية، الأكمام قد لفت إلى المرفق، يرتدي بنطالاً من التشينوز باللون الكريمي، وحذاء دون كعب بني اللون من الجلد الناعم، أوضح كامل الزي عن حياة حرة وغير رسمية.
"أعتذر عن إقحام نفسي بهذه الصورة في الصباح"، قال تسوكورو.
"لا أبداً"، قال أكا. أخرج يده وصافح تسوكورو. وعكس يد أو فقد كانت صغيرة وناعمة وقبضته لطيفة. لم تكن مصافحته لا مبالية بل مليئة بالدفء.
"كيف يمكن لي أن أقول لا؟! إنني سعيد برؤيتك في أي وقت".
"لكنك مشغول كثيراً، على ما أظن".
"العمل يبقيني مشغولاً بالتأكيد، لكن هذه شركتي وأطلع بقرارات نهائية، جدولي يمكن أن يكون مرناً إذا أردت له ذلك. أستطيع أن آخذ وقتاً إضافياً لبعض الأشياء أو أختصره مع أمور أخرى. في النهاية، وبوضوح، يجب أن تتوازن الحسابات ولا يمكن تغيير مجموع الوقت غير النهائي الذي تحصل عليه، بالطبع الله فقط من يستطيع فعل ذلك، لكني أستطيع القيام ببعض التعديلات الجزئية".
"إذا لم تمانع، أود أن أتحدث معك عن بعض الأمور الشخصية". قال تسوكورو."لكن إن كنت مشغولاً الآن أستطيع القدوم في أي وقت آخر يكون ملائماً لك".
"لا تهتم بالوقت، لقد قطعتَ كل تلك المسافة، نستطيع أن نأخذ وقتنا ونتحدث هنا الآن. جلس تسوكورو على الكنبة الجلدية السوداء التي تتسع لشخصين، وجلس أكا على الكرسي المقابل، وكانت بينهما طاولة بيضوية صغيرة وعليها منفضة زجاجية ثقيلة، التقط أكا بطاقة عمل تسوكورو مرة أخرى وأخذ يتفحصها، واضيقت عيناه.
"فهمت، إذاً حلم تسوكورو تازاكي في بناء محطات القطار قد تحقق".
"أود أن أقول أن هذا صحيح، لكن لسوء الحظ لم أحصل على العديد من الفرص لأبني بشكل حقيقي محطة جديدة". قال تسوكورو. "إنهم نادراً ما يبنون خطوط قطار جديدة في طوكيو، لذا أغلب الوقت نعيد بناء وترميم المحطات الموجودة، نجعلها محررة. بناء استراحات متعددة الاستعمالات، بناء أسوار آمنة، بناء متاجر أكثر في المحطات، تنسيق الأمور لتستطيع خطوط سكك الحديد مشاركة المسارات...الوظيفة الاجتماعية من المحطات هي التغيير، لذا فإنهم يجعلوننا دائماً مشغولين".
"ومع ذلك فإن عملك يتعلق بمحطات سكك الحديد".
"صحيح".
"هل أنت متزوج؟".
"لا، ما زلت أعزباً".
وضع أكا رجلاً على رجل، ثم أزال خيطاً كان عالقاً على ثنية بنطاله. "لقد حصل وتزوجت عندما كان عمري سبعة وعشرين عاماً، لكني طلقت زوجتي بعد سنة ونصف، وبقيت وحيداً منذ ذلك الحين. من السهل أن تكون أعزباً، لأنك لا تضيع الكثير من الوقت. هل تتفق معي؟".
"لا، ليس تماماً. أرغب أن أتزوج. في الحقيقة لدي الكثير من الوقت الإضافي بين يديّ. لكني لم ألتقِ بالشخص المناسب بعد".
فكّر تسوكورو بسارة. إذا كانت هنا فقد يرغب الزواج بها، لكنهما بحاجة إلى أن يتعرفا على بعضهما البعض أولاً. كلاهما بحاجة إلى وقت أكثر قليلاً.
بالعودة إلى الماضي، عندما كان أو وأكا وتسوكورو في سن المراهقة، كانوا يستخدمون ضمائر التذكير القاسية. "omae وore": "أنا" و"أنت"، عندما يتحدثون مع بعضهم البعض. لكن أدرك تسوكورو الآن بعد رؤيتهم وبمرور ست عشرة سنة أن هذه الطريقة في الخطاب لم تعد تبدو صحيحة. لم يزل أكا و أو يناديانه بomae ويخبران عن أنفسهما بore. لكن هذه الطريقة غير الرسمية في الحديث لم يعد وقعها سهل على سمع تسوكورو.
"نعم، العمل يسير بشكل جيد حتى هذه اللحظة"، قال أكا. تنحنح. "أتعرف ماذا نعمل هنا؟".
"كثيراً، إذا ما كانت المعلومات عبر الانترنت دقيقة".  
ضحك أكا. "إنها ليست أكاذيب، هذا ما نفعله. الجزء الأهم هو بالتأكيد كله هنا". نقر أكا على صدغه. "كما هو الأمر مع الشيف، المكون الأكثر حساسية ليس مكتوباً في الوصفة".
 "حسبما فهمت، ما تفعله بشكل رئيسي هو تعليم وتدريب الموارد البشرية للشركات".
"بالضبط، نعلم الموظفين الجدد ونعيد تعليم الموظفين في مراحلهم المتوسطة، نقدم هذه الخدمة للشركات الأخرى، نعد برامج مصممة على مقياس أمنيات الزبائن وننفذها حالاً وباحتراف. إنها تحافظ على وقت وجهد الشركات".
"تعليم التعهدات الخارجية للموظفين".
"هذا صحيح، بدأ العمل كله بفكرتي. تعرف كما في الكتاب المصور عندما يضيء المصباح فوق رأس الشخصية. البدء بالتمويل جاء من رئيس شركة القروض الصغيرة الذي آمن بي وقدم لي المال. حدث هذا من التمويل الأصلي".
"وكيف جاءتك الفكرة؟".
ضحك أكا. "هي ليست قصة ممتعة إلى هذه الدرجة. بعد أن تخرجت من الكلية عملت في بنك كبير، لكن العمل كان مملاً. فمن هم فوقي كانوا غير مؤهلين، لقد كانوا يفكرون فقط بالشيء الصحيح أمامهم، لم يكونوا يفكرون على مدى طويل، والشيء الوحيد الذي كانوا يهتمون به هو تغطية مؤخراتهم. أفكر إذا كان البنك الأفضل هكذا إذاً فسمتقبل اليابان سيكون قاتماً جداً. ازداد تفكيري بذلك ثلاث سنوات، لكن لم يتطور شيء، بل كان الحال يسوء. لذا فقد تنقلت بين أعمال كثيرة ثم ذهبت للعمل في شركة قروض صغيرة. أحبني رئيس الشركة كثيراً وطلب مني العمل معه. في عمل مثل هذا أنت تملك حرية أكبر لتفكر بدهاء، والعمل كان بحد ذاته ممتعاً، لكن أيضاً لم تكن آرائي تتوافق مع ارتفاع الأسعار، وأنهيت العمل بعد تجاوز السنتين والقليل، اعتذرت من الرئيس، وهذا ما حصل".
أخرج أكا علبة ماربولو أحمر. "هل تمانع إذا دخنت؟".
"لا أبداً". قال تسوكورو. وضع أكا سيجارة في فمه، وأشعلها بولاعة ذهبية صغيرة، اضيقت عيناه، أخذ نفساً ببطء ثم أخرجه. "حاولت أن أقطع التدخين لكني لم أقدر، إن لم أستطع التدخين لا أستطيع العمل، هل حاولت أن تقلع عن التدخين؟".
لم يدخن تسوكورو سيجارة في حياته.
أكمل أكا "أنا أقرب إلى أن أكون ذئباً وحيداً. ربما لا أكون أشبهه، ولم أفهم ذلك الجزء من شخصيتي إلى أن تخرجت من الكلية وبدأت أعمل. لكن ذلك صحيح. عندما يطلب مني مغفل ما شيئاً غبياً تصل بي حالة الغضب إلى الدرجة القصوى، إن الأمر يشبه في الحقيقة أن تسمع عقلك وهو يتفجر. مستحيل أن يعمل شخص مثل هذا في شركة، لذا قررت أن أغادر بنفسي".
توقف أكا عن الكلام، وحدق في الدخان المائل إلى اللون الأرجواني الصاعد من يده، كأنه تقصٍ لأثر ذاكرة بعيدة.
"ما تعلمته من الشركة أيضاً أن أغلبية الناس في العالم ليست لديهم مشكلة في اتباع الأوامر. إنهم يشعرون بالسعادة في الحقيقة لأنه يتم إخبارهم بما يفعلون. قد يشتكون، لكن ذلك ليس شعورهم الحقيقي، إنهم يتذمرون كما العادة. إذا طلبت منهم أن يفكروا بأنفسهم ويطلعون بقرارات خاصة ويكونون مسؤولين عن هذه القرارات فستجدهم غير واعين. لذا فقد قررت أن أحول ذلك إلى عمل. إنه بسيط. آمل أن يكون لذلك معنى؟".
لم يقل تسوكورو شيئاً. كان ذلك سؤالاً بلاغياً.
"لقد جمعت قائمة بالأشياء التي لا أحبها، بالأشياء التي لا أحب أن أفعلها، وبما لا أحب أن يفعلها الآخرون. وبناء على هذه القائمة، صنعت برنامج لتدريب الناس الذين يتبعون الأوامر ممن هم فوقهم، فمن خلاله يستطيعون العمل بشكل نظامي أكبر. أظن أنك ستسميها فكرة عادية، لكني اقتلعت بعض العناصر جزئياً من أخرى. الخبرة التي اكتسبتها بنفسي، التدريب الذي تلقيته كموظف حديث في البنك، لهما قيمة عالية. أضفت منهجاً مأخوذاً من أديان، ومؤتمرات تطوير الذات لجعل الأشياء ممتعة. بحثتُ عن شركات ناجحة في نفس المجال في الولايات المتحدة، قرأت الكثير من كتب علم النفس أيضاً.
أخذت العناصر من كتيبات خاصة تتضمن المنتسبين الجدد في قوات الشرطة الخاصة النازية والجنود في سلاح البحرية. خلال نصف عام بعد أن خرجت من العمل، استغرقت بشكل حرفي في تطوير هذا البرنامج، إنني دائماً جيد في التركيز على مهمة واحدة معينة".
"والذي ساعدك أنك ذكي جداً؟".
ابتسم أكا. "شكراً. لا أستطيع أن أطلع وأقول ذلك عني".
أخذ نفساً من سيجارته، وكت الرماد في المنفضة، رفع رأسه ونظر إلى تسوكورو. "تحاول الطوائف الدينية ومؤتمرات تطوير الذات أن تجني المال من الناس، ولتفعل ذلك فإنها تمارس في الواقع صورة صريحة من غسيل الدماغ. نحن مختلفون، إذا فعلنا شيئاً مشكوكاً به فإن أقوى الشركات لن تعمل معنا. استخدام مقاييس قاسية وإجبار الناس على فعل أشياء، نحن لسنا بصدد ذلك. ربما تحصل على نتائج مذهلة لفترة لكنها لن تنتهي. تفعيل فكرة الانضباط في رؤوس الناس مهم، لكن البرنامج الذي تستخدمه يجب أن يكون علمياً بدرجة تامة، عملياً ورفيع المستوى. يجب أن يكون هناك ما يستطيع المجتمع تقبله، ويجب أن تكون النتائج ثابتة لفترة طويلة. نحن لا نهدف إلى إنتاج زومبي، إنما نريد أن نخلق طاقة بشرية تفعل ما تريد منها الشركات، إنني إلى الآن أؤمن أنهم مفكرون مستقلون".
"إنها رؤية عالمية ساخرة جداً". قال تسوكورو.
"اعتقدت أن تراها بتلك الطريقة".
"لا أستطيع تخيل أن جميع من التحقوا بمؤتمراتهم سيسمحون لأنفسهم أن يكونوا منضبطين هكذا".
"لا، أبداً. إن هناك عدد بسيط من الناس ممن رفضوا البرنامج، تستطيع أن تقسمهم إلى مجموعتين. الأولى غير اجتماعية، في اللغة الإنجليزية نسميهم "آوتكاست". إنهم لا يقبلون أي صورة من النقد البناء، أياً كان هو. إنهم يرفضون أي نوع من الانضباط ضمن المجموعة. إنه تضييع للوقت أن تتعامل مع من هم كذلك، لذلك فإننا نطلب منهم أن ينسحبوا. المجموعة الأخرى تشمل ممن يفكرون بأنفسهم حقاً. وهؤلاء من الأفضل أن تتركهم وحدهم. لا تمزح معهم. كل نظام يحتاج إلى أناس نخبة مثلهم، إذا سارت الأمور بشكل جيد سيكونون أخيراً في مناصب قيادية. في المنتصف، بين المجموعتين من هم من أولئك الذين يأخذون الأوامر ممن هم فوقهم ويفعلون ما يطلبونه منهم. وتلك هي الأغلبية الكبيرة من الناس. بتقديري القاسي 85% من المجموع. لقد طورت هذا العمل ليصل إلى ال 85%".
"وعملك يسير مثلما أردت؟".
أومأ أكا. "الأشياء تسير الآن أفضل مما حسبت. بداية إنها شركة صغيرة، مع مجموعة من الموظفين، لكنها نمت الآن كما ترى. اسمنا قد أصبح معروفاً جداً".
"لقد فرضت على نفسك المهمات التي لا تحب فعلها، أو الأشياء التي لا تحب أن تحدث معك، قمت بتحليلها، واستخدمتها لتبدأ عملك. هل هذه هي نقطة البداية؟".
أومأ أكا. "بالضبط. إنه ليس من الصعب أن تفكر فيما لا تريد أن تفعله أو ما يحدث لك، وليس صعباً أن تفكر بما تحب أن تفعله. هناك فرق بين الإيجابي والسلبي. سؤال توكيد".
"أنا لست مولعاً بما أفعله". تذكر تسوكورو كلمات أو.
"ألا تفعل ذلك بشكل جزئي لتنتقم شخصياً من المجتمع؟ كواحد من النخبة، هناك من يفكر كمنبوذ".
"ربما تكون على حق". قال أكا. ضحك من قلبه وطقطع أصابعه. "تقديم عظيم. تسوكورو تازاكي الفائدة".
"هل أنت المنظم لتلك البرامج؟ هل تقوم بالتقديم بنفسك؟".
"كنت أفعل ذلك في البداية. كنت الشخص الوحيد الذي يتكل عليه في تلك المرحلة. هل تتخيلني وأنا أفعل ذلك؟".
"في الحقيقة لا". رد تسوكورو بصراحة.
ضحك أكا. "لأسباب ما، تبين لي أنني جيد في ذلك. لا يجب أن أتفاخر. لكني كنت مناسباً لتلك المهمة بالطبع. إن كل ذلك كان عمل، لكني كنت جيداً في أن أبدو حقيقياً ومقنعاً. مع ذلك لم أستمر في القيام بذلك. أنا لست معلماً روحياً بل أقرب إلى مدير. وأبقى مشغولاً جداً. ما أقوم به الآن هو تدريب المرشدين وترك الجانب العملي لهم. أُعطيت هذه الأيام كثيراً من المحاضرات، ودعتني الشركات لاجتماعاتها، وقدمت كلمة في مؤتمرات التوظيف الجامعية. هناك ناشر قد طلب مني أن أؤلف كتاباً أيضاً، أعمل عليه الآن".
أطفأ أكا سيجارته في المنفضة.
"عندما تملك الموهبة فإن هذا النوع من العمل لا يكون صعباً، فقط اطبع كتيباً لامعاً، صُفّ فيه لغة عالية المستوى، تكون دعاية ذاتية، احصل على مساحة مكتب كافية في جزء راقٍ من المدينة، اشترِ أثاثاً جذاباً، وظف أعضاء قادرين ورفيعي المستوى وادفع لهم رواتب جيدة جداً. الصورة هي كل شيء. إنك لا توفر أية تكاليف لخلق الصورة الحقيقية، والكلمة الخارجة من اللسان هي حساسة. عندما تحصل على سمعة جيدة ستحملك القوة الدافعة، لكني لست بصدد توسيع ما نفعله الآن. سنستمر في التركيز فحسب على الشركات في أعظم منطقة في ناغويا، إذا لم أستطع إبقاء عيني على الأشياء وحدي لا أستطيع أن أحافظ على مستوى الجودة".
نظر أكا بجدية في عينيّ تسوكورو.
"بربك. لست مستمتعاً إلى ذلك الحد بما تفعل. صحيح؟".
"إنه غريب، لم يخطر ببالي أبداً عندما كنا في مرحلة المراهقة أنك ستنتج مثل هذا النوع من العمل يوماً".
"ولا أنا". قال أكا وضحك. "كنت واثقاً أنني سأبقى في الجامعة وأصبح مدرساً جامعياً، ولكن عندما التحقت بالكلية أدركت أنني لست على صلة بالحياة الأكاديمية. إنه عالم راكد، ممل بطريقة ساحقة، ولا أريد أن أمضي بقية حياتي هناك. عندما تخرجت اكتشفت أن العمل في الشركة ليس مناسباً لي أيضاً. كان ذلك كله محاولة وخطأ، وفي نهاية المطاف وجدت مشكاتي. لكن ماذا عنك؟ هل أنت راضٍ عن عملك؟".
"ليس تماماً. لكنني لست غير راضٍ عنه بصورة كبيرة". قال تسوكورو.
"لأنك تستطيع أن تعمل في عمل يتعلق بمحطات القطار؟".
"هذا صحيح. كما قلت، أنا قادر على البقاء في الجانب الإيجابي".
"هل انتابتك يوماً ما بعض الشكوك حول عملك؟".  
"كل يوم أبني أشياء تستطيع أن تراها. ليس لدي الوقت للشكوك".
ابتسم أكا. "هذا رائع، ويشبهك كثيراً".
ساد الصمت بينهما. صار أكا يعبث بالولاعة الذهبية بيده، ولم يشعل سيجارة أخرى. ربما وضع لنفسه عدداً محدداً من السجائر لكل يوم".
"أتيت إلى هنا لأن هناك ما تريد التحدث بشأنه، أليس كذلك؟". قال أكا.
"أود أن أسأل عن الماضي". قال تسوكورو.  
"بالتأكيد. دعنا نتحدث عن الماضي".
"إنه بشأن شيرو".
اضيقت عينا أكا خلف نظاراته، حك لحيته. "تستطيع أن تقول أنني توقعت ذلك بعد أن قدمت لي السكرتيرة كرت عملك".
لم يرد تسوكورو.
"أشعر بالحزن على شيرو"، قال أكا بهدوء. "لم تكن حياتها سعيدة جداً. كانت جميلة، موهوبة جداً في الموسيقى، وماتت بطريقة مخيفة".
شعر تسوكورو بعدم الارتياح من طريقة أكا في اختصار حياتها بأسطر قليلة. لكن الخلاف الآن بأمر الوقت كان في وقت العمل، فهم ذلك. علم تسوكورو حديثاً عن موت شيرو بينما عاش أكا على علم به لست سنوات".
"ربما ليس هناك فائدة من ذلك، لكنني أريد أن أفسر سوء الفهم"، قال تسوكورو.
"لا أعلم ما قالت لك شيرو، لكني لم أغتصبها. لم يسبق لي أن دخلت في علاقة مثل هذه ولا من أي نوع معها".
"تذكرني الحقيقة أحياناً بمدينة غطيت بالرمال". قال أكا. "ومع مضي الوقت تتكدس الرمال أكثر وتصبح سميكة، وتمر عاصفة من حين لآخر، ليتكشف ما هو في الأسفل. ومع هذه الحالة، لقد كان بالتأكيد ما حصل أخيراً. سواء اتضح سوء الفهم أو لم يتضح، فأنت لست من النوع الذي يفعل شيئاً كهذا. أعرف ذلك جيداً".
"تعرف ذلك؟". أعاد تسوكورو.
"الآن أعرف، هذا ما أعنيه".
"لأن الهواء عصف بالرمال؟".
أومأ أكا. "إنه بشأن كميته".
"كأننا نتناقش بشأن التاريخ".
"نعم، نوعاً ما".
حدق تسوكورو بوجه صديقه القديم الجالس أمامه، ولكنه لم يستطع قراءة شيء يشبه الانفعال الظاهر في ملامح أكا.
تستطيع أن تخفي الذكريات، لكنك لا تستطيع أن تمحو التاريخ. تذكر تسوكورو كلمات سارة، وقالها بصوت مرتفع.
أومأ أكا عدة مرات. "بالضبط، تستطيع أن تخفي الذكريات لكنك لا تستطيع أن تمحو التاريخ. ذلك بالتحديد ما أريد قوله".
"على أية حال، بالعودة إلى الماضي، قطع أربعتكم علاقتهم بي، بشكل تام وبلا رحمة". قال تسوكورو.    
"هذا صحيح، لقد قطعنا علاقتنا بك. إنها حقيقة تاريخية. لست أبررها ولكن في ذلك الوقت لم يكن لدينا خيار آخر. قصة شيرو كانت حقيقية جداً. لم تكن تمثل. كانت تتألم فعلاً. جرح حقيقي وألم حقيقي ودم حقيقي. لم يكن لدينا مجال لنشكك بها في ذلك الوقت. ولكن بعد أن قطعنا علاقتنا بك، وبعد أن مضى الوقت أكثر، ازدادت حيرتنا بالأمر كله".
"ماذا تعني؟".
وضع أكا يديه على جهاز الكمبيوتر المحمول، ثم فكر لخمس ثوانٍ.
"في البداية، كانت الأشياء صغيرة، وبضع تفاصيل غير متوافقة، أجزاء من قصتها غير منطقية لكنها لم تزعجنا كثيراً، لم تكن تهم في بداية الأمر، لكنها بدأت تصبح متتالية ولاحظناها أكثر وأكثر، ثم فكرنا، هناك شيء ما غير صحيح".
كان تسوكورو صامتاً، منتظراً أن ينتهي.
"ربما لدى شيرو مشاكل عقلية". أخذ أكا يعبث بالولاعة الذهبية، وبحذر يختار كلماته. "هل كان مؤقتاً أو ظرفاً طويل الأمد، لا أعرف، لكن هناك شيء خاطئ حتماً. كانت تمتلك موهبة كبيرة في الموسيقى، ذلك النوع من الموسيقى الذي عزفته قد عصف بنا، ولكن لسوء الحظ قد احتاجت المزيد من نفسها. لقد كانت تمتلك الموهبة الكافية لتصنع طريقاً عبر العالم المحدود حيث تعيش، لكنها لم تكن كافية لتخرج إلى العالم الواسع. ولا يهم كم تدربت فهي لم تكن لتصل إلى المستوى الذي رغبت به. تذكر كم كانت جدية ومنطوية، فعندما تدخل المعهد الموسيقى يزداد الضغط. وشيئاً فشيئاً بدأت تتصرف بغرابة".
أومأ تسوكورو ولم يقل شيئاً.
"إنها قصة ليست غريبة جداً"، قال أكا. "إنها قصة حزينة، ولكن في عالم الفن هذه القصة تحصل دائماً. الموهبة كالحوض. تستطيع أن تجتهد ما أردت ولكن الحجم لن يتغير، سيحمل الحوض ماء كثيراً لا أكثر".        
"أنا متأكد أن هذا النوع من الأشياء يحصل كثيراً"، قال تسوكورو. "لكن أن يقال أني خدرتها في طوكيو واغتصبتها، من أين جاء ذلك؟! وجب لها أن تعترف بأن لديها ربما مشاكل عقلية، لكن ألا يمكن أن تكون هذه القصة قد أتت من لا مكان؟".
أومأ أكا. "حتماً، لقد أتت من لا مكان. إذ جعلتنا نصدقها في البداية. لم نتصور أن شيرو يمكن أن تخترع شيئاً مثل ذلك".
تخيل تسوكورو مدينة غابرة مدفونة بالرمل، وهو جالس أعلى التل الرملي يتأمل الخراب الجاف.
"لكن لماذا الشخص الآخر في القصة أنا؟ منكم جميعاً؟ لماذا كنت أنا؟".
"لا أعرف"، قال أكا. "ربما شيرو تحبك بالسر، لذلك خاب أملها وغضبت منك لأنك ذهبت إلى طوكيو وحدك. أو ربما تغار منك، ربما كانت تريد أن تفلت من هذه المدينة. على أية حال، يستحيل الآن أن نفهم ما دفعها لقول ذلك، بافتراض أن هناك دافع أصلاً".
تابع أكا وهو يعبث بالولاعة.
"هناك شيء واحد أريدك أن تعرفه"، قال. "لقد ذهبت إلى طوكيو وبقينا الأربعة في ناغويا. لا أحاول أن أنتقدك على ذلك، لكنك حصلت على حياة جديدة في مدينة جديدة. أما في ناغويا فقد بقينا الأربعة قريبين من بعضنا نتيجة لذلك. هل تدرك ما أحاول قوله؟".    
" والواقعي أكثر أن تقطعوا علاقتكم بي كغريب على أن تقطعوها مع شيرو؟".
لم يرد أكا، لكنه تنهد تنهيدة طويلة غير عميقة. "بالنسبة لنا نحن الخمسة ربما كنت الأقسى بيننا، عاطفياً على الأقل. وبشكل مفاجئ أيضاً على اعتبار أنك كنت هادئاً جداً. لم نكن -نحن الأربعة الذين بقينا- على شجاعة بأن نغامر مثلما فعلت. كنا خائفين من ترك المدينة التي تربينا فيها، ونودع أصدقائنا المقربين. لم نستطع أن نترك تلك المساحة الدافئة المريحة، إن الأمر يشبه أن تقفز خارج السرير الدافئ في صباح شتائي بارد. لقد أتينا بكل الأعذار المعقولة في ذلك الوقت ولكني أرى الآن كم كانت صحيحة".
"لكنك غير نادم على البقاء هنا، أليس كذلك؟".
"كلا، لا أعتقد ذلك. هناك الكثير من الأسباب الجيدة والعملية للبقاء في مكاني، وكنت قادراً على استخدامها لصالحي. ناغويا مكان تتوفر فيه الروابط المحلية. خذ رئيس شركة القروض الصغيرة الذي مولني، لقد قرأ في الصحيفة بعد سنة عن جهود متطوعينا في الجامعة، ولهذا السبب وثق بي. لم أرد أن أستفيد بشكل شخصي من البرنامج الذي صنعه متطوعونا، لكنه سار بذلك المسار، والكثير من موظفينا هم ممن درسهم أبي في الجامعة. هناك رابط اجتماعي وثيق يشبه ذلك في دائرة الأعمال في ناغويا، والمدرس في جامعة ناغويا مثل اسم ماركة محترمة، لكن لا شيء من ذلك سيصنع أي اختلاف إذا ذهبت إلى طوكيو. سيتجاهلونني تماماً. هل توافقني الرأي؟".
بقي تسوكورو صامتاً.
تلك الأسباب العملية قد لعبت دوراً أيضاً. أفكر في سبب عدم مغادرة أحد منا نحن الأربعة المدينة. لقد اخترنا أن نبقى تحت الحمام الدافئ. لكن الآن أو وأنا فقط من بقينا هنا. شيرو ماتت، وكورو تزوجت وانتقلت إلى فنلندا. وأنا وأو يفصل بيننا شارع واحد حرفياً لكننا لم نلتق أبداً. لماذا؟ لأننا حتى إذا التقينا فليس لدينا ما نتحدث بشأنه". 
"تستطيع أن تشتري سيارة ليكزس، وحينها يكون هناك ما تتحدثا بشأنه".
غمزت عين أكا لا إرادياً. "أنا أقود بورش كاريرا4 تارجا توب 6 جير وناقل يدوي للحركة. شعورك عندما تنتقل بين جير وآخر شعور مذهل. وعندما تستخدم جير تخفيف السرعة ينتابك شعور عظيم. هل قدت من قبل هذه السيارة؟".
هز تسوكورو رأسه.
"أحبها، ولن أشتري واحدة أخرى غيرها"، قال أكا.
"لكنك تستطيع شراء سيارة ليكزس لتكون سيارة للشركة. أتلفها".
"لدي زبائن تتبع شركاتهم سيارات نيسان وميتسوبيشي، لذلك فهي ليست خياراً".
تبع ذلك صمت قصير.
"هل ذهبت إلى جنازة شيرو؟". سأل تسوكورو.
"نعم ذهبت، أقول لك، لم أرَ من قبل ومن بعد جنازة حزينة مثلها. مؤلم أن تفكر بها إلى الآن. كان أو هناك أيضاً. لم تأت كورو، كانت في فنلندا تنتظر مولودها الجديد".
"لماذا لم تخبرني أن شيرو قد ماتت".
لم يقل أكا شيئاً لوقت قصير، محدقاً به بانشداه على نحو خال من التعبير، عيناه لا تركزان على شيء. "حقاً لا أعرف"، قال أخيراً. "كنت واثقاً أن أحداً ما سيخبرك. "ربما أو سـ....".
"لا، لم يخبرني أحد أبداً. حتى الأسبوع السابق لم يكن لدي خبر أنها قد ماتت".
هز أكا رأسه وأداره كأنه يتفادى النظر إليه، وأخذ يحدق في شيء خارج النافذة. "أعتقد أننا قمنا بشيء خاطئ، أنا لا أبرر أفعالنا، لكن عليك أن تتفهم كم كنا مرتبكين. لم نكن ندرِ ما نفعل. كنا متأكدين أنك سمعت عن جريمة قتل شيرو. وعندما لم تظهر في الجنازة حسبنا أنك ستجد القدوم إلى هناك صعباً جداً".
لم يقل تسوكورو شيئاً للحظة، ثم نطق. "لقد سمعت في ذلك الوقت أن شيرو قد قُتلت، كانت تسكن في هاماماتسو؟".
"بقيت هناك ما يقارب السنتين. كانت تسكن وحدها وكانت تعلم البيانو للأطفال. عملت في مدرسة ياماها لتعليم البيانو، لا أعرف التفاصيل لماذا انتقلت إلى هاماماتسو، كان عليها أن تجد عملاً في ناغويا".
"ما نوع الحياة التي بدأت بها؟".
أخرج أكا سيجارة من الباكيت، وضعها بين شفتيه وبعد صمت قصير أشعلها.
"قبل حوالي سنة قبل مقتلها، كان يجب أن أذهب إلى هاماماتسو في عمل، اتصلت بها ودعوتها للعشاء. كان أربعتنا في ذلك الوقت قد ذهبنا كل في طريقه وكان من الصعب رؤية بعضنا البعض. كنا نلتقي كل فترة معينة مرة واحدة، هكذا كان الأمر. لقد انتهيت من عملي في هاماماتسو في وقت أبكر مما ظننت، فكان لدي وقت فراغ، لذا كنت أود أن أرى شيرو للمرة الأولى و أقضي معها بعض الوقت، كانت متمالكة نفسها وهادئة أكثر مما تخيلت. لقد بدت أنها مستمتعة بتركها ناغويا خلفها وعيشها في مكان جديد. تناولنا العشاء معاً واستغرقنا في سرد ذكرياتنا. ذهبنا إلى مطعم مشهور في هامامتسو يقدم الإنكليس النهري تناولنا القليل من البيرة واسترخينا.لقد تفاجأت بأنها تستطيع الشرب، ولكن كان لا زال هناك القليل من التوتر، أعني أنه كان يجب أن نتجنب الحديث في مواضيع محددة...".
"تلك المواضيع المحددة كانت أنا؟".  
نظر أكا إليه نظرة قاسية وأومأ. "كان لا يزل الأمر صعباً بالنسبة إليها، لم تنسه. ومع ذلك بدت بحالة جيدة تماماً. ضحكت كثيراً وبدت مستمتعة بالحديث، وكانت طريقة كلامها طبيعية. تفاجأت أن انتقالها إلى مكان جديد كان عظيماً بالنسبة إليها. لكن كان هناك شيء واحد. لا يعجبني أن أقول ذلك ولكن لم تعد جذابة مثلما كانت من قبل".
"لم تعد جذابة؟". أعاد تسوكورو الكلمات، كان صوته بعيداً.        
"لا، لم يكن ذلك هو التعبير الصحيح"، قال أكا وصار يفكر في ذلك. "كيف أوضح ذلك؟ ملامحها بقيت كما في السابق بالطبع، وبكل المقاييس ما تزال امرأة جميلة. إن لم تكن تعرفها وهي في فترة المراهقة كنت ستظن أنها جميلة. لكني أعرفها من قبل، أعرفها جيداً. لم أنسَ كم كانت شاحبة!. شيرو أمامي الآن، ولكنها ليس هي". 
عبس أكا قليلاً، كأنه يتخيل المشهد.
"رؤية شيرو بتلك الصورة كان مؤلماً جداً. من المؤلم أن تراها لم تعد تمتلك ذلك الشيء المشتعل الذي كان لديها. ذلك الشيء الذي يميزها قد اختفى، ذلك الشيء لم يعد يحركني كما في السابق.
صعد الدخان من سيجارة أكا الموضوعة على المنفضة. أكمل.
"لقد أتمت شيرو الثلاثين وكانت لا تزال شابة صغيرة. عندما قابلتني كانت ترتدي ملابس بسيطة، وشعرها مربوط إلى الخلف بكعكة، بلا مكياج، لكن لم تكن الفكرة في ذلك، كل ذلك هو تفاصيل فقط. الفكرة التي أريد قولها أنها قد فقدت ذلك التوهج الذي كان لديها، حيوتها. كانت انطوائية دائماً ولكن كان في قلبها شيء قاتل وحي، شيء كان يجعلها حتى حذرة منه تماماً. ذلك الضوء، ذلك الإشعاع الذي يتسرب تلقائياً، ينبثق من الشقوق. هل تفهم قصدي؟ لكن في المرة الأخيرة التي رأيتها فيها كان كل شيء قد ذهب، كأن أحد قد تسلل خلفها وسحب الفيشة من القابس. ذلك النوع من التوهج المنعش، المتلألئ، الذي كان يميزها بشكل واضح، اختفى، وجعلني أنظر إليها بحزن. لم تكن مسألة عمر، لم تكن تبدو بتلك الصورة ببساطة لأن عمرها يزداد. عندما سمعت أن أحداً خنق شيرو تحطمتُ وتأسفت عليها. أياً كانت الظروف، فلم تكن تستحق أن تموت بتلك الصورة. وبنفس الوقت لم أكن أستطيع مساعدتها ولكني شعرت بأن الحياة قد سحبت منها حتى قبل أن تقتل جسدياً".
أكمل أكا السيجارة التي في المنفضة وأخذ نفساً عميقاً وأغلق عينيه.
"لقد تركت في قلبي ثقباً كبيراً"، قال أكا. "ذلك الذي لا يمكن أن يُملأ".
انتشر الصمت بينهما، صمت قاسٍ وكثيف.
"هل تتذكر القطعة الموسيقية التي كانت تعزفها شيرو كثيراً؟" سأل تسوكورو. "قطعة موسيقية قصيرة لليست "L mal du pays؟".
فكر أكا فيها ثم هز رأسه. "لا، لا أذكر ذلك. الوحيدة التي أتذكرها هي واحدة مشهورة لشومان من المشاهد في الطفولة. "Träumerei ". كانت تعزف ذلك أحياناً، لكني لا أعرف مقطوعة ليست. لماذا تسأل؟".
"لا لسبب مهم. لكن يحدث أن أتذكرها"، قال تسوكورو.
نظر إلى ساعته." أنا أخذت الكثير من وقتك، يجب أن أذهب، وأنا سعيد حقاً لأننا تحدثنا".
لم يتحرك أكا عن كرسيه وحدق مباشرة بتسوكورو. كان خالٍ من التعابير كشخص ينظر إلى مطبوع حجري جديد ليس عليه أية رسومات. "هل أنت مستعجل؟" سأل.
"لا أبداً".
"هلا نتحدث أكثر؟".
"بالطبع. لدي الكثير من الوقت".
فكر أكا ملياً بما يريد أن يتحدث به قبل أن يبدأ. "لم تعد تحبني كثيراً، أليس كذلك؟".
لم ينطق تسوكورو بشيء؛ جزئياً لأن السؤال صعقه، ولأنه ليس من الجيد أن يقلل مشاعره تجاه شخص أخذ مكاناً قبله في معادلة مزدوجة من الحب وعدم الحب".      
اختار تسوكورو كلماته بحذر. "لا أستطيع الكلام حقاً. مشاعري قد تغيرت تماماً عما في السابق عندما كنا مراهقين. لكن ذلك...".
رفع أكا يده ليستوقفه.
"لا داعي لاستحضار الكلمات، وليس عليك أن تجبر نفسك على أن تحبني. لا أحد يحبني الآن. هذا متوقع. حتى أنا لا أحبني كثيراً، لقد حصلت على أصدقاء قلائل عظيمين فعلاً. كنت واحداً منهم. لكن في مرحلة معينة من الحياة خسرتهم كما خسرت شيرو في مرحلة معينة شرارتها المميزة...لكنك لا تستطيع أن تعود. لا تستطيع أن تعيد تلك المادة الذي قد فتحتها. عليك أن ترضى بها فحسب".    
أنزل يده ووضعها على ركبته. بدأ ينقر على عظمة ركبته ليصدر إيقاعاً غريباً كأنه يرسل رسالة باستخدام الشيفرة.
"عمل أبي لفترة طويلة كمدرس جامعي حتى التقط عادات المدرسين. يحدثنا في المنزل كأنه يلقي خطاباً علينا، ينظر إلينا من الأعلى إلى الأسفل. كرهت ذلك منذ كنت طفلاً. لكن للحظة ما مفاجئة بدأت أتحدث مثله تماماً".
أكمل النقر على عظمة ركبته.   
"دائماً ما كنت أشعر أنني فعلت شيئاً سيئاً لك. ذلك صحيح. أنا، نحن، ليس لدينا الحق في أن نعاملك بتلك الطريقة. لقد أحسست أنه في يوم ما سأحتاج ربما أن أعتذر لك. لكني بطريقة أو بأخرى لم أجعل ذلك يحصل".
"لا يهم"، قال تسوكورو. "إنه موقع آخر، حيث لم تكن تستطيع العودة".
بدا أكا أن تفكيره قد تشوش. "تسوكورو". قال أخيراً. "أطلب منك أن تصنع لي معروفاً".
"ما نوعه؟".
"لدي شيء أريد أن أخبرك به. اعتراف قد تسميه، لم أفصح عنه لأحد آخر. ربما لا تريد سماعه، لكني أريد أن أكشف عن ألمي. أرغب أن تعرف ما كنت أحمله معي. لن يصنع تعويضاً لكل الألم الذي تألمته. إنه استفسار فقط عن مشاعري وأحاسيسي الخاصة. هل ستسمعني؟ بحق الزمن القديم"؟   
أومأ تسوكورو غير واثق إلى ما سيؤول إليه ذلك.
بدأ أكا. "لقد قلت لك أنني-إلى أن التحقت بالكلية- لم أعرف أنني لم أنقطع إلى الحياة الأكاديمية، وأنني بالمقابل لم أكن أعرف أنني لم أنقطع عن حياة الشركة إلى أن بدأت أعمل في البنك. هل تتذكر؟ إنه محرج بعض الشيء. ربما لم آخذ نظرة جيدة وجدية إلى نفسي. لكن ليس هذا كل ما حصل. لم أدرك أنني غير مناسب للزواج حتى تزوجت. ما أقوله هو أن العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة لم تكن تخصني. هل تفهم ما توصلت إليه؟".
بقي تسوكورو صامتاً وتابع أكا.
ما أحاول قوله هو أنني في الحقيقة ليس لدي رغبة في النساء. لا يعني ذلك أنه ليس لدي رغبة مطلقاً، لكن لدي رغبة تجاه الذكور أكثر".
صمت عميق حل على الغرفة. لم يستطع تسوكورو سماع أي صوت. كانت غرفة صامتة للبدء.
"هذا ليس غريباً جداً"، قال تسوكورو ليملأ الصمت.
"أنت محق، ليس غريباً جداً. ولكن لتتحدى تلك الحقيقة في مرحلة محددة من حياتك فهذا أمر صعب. صعب جداً. لا تستطيع أن تضعه مع العموميات. كيف أوضح ذلك؟ كأنك واقف على ظهر السفينة في البحر ليلاً وفجأة تُرمى في البحر وحدك".
فكر تسوكورو بهايدا. وكيف بالحلم، إذ افترض أنه حلم، أتى في فم هايدا. تذكر تسوكورو الحيرة التامة التي أحس بها في ذلك الوقت. أن ترمى وحدك في البحر ليلاً، التعبير قد أصاب الإشارة تماماً.
"أعتقد أنك تحتاج أن تبقى صادقاً مع نفسك وحسب بقدر ما تستطيع". قال تسوكورو، وقد اختار كلماته. "كل ما تسطيع فعله هو أن تكون صادقاً وحراً بقدر استطاعتك، هذا كل ما أستطيع قوله".
"أعلم أنك حذر من ذلك"، قال أكا. "ولكن على الرغم من أن ناغويا واحدة من أكبر المدن في اليابان إلا أنها ليست بذلك الحجم. التعداد السكاني كبير، الصناعات جيدة، الناس أغنياء، ولكن الخيارات لديك محدودة بصورة غير متوقعة. ليس من السهل على أناس مثلنا أن نعيش هنا ونبقى صادقين مع أنفسنا ومتحررين...مفارقة مهمة نوعاً ما، هل توافقني الرأي؟ كلما سرنا في الحياة اكتشفنا تدريجياً من نحن، ولكن كلما اكتشفنا أكثر فقدنا أنفسنا أكثر".
"آمل أن كل شيء قد تطور لصالحك. آمل ذلك حقاً". قال تسوكورو. لقد كان ذلك نابعاً من إحساسه فعلاً.
"أنت لست غاضباً مني الآن؟".
هز رأسه هزة قصيرة. "لا، لست غاضباً منك. لست غاضباً من أحد".
أدرك تسوكورو فجأة أنه كان يستخدم ضمير التذكير omae  العائدة على أكا. لقد خرجت بصورة طبيعية في النهاية.
سار أكا وتسوكورو إلى المصعد.
"قد لا تحصل الفرصة أن أراك مرة أخرى"، قال أكا بينما ينزلان إلى الرواق. "هناك شيء آخر أريد أن أخبرك به. لا تمانع. أليس كذلك؟".
هز تسوكورو رأسه.
"إ‘نه أول شيء أقوله دائماً في حلقات تدريب الموظفين. أنظر في كامل الغرفة، أختار شخصاً واحداً، وأطلب منه الوقوف. وهذا ما أقوله: لدي أخبار جيدة وأخرى سيئة لك، الأخبار السيئة أولاً. سنقوم بخلع أظافر يديك أو أظافر قدميك بالكماشة. أعتذر ولكن لقد تم تقرير ذلك. لا يمكن أن يتغير القرار. أسحب كماشة كبيرة ومخيفة من محفظتي وأريها للجميع. أتأكد ببطء أن الجميع رآها جيداً. ثم أقول: الأخبار الجيدة الآن، أن لديك حق الاختيار بين أظافر يديك أو قدميك. إذاً ستكون؟ لديك عشرة ثوانٍ لتقرر. إذا لم تكن قادراً على الاختيار سنقطع أظافر يديك وقدميك.  أبدأ في العد. في الثانية الثامنة أغلبهم يقول:" الأقدام". حسناً أقول: قدميك إذاً. سأستخدم الكماشة لأقتلعها. ولكن قبل ذلك، أود أن تخبرني بشيء. لماذا اخترت القدمين وليس اليدين؟ يقول الشخص عادة: "لا أعرف. أعتقد أن كليهما يؤلم بذات الدرجة. ولكن لأن علي أن أختار واحداً، أذهب إلى خيار القدمين". أتقدم وأصفق له بحرارة. وأقول: أهلاً بك في العالم الحقيقي".
حدق تسوكورو بالوجه الرقيق لصديقه القديم دون أن تخرج منه أي كلمة.
"كل واحد منا أعطي الحرية في الاختيار"، قال أكا، يغمز ويبتسم. "هذا هو مغزى القصة".
فُتح باب المصعد الفضي بلا صوت، وودع كل منهما الآخر.