كل يوم يمر أزداد
يقيناً أنني لا أريد شيئاً، أنني أريد أن أتخلى عن كل ما كنت أحب، أشبه إجابة
أغوتا كريستوف عندما سئلت عن سبب بقائها حية ما دام كل شيء سيّان؛ "أستيقظ
لأن البقاء في السرير أمر غير ممتع، المرء يشتهي فنجان قهوة. وهذا كل ما في
الأمر". كل من مر بي أخذ شيئاً مني، وإنني أمضى الآن تحت مظلتي وحدي، أعبث
بالأشعة فوقي كما أرغب، أزيح المظلة فوق رأسي تماماً، وأحياناً أسمح لبعض الشمس من
المساس بوجهي.
لقد تغيرت بي أشياء
كثيرة، لا أنكر ذلك، لكن جزءاً ما بي قد اختفى، اختفى بطريقة غريبة كأنه لم يكن في
الأصل، ربما أستطيع تسميته القدرة على النجاة. إن الأمر ليس صعباً، ابق يوماً
كاملاً وحيداً في المنزل وستحقق ذلك، ستنكفئ كأنك دلة قهوة يدها أثقل منها، ستسيل
من ذاتك ببطء، وتفرغ.
أقول كل يوم أنّ هذا
العالم لا يستحق ذلك العناء الذي تخيلته، إنه يسير كالبحر وأنا السفينة الخفيفة
التي لا تريد أن تمضي، لكني أمضي مع ذلك كردة فعل طبيعية لشخص وحيد...وحيد رغم
المشهد الصاخب حوله.
لا أعلم لماذا أحس
بأنني كذلك، رغم كل من حولي، إنني أكرر قول ذلك كثيراً، ربما لأني أردت أن أكون
ورقة شجر، ورقة أتجول كيفما أشاء وأموت في وقت قصير، لا أحب العمر الطويل، إنّ
الأشياء حولنا تكتفي منا في وقت معين، تمل من وجودنا، وقتٌ قصير أريد أن أفعل به
ما أحبّ، ما أريد وأنتهي، مثل ورقة الشجر بالضبط.
ولأنني أضطرب كلما مر
وقت أطول، كلما أتذكر أنني مع أحد ما، أشاركه كل شيء، حتى الإعلانات التلفزيونية
التي تمر أثناء الفيلم، وأنه ربما يفتقدني في لحظة معينة. إنّ شيئاً ما في فترة
زمنية معينة قد سار باتجاه خاطئ ، لم أعد أذكر اللحظة بالضبط الذي قد حصل بها ذلك،
ربما أحدهم قد وضع قماشة سوداء على عينيّ وقادني إلى ذلك الاتجاه، ثم قطع اتصالي
بكل ما من شأنه أن يجذبني نحوه، بكل ما يتسارع وجوده متزامناً مع دقات قلبي، ما يذكرني
بي وأنا أستمع إلى الأغاني الفرنسية كأنني حبل صوتيّ لإنريكو ماسياس، وأنا...وأنا
أي شيء قديم وأصيل.
أحرك قدمي اليمنى لأرسم خطاً كأنه سهم
بوصلة، خطاً من الشَّمال ثم لا أكمله وأنت واقفٌ تنظر نحوي كأنني (بوسايدن)
تلاحقني نظراتك من كل الجهات، وكأنك تؤمن بي أكثر من الحقل الفارغ هناك.
تتحرك مفاتيح البيانو الذي بجانبي على وقع
أنفاسك وأنا آبهة بوجهك المتخيّل. أنت بعيد كخرافة وقادم نحوي كسلام لكنني لا
أراك، حتى وأنا أركّب هذا المشهد يستعصي عليّ وجهك. كم تراكمت عليه أصدافٌ! وكم
تدفقت الطحالب في عمقك! كم نَقَرك الزائرون كأنك تمثال من الرمل لا شأن لك بأحد!
وأنا لا شأن لي إلا بالأمواج التي تتلاطم داخلي وتجعلني أشرَق.
قدمي موائمة مع العشب لأنها بلون الطين.
لكنها زرقاء في الأصل فلن أراها إذا دست في
البحر.
قبّلني هناك حيث هواجسي متشابكة
لن أفعل بك شيئاً إلا أن أتفقد لون عينيك
إذا ذاب داخلي.
بعيدتان
عيناك إذا دعاهما توجسي من الغياب.
بعيدٌ
وجهك الآن وأنا مبللة بالغيم،
وأنا أليفة كنبتة فينيقية تستجدي غزالاً قليل
التداعي.