الأربعاء، 17 مايو 2017

الفصل (9) من تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه-هاروكي موراكامي

         كان تسوكورو -عندما جاءه اتصال من سارة كيموتو- يقتل الوقت، وذلك بفرز المستندات المكدّسة على المكتب، يستبعد ما لا يحتاج، ويقرأ الفوضى المتراكمة في درج المكتب. كان يوم خميس، أي بعد خمسة أيام من رؤيتها الأخيرة.
"هل تستطيع التكلم؟".
"بالتأكيد"، قال تسوكورو. "أنا فقط آخذ الأمور ببساطة بهدف التغيير".
"جيد"، قالت. "هل لديك متسع من الوقت لاحقاً؟ حتى وقت متأخر قليلاً؟ لديّ عشاءٌ الساعة السابعة، لكني أستطيع رؤيتك قبل ذلك. إذا استطعت أن تأتي إلى جينزا فسأقدّر لك ذلك".
حملق تسوكورو بساعة يده. "سأكون هناك الساعة الخامسة ونصف، فقط أخبريني أين سأقابلك".
أخبرته عن اسم مقهى بجانب تقاطع جينزا يونشوم. عرف تسوكورو المكان.
أنهت عملها قبل الخامسة، غادرت المكتب، وأخذت خط مارونوتشي من شينجوكو إلى جينزا. ولحسن الحظ كان يرتدي ربطة العنق التي قدمتها له سارة المرة الماضية.
كانت سارة في المقهى عندما وصل، وكانت قد طلبت قهوة وتنظره، أشرق وجهها عندما رأت ربطة العنق. وعندما ابتسمت، ارتسم خطان صغيران ساحران بجانب شفتيها. أتى النادل، طلب تسوكورو قهوة. كان المقهى مكتظاً بالناس الذي يتقابلون بعد العمل.      
"أعتذر لأني جئت بك من كل تلك المسافة". قالت سارت.
"لا، من الجيد أن أذهب إلى جينزا كل فترة". قال تسوكورو. "فقط أتمنى أن نذهب إلى مكان ما ونتناول العشاء معاً".
زمّت سارة شفتيها ثم تنهدت. "أتمنى أني أستطيع، لكن يجب أن أذهب في عشاء عمل هذه الليلة. هناك شخص مهم جاء من فرنسا ويجب أن آخذه إلى مطعم كايسيكي فاخر. أكره هذا النوع من الأطعمة، أتوتر فلا أستطيع حتى تذوق ما آكله".
إنها تهتم بمظهرها بشكل كبير حتى أكثر من المعتاد، لاحظ تسوكورو ذلك. كانت ترتدي سترة مخططة بلون بني كلون القهوة، وبروش في قلادتها فيه ألماسة صغيرة جداً تلمع من المنتصف، تنورتها قصيرة، وتحتها جوارب، وما رُسم عليها له نفس لون السترة.
شدت كبّاس حقيبتها ذات اللون الكستنائي، التي كانت قد وضعتها في حضنها، وأخرجت ظرفاً أبيض كبير فيه كثير من الأوراق المطوية. أغلقت الحقيبة بأناقة. صوتٌ ساحر، من النوع الذي تتوقع أن تستدير رؤوس الناس إليه.
"لقد بحثت في أمر أصدقائك الأربعة، أين هم، وماذا يفعلون الآن، كما وعدتك".
استُرِد تسوكورو. "لكن ذلك استغرق أقل من أسبوع".
"أنا سريعة فيما يتعلق بالعمل، إذا التقطت خلاصة الشيء فلا أستقرغ وقتاً طويلاً حتى أنهيه".
"يستحيل أن أفعل ذلك".
"كل شخص له ميزة خاصة به. لا يمكنني بناء محطة قطار".
"ولا عمل مسودة حتى".
ابتسمت. "إلا إذا عشت مئات السنين".
"إذاً، أنت تعرفين أين أربعتهم الآن؟". سأل تسوكورو.
"إلى حد ما". قالت.
  "إلى حد ما"، أعاد تسوكورو. للتعبير رنين غريب. "ماذا تعنين؟".
ارتشفت من فنجان القهوة ثم أعادته إلى الصحن، توقفت قليلاً، تفحصت أظفارها المطلية، كانت تبدو جميلة، لونها كلون حقيبتها كستنائي (ربما أفتح قليلاً). كان يراهن بكل راتبه الشهري أن ذلك لم يحدث صدفة.
"دعني أخبرك بالأشياء بالترتيب". قالت سارة. "وإلا فلن تظهر بشيء صحيح".
أومأ تسوكورو. "بالتأكيد، بأي طريقة تفضلين".
بدأت سارة تشرح بسرعة كيف أجرت التحقيق. بدأت بطرق بحث عبر الانترنت وشبكات الاتصال الاجتماعي بما في ذلك الفيس بوك، غوغل، تويتر، كما قد تقصت المعلومات عن حياتهم الأربعة. لم يكن جمع معلومات عن أو وأكا صعباً. إنهم في الحقيقة قد شاركوا معلوماتهم بصورة صريحة على الانترنت، ومعظمها متعلقة بأعمالهم.  
"فيه نوع من الغرابة لو فكرت به". قالت سارة. "إننا نعيش في عمر لامبالٍ، نحن الآن محاطون بكمية معلومات هائلة عن الآخرين، إذا كنت تشعر بهذا فستجمع بسهولة تلك المعلومات عنهم".
"الملاحظات الفلسفية تتلاءم تماماً مع طريقة ارتداء ملابسك اليوم". قال تسوكورو.
"شكراً". قالت سارة وابتسمت.
عندما يأتي الأمر لكورو فلن تكون التحقيقات سهلة. فليس لديها أسباب عملية لتفصح عن معلوماتها الشخصية للعالم، ومع ذلك بقيت تبحث في المواقع الالكترونية عن قسم الفنون الصناعية في كلية أيشي لفنون المحافظات، وأخيراً أصبحت سارة قادرة على تقصي المواقع.
كلية أيشي لفنون المحافظات؟ لكن كان من المفترض أن تذهب كورو لقسم الأدب الانجليزي في كلية خاصة للإناث في ناغويا، ولكن لم يذكر تسوكورو ذلك، لقد أبقى السؤال لنفسه.
"لم أستطع معرفة الكثيرعنها"، قالت سارة. "لذلك فقد اتصلت بمنزل عائلتها، اختلقت قصة أني زميلة سابقة لها في الكلية، قلت إني أعدّل الرسالة الإخبارية للخريجين وأحتاج عنوان سكنها، كانت أمها لطيفة وأخبرتني بكل شيء".
"أنا واثق أنك جيدة جداً في استدراجها". قال تسوكورو.
"ربما أكون كذلك". قالت سارة بتواضع.
جاء النادل وكان على وشك أن يرفع فنجان قهوتها لكنها أشارت بيدها أن لا يفعل ذلك، وبعد أن غادر النادل تابعت كلامها.
"جمع المعلومات عن شيرو كان صعباً وبنفس الوقت سهلاً، حيث لم أجد أية معلومات شخصية عنها، لكن المقال الصحفيّ أخبرني بكل ما أحتاج معرفته".  
"المقال الصحفي؟". سأل تسوكورو.
عضت سارة شفتها. "هذا جزء حساس، لذلك -وكما أخبرتك من قبل- دعني أخبرك بهذا بالترتيب الصحيح".
"أعتذر". قال تسوكورو.
"أول شيء أريد معرفته هو إذا كنت تعرف أين هم أصدقاؤك الأربعة الآن، هل تريد أن تراهم مجدداً؟ حتى لو وجدت أن بعض ما سأخبرك به مزعج؟ حقائق قد تتمنى أنك لم تكتشفها؟".
أومأ تسوكورو. "لا أستطيع توقع ماذا يمكن أن تكون، لكني نعم أريد أن أرى أربعتهم، لقد قررت ذلك".  
حدقت سارة في وجهه لبعض الوقت قبل أن تتكلم.
"كورو-إري كورونو تسكن بفنلندا الآن، نادراً ما ترجع إلى اليابان".
"فنلندا؟".
"تعيش في هيلسنكي مع زوجها الفنلندي وبنتين اثنتين. فإذا كنت تود رؤيتها ستضطر للسفر إلى هناك".
رسم تسوكورو صورة قاسية لخارطة أوروبا في عقله. "إنني حقاً لم أسافرمن قبل، ولقد وفّرت بعض الوقت لأخذ استراحة، وسيكون من الجيد أن أتفحص السكك التي في شمال أوروبا".
ابتسمت سارة. "لقد دونت عنوان شقتها ورقم هاتفها في هيلسنكي. لماذا تزوجت رجلاً فنلندياً وكيف آل بها الأمر إلى العيش بهيلسكي، ستتقصى ذلك بنفسك، أو ربما ستسألها بنفسك".
"أشكرك. عنوانها ورقم هاتفها يفي بالغرض".
"إذا كنت تنحو إلى السفر إلى فنلندا، أستطيع أن أساعدك في ترتيبات السفر".
"لأنك محترفة".
"لا تشر إلى القدرة والمهارة".
"بالتأكيد".
أظهرت سارة الورقة المطبوعة الأخرى: "أو-يوشيو أومي موظف مبيعات في وكالة ليكزس في مدينة ناغويا، يعمل بطريقة ممتازة كما يبدو، لقد حاز على أفضل مكافآتهم الأخيرة القليلة المتعلقة بالمبيعات، ما يزال صغيراً ومع ذلك فإنه رئيس قسم المبيعات".
"ليكزس"، قال تسوكورو مدمدماً بالاسم بينه وبين  نفسه".
حاول تسوكورو أن يتخيل أو بزي العمل في صالة عرض مضاءة بطريقة زاهية، يوضح للزبون ملمس الجلد، ونوعية طلاء السيارة الراقية، لكنه لم يستطع تصور ذلك. الذي رآه بدلاً من ذلك كان أو في الركبي مرتدياً الجاكيت الصوفي متعرقاً، ويتجرع شاياً بارداً بنكهة الشعير مباشرة من الإبريق، ويضع طعاماً يكفي لاثنين.
"هل تفاجأت؟".
"هو شعور بالاستغراب قليلاً". قال تسوكورو. "لكن ما أفكر به الآن هو أنّ أو ربما يكون موظف مبيعات جيداً حقاً، إنه شاب مستقيم، ورغم أنه ليس المتحدث الأفضل لكن الناس تثق به. ليس من النوع الذي يلجأ إلى الحيل الرخيصة، وإذا عمل هناك لفترة فأتخيله سينجز الأمر بشيء جيد".
"أفهم أن ليكزس نوع ممتاز من السيارات وموثوق".
"إذا كان بائعاً عظيماً فعلاً ربما يقنعني أن أشتري ليكزس أيضاً إذا قابلته".
ضحكت سارة. "ممكن".
تذكر تسوكورو والده وكيف أنه لم يركب في أي سيارة إلا المرسيدس بنز ذات الحجم المتوسط، وكان كل ثلاث سنوات كساعة العمل يبدّلها بمرسيدس أحدث من نفس الطراز. أو بالأحرى حتى لو لم يفعل ذلك فإن التاجر سيعرض عليه كل ثلاث سنوات أن يبدل سيارته بأخرى حديثة ومجهزة بالكامل. سيارة دائماً لامعة وبراقة بلا خدش أو عيب. لم يقد والده السيارات بنفسه، دائماً ما يكون لديه سائقاً، النوافذ ملونة بالرمادي الغامق، فالداخل غير مرئي، أغطية العجلات لامعة كالعملات الفضية التي قد صُكت حديثاً، تصنع الأبواب طرقة جامدة مثل الخزنة عندما تغلق، ومن الداخل تشبه غرفة مقفلة، تغرق في المقعد الخلفي وتشعر بأنك بعيد عن إزعاج وفوضى العالم الخارجي. لم يحب تسوكورو أن يركب سيارة أبيه. إنها هادئة كثيراً، وهو يفضل المحطة المزدحمة والقطارات المليئة بالمسافرين.
"بدأ أو العمل لصالح وكالة تويوتا منذ أن تخرّج من الكلية، وبفضل النتائج المذهلة في المبيعات عام 2005 عندما تحركت الشركة لإطلاق وكالة ليكزس في اليابان تم اختياره للانتقال إلى ذلك القسم. وداعاً كورولا، مرحباً ليكزس". تفحصت سارة مرة أخرى طلاء أظافر يدها اليسرى. "إذاً ليس من الصعب أن ترى أو مجدداً، فقط قم بزيارة معرض ليكزس وسوف يكون هناك".
"فهمت". قال تسوكورو.
قلبت سارة الصفحة التي تليها.
"بالمقارنة مع أو، حياة أكا-كي أكاماتسو عاصفة جداً، فقد تخرج الأول على صفه من الاقتصاد من جامعة ناغويا وعمل في بنك مهم، واحد مما يسمى البنوك العملاقة، ولكن لسبب ما استقال بعد ثلاث سنوات وذلك للعمل في شركة تمويل معروفة إلى حد ما، شركة ممولة خارج ناغويا. إحدى شركات تمويل المستهلكين تلك التي لها سمعة غير طيبة كثيراً، تغيير في الاتجاه بالنسبة إليه غير متوقع أبداً، لكنه لم يبقَ هناك لوقت طويل، فقط سنتين ونصف قبل أن يستقيل. حصل في ذلك الوقت على تمويل من مكان ما وبدأ شركته الخاصة، واحدة مما تزود بمزيج من مؤتمرات التنمية الشخصية ومراكز تدريب للشركة، يسميه (مؤتمر العمل المبدع). أصبح العمل ناجحاً بطريقة مذهلة...كثيراً، حتى إنه لديه الآن طاقم كبير، ومكتب في مبنى شاهق وسط ناغويا. إذا كنت تريد أن تعرف المزيد عنه فمن السهل أن تجده عبر الانترنت، اسم الشركة هوBEYOND. تبدو أنها من العصر الجديد ألا تعتقد ذلك؟".
"مؤتمر العمل المبدع".  
"الاسم جديد لكنه لا يختلف عن مؤتمر التنمية الشخصية". قالت سارة. هي في الأساس دورة سريعة مرتجلة لغسيل الدماغ بهدف تعليم محاربي شركتك النموذجيين، يستخدمون كتيّب تدريب بدلاً من الكتب المقدسة، بالإضافة إلى ترقية وراتب مرتفع يكافئ ثقافتهم ونعيمهم، دين جديد لعصر براغماتي. ليس هناك عناصر فائقة كما هي في الدين، كل شيء رقمي وضمن النظرية، شفاف للغاية ويلتقط بسهولة، والقليل القليل ممن يحصلون على الدافع الإيجابي منه، لكن الحقيقة هي أن الأمر لا يتعدى صب منوّم في نظام الفكر الذي يتناسب مع أهدافهم، خليط من آرائهم وإحصاءاتهم تلك التي تنتظم مع أهدافهم النهائية. الشركة ذات سمعة ممتازة، ولقد وقعوا عقود على الكثير من المشاريع التجارية المحلية، تظهر المواقع أنهم شغّلوا مجموعة من البرامج الجديدة المكفولة لاسترعاء انتباه الناس، مجموعة تشبه مخيم التدريب، تتدرب لتشغل موقع الموظفين الجدد، ودورة إعادة تأهيل صيفية للموظفين ذوي المستوى المتوسط، والتي تقام في فندق ومنتجع راق، وهناك وجبة غداء غنية بالطاقة للمدراء في المراكز الأولى. الطريقة التي تجمع فيها الندوات تجعلهم على الأقل يظهرون بمظهر جذاب، يركزون على تعليم آداب العمل، وتصحيح مهارات التواصل للموظفين الصغار. شخصياً إنه آخر شيء أود أن أفعله، ولكني أستطيع أن أفهم كيف تجد الشركات ذلك جذاباً. هل يعطيك هذا الآن فكرة عامة عن نوع العمل الذي نتحدث عنه؟".
"أعتقد ذلك". قال تسوكورو. "ولكن لبدء عمل مثل هذا فأنت تحتاجين إلى كمية مقبولة من رأس المال. من أين يمكن أن يحصل أكا عليه؟ والده دكتور جامعي، وسهمٌ مستقيم. وكما عهدته فإنه ليس بذلك الثراء، ولا أستطيع تخيل أنه مستعد أن يستثمر في شيء ما بتلك الخطورة".
"لا أعرف. إنه أمر غامض". قالت سارة. " لقد قيل أنه عندما عرفته في المدرسة الثانوية كان أكاماتسو من ذلك النوع من الأشخاص الذي تتخيل أنه سيصبح معلماً روحياً؟".
هز تسوكورو رأسه. "لا، إنه أكثر ما يكون من النوع الأكاديمي الهادئ والموضوعي، كان سريعاً وعبقرياً، وله أسلوبه في الكلام، ومع هذا كان معظم الوقت يحاول ألا يظهر شيئاً من هذا القبيل، ربما لم يكن عليّ أن أقول ذلك، لكنه كان مطمئناً إلى الخلفية التي خطط لها بنفسه، لا أستطيع تخيله وهو واقف أمام الناس، ويحاول أن يلهمهم ويشجعهم".
"الناس يتغيرون". قالت سارة.
"صحيح، بشكل كافٍ". قال تسوكورو. "الناس يتغيرون نعم، ولا يهم كم كنا قريبين من بعضنا البعض في وقت ما، وكم كنا منفتحين، ربما لم يكن أحد منا يعرف أي شيء حقيقي عن الآخر".
حدّقت سارة بتسوكورو لبعض الوقت قبل أن تتكلم. "على أية حال، كلاهما يعملان في مدينة ناغويا. لم يخطوان في الأساس خطوة خارج المدينة منذ ولادتهما، مدارسهما كانت في ناغويا، عملهما في ناغويا. يذكرني هذا ب(العالم المفقود) لـ(كونان دويل). هل ناغويا مكان جميل حقاً؟".
لم يستطع تسوكورو أن يجيب، لكن انتابه شعور غريب، إذا كانت الظروف صعبة ربما سيقضي حياته بالكامل ضمن حدود ناغويا أيضاً، ولن يشكك في هذا.
صمتت سارة، طوت الأوراق وأعادتها إلى الظرف، وضعته على طرف الطاولة وارتشفت القليل من الماء. عندما تكلمت مرة أخرى، كانت نغمة صوتها رسمية أكثر.
"والآن عن آخر شخص، شيرو-يوزوكي شيراني، لسوء الحظ لا يوجد لها عنوان حالي".
"لا يوجد لها عنوان حالي". همس تسوكورو.
أسلوب غريب هذا الذي استخدمته، فكّر تسوكورو. إذا قالت أنها لم تعرف عنوانها الحالي ويمكن أن يحصل عليه هو. لكن قولها أنها لا تملك عنواناً حالياً بدا أمراً غريباً. نظر في العواقب. هل فُقدت شيرو؟ لم تكن بلا مأوى أليس كذلك؟
"للأسف، لم تعُد في هذا العالم". قالت سارة.
"لم تعُد في هذا العالم؟".
لمعت صورة لشيرو -لسبب ما- قبل أن يفتح عينيه وهي في مكوك فضائي، تتجول في الفضاء الخارجي.
"لقد ماتت قبل ست سنوات"، قالت سارة. "لهذا السبب ليس لها عنوان حاليّ، لديها ضريح في إحدى ضواحي ناغويا. من الصعب عليّ إخبارك بهذا".
لم يعرف تسوكورو ماذا يقول، استنزفت طاقته، كالماء الذي يرشح من ثقب صغير في الكيس، الهمهمة حوله قد اختفت، وصوت سارة هو الشيء الوحيد الذي بالكاد يصله. كان صدىً بعيداً وبلا معنى، كأنه يسمعه من قعر المسبح. أيقظ نفسه، جلس باستقامة، ورفع رأسه فوق الماء. لقد أصبح أخيراً قادراً على السماع مجدداً، وبدأت الكلمات تستعيد معناها. كانت سارة تتحدث إليه.
"...لم أسجل تفاصيل موتها، أعتقد أنه من الأفضل لك أن تكتشفها بنفسك، حتى لو أخذ ذلك وقتاً".
أومأ تسوكورو تلقائياً.
قبل ست سنوات؟ قبل ست سنوات كان عمرها ثلاثين. ثلاثين فقط. حاول تسوكورو تخيلها وهي في ذلك السن لكنه لم يستطع. الذي يتخيله هو شيرو في السادسة عشرة أو في السابعة عشرة. حزن فظيع قد جرفه. ما هذا بحق الجحيم؟ لم يستطع حتى أن يكبر معها!
انحنت سارة على الطاولة وبلطف وضعت يديها الصغيرتين والدافئتين على يديه، فرح تسوكورو بهذه اللمسة الحميمة، وشعر بشعور عظيم بدا الآن كأنه يحدث بنفس الوقت وبعيدٌ، لشخص آخر.  
"أعتذر كثيراً لأن الأمر انتهى بهذه الطريقة". قالت سارة. "ولكنك ستسمع ذلك يوماً ما".
"أعلم". قال تسوكورو. بالطبع يعرف ذلك، ولكن عقله سيأخذ وقتاً طويلاً ليجاري الواقع. لم يكن خطأ أحد.
"يجب عليّ أن أذهب". قالت سارة وهي تنظر إلى ساعة يدها. وضعت في يده الظرف. "لقد طبعت كل المعلومات بشأن أصدقائك الأربعة. الحد الأدنى فقط الذي قد كتب هنا، والأهم هو مقابلتهم شخصياً، ستتعرف على أشياء أكثر بهذه الطريقة".
"أقدر لك ذلك حقاً". قال تسوكورو. لقد استغرق وقتاً وهو يجمع الكلمات المناسبة، ويلفظها. "يتوجب عليّ أن أخبرك بالقريب العاجل كيف سارت الأمور".
"أنتظر أن أسمع منك. وعلى أية حال أي شيء أستطيع مساعدتك فيه، ثق أن تخبرني به".
شكرها تسوكورو مرة أخرى.

غادرا المقهى وتودعا، وقف تسوكورو في الشارع يراقب سارة، بكنزتها الصيفية التي بلون القهوة بالحليب، لوّح لها واختفت في الزحام.  تمنى أن يكون معها لوقت أطول، ويقضي مزيداً من الوقت بصحبتها، ويدور بينهما حديث جيد وعذب. لكنّ لها حياتها الخاصة، معظمها يحدث في الكواليس، في مكان إلى الآن لا يعرفه، وتفعل أشياء لا علاقة له بها.
طُوي الظرف الذي من سارة داخل جيب سترته، كان يحتوي على وثيقة مثنية بعناية، مسجّل فيها موجز مختصر عن حياة أصدقائه الأربعة. أحدهم لم يعد موجوداً هنا، لم تكن أكثر من حفنة من رماد أبيض. أفكارها، آراؤها، مشاعرها، آمالها وأحلامها، كل ذلك قد اختفى بلا أثر. وبقي كل ذلك ذكريات. شعرها الأسود الطويل، أصابعها الدقيقة على المفاتيح، جلدها الأبيض الناعم الجميل (الذي قد أفصح الآن بطريقة غريبة)، عزفها لفرانز ليست "Le mal du pays ، الشعر في الأسفل الرطب، حلماتها القاسية. لا.لم يكن ذلك مجرد ذكريات. كان هذا: قرّر تسوكورو أن لا يذهب إلى هناك.    
إلى أين الآن؟ تساءل تسوكورو وهو يسند ظهره إلى عمود الإنارة. أظهرت ساعة يده أنها قريبة من السابعة. تبقى بعض الضوء في السماء، ولكنّ بريق نوافذ المتجرعلى طول الشارع كان يزداد أكثر مع مرور الدقيقة، ويلفت انتباه أولئك الهائمين على وجوههم. لا يزال الوقت مبكراً، ولا يوجد شيء محدد عليه أن يفعله، لم يكن يريد أن يعود إلى البيت الآن. لا يريد أن يكون وحيداً في مكان هادئ. باستطاعة تسوكورو أن يذهب إلى أي مكان يرغب. أي مكان في الأغلب. لكنه لا يستطيع التفكير بأي مكان.
سيكون جميلاً في وقت مثل هذا لو أستطيع أن أشرب أكثر، فكّر. معظم الرجال في هذا الوقت سيجدون باراً ويسكرون، لكنّ جسده لا يستطيع تحمل أكثر من كمية محدودة من الكحول. لا تعطيه الخمرة المعطرة شعوراً بالتخدير، أو بالنسيان الممتع، ولكن صداع حاد في صباح اليوم التالي.
إذاً إلى أين يجب أن أذهب؟
هناك خيار واحد فقط.
سار على طول الشارع الرئيسي إلى محطة طوكيو، سار عبر مدخل ياسو، وجلس على مقعد رصيف خط يامانوتي. قضى ما يتجاوز الساعة يراقب، كل دقيقة كانت تتوقف خطوط من عربات القطار الخضراء على الرصيف، ينزل حشد من الناس، وبسرعة تزداد حشود لا معدودة. كان عقله فارغاً وهو يراقب، مأخوذاً بالمشهد. لم يسكّن المشهد الألم في قلبه، ولكن التكرار اللانهائي أسره كالعادة، على الأقل خدّر إحساسه بالوقت.
الحشد المتواصل من الناس قدم من مكان ما وشكّل خطوطاً تلقائياً ، ركب في القطارات بنظام، وأُخذ إلى مكان ما. كان تسوكورو مأخوذاً بعدد الناس الموجودين في العالم، وبالعدد الهائل من عربات القطار الخضراء كذلك. إنها معجزة بالتأكيد، فكّر، كيف يُنقَل كثير من الناس بكثير من عربات القطار باتساق، كأنها لا شيء. كيف لهؤلاء الناس جميعاً أماكن يذهبون إليها، ويرجعون إليها.

عندما زال الاندفاع في ساعة الازدحام أخيراً، ترجّل تسوكورو تازاكي ببطء، ركب إحدى العربات ورجع إلى البيت. ما زال الألم هناك، لكنه أدرك أن هناك شيئاً ما عليه القيام به.