في تلك الليلة التي أخبره فيها
هايدا قصة والده في شبابه، عن التقائه بعازف البيانو المسمى ميدوريكاوا في منتجع
الينابيع الساخنة المتعمقة في جبال كيوشو، حصلت أشياء كثيرة.
بقي تسوكورو مستيقظاً ثابتاً
في الظلام، استيقظ على صوت نقر، كصوت حصى يضرب النافذة، ربما قد تخيل ذلك فحسب
لكنه لم يكن متأكداً من ذلك. أراد أن يتأكد من ساعة المنبه الموضوعة على المنضدة
بجانب سريره، لكنه لم يستطع تحريك عنقه، جسده الداخلي لا يتحرك، لم يكن مخدَّراً،
لكنه عندما يحاول أن يحرّكه لا يستطيع، الرابط بين عقله وعضلاته قد انقطع.
لقد التفّت الغرفةُ بالظلام. يضطرب
نوم تسوكورو عندما يكون هناك أي ضوء في الغرفة، ودائماً يغلق الستائر بإحكام عندما
يذهب إلى السرير، لذلك لم يكن يتسرب أي ضوء من الخارج. ومع ذلك فما زال يشعر بوجود
شخص آخر في الغرفة، مختفياً في الظلام، ينظر إليه، كحيوانٍ مموّه، يلتقط أنفاس أي
كان، يخفي رائحته، يغير لونه، ثم يرتدّ إلى الظلال، ومع ذلك كان تسوكورو لسببٍ ما
يعرف من هو. هايدا.
السيد رمادي.
الرمادي هو خليط من الأبيض
والأسود، غيّرْ ظله وسيختلط بسهولة مع تدرجات العتمة العديدة.
كان هايدا واقفاً في إحدى
زاوايا الغرفة المعتمة، يحدّق إلى الأسفل بتسوكورو الذي كان متمدداً على السرير
ووجهه لأعلى. وكالمهرج في المسرحية الصامتة كان يتظاهر بأنه تمثال، لم يحرّك هايدا
عضلة واحدة لوقت طويل، الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يكون قد تحرك هو رموشه
الطويلة. هناك تناقض غريب؛ فقد اختار هايدا أن يبقى ساكناً تماماً، أما تسوكورو
فقد اختار أن يتحرك، إلا أنه لم يستطع. يجب أن أقول شيئاً، أنّ تسوكورو قد فكّر:
عليّ أن أتكلم لأحطّم هذا التوازن الوهميّ، لكنّ صوته لم يُسمع، لم تتحرك شفتاه،
تجمّد لسانه، الشيء الوحيد الذي أفلت من حلقه هو الجفاف... تنفسٌ بلا صوت.
ماذا كان يفعل هايدا هناك؟
لماذا كان يقف هناك ويحدق بي باهتمام بالغ؟
هذا ليس حلماً، قرر تسوكورو.
كل شيء جليّ على أن يكون حلماً، لكنه لم يستطع القول ما إذا كان الشخص الذي كان
يقف هناك هو هايدا الحقيقي. فهايدا الحقيقي، لحمه ودمه الحقيقيان، كان نائماً على
الكنبة في الغرفة المجاورة. لا بد أن يكون هايدا الذي كان واقفاً هناك نوعاً من
الإسقاطات التي انزلقت خاليةً من هايدا الحقيقي، هكذا كان يبدو الأمر.
لم يشعر تسوكورو أن ذلك
الكائن يهدده أو أنه يكمن له الشر. لم يكن هايدا ليؤذه على الإطلاق بهذه الطريقة،
شعر تسوكورو بأنه على يقين من ذلك، لقد
عرف ذلك بغريزته، من اللحظة الأولى التي التقيا فيها.
كان أكا، صديقُه من الثانوية،
ذكياً أيضاً، حتى إنه كان بذكاء نفعيّ. فبالمقارنة مع أكا، كان ذكاء هايدا مكرراً
ونظرياً أكثر، حتى إنه أكثر ذاتيّة. عندما يكونان معاً عادة لا يلتقط تسوكورو ما
يفكر به هايدا بالضبط، إذ إن شيئاً ما في عقل هايدا يندفع، ويتجاوز تسوكورو، لكن
ما كان شكل ذلك الشيء، لا يعرف. عندما يحدث ذلك يشعر بحيرة تبقيه وحيداً،
ولكنه لم يحس بقلق وغضب تجاه صديقه الصغير. عقل هايدا سريع جداً، فلكُ نشاطه
العقلي واسع جداً، بدرجة مختلفة تماماً، فبعد أن علم تسوكورو بهذا توقف عن محاولة مجاراة
هايدا.
لا بد أن تكون في عقله دائرة
كهربائية ذات سرعة عالية أُسّست لتتناسب مع سرعة أفكاره، تطلب منه أن يجمع سرعته
من حين لآخر، أن يطلق العنان لعقله لفترات محددة من الوقت، إذا لم يفعل ذلك، إذا
بقي في سرعة منخفضة ليجاري سرعة تسوكورو المنخفضة فسترتفع درجة حرارة الأساسات
العقلية لتسوكورو وتبدأ تتعطل، أو على الأقل هذا الانطباع الذي أخذه تسوكورو. وبعد
مدة قليلة سيغادر هايدا تلك الدائرة الكهربائية كأن شيئاً لم يحدث، يبتسم بهدوء،
ويعود إلى المكان الذي يتمدد فيه تسوكورو منتظراً. سيخفف من سرعته ويجاري عقل
تسوكورو.
إلى متى ستستمر نظرة هايدا الكثيفة؟
لم يستطع أن يحدد ذلك بعد. بقي هايدا في منتصف الليل ثابتاً هناك لا يتحرك، يحدق به
بصمت. بدا أن لدى هايدا شيئاً ما يريد قوله، رسالة يجب أن يبلغها، لكنه لسبب ما لم
يستطع أن يترجمها إلى كلمات، وهذا ما جعل صديق تسوكورو الصغير يغضب على غير العادة.
عندما تمدد تسوكورو على
السرير تذكر القصة التي رواها هايدا عن ميدوريكاوا. قبل أن يعزف ميدوريكاوا في
غرفة الموسيقى في المدرسة الثانوية وضع كيساً صغيراً على البيانو، كان على وشك
الموت أو هكذا قال. ماذا كان بداخل الكيس؟ لقد انتهت قصة هايدا قبل أن يُظهر
المحتويات! كان تسوكورو فضولياً جداً بشأن ما كان بداخله، وكان يريد من أي أحد أن يخبره
بدلالته، لماذا كان ميدوريكاوا حريصاً
جداً على أن يضع الكيس على البيانو؟ هذا هو المفتاح المفقود من القصة.
لكنه لم يحصل على إجابة، وبعد
صمت طويل غادر هايدا أو شخصية هايدا البديلة بصمت. وفي نهاية زيارته شعر تسوكورو أنه
التقط صوت تنفس هايدا الخفيف، لكنه لم يكن متأكداً. كبخور ابتلعه الهواء اختفت
كينونة هايدا وتلاشت، وقبل أن يدرك تسوكورو ذلك كان وحيداً مرة أخرى في الغرفة
المعتمة، وإلى الآن لم يستطع تحريك جسده، ظل الكابل بين إرادته وعضلاته مقطوعاً، البرغي
الذي وصلهما معاً قد سقط.
ما هو معدل أن يكون ذلك
حقيقياً؟ تساءل. لم يكن حلماً أو وهماً. يجب أن يكون حقيقياً لكن ينقصه الوزن الذي
تتوقعه من الحقيقة.
السيد رمادي.
لا بد أن تسوكورو قد غفا مرة
أخرى، لكنه استيقظ مرة أخرى في حلم. ربما بالمعنى الدقيق لم يكن حلماً. كان حقيقة،
لكنها تشربت بكل خصائص الحلم. فلك مختلف من الحقيقة، حيث تحرر الخيال بوقت ومكان
مميزين.
كانت الفتاتان في السرير
عاريتين كما وُلدتا، تحضنانه من جانبيه، شيرو وكورو. كان عمرهما ست عشرة سنة أو
سبع عشرة سنة، ثابتتين في ذلك السن، صدورهما وأفخاذهما ملتصقات به، جسداهما ناعمان
ودافئان، يستطيع تسوكورو أن يحس ذلك بوضوح، مررتا أصابعهما ولسانهما على جسده بصمت
وشراهة. كان عارياً أيضاً.
لم يكن شيئاً مما يأمل
تسوكورو أن يحصل، ليس السيناريو الذي أراد تخيله، لم يكن يجب أن يحدث ذلك. لكن ذلك
الخيال الذي كان ضد إرادته نما بشكل أكثر وضوحاً، الأحاسيس تصويرية أكثر، وأكثر
واقعية.
كانت أصابع الفتاتين لطيفة، مرهفة،
حساسة، أربعة أيدٍ، عشرون إصبعاً. كمخلوقات ناعمة عمياء مولودة في الظلام، تجولت
في كل إنش من جسد تسوكورو، أثارته تماماً. أحس بضجيج قلبه بشدة، بطريقة لم تحصل
معه من قبل، كأنه قد عاش منذ زمن بعيد في منزل، فقط ليكتشف غرفة سرية لا يعرفها.
كالطبل ارتجف قلبه، أصدر ضربات مسموعة. وما تزال ذراعاه وساقاه مخدرة ولا يستطيع
تحريك إصبع واحد.
تشابكت الفتاتان بخفة مع تسوكورو،
صدر كورو ممتلئ وناعم، صدر شيرو صغير وحلماتها قاسية كالحصى الصغيرة المدورة، الشعر
في الأسفل مبلل كالغابة المطرية، اختلطت أنفساهما مع أنفاس تسوكورو لتصبح واحدة، كتيارات
آتية من البعيد تتداخل بسريّة في قاع البحر المظلم.
استمرت العناقات الملحّة حتى
أصبح تسوكورو بداخل رحم إحدى الفتاتين. كانت شيرو. لقد باعدت بين ساقيه، أمسكت
بقضيبه المتصلب والمنتصب وبذكاء قادته إلى داخلها، لقد وجد طريقه دون مقاومة كأنه قد
ابتلعته مكنسة كهربائية مفرغة من الهواء. أخذت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم بدأت ببطء
تدير جذعها كأنها ترسم رسماً بيانياً معقداً في الهواء، وكل الوقت تلوي وركيها، تمايل
شعرها الطويل الأسود المستقيم فوقه بحدة كالسوط. الحركات جريئة، خارجة كثيراً عن
شخصية شيرو الاعتيادية.
تعاملت كلاهما طوال الوقت مع ذلك
كأنه تغير طبيعي في الأحداث، لا شيء يستدعيهما لإعادة التفكير به، لم تترددا. عانقته
الاثنتان معاً، لكن شيرو من قد نفذ إليها. لماذا شيرو؟ تساءل تسوكورو في
أوج تشوشه العميق. لماذا كانت شيرو؟ كان من المفترض أن تتساوا تماماً. كان من المفترض
أن تكونا كائناً واحداً.
لم يستطع أن يفكر أبعد من
ذلك، تطورت حركات شيرو بسرعة وبوضوح أكبر، وقبل أن يدرك ذلك كان يأتي داخلها. كان
الوقت بين التخلل والنشوة قصيراً، قصيراً جداً، واستغرق تسوكورو في التفكير وقتاً
قصيراً جداً، لكنه ربما فقد الإحساس بالوقت، على أية حال، لقد اجتاحته تلك الشهوة دون
سابق إنذار.
أما الآن فلم يأتِ داخل شيرو،
بل داخل هايدا. لقد اختفت الفتاتان فجأة وأخذ هايدا مكانهما، وبمجرد أن جاء انحنى
هايدا ووضع عضو تسوكورو بفمه واحترس أن لا تتسخ ملابسه فوضع كل السائل المنوي
المتدفق في فمه، قبِل هايدا ذلك كلَّه بصبر، وعندما انتهى تسوكورو، لعق هايدا
عضوه، بدا أنه معتاد على ذلك، على الأقل بدا الأمر كذلك، نهض هايدا من السرير
بهدوء وذهب إلى الحمام، سمع تسوكورو ماء يتدفق من الحنفية. ربما هايدا ينظف فمه.
بقي عضوه منتصباً حتى بعد أن
أتى، ما زال يحس بدفء وبرقة رحم شيرو كأنه التوهج الذي يظهر بعد الجنس الفعليّ، وإلى
الآن لم يستطع أن يدرك الحد بين الحلم والخيال، بين ما هو خياليّ وما هو حقيقيّ.
بحث تسوكورو في العتمة عن
كلمات، ليس هناك كلمات موجهة إلى شخص محدد، لقد شعر بأنه يجب أن يقول شيئاً ما،
يجب أن يجد ولو كلمة واحدة تملأ ذلك الصمت، تلك الفجوة الغامضة قبل أن يرجع هايدا
من الحمام، لكنه لم يجد شيئاً، كان كل الوقت يدور في رأسه لحن بسيط، أدرك فيما بعد
أنها قطعة (ليست) الموسيقية (Le mal du)، (Years
of Pilgrimage)،
(Switzerland:1Year)، (الحزن
الذي لا حدود له، النهر الذي أتى من مناظر الأرياف الطبيعية إلى قلب أحد ما).
ثم ذهب بعد ذلك في نوم عميق
جداً.
كانت قبل الثامنة صباحاً
عندما استيقظ.
وحالاً تفحص ملابسه الداخلية
إذا كان عليها أثر من السائل المنوي. كلما جاءته أحلام جنسية مثل ذلك الحلم يكون
هناك دليل، لكن هذه المرة ليس هناك شيء، ارتبك تسوكورو. لقد قذف بكل تأكيد، في
حلمه أو على الأقل في المكان الذي لم يكن حقيقياً. كثيراً. ما يزال التوهّج يصاحبه،
لا بد أنه قد اندفقت كمية غزيرة من السائل المنوي الحقيقي، لكن لا أثر
لذلك.
ولكنه تذكر كيف أخذ هايدا كل ذلك
بفمه.
أغلق عينيه وقطّب وجهه. هل
حدث ذلك فعلاً؟ لا، هذا مستحيل. لقد حدث ذلك في عقلي الباطني، لا يهم كيف تنظر
إليه. إذاً إلى أين اندفع ذلك السائل المنويّ؟ هل اختفى ذلك كله في خبايا عقلي أيضاً
؟
نهض تسوكورو من السرير
مشوشاً، ما يزال يرتدي ملابس النوم، اتجه بخفة إلى المطبخ. كان هايدا مرتدياً
ملابسه، جالساً على الكنبة يقرأ، منسجماً بكتابه الضخم، كان في عالم آخر، ولكن
حالما ظهر تسوكورو ألقى الكتاب جانباً، ابتسم ببهجة، وذهب إلى المطبخ ليعدّ
القهوة، والأومليت مع التوست، انبعثت رائحة القهوة الطازجة وانتشرت في أرجاء الشقة،
الرائحة التي ميّزت الليل عن النهار، جلسا قبالة بعضهما البعض على الطاولة
يتناولان الفطور ويسمعان الموسيقى ذات الصوت الخافت. تناول هايدا كالعادة خبزاً
أسمر مع طبقة رقيقة من العسل.
شرح هايدا بلهفة عن البن
الجديد الذي اكتشفه وبجودة تحميصه، ولكن بعد ذلك ذهب في تفكير عميق وبقي صامتاً. ربما
يفكر في الكتاب الذي كان يقرؤه، كانت عيناه مثبتتين في ناحية من الخيال، واضحتين
صافيتين، أما تسوكورو فلم يستطع أن يقرأ ما وراءهما. ذلك النوع من النظرات التي
يستخدمها عندما يفكر بقضية مجردة، عينان تذكران تسوكورو دائماً بالشلالات التي
لمحها من الفراغ بين الأشجار.
لا شيء يبدو خارج المعقول،
كان صباح أحد اعتيادي، تغطي السماء طبقة رقيقة من الغيم ، وأشعة الشمس ناعمة.
عندما بدأ يتكلمان، كان ينظر هايدا إلى عينيه مباشرة، ولم يستطع تسوكورو قراءة أي
شيء من تلك النظرة. ربما لم يحصل شيئاً في الواقع. لا بد أنه وهمٌ قد رسمه
لا وعيه، استنتج تسوكورو. أحرجته الفكرة وأقلقته. لقد أتت عدد من الأحلام الجنسية التي
احتوت على شيرو وكورو معاً. لم يكن هذا شيئاً جديداً، أتت الأحلام بانتظام تماماً،
بشكل لا إرادي كالعادة، ينتشي بعدها دائماً. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أتته
أحلام جنسية حية وحقيقية بشكل مذهل. ولكن ما أربكه فعلاً هو وجود هايدا.
قرر تسوكورو أن لا يقتنع بذلك
كثيراً، له الحرية في أن يفكر بذلك متى يريد وأن لا يحصل على إجابة، وضع ذلك الشك
داخل الدرج في عقله الذي يحمل عنوان (قيد الانتظار) وأجّل أي وجهات نظر أخرى. كان
لديه العديد من الأدراج داخله، بشكوك لا معدودة وأسئلة مطويّة.
ذهبا بعد أن تناولا الإفطار إلى
مسبح الكلية وسبحا لنصف ساعة، كان صباح الأحد، وكان المسبح تقريباً لهما، وكانا
يستطيعان الاستمتاع بالذهاب إلى المكان الخاص بهما، ركّز تسوكورو على تحريك العضلات
المطلوبة بطريقة دقيقة ومحكمة؛ عضلات الظهر، عضلات الورك والمعدة. التنفس والركل
طبيعة أخرى. وعندما يتفق مع الإيقاع يحدث ما تبقى وحده. وكالعادة ترأس هايدا السباحة
وتبعه تسوكورو، كان يراقبه وهو يسبح، كانت تبهره تلك الرغوة البيضاء الرقيقة التي
تظهر بشكل متوازي مع حركات هايدا اللطيفة، ويجعله ذلك المشهد دائماً منوماً
مغناطيسياً بعض الشيء.
عندما استحما وبدلا ثيابهما
في غرفة الملابس لم تعد عينا هايدا بذلك الوضوح وذلك الضوء، لكنهما استعادتا النظرة
الطبيعية اللطيفة، قلل التمرين من تشوشه ذاك، غادرا القاعة الرياضية وسارا باتجاه
المكتبة، لم يتحدثا كثيراً، ولم يكن ذلك شيئاً غير طبيعي. "أريد أن أبحث عن
شيء ما في المكتبة". قال هايدا. وهذا لم يكن غير طبيعي أيضاً، فهايدا يحب أن
يبحث عن الأشياء في المكتبة. ما أعنيه عموماً هو أنني أريد أن أبقى وحدي
لبعض الوقت. "سأرجع وأغسل الثياب". قال تسوكورو.
سارا إلى مدخل المكتبة، لوّحا
بأيديهما بسرعة وذهبا في طريقيهما المختلفين.
لم يسمع شيئاً من هايدا لمدة
طويلة، تغيب هايدا عن المسبح والصف. عاد تسوكورو إلى العزلة، يأكل وحده، يسبح
وحده، يدون الملاحظات في الصف، يتذكر مفردات وجمل غريبة. مضى الوقت بحيادية، وبالكاد
يترك أثراً، يضع من حين لآخر موسيقى “Le mal du pays” في مشغل الأقراص ويستمع
إليها.
بعد أسبوع كامل دون أية كلمة
من هايدا، صدمت تسوكورو فكرة أن صديقه ربما قرر أن لا يراه مرة أخرى. دون أية
كلمة، دون إعطائه تبريراً، ربما رحل إلى مكان ما، كما فعل أصدقاؤه الأربعة في وطنه.
بدأ تسوكورو يفكر أن صديقه
الصغير قد تركه بسب الحلم الجنسيّ التصويري الذي خاضه. ربما هناك شيء قد منح هايدا
إمكانية رصد كل ما يجول في وعي تسوكورو، وجعله يشمئز، أو ربما أغضبه.
لا لا يعقل ذلك، لا يمكن أن
ينزلق ذلك خارج وعيه، مستحيل أن يكون هايدا قد عرف ذلك. لا زال تسوكورو لا يستطيع
أن يتخلص من الإحساس الذي تركته عينا هايدا الواضحتان في الأجزاء الملتوية التي
دُفنت في عقل تسوكورو، وجعلته الفكرة هذه يشعر بالخزي.
أياً يكن، بعد أن اختفى
صديقه، أدرك كم كان هايدا مهماً بالنسبة إليه، كيف حوّل حياته الروتينية إلى شيء
أكثر بهاء ولوناً، افتقد حواراتهما، وضحكة هايدا الخفيفة المميزة، الموسيقى التي
كان يحبها، الكتب التي يقرأ منها أحياناً بصوت مرتفع، مآخذه من الأحداث الآنية،
حسه الفكاهي المميز، اقتباساته السريعة، الطعام الذي كان يعده، القهوة التي
يجهزها. ترك هايدا وراءه مساحات فارغة في حياته.
قدّم هايدا لحياة تسوكورو
الكثير، لكنه يتساءل ماذا قدّم هو لهايدا؟ ما الذكريات التي تركها تسوكورو
له؟
ربما قُدّر لي أن أبقى وحيداً
دائماً، وجد تسوكورو نفسه يفكر بهذا. الناس يأتون إليه، لكنهم دائماً يتركونه في
النهاية ، يأتون باحثين عن شيء ما لكنهم لا يجدونه، أو يحزنون لهذا الشيء الذي
وجدوه (أو يخيب أملهم أو يغضبون)، ثم يغادرون. يختفون في يوم ما دون سابق إنذار ،
دون تبرير، بلا كلمة وداع واحدة، كفأس صامت يقطع الأربطة بينهم، الأربطة التي ما
زال يتدفق الدم الدافئ من خلالها إلى البعيد وينبض بهدوء.
لا بد أن يكون لديه شيء ما،
شيء متأصل فيه يخيف الناس. "تسوكورو تازاكي عديم اللون"، قال بصوت
مرتفع. أنا بالأساس ليس لدي ما أقدّمه للآخرين، إذا فكرت في هذا، حتى إنني ليس لدي
ما أقدمه لنفسي.
في الصباح بعد أن تودعا من
أمام المكتبة بثلاثة أيام ظهر هايدا في مسبح الكلية، قبل أن يتشقلب تسوكورو مرة
أخرى ويركل بقدمه الحافة الأخيرة من المسبح نقر أحدهم ظهر يده اليمنى عندما لمست
جدار المسبح، نظر، كان هايدا هناك، مقرفصاً، ببنطال السباحة ونظارات السباحة السوداء
التي علت جبهته، ابتسامته المبهجة الاعتيادية ارتسمت على وجهه. ومع أنهما لم يريا
بعضهما منذ فترة طويلة إلا أنهما بقيا صامتين، بالكاد يومئان، وكالعادة بدآ يسبحان
في نفس المسار، الحوار الذي جرى بينهما وهما في الماء كان عن حركات العضلات
الطيّعة، وعن ركلاتهم اللطيفة والمتناسقة فحسب. لم يكن هناك داعٍ للكلمات.
"عدتُ إلى أكيتا لبعض
الوقت". فسّر هايدا ما حصل أخيراً. انتهيا من السباحة، استحمّا، وجفّف شعره،
"حصلت بعض الأمور العائلية".
أومأ تسوكورو وردّ ردّاً غير
ملزم، لم يكن هايدا يتغيب لعشر أيام في منتصف الفصل ، كان كتسوكورو يحاول أن لا
يغيب إلا إذا كانت هناك حاجة ضرورية، لذلك لا بد أن يكون هناك شيء هام جداً، لكن
لم يقل هايدا شيئاً غير السبب الذي دعاه ليرجع إلى موطنه، ولم يضغط تسوكورو عليه أكثر
من ذلك. عودة صديق تسوكوورالصغير التي حصلت بالصدفة جعلته يشعر وكأنه بطريقة أو
بأخرى قادر على أن يخرج كمية كبيرة من الهواء العالقة في صدره، كأنّ الضغط الثقيل
في صدره قد انزاح. لم يصبح منبوذاً بعد هذا كله.
عاد هايدا إلى الطريقة التي
كان يتعامل بها مع تسوكورو، تكلّما، وتناولا الطعام معاً، جلسا على الكنبة يستمعان
إلى الموسيقى الكلاسيكية التي جلبها هايدا من المكتبة، يتناقشان حول الموسيقى
والكتب التي قرآها، وإذا لم يفعلان ذلك فإنهما ببساطة يجلسان معاً يتقاسمان الصمت
اللطيف. أتى هايدا في العطلة إلى شقته ، كانا يتحدثان حتى وقت متأخر، وكان سيبقى
هايدا على الكنبة. لم يزر هايدا (أو شخصيته البديلة) غرفة نوم تسوكورو، ولم يحدق
به في العتمة على اعتبار أن ذلك قد حصل فعلاً للمرة الأولى. حلم تسوكورو بأحلام
جنسية كثيرة تحوي شيرو وكورو، لكن لم يظهر
هايدا فيها.
لكن ما يزال تسوكورو يحس أن
عينيّ هايدا الواضحتين قد رأتا في تلك الليلة ما يوجد داخل لا وعيه. ما تزال نظرات
هايدا معلّقة كاحتراق خفيف. كان هايدا في ذات الوقت يراقب خيالات تسوكورو ورغباته
السرية، يختبرها ويحللها واحدة تلو الأخرى، وفي النهاية أبقى على صداقة تسوكورو،
كان بحاجة إلى أن يبقى بعيداً عن تسوكورو لبعض الوقت ليتقبل ما قد رآه، ليرتب
مشاعره ولينظم نفسه. وهذا ما يفسر لماذا تجنّب تسوكورو متعمداً لعشر أيام.
كان ذلك مجرد تخمين بالطبع، تكهن
غير مبرر، وغير عقلاني، يمكن أن تسميه وهماً. لكنه لم يتخلص من تلك الفكرة، بل
إنها أقلقته، فكرة أنّ كل طيّة في أعماق دماغه قد تعرّت وتركته يشعر بأنه أصغر من
دودة بائسة تحت صخرة رطبة.
ما يزال تسوكورو
تازاكي يشعر بأنه بحاجة إلى صديقه الصغير أكثر من أي شيء آخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق